سردية التاريخ بين الملحمية والتراجيدية

الفعل الملحمي لا يعد ملحمياً من دون فجائعية تتمحور حول شخصية

صورة توضيحية تستلهم ملحمة جلجامش
صورة توضيحية تستلهم ملحمة جلجامش
TT

سردية التاريخ بين الملحمية والتراجيدية

صورة توضيحية تستلهم ملحمة جلجامش
صورة توضيحية تستلهم ملحمة جلجامش

ليس متاحاً للفعل التاريخي أنْ يحفلَ بالبعد الدراماتيكيّ، ما لم يكنْ متسماً بالملحمية التي تجعله مستمراً، لا انتهاء فيه. ليس على مستوى التمثيل الإبداعي الذي به تصبح الواقعة التاريخية صالحة لمختلف أنواع التمثيل الأجناسي من شعر وقصة ومسرحية؛ وإنما على مستوى السيرورة الزمانية.
ولا تعني الملحمية أسطرة الواقع ليصبح فنتازياً أو غرائبياً فحسب؛ بل هي تعني تدعيم البعد الواقعي بالبعد السردي، الذي به تتحول الأمثولة إلى أحدوثة ذات مبنى تحبيكي ومحتوى بطولي - تراجيدي. وأهم تجليات توظيف الملحمة في السرد هي الغرائبية التي بها يتحول الضعف إلى قوة، والانهزام إلى انتصار، والسقوط إلى استعلاء، والفاجعة إلى سعادة.
وما يمنح السرد الملحمية هو انزواء المؤلف واحتجابه عن نصه، تاركاً النص وحده أمام المتلقي كسارد ومسرودات. وهذا ما يولِّد نوعاً من التوحد الإبداعي، الذي بموجبه يصبح البطل هو الربّان الذي يوجه السفينة التي هي الكتابة، داخلاً بحراً متلاطمَ الأمواج. وفي ظل هذا التوحد الإبداعي، لا يكون أمام المتلقي بدٌّ سوى أن يشاطر الشخصيات معاناتها ويتزيّا بزيّها. وبهذا تذوب ماضوية التاريخ فكأنها لا زمانية أو كأنها اللا تاريخ.
ومن دون الملحمية والتراجيدية يغدو التاريخ مخترَقاً من قبل الآيديولوجيا التي تتسلل إلى سطوره من هنا أو هناك، وهذا ما يجعل النص التاريخي نصاً متهماً في بنائه، قابلاً للتأييد كما هو قابل للتفنيد، وذلك حسب المؤرخين وتوجهاتهم في الكتابة التاريخية التي قد تُوصف بأنها متعصبة حدّية أو مريبة تحاملاً أو مناصرةً. بيد أنَّ ملحمية تسريد الكتابة التاريخية تجعل للمعنى الواحد معنى المعنى، فيغدو النص متعدداً في تأويلاته ومختلفاً في مروياته، غير مسيّس للتاريخ بآيديولوجية، ولا معبراً عن وجهة نظر المؤرخ. لأن هذا المؤرخ هو في الأساس غائب عن الكتابة التاريخية، بسبب اللا توافق في الرواية الواحدة، الذي يجعله يكتفي بالنقل والإخبار، تاركاً العهدة بيد سارد عليم، مستعيضاً به عن نفسه في السرد والتمثيل، ومن ثم لا يغدو هناك منظور آيديولوجي يُنسب إليه ولا مهمة فكرية يتوقف أداؤها عليه.
إن إضفاء الملحمية على السّرد التاريخي هي التي تجعله ذا أوجه متعددة من التنوع القرائي وألوان شتى من التفسير والتأويل، مع ضرورة التذكير هنا بأنْ ليس كل الوقائع التاريخية قابلة لأن تكون سروداً ملحمية، فالقليل منها فقط يصلح لهذا التمثيل. وما يجعل التسريد التاريخي موصوفاً بأنه ملحمي ليس المؤرخ؛ وإنما الواقعة التاريخية نفسها التي ينبغي أن تنطوي على شخصية بطلة تتصف بجملة سمات خلقية تؤهلها للملحمية ومنها الفجائعية، فالفعل الملحمي لا يعد ملحمياً من دون فجائعية تتمحور حول شخصية هي ليست ضعيفة ولا مستكينة. لكن استهدافها يكون استهدافاً مبيتاً بالغيلة والخديعة وهكذا لا يتحقق الظفر عليها إلا بالتخطيط المدبّر كدسيسة ماكرة. وهذا ما يجعل سقوط الشخصية سقوطاً دامياً تقاسي بسببه مرارة الشر وقسوته وهول أفعاله ودموية أغراضه. ثم السمة المبدئية، فالشخصية لا