40 عاماً على الثورة الإيرانية: أزمة في المشروعية وفوضى بين الأحزاب

40 عاماً على الثورة الإيرانية: أزمة في المشروعية وفوضى بين الأحزاب
TT

40 عاماً على الثورة الإيرانية: أزمة في المشروعية وفوضى بين الأحزاب

40 عاماً على الثورة الإيرانية: أزمة في المشروعية وفوضى بين الأحزاب

تحيي إيران الاثنين، الذكرى 40 للثورة وسط تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة وتراجع اقتصادي حاد ومأزق سياسي داخلي يحول دون التنمية السياسية والاقتصادية في البلاد جراء تقدم الأجهزة العسكرية والأمنية وتراجع دور الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني.
وفي كل عام، تنظم السلطات مسيرة إلى ساحة آزادي (الحرية) في طهران في 11 فبراير (شباط)، تتصادف مع اليوم الذي أطيح فيه رسمياً بالنظام الملكي بعد 10 أيام من عودة المرشد الإيراني الأول روح الله الخميني عقب 14 عاماً من المنفى.
ومن المفترض أن تجمع المسيرة سياسيين إيرانيين وشخصيات عامة ويلقي الرئيس حسن روحاني كلمة خلالها، بحسب تقرير نشرته أمس وكالة الصحافة الفرنسية.
وتكسب مسيرة هذا العام في الذكرى 40 للثورة الإيرانية أهمية بالغة للإيرانيين، بعدما شهد العام الماضي احتجاجات وإضرابات غير مسبوقة شملت مختلف الفئات. وقامت قوى الأمن والشرطة بقمع احتجاجات الطبقتين المتوسطة والفقيرة التي خرجت بأكثر من 80 مدينة إيرانية ضد تدهور الوضع المعيشي والفساد، وشكلت التحدي الأكبر للسلطات منذ انتفاضة عام 2009، بسبب انتخابات رئاسية متنازع عليها. ودعا بعض الإيرانيين إلى الإطاحة بالمرشد علي خامنئي ورددوا هتافات ضد الدور الإقليمي الإيراني، لكنه حمل بدوره «أعداء إيران» مسؤولية ذلك.
وتزامنت مع الضغوط الأميركية المتزايدة على النظام لتعديل سلوك في ملفات تثير قلق المجتمع الدولي.
ورغم أن إيران بدأت في 1 فبراير الاحتفالات السنوية بـ«عشرة الفجر»، فإنها تواجه تحديات اقتصادية حادة بسبب مزيج من الصعوبات الداخلية والعقوبات الأميركية.
وانخفضت قيمة الريال مقابل الدولار، ما تسبب في ارتفاع الأسعار، فيما حالت إعادة فرض العقوبات دون دخول الاستثمارات الأجنبية وحدت من مبيعات إيران النفطية. وردت السلطات الإيرانية بالتحذير من «مندسين» يمكن أن يهددوا البلاد من الداخل وحضت على «الوحدة الوطنية».
وقالت المحامية شيرين عبادي الفائزة بجائزة نوبل للسلام 2009 في حوار مع وكالة «رويترز» أمس، إن العقوبات الأميركية التي تهدف إلى تقويض نظام ولاية الفقيه لم تؤذِ سوى الإيرانيين العاديين الذين يواجهون مصاعب واسعة النطاق. وأضافت أن «العقوبات الاقتصادية ليست لصالح الشعب. إنهم يجعلون الناس فقراء، ومع ذلك، فإن أولئك المقربين من النظام يستفيدون من العقوبات الاقتصادية، لأن ذلك يمنحهم الفرصة للحصول على أموال قذرة. لذا فإن هذا أمر جيد بالنسبة لهم».
ومن المحتمل أن يكون تحدي إيران في مواجهة العقوبات والضغط الأميركيين موضوعاً رئيسياً في احتفالات الذكرى 40 للثورة التي تبلغ ذروتها يوم الاثنين المقبل.
وتحظى المسيرة السنوية التي تقام على مستوى البلاد باهتمام كبير من السلطات جراء أزمة المشروعية التي تلاحق النظام وتجاهل الدعوات لإجراء استفتاء شعبي حول القضايا السياسية العالقة، ومن بينها تقاسم الأدوار بين أجهزة الدولة التي تخضع لصلاحيات بلا حدود يتمتع بها المسؤول الأول في البلاد المرشد الإيراني، وهو ما يراه كثيرون في إيران تضعيفاً لدور الرئيس الإيراني المكلف بتنفيذ الدستور.
