تعبئة لموكب «المعتقلين والتعذيب» في الخرطوم... واحتجاز صحافيين

منظمات إقليمية ودولية تطالب مجلس حقوق الإنسان بتحقيق دولي

محتجون خلال مسيرة في الخرطوم (أ.ف.ب)
محتجون خلال مسيرة في الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

تعبئة لموكب «المعتقلين والتعذيب» في الخرطوم... واحتجاز صحافيين

محتجون خلال مسيرة في الخرطوم (أ.ف.ب)
محتجون خلال مسيرة في الخرطوم (أ.ف.ب)

عاشت العاصمة السودانية، الخرطوم، يوماً خالياً من المظاهرات، فيما ارتفعت وتيرة التعبئة للمشاركة في «موكب الخميس 7 فبراير (شباط)» الذي دعا له «تجمع المهنيين السودانيين»، تحت لافتة «موكب المعتقلين والتعذيب»، وفي غضون ذلك اعتقلت قوات الأمن صحافيا من داخل الجريدة التي يعمل بها في سابقة غير معهودة، كما استجوبت نيابة أمن الدولة صحافيتين قامتا بوضع منشورات على حساباتهن في مواقع التواصل الاجتماعي. في هذه الأثناء، طالبت منظمات سودانية وأفريقية ودولية، بينها العفو الدولية وناشطون، مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلى إيفاد بعثة دولية مستقلة لتقصي الحقائق في الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان في السودان.
وفي تطور لافت دعا تجمع المهنيين، سكان المدن والأرياف القريبة من العاصمة للمشاركة في مظاهرة اليوم الخميس التي تحدد موقعها بـ«السوق العربي» بوسط الخرطوم، وحث في بيان صادر عنه، تم تداوله بكثافة، على الخروج من أجل تحسين الأوضاع الحقوقية، ومن أجل الضحايا الذين سقطوا، لأن الوطن للجميع، وليس لمواطني العاصمة فقط. وشدد البيان على أهل الأرياف القريبة من الخرطوم بشمال الجزيرة، والنيل الأبيض، وشمال الخرطوم ونهر النيل، ومدن وأحياء العاصمة بمدنها الثلاث «الخرطوم، والخرطوم بحري، وأم درمان»، ودعاهم للمشاركة في الاحتجاجات بكثافة، وقال: «تعالوا من أي حتة (مكان) قريبة، وتعالوا بدري مع الموظفين الصباح، تحسباً لأي طارئ ولا تلفتوا الانتباه».
ودعا البيان الموظفين للبقاء في مكاتبهم، لحين صافرة بداية الاحتجاجات، وللقادمين لوسط المدينة التجمع في مجموعات صغيرة داخل مراكز الخدمات والأسواق والمطاعم والحدائق العامة ومواقف المواصلات والجامعات القريبة من «السوق العربي».
وفي السياق، قال شهود إن السلطات الأمنية اعتقلت الصحافي «علي الدالي» من داخل مقر صحيفة «الجريدة» المستقلة التي يعمل بها، ذكروا أن أشخاصاً بثياب مدنية اقتحموا مبنى الصحيفة واقتادوا زميلهم إلى جهة غير معلومة. واستدعت «نيابة أمن الدولة» الصحافيتين شمايل النور ورشان أوشي، وحققت معهما على وضع منشورات على صفحتيهما على «فيسبوك». وقالت الصحافية النور لـ«الشرق الأوسط»، إن النيابة حققت معها، وعرضت عليها صورا لبعض منشوراتها قبل أن تطلق سراحها.
وتمنع أجهزة الأمن الصحافة المحلية من تغطية المظاهرات والاحتجاجات، وتصادر الصحف التي ترفض الاستجابة لتلك التوجيهات بعد طباعتها، ما يضطر صحافيين إلى نشر قصصهم على صفحاتهم الشخصية في مواقع التواصل والتراسل. وتقلل الحكومة السودانية من أثر مواقع التواصل الاجتماعي، بيد أنها حجبت «فيسبوك، وواتساب، وتويتر» وغيرها من وسائل التواصل، فيما قال الرئيس عمر البشير في أكثر من مخاطبة جماهيرية إن «حكومته لن يسقطها الواتساب». ويقبع أكثر من 8 صحافيين في معتقلات جهاز الأمن السوداني، اعتقلوا منذ بدء الاحتجاجات في 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ومن بينهم «عادل إبراهيم كلر، وحسين سعد، وقرشي عوض» وآخرون.
ولم تخرج أمس أي مظاهرات كانت مجدولة، ما جعل المدينة تعيش يوماً خالياً من رائحة وأصوات قنابل الغاز المسيل للدموع، وسحب الدخان، وأصوات الرصاص، على الرغم من بقاء المظاهر الأمنية والحركة المستمرة للقوات في أماكن تفجر الاحتجاجات، التي تم الدعوة فيها للتظاهر. وشهدت أحياء ومدن «بري، والطائف، والحتانة، وخشم القربة» مظاهرات ليلية تلقائية حاشدة لم تكن مجدولة، جاءت بعد فض وقفات احتجاجية نظمها المهنيون من أطباء وصيادلة وأساتذة جامعات ومعلمون ومحامون وخريجو جامعة الخرطوم، ليلة أول من أمس. ومنذ تسلمه تنظيم وتنسيق المظاهرات والاحتجاجات، درج «تجمع المهنييين السودانيين»، على تقديم «جداول مظاهرات» يلتزم بها المواطنون حرفياً، وعادة ما ينظم مظاهرات متفرقة ونوعية في بعض المناطق طوال أيام الأسبوع ليتوجها بمظاهرة مركزية «يوم الخميس» يتم الحشد لها بكثافة وتشهد مشاركة معتبرة من المحتجين، بمواجهة «الترسانة الأمنية» المدججة، التي تحتل المكان المخصص للتجمع قبل وقت كاف للحيلولة دون تجمع المتظاهرين.