تكون ملحمية ما لم تحمل مبادئها على راحة كفها لتكون لغيرها مناراً ومثالاً. وليس للغرماء ما يقابل هذا الوفاء ولا عندهم ما يضارع الذي تملكه من المبادئ التي تضحي في سبيلها بدم عبيط مُراق، وهذا ما يجعل محاصرتها بقوة غاشمة هي محاصرة خاسرة وإن بدت ناجحة، والسبب الفقدان التام عند الطرف الغالب لكل ما يملكه الطرف المغلوب من المبدئيات القيمية الخالصة. يضاف إلى المبدئية السمة الجماعية التي بها تصبح الشخصية البطلة معلمة وقائدة وهادية، وغالباً ما تدفعها شيمها إلى تقديم الخير للناس كافة أصدقاء وأعداء وهي لا تمارس سوى ما فيه الصالح العام نفعاً وفائدة، ولا تُقدِم على عمل إلا ويكون فيه رفعة للمجموع كما لا تتخذ قراراً يضر المجموع أو يعاديه.
وبعد ذلك تأتي اللا معتادية التي تجعل الشخصية الملحمية تتحلى بسمات غير اعتيادية كالبطولة المتناهية لا بسبب السيف؛ بل بسبب الشجاعة المنقطعة النظير. وهذه الشخصية لا تقتحم لأجل التباهي ولا تحابي لأجل الرياء وإنما تقول الحق ولو على نفسها، صادقة حتى مع عدوها مضحية في سبيل الإنسانية جمعاء. وحتى وإن لم تنازل غريماً في ساحة الوغى، تظل بطولتها مشهوداً عليها بما تتحلى به من نبل الأهداف وإخلاص الروح للمبادئ وسمو الإيمان بالقيم النبيلة والسامية.
والقدسية هي محصلة سمتَي المبدئية والشجاعة البطولية التي تجعل مصير البطل الفجائعي مصيراً مكللاً بهالة قدسية تضفي عليه مزيداً من السمات غير طبيعية، التي تخرق المنطقي وتتجاوز المعقول إلى ما بعده. وهذه السمة الملحمية لا تتأتى إلا عن جذر نبيل الأرومة، رفيع النسب، عظيم الحسب، جليل المرتع، تحفّه العناية الإلهية وتُستودع فيه الأمانة الربانية. ومن ثم لا يغدو غريباً تمتع الشخصية بهبات روحية وعرفان خاص، يجعلها تتنبأ بالخلود للموالين وبالخيبة والخسران للمعادين.
وإذا كانت هذه السمات الخلقية الخمس مجتمعة هي التي تجعل واقعة قتل شخصية بهذه السمات بمثابة تراجيدية تاريخية هي عبارة عن ملحمة سردية، فإن السمة الأولى تحديداً وهي الفجائعية ستنماز عن السمات الأخرى، بأنها المهيمنة واقعياً والطاغية عليها فنياً، والنتيجة المتحققة أن التاريخ سيغدو فعلاً درامياً. وبالدرامية ستنتفي الزمانية الماضوية وتتأكد السيرورة التاريخية في حاضرها وآتيها... لكن كيف نرتفع بالملحمية إلى التراجيدية؟ وما الذي يضمن للتراجيديا أن تجعل التاريخ درامياً؟
إن ذلك كله يتحقق عند المؤرخ الذي يتبنى منظورات تتفاوت أو تتقاطع أو تتناظر أو تتوافق بإزاء مرويٍّ من مرويات التاريخ العام والرسمي، رافضاً الثبات عند منظور واحد يلتزم به في تدوين الوقائع التاريخية، انطلاقاً من مقصدية جعل التاريخ موزعاً في تواريخ حيث لكل تاريخ منظوره الكتابي الخاص. وهذه التوليفة ما بين السّرد والتاريخ هي التي تجعل نصاً تاريخياً لواقعة تراجيدية معينة كان قد شهدها التاريخ البشري تبدو كأنها نصٌّ ملحميٌّ. والذي ينحو بالكتابة التاريخية هذا المنحى التوليفي الملحمي هي طريقة المؤرخ في نقل هذه الواقعة بتراجيدية وجود طرفين شهدا الواقعة أحدهما غالب سيكون هو الحاضر الشاهد، والآخر مغلوب سيكون هو الغائب المشهود عليه. ومأساوية الموقعة أنَّ الطرف المغلوب سيسقط صريعاً عن بكرة أبيه أمام الطرف الغالب. ومن هنا يمضي المؤرخ بسارده صانعاً تاريخاً يُوصف بأنه ملحمي الشكل، تراجيدي المحتوى.
* أكاديمية عراقية



الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
TT

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

ودّع الوسط الفني في مصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الذي قدم العديد من الأعمال المسرحية المهمة على مدى تاريخه الفني الذي بدأ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كما شارك في العديد من الأعمال الدرامية لتي قدم فيها أداءً متميزاً.

ونعت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، الفنان القدير ياسر صادق، الذي وافته المنية، الخميس، «بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع، قدّم خلالها نموذجاً للفنان المثقف الملتزم بقضايا مجتمعه، فأسهم بإخلاص في إثراء الحركة المسرحية والفنية في مصر، سواء من خلال أعماله الإبداعية أو إدارته للمؤسسات الثقافية، تاركاً بصمة واضحة في وجدان جمهوره وتلاميذه ومحبيه»، وفق بيان للوزارة.

ونعت نقابة المهن التمثيلية الفنان الراحل، وقالت في بيان: «رحل الفنان القدير بعد مسيرة فنية مشرفة قدّم خلالها العديد من الأعمال التي تركت أثراً واضحاً في الساحة الفنية، وكان مثالاً للفنان الملتزم صاحب الحضور الهادئ والروح الطيبة».

ونعى المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح في وزارة الثقافة، الفنان، قائلاً في بيان: «فقدنا اليوم شخصية فنية جادة، قدمت العديد من الأعمال الفنية الناجحة»، مشيراً إلى ما قدمه الفنان القدير ياسر صادق من جهود مخلصة بالوزارة أثْرت العمل الثقافي.

الفنان ياسر صادق (وزارة الثقافة)

وقدم الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق العديد من الأعمال في التلفزيون والسينما والمسرح، وحصل على جوائز عديدة بالمسرح الجامعي منذ بداية دخوله مجال الفن، منها مخرج أول جامعة القاهرة وممثل أول الجامعة، ثم ممثل أول الجامعات المصرية عام 1985، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج وتخرج فيه عام 1994، وشغل منصب مدير عام المسرح الحديث، ثم رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

ونعى رئيس دار الأوبرا المصرية، الدكتور علاء عبد السلام، صادق وقال إن «الراحل ترك بصمات واضحة في الساحة الإبداعية بأعمال بارزة، كما شارك بجهود دؤوبة ورؤية فريدة فى إثراء ميدان الثقافة المصرية».