وتشكل المسيرات المرتبطة بالتقويم السياسي في النظام، إضافة إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية، أهم الركائز التي يراهن عليها النظام في استعراض مشروعيته.
ولطالما تباهت السلطات بنسب المشاركة الكبيرة في الانتخابات دليلاً على شرعيتها. وفي 2017، شارك أكثر من 73 في المائة من الناخبين الذين يحق لهم التصويت في الانتخابات الرئاسية. ورغم اعتراضها على العقوبات الاقتصادية القاسية مثل تلك التي تفرضها واشنطن، فإن عبادي تعتقد أن ضغطاً دولياً كافياً من نوع آخر قد يمكن الغرب من الانتقال السياسي في البلاد وإبعاد رجال الحكم الحاليين.
ورغم اعتراضها على العقوبات الاقتصادية القاسية مثل تلك التي تفرضها واشنطن، إلا أن عبادي تعتقد أن ضغطا دوليا كافيا من نوع آخر قد يمكن الغرب من الانتقال السياسي في البلاد وابعاد رجال الحكم الحاليين. وقالت عبادي {في رأيي هذا محتمل جدا لأنه في بداية الثورة، كان 90 بالمئة من الشعب الإيراني يريدون هذا النظام. والآن، إن نظمت استفتاء آخر عبر انتخابات حرة فإنك سترى أن 90 بالمئة من أبناء الشعب لم يعد لديهم رغبة في النظام}.
وقال رئيس منظمة البيئة عيسى كلانتري، إن إيران «تقدمت في كثير من النواحي في 40 عاماً»، مشيراً إلى قطاعات الصحة والصناعة والخدمات والتعليم.
لكنه أضاف أن سجلها البيئي «لا يمكن الدفاع عنه». وقال نائب الرئيس الإيراني إسحاق جهانغيري قبل أيام عن تفشي الفساد: «إننا نشعر بالحزن للفساد الموجود في البلاد».
على صعيد النشاط السياسي، بعد 40 عاماً على الثورة، أوضحت «الوكالة الفرنسية» في تقرير من طهران، أن الأحزاب السياسية «تبدو في وضع لا تحسد عليه في الذكرى 40 لقيام النظام الإيراني، إذ تضرب الفوضى صفوف الإصلاحيين بينما يبحث المحافظون عن هوية جديدة».
والتياران الإصلاحي والمحافظ إلى جانب تيار وسط بينهما يسمى الاعتدال وينتمي إليه الرئيس الحالي، تشكل ركائز الخيمة التي تسمح السلطات بالنشاط تحتها وتحتكر وسائل الإعلام والمناصب الحكومية فيها، ولا تعترف السلطات بأغلب الأحزاب التي أسهمت في نصر الثورة، مثل اليساريين والقوميين والأحزاب التي تنشط في مناطق ذات أغلبية من القوميات غير الفارسية.
ورغم تهميش كبار القادة الإصلاحيين، ما زال محمد علي أبطحي (إصلاحي شغل منصب مدير مكتب الرئيس السابق محمد خاتمي) يؤمن بأن «التغيير التدريجي» هو الخيار الوحيد لبلاده.
ومنذ المظاهرات الواسعة التي خرجت للاحتجاج على ما اعتبر تزويراً للانتخابات عام 2009، مُنع خاتمي من الظهور في الإعلام. وفي هذه الأثناء، يقبع المرشحان الرئاسيان مير حسين موسوي ومهدي كروبي قيد الإقامة الجبرية منذ 8 أعوام.
ولا يوجد كثير من المؤشرات التي تدل على بروز جيل جديد لخلافتهم في وقت يملك فيه مجلس صيانة الدستور السلطة التي تخوله رفض أي مرشحين للانتخابات لا يعتبرهم مؤهلين، بحسب أبطحي.
ونقلت الوكالة عن أبطحي قوله إن «مؤهلات المرشحين الذين يمكنهم اجتياز تدقيق مجلس صيانة الدستور متدنية (...) لا يمكن توقع كثير منهم». ودفع ذلك الإصلاحيين إلى تعليق آمالهم على الرئيس حسن روحاني الذي يعد شخصية معتدلة سياسياً سعت للتصالح مع الغرب عبر الاتفاق النووي التاريخي الذي أبرم في 2015.