ومنذ أكثر من سبعة أسابيع، يشهد السودان موجة مظاهرات ووقفات احتجاجية شعبية، بدأت مطلبية ضد الغلاء وانعدام السلع الرئيسية في بعض المدن، ثم اتسعت لتشمل عددا كبيرا من أنحاء البلاد، وارتفع سقف مطالبها إلى «تنحي الرئيس عمر البشير وحكومته فوراً». ووظفت أجهزة الأمن ترسانة عسكرية كبيرة بمواجهة المحتجين السلميين، قابلتهم بعنف مفرط، مستخدمة الغاز المسيل للدموع والعصي والهراوات والرصاص الحي والمطاطي، ما أدى لمقتل أكثر من 30 متظاهرا بحسب الرواية الرسمية. وذكرت منظمة العفو الدولية في حصيلة قديمة أن أكثر من 40 متظاهرا لقوا حتفهم، بيد أن زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي أكد مقتل أكثر من 50 متظاهرا، فضلاً عن مئات من الجرحى والمصابين، وآلاف الموقوفين والمعتقلين من قادة المعارضة ونشطاء المجتمع المدني.
إلى ذلك، سلمت منظمات سودانية وأفريقية ودولية وناشطون، مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مذكرة تطالبه بتشكيل بعثة تقصي حقائق دولية في الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان في السودان. ودعت المذكرة التي حصلت «الشرق الأوسط» على نصها، المجلس، الذي يستعد لعقد دورته الأربعين، في الفترة من الخامس والعشرين من فبراير وحتى الثاني والعشرين من مارس (آذار) المقبل، إلى تحمل مسؤولياته في هذا الصدد، وعبر الموقعون عن بالغ قلقهم لما يجري في السودان من انتهاكات لحقوق الإنسان. وأضافت المذكرة: «نحثكم على التصدي لحملة القمع التي تشنها الحكومة السودانية على المتظاهرين السلميين وانتهاكاتها الجارية لحقوق الإنسان منذ الثالث عشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي». وأشار الموقعون إلى أن حكومة الرئيس عمر البشير واجهت المظاهرات بإطلاق الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع بشكل عشوائي على حشود من المتظاهرين السلميين، مما أسفر عن مقتل أكثر من (50) مدنياً، غير أن الحكومة تعترف بمقتل (30) شخصاً، وأنها شكلت لجنة تحقيق بشأن ذلك.
ووصفت المذكرة أن الهجمات كانت منظمة وواسعة النطاق على المدنيين، والتي ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية سواء في سياق الاحتجاجات الشعبية أو النزاعات المتعددة التي تشن ضد السكان في مناطق هامشية معينة من السودان. وقالت المذكرة إن «السودان واحد من البلدان القليلة الخاضعة لنظام الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان منذ عام 1993 ولتحقيق المحكمة الجنائية الدولية ولنظام عقوبات للأمم المتحدة المتعلق بحقوق الإنسان وبالقانون الإنساني»، وشددت على ضرورة منع المزيد من التصعيد وأن يلعب مجلس حقوق الإنسان دوراً مهماً في المساهمة في منع انتهاكات حقوق الإنسان وفق القرار (38 - 18).
ومن أبرز المنظمات التي وقعت على المذكرة «أعمل من أجل السودان»، والعفو الدولية، والمركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام، ومركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية، ومعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، والمركز الإقليمي لتدريب وتنمية المجتمع المدني، وهيئة محامي دارفور، ومشروع المدافعين عن حقوق الإنسان في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان، ومركز هودو، والمبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي، والمجموعة السودانية للديمقراطية أولا، والشبكة العربية لإعلام الأزمات، والتحالف العربي من أجل السودان.
وحث الموقعون على الحق الأصيل للسودانيين في الحياة الكريمة وعدم التعرض للتعذيب والمعاملة المهينة، وحقهم في حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي بما في ذلك حرية الإعلام، كما حث الموقعون المجلس على دعوة الحكومة للكف عن استخدام القوة المميتة والمفرطة ضد المحتجين السلميين، وإطلاق سراح جميع المحتجزين وضمان اتباع الإجراءات القانونية الواجبة والمحاكمة العادلة للمتهمين.



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.