ونعى المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الفنان الراحل، وقال: «لقد كان الراحل رئيساً للإدارة المركزية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية لمدة أربع سنوات، قدم خلالها العديد من الإنجازات الإدارية الملموسة داخل هذا الصرح الفريد بوزارة الثقافة، كما أثرى الساحة الفنية المصرية بأعمال خالدة، وترك بصمة مميزة في وجدان الجمهور وذاكرة الفن المصري، وتميز الفقيد بإخلاصه لفنه».

وبالإضافة إلى شهرته في التمثيل والإخراج المسرحي، حيث قدم العديد من الأعمال من بينها «لكع ابن لكع» في مسرح الجامعة، ومسرحية «سي علي وتابعه قفة» و«حوش بديعة»، فقد شارك الفنان الراحل في العديد من الأعمال السينمائية والدرامية وعرف بأدواره البارزة في المسلسلات التاريخية مثل «أبو حنيفة النعمان»، و«عصر الأئمة» و«القضاء في الإسلام» و«ابن حزم»، وأحدث أعماله التاريخية كان ضمن مسلسل «الحشاشين»، وشارك في مسلسل «المداح» و«عهد أنيس» في السنوات الأخيرة، كما شارك في العديد من الأفلام من بينها «امرأة هزت عرش مصر» و«دانتيلا» و«بالألوان الطبيعية».


هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
TT

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام؛ نظراً لصيام ساعات طويلة يليها تناول وجبات دسمة بعد الإفطار.

ويسعى كثير من الناس خلال الإفطار لتعويض الطاقة المفقودة بسرعة، وغالباً ما يكون البروتين جزءاً كبيراً من وجبات الإفطار والسحور، سواء من اللحوم الحمراء أو البيضاء، أو منتجات الألبان.

ويؤكد خبراء التغذية أن البروتين عنصر أساسي لبناء العضلات، وصيانة الأنسجة، ودعم جهاز المناعة. وتحتوي اللحوم، والأسماك، والدواجن، والبيض، على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، في حين يمكن الحصول على البروتين النباتي من مصادر مثل البقوليات والمكسرات. والسؤال هنا: هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان مفيد أو ضار للصحة؟

تشير الدكتورة فينا في، أخصائية التغذية السريرية في الهند، إلى أن البروتين الحيواني يمتصه الجسم بكفاءة أكبر مقارنة بالمصادر النباتية، ويمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول، ما يساعد على التحكم في الشهية خلال الإفطار بعد يوم طويل من الصيام، حسب شبكة «إنديا تي في» الهندية.

وتضيف أن قوائم الإفطار غالباً ما تركز على اللحوم، ويمكن أن يكون ذلك مفيداً إذا تم اختيارها بعناية، موضحة أن تناول البروتين باعتدال يبطئ امتصاص الكربوهيدرات، ويساعد على استقرار مستويات السكر في الدم.

وتوصي الدكتورة فينا باختيار مصادر بروتين منخفضة الدهون، وطهيها بطريقة صحية، مثل الدجاج المشوي، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب القلي الذي يزيد من الدهون غير الصحية ويؤدي إلى شعور بالكسل بعد الوجبة.

ووفق الدكتورة روزماي تراوت، أستاذة علوم الغذاء في جامعة دريكسل الأميركية، فإن اللحوم مصدر غني بالبروتين الكامل الذي يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، إضافة إلى فيتامين «B12»، والحديد، والزنك، وفق صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

في حين تشير اختصاصية التغذية الأميركية لورين مانكر إلى أن تناول اللحوم يومياً ممكن إذا كانت طازجة وغير مصنعة وبحصص معتدلة، مع دمجها بالخضراوات والألياف لتحقيق توازن غذائي صحي.

مخاطر الإفراط في البروتين

رغم فوائد البروتين العديدة، يشير خبراء التغذية إلى أن الإفراط في تناوله بشكل يومي، خصوصاً خلال رمضان، قد يؤدي إلى عدة مشاكل صحية؛ فاللحوم الغنية بالدهون تحتوي على كولسترول ودهون مشبعة قد ترفع مستويات الكولسترول الضار في الدم، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.