لكن ثبت أن آمالهم لم تكن في محلها. ومنذ انسحبت الولايات المتحدة بشكل أحادي من الاتفاق العام الماضي، تراجع الاقتصاد الإيراني بشكل متزايد، ما يفاقم الغضب الشعبي الذي تفجر في الشوارع على شكل مظاهرات عنيفة هزت عشرات المدن والبلدات العام الماضي.
لكن رغم خيبة الأمل الشعبية، أشار أبطحي إلى أن الإيرانيين لا يزالون يمتلكون «ما يكفي من الحكمة لإدراك أن تغيير النظام سيحطم مستقبلهم»، خصوصاً إذا تم ذلك بتنسيق أميركي. وقال: «ربما لو أن الولايات المتحدة حوّلت العراق وأفغانستان إلى جنتين للاقتصاد والحريات الاجتماعية (...) لكانت الأمور اختلفت كثيراً».
وقبل الانتخابات الرئاسية، تخشى الأوساط الإصلاحية من أن دعم روحاني سيرتب عليها ثمناً باهظاً في الانتخابات البرلمانية المقررة العام المقبل. فيما بدا جزء من الإصلاحيين يختار طريقاً مختلفة عن تيار خاتمي.
وتحت تأثير الأجواء المشحونة التي تخيم على الإصلاحيين، فإن 3 تيارات أساسية تتحدث حالياً عن التغيير؛ وهم من يحافظون بالولاء لخاتمي ويريدون استمرار النظام مع بعض الامتيازات للتيار الإصلاحي، وتيار يؤمن بأن النظام الحالي عصي على الإصلاح ويطالب بتغيير جذري، فيما يسعى تيار ثالث إلى التوحد مع التيارات والأحزاب المطالبة بإسقاط النظام.
وذهب الصحافي والناشط أحمد زيد آبادي الذي أوقفته السلطات الإيرانية عدة مرات، أبعد من ذلك، قائلاً إن مساعي الإصلاحيين لتغيير شكل الدولة «وصلت إلى طريق مسدودة» منذ مدة طويلة، جراء افتقاد المنظومة «للمرونة» اللازمة لذلك. لكن الفوضى في أوساط المعسكر الإصلاحي لا تعني أن المحافظين هم الجانب المستفيد، بحسب محبيان، الذي يعتقد أن عليهم قبل ذلك «إعادة تحديد علاقتهم مع المؤسسة» الحاكمة.
وبحسب رواية وكالة الصحافة الفرنسية، ليست المجموعات السياسية الرئيسية وحدها هي التي تطالب بالتغيير، إذ يعتقد أشد مؤيدي المرشد الإيراني أن قيمها الأساسية - على غرار السياسات الداعمة للفقراء - أصبحت طي النسيان، مشيرين إلى اتساع نطاق الاتهامات بالفساد. وعلى مدى عقود، ارتبط المحافظون بشكل وثيق مع المؤسسة، إذ شغل كثير منهم مناصب مهمة لا يتم انتخاب القائمين عليها.
بدوره، أشار المحلل والسياسي المحافظ أمير محبيان إلى أنه «عندما هتف المتظاهرون: (أيها الإصلاحيون والمحافظون: انتهت اللعبة)، لم يكونوا مخطئين. الحقيقة هي أن اللعبة (السياسية) تغيّرت». وأضاف محبيان: «حتى الآن، اختار الناخبون المرشح الذي اعتقدوا أنه سيشكل الضرر الأقل (...) لكنهم تحملوا بما فيه الكفاية. يريد الناس الآن شخصاً قادراً على حل مشكلاتهم».
ولم يعط محبيان مزيداً من التفاصيل بشأن المرشحين المحتملين في وقت لم يبدأ فيه التنافس للانتخابات الرئاسية المقبلة التي يتوقع أن تجري في 2021». لكن قرار الإصلاحيين دعم روحاني تسبب في «إفلاسهم»، بحسب المحلل.
ويرى محبيان أن عليهم «التقرّب من الشعب» الذي لم يعد «يثق بهم» ليتمكنوا من الاستمرار في إطار البيئة السياسية المتغيرة.
وفي النظر إلى المستقبل، يعتقد محبيان أن «السنوات الخمس المقبلة ستكون مهمة»، مشيراً إلى أن إيران ستحتاج في مرحلة ما لاختيار خليفة للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي الذي سيبلغ 80 عاماً هذه السنة. وأكد: «هذه فترة قد تشهد تغييرات في قيادة البلاد».
وأضاف: «المسألة الأهم هي ما إذا كان أي تغيير في أعلى هرم الدولة سيؤدي إلى تحوّل جذري أم لا؟ (...) هل سيؤدي إلى تغيير الأمور التي نعتبرها حالياً من المقدسات؟ أم أن هذه العناصر ستبقى لكن مع تغير في التوجهات؟».



إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
TT

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)

اتهمت القيادة الموحدة للقوات المسلحة ​الإيرانية، المعروفة باسم «مقر خاتم الأنبياء»، الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق ‌النار من ‌خلال ​مهاجمة ‌إحدى ⁠السفن التجارية ​الإيرانية في ⁠خليج عمان، وتوعدت بالرد.

ونقلت وسائل إعلام حكومية عن متحدث ⁠باسم «خاتم ‌الأنبياء» ‌قوله اليوم ​الأحد ‌إن السفينة ‌كانت متجهة من الصين إلى إيران.

وذكر المتحدث «نحذر من ‌أن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ⁠سترد ⁠قريبا وتنتقم من هذه القرصنة المسلحة التي ارتكبها الجيش الأميركي».


الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».


المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
TT

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

في تقرير صادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، أكدت تل أبيب أن هناك تصدعاً كبيراً في القيادة الإيرانية، مضيفة أن هذا التصدع بات مبشراً بانهيار جزئي على الأقل للنظام في طهران.

وقالت «أمان» إن غياب المرشد علي خامنئي، ترك فراغاً هائلاً ولم يعد هناك من يتمتع مثله بسطوة القائد الذي يُجمَع حوله الباقون وتكون له الكلمة الأخيرة. فابنه مجتبى، الذي انتخب للمنصب بعد وفاة والده، لا يتمتع بشخصية كارزماتية مثل والده، ويُنظر إليه بوصفه شخصية ناقصة دينياً وسياسياً، فضلاً عن كونه جريحاً، ويُعتقد أنه لا يقوى على الحسم.

لذلك فإن وراثة خامنئي الأب ما زالت مفتوحة، خصوصاً أن الشارع الإيراني يذكر القيادة الحالية بأن أحد عيوب نظام الشاه في الحكم أنه كان عائلياً يرث فيه الابن أباه. والآن يتصرف النظام الحالي بالطريقة نفسها التي هاجمها في الماضي.

قادة إيران الجدد

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

ونشر تقرير «أمان»، الذي ظهر في موقع «واللا» يوم الأحد، قائمة القادة الحاليين في إيران «الذين بقوا في الحكم بعد أن تمت تصفية 55 شخصية قيادية أساسية في الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران». وتضم قائمة القادة الحاليين، بالإضافة إلى مجتبى خامنئي، حسين طائب الرئيس السابق لجهاز استخبارات «الحرس الثوري»، وهو مستشار كبير لدى مجتبى خامنئي وأمين سره، ويُعرف عنه أنه يقود الاتجاه المتطرف، وقد سُمع وهو يقول إن الاتفاق مع الغرب والتنازل له خيانة تُشكل تهديداً وجودياً للنظام.

وتضم القائمة أيضاً محمد عبد اللهي رئيس مكتب المرشد العام وهو حامل مفاتيح باب الوصول إلى خامنئي، ويعد مدير التوازنات الحساسة بين التيارات المتصارعة على القيادة. كذلك أحمد وحيدي القائد العام لـ«الحرس الثوري»، وكان وزيراً للداخلية والدفاع، وكان أيضاً أول قائد لـ«فيلق القدس»، وهو متطرف جداً في مواقفه، ويمثل التيار الأمني والتنفيذي لـ«الحرس الثوري»، ويتمسك بالأذرع الإيرانية في المنطقة.

محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان ومن كبار المفاوضين مع الولايات المتحدة. يعد محافظاً ولكنه مهتم بتحسين الاقتصاد، ويسعى إلى منع الانهيار الداخلي السياسي والاجتماعي، الذي من شأنه أن يؤدي إلى موجة احتجاجات شعبية جديدة ضد النظام، ومع ذلك يحرص على قناة تواصل مع التيار الراديكالي.

وفي مجموعة الإصلاحيين: الرئيس مسعود بزشكيان، وهو الذي يحاول قيادة الخط الأكثر اعتدالاً لغرض إزالة العقوبات الاقتصادية عن إيران، لكنه محدود التأثير بسبب القيود التي يفرضها عليه «الحرس الثوري». كما أنه يتعرض لحملة تحريض تتهمه بـ«خيانة قيم الثورة».

عباس عراقجي، وزير الخارجية الذي كان مفاوضاً في الاتفاق النووي الأول سنة 2015، مع دول الغرب. ويقول ضابط كبير في «أمان» إن عراقجي دبلوماسي لديه خبرة ويبحث عن صيغ للتنازلات بطريقة لا تظهر إيران مستسلمة للإرادة الأميركية.

كما يقول تقرير «أمان» إنه بالإضافة إلى هؤلاء، توجد مجموعة اسمها «الممسكون بالخيوط»، وأبرز هؤلاء: علي إفتخاري وهو شخصية مؤثرة في المخابرات وبين صفوف النخبة الدينية التي انتخبت مجتبى مرشداً، تعد هذه المجموعة العقيدة الدينية للثورة ركناً أساسياً للنظام.