عبء إضافي

كما أن تناول كميات كبيرة من البروتين يفرض عبئاً إضافياً على الكلى والكبد، خصوصاً لدى من لديهم مشاكل صحية سابقة. إضافة إلى ذلك، فإن اللحوم المصنعة مثل النقانق واللحم المقدد، تحتوي على ملح وسكر ودهون إضافية، وهي غير مناسبة للاستهلاك اليومي، وقد يرهق الإفراط في البروتين بعد صيام طويل الجهاز الهضمي، مسبباً شعوراً بالثقل أو الانتفاخ أو الإمساك، خصوصاً إذا قل تناول الألياف والخضراوات.

ولتجنب هذه المخاطر، ينصح خبراء التغذية بالاعتدال في حصص البروتين، بحيث لا تتجاوز الوجبة الواحدة 3 إلى 4 أونصات، مع مزج البروتين الحيواني بمصادر نباتية مثل الفاصوليا والمكسرات.

كما يُفضل اختيار البروتين الصحي، مثل الدجاج الأبيض، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب اللحوم المصنعة والمقلية.

ويُنصح أيضاً بتوزيع البروتين على وجبتَي الإفطار والسحور لتقليل الضغط على الجهاز الهضمي، والحفاظ على مستويات الطاقة طوال اليوم، مع التركيز على تناول الخضراوات والألياف التي تساعد على الهضم وتحافظ على صحة الأمعاء، وشرب الماء بانتظام لتعويض السوائل اللازمة لترطيب الجسم بعد الصيام.

أما بالنسبة للكميات الموصى بها، فالجرعة اليومية من البروتين تبلغ 0.8 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، وقد تختلف حسب مستوى النشاط البدني. ووفقاً لإرشادات النظام الغذائي الأميركي، يُنصح بتناول نحو 26 أونصة؛ أي نحو 736 غراماً، من اللحوم والدواجن والبيض أسبوعياً.


«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

في الفيلم الأرجنتيني «قطار النهر»، لا يبدأ كلُّ شيء من لحظة الهروب، بل من لحظة الشكّ الأولى؛ تلك اللحظة الخفية التي يُدرك فيها طفلٌ أن العالم أكبر من حدود قريته، وأن الصورة التي رسمها في خياله عن المدينة قد تكون أوسع من قدرته على احتوائها.

هنا، لا تبدو المغادرة فعلاً بطولياً ولا نزوة عابرة، بل سؤالاً داخلياً ينمو بصمت حتى يصير قراراً. الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى في الدورة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، كتب السيناريو الخاص به وأخرجه الثنائي الأرجنتيني الشاب لورينزو فيرو ولوكاس فينيالي. لا يتعامل العمل مع الرحلة بوصفها مغامرةً طفولية، بل بوصفها عتبة عبور بين مرحلتين: براءةٍ تعتقد أن الحلم وحده يكفي، ووعيٍ يتعلّم تدريجياً أن الطريق إلى الحلم ليس كما تصوّره الأفلام.

ومن هذه المسافة بين الصورة والواقع، تتشكّل حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحوّل تدريجياً إلى تأمّل بصري وإنساني في معنى الحرية الأولى، وفي الثمن الصامت الذي يدفعه الإنسان حين يقرر أن يختبر العالم وحده.

مخرجا الفيلم الأرجنتيني (الشركة المنتجة)

تدور القصة حول «ميلو»، الطفل الذي يعيش في قرية أرجنتينية نائية، ويتدرّب يومياً على رقصة المالامبو تحت إشراف والده، ضمن إطار عائلي واضح التوقعات والملامح. ترى الأسرة فيه امتداداً لتقاليدها، بينما يرى هو في نفسه شيئاً آخر لم تتضح ملامحه بعد.

العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، ليست بالنسبة إليه مجرد مدينة؛ إنها صورة تعلّمها من السينما والتلفزيون، مساحة افتراضية للحرية والانطلاق. وحين يقرر أن يستقل القطار ويرحل، فإن الرحلة لا تقوده فقط من الريف إلى العاصمة، بل من طفولة ساكنة إلى تجربة أكثر تعقيداً.