علي رائدين، هو رجل أمن رفيع ذو علاقات وطيدة بدوائر اتخاذ القرارات الحساسة، ويصفه جنرال إسرائيلي بأنه «أقوى خلية في السلسلة»، ومكلف بحماية النظام وثباته في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. وقد كُلف بإعادة بناء قوة «الباسيج» بعدما تلقت ضربات كبيرة من إسرائيل.

حلقة الضعف

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

ويقول جنرال إسرائيلي في «أمان» إن حلقة الضعف في هذه القيادة أنه لا يوجد شخص يملك الكلمة الفصل، لذلك فإن كل قرار يصدر حالياً تنشأ له فوراً معارضة وشكوك، بحيث بدأت الثقة تتزعزع لدى الكثيرين بأنفسهم، وكذلك في بعضهم بعضاً. كما يسود التوتر بين هذه القيادات حتى في ظل وقف النار.

ويضيف أن وقائع الحرب والاغتيالات، وغياب علي خامنئي، والدمار وفقدان التواصل، كلها عوامل أدت إلى تصدع حقيقي داخل سلطة الحكم الإيرانية، وعقّدت قدرتها على اتخاذ القرارات.

ومع وجود قادة جدد في مواقع المسؤولية نشأت فوضى، وتعمقت أزمة الحكم والسلطة. ويُلاحظ أنه يوجد لدى المفاوضين الإيرانيين قدر محدود من المعرفة بما يمكن أن تقدمه حكومتهم من تنازلات أو حتى بمن يتعين عليهم سؤاله على وجه الدقة. وفضلاً عن ذلك، فإن المتشددين داخل «الحرس الثوري» باتوا أكثر نفوذاً ويمارسون سلطة أكبر من القيادة الدينية التي تتولى الحكم اسمياً.

ولا تستبعد «أمان» أن التيار المتشدد يخرب على أولئك الذين يتوصلون إلى اتفاقيات وتفاهمات مع واشنطن.

تقويض النظام

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير (رويترز)

من جهة أخرى، قال موقع «واللا» الإسرائيلي إنه خلال عملية «زئير الأسد» تم استهداف مئات الأهداف التابعة لقوات «الباسيج»، وتم اغتيال مسؤولين كبار. ومع ذلك، يوضح الجيش الإسرائيلي أنه لم تُصدر أي تعليمات لإسقاط النظام، وأن الضربات الجوية وحدها ليست كافية لتحقيق ذلك.

في الوقت نفسه، كُشف أن المستوى السياسي منع استهداف بنى تحتية وطنية، وأنه رغم الأضرار، لم يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع. وتشير التقديرات داخل المؤسسة الأمنية إلى أن الهدف من العملية كان زعزعة استقرار النظام الإيراني وإضعاف قبضته، من خلال ضرب أذرعه الأمنية الداخلية، وعلى رأسها قوات «الباسيج»، التي تُعد أداة رئيسية في قمع الاحتجاجات الشعبية.

وقد شملت الهجمات مئات المواقع المرتبطة بهذه القوات، إضافة إلى استهداف شخصيات قيادية بارزة. وعُد ذلك جزءاً من محاولة إحداث تأثير داخلي في إيران، وليس فقط توجيه ضربة عسكرية تقليدية.

مع ذلك، شدّد مسؤولون في الجيش الإسرائيلي على أن إسقاط النظام لم يكن هدفاً رسمياً للعملية، وأن مثل هذا الهدف يتطلب أدوات أوسع بكثير من مجرد الضربات الجوية، بما في ذلك تحركات سياسية وشعبية داخلية.

كما تبين أن القيادة السياسية فرضت قيوداً على نطاق الهجمات، إذ منعت استهداف بنى تحتية وطنية حيوية داخل إيران، وهو ما حدّ من مستوى التصعيد، ومن حجم الضرر الممكن إحداثه.

ورغم الضربات التي وُجهت، تشير التقديرات إلى أن الشارع الإيراني لم يشهد تحركاً واسعاً أو احتجاجات كبيرة نتيجة هذه الهجمات، وهو ما عُد عاملاً مهماً في عدم تحقيق تأثير استراتيجي أعمق على استقرار النظام.

في المحصلة، ترى التقييمات أن الضربات الجوية، حتى وإن كانت واسعة، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جوهري داخل إيران، خصوصاً في ظل غياب تحرك داخلي من قبل الإيرانيين أنفسهم.