يقول لورينزو فيرو لـ«الشرق الأوسط» إن الدافع الأول وراء «قطار النهر» كان الرغبة في العودة إلى سؤال الطفولة بوصفها أرضاً أولى نفقدها ولا نتوقف عن الحنين إليها، مشيراً إلى أن ما جذبه إلى شخصية «ميلو» هو هذا التناقض الحاد بين الجسد الصغير والحلم الكبير، وبين انضباط التدريب اليومي الصارم ورغبة داخلية في الانفلات واختبار المجهول.

ويضيف أن الطفل في السينما يمتلك قدرة استثنائية على كشف الحقيقة، لأن نظرته لم تُثقل بعد بالحسابات أو المجاملات، ولأنه يعيش اللحظة بعفوية كاملة. وبالنسبة إليه، لم يكن الهدف أن يروي قصة صبي هارب، بل أن يتتبع لحظة وعي تتكوّن ببطء؛ لحظة يبدأ فيها الإنسان الصغير في إدراك أن العالم لا يشبه تماماً ما تخيّله.

ويشير فيرو إلى أن فكرة القطار لم تكن عنصراً سردياً فحسب، بل هي رمز للحركة المستمرة، وللرغبة في تجاوز المألوف حتى من دون ضمانات. فالقطار، في نظره، هو المسافة بين ما نعرفه وما نظن أننا نريده، بين البيت بوصفه أماناً والمدينة بوصفها احتمالاً.

ويؤكد أن «الفيلم يتعمد ترك مساحات صمت طويلة، لأن الصمت ليس فراغاً، بل زمن داخلي يتشكل فيه الإدراك. لحظات الانتظار على الرصيف، والمشي في شوارع لا يعرفها الطفل، والتحديق في وجوه الغرباء؛ كلها ليست تفاصيل عابرة، بل جوهر التجربة»، مشيراً إلى أن «الكاميرا كانت مطالَبة بأن تصبر، وأن تمنح الزمن حقه، لأن التحول الحقيقي لا يحدث في لحظة صاخبة، بل في تراكم لحظات صغيرة لا تكاد تُرى».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في برلين (إدارة المهرجان)

أما لوكاس فينيالي فيؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم يقوم على مفارقة دقيقة تتعلق بـ«ميلو» نفسه؛ فهو يعتقد أنه يهرب من ضغط العائلة وتوقعاتها، لكنه يكتشف أن ما يرافقه في الرحلة ليس مجرد حقيبة صغيرة، بل خوفه وحيرته ورغبته العميقة في أن يُعترف به.

ويقول فينيالي إن الحرية، كما يتناولها الفيلم، ليست شعاراً سهلاً ولا حالة رومانسية، بل وضعية معقّدة؛ فهي تمنح الإنسان مساحة للاختيار، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام مسؤولية هذا الاختيار. ويشير إلى أن الإيقاع البطيء للفيلم كان قراراً مسبقاً اتخذه مع فيرو، لأن التجربة الإنسانية، وخصوصاً في الطفولة، لا تحدث في انفجار درامي واحد، بل في تراكم لحظات صغيرة قد تبدو عابرة.

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

ويؤكد فينيالي أن «منح الزمن حقه داخل الكادر يسمح بظهور تفاصيل لا يمكن كتابتها في السيناريو: نظرة مترددة، وابتسامة خافتة، وخطوة متباطئة فوق رصيف محطة. هذه التفاصيل، في رأيه، هي التي تصنع صدق التجربة».

ويلفت إلى أن «العمل لا يسعى إلى تقديم رسالة مباشرة أو خاتمة مطمئنة، بل إلى خلق حالة شعورية تدعو المشاهد إلى أن يعيش الرحلة مع ميلو، لا أن يكتفي بتفسيرها من الخارج».