تعبئة لموكب «المعتقلين والتعذيب» في الخرطوم... واحتجاز صحافيين

منظمات إقليمية ودولية تطالب مجلس حقوق الإنسان بتحقيق دولي

محتجون خلال مسيرة في الخرطوم (أ.ف.ب)
محتجون خلال مسيرة في الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

تعبئة لموكب «المعتقلين والتعذيب» في الخرطوم... واحتجاز صحافيين

محتجون خلال مسيرة في الخرطوم (أ.ف.ب)
محتجون خلال مسيرة في الخرطوم (أ.ف.ب)

عاشت العاصمة السودانية، الخرطوم، يوماً خالياً من المظاهرات، فيما ارتفعت وتيرة التعبئة للمشاركة في «موكب الخميس 7 فبراير (شباط)» الذي دعا له «تجمع المهنيين السودانيين»، تحت لافتة «موكب المعتقلين والتعذيب»، وفي غضون ذلك اعتقلت قوات الأمن صحافيا من داخل الجريدة التي يعمل بها في سابقة غير معهودة، كما استجوبت نيابة أمن الدولة صحافيتين قامتا بوضع منشورات على حساباتهن في مواقع التواصل الاجتماعي. في هذه الأثناء، طالبت منظمات سودانية وأفريقية ودولية، بينها العفو الدولية وناشطون، مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلى إيفاد بعثة دولية مستقلة لتقصي الحقائق في الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان في السودان.
وفي تطور لافت دعا تجمع المهنيين، سكان المدن والأرياف القريبة من العاصمة للمشاركة في مظاهرة اليوم الخميس التي تحدد موقعها بـ«السوق العربي» بوسط الخرطوم، وحث في بيان صادر عنه، تم تداوله بكثافة، على الخروج من أجل تحسين الأوضاع الحقوقية، ومن أجل الضحايا الذين سقطوا، لأن الوطن للجميع، وليس لمواطني العاصمة فقط. وشدد البيان على أهل الأرياف القريبة من الخرطوم بشمال الجزيرة، والنيل الأبيض، وشمال الخرطوم ونهر النيل، ومدن وأحياء العاصمة بمدنها الثلاث «الخرطوم، والخرطوم بحري، وأم درمان»، ودعاهم للمشاركة في الاحتجاجات بكثافة، وقال: «تعالوا من أي حتة (مكان) قريبة، وتعالوا بدري مع الموظفين الصباح، تحسباً لأي طارئ ولا تلفتوا الانتباه».
ودعا البيان الموظفين للبقاء في مكاتبهم، لحين صافرة بداية الاحتجاجات، وللقادمين لوسط المدينة التجمع في مجموعات صغيرة داخل مراكز الخدمات والأسواق والمطاعم والحدائق العامة ومواقف المواصلات والجامعات القريبة من «السوق العربي».
وفي السياق، قال شهود إن السلطات الأمنية اعتقلت الصحافي «علي الدالي» من داخل مقر صحيفة «الجريدة» المستقلة التي يعمل بها، ذكروا أن أشخاصاً بثياب مدنية اقتحموا مبنى الصحيفة واقتادوا زميلهم إلى جهة غير معلومة. واستدعت «نيابة أمن الدولة» الصحافيتين شمايل النور ورشان أوشي، وحققت معهما على وضع منشورات على صفحتيهما على «فيسبوك». وقالت الصحافية النور لـ«الشرق الأوسط»، إن النيابة حققت معها، وعرضت عليها صورا لبعض منشوراتها قبل أن تطلق سراحها.
وتمنع أجهزة الأمن الصحافة المحلية من تغطية المظاهرات والاحتجاجات، وتصادر الصحف التي ترفض الاستجابة لتلك التوجيهات بعد طباعتها، ما يضطر صحافيين إلى نشر قصصهم على صفحاتهم الشخصية في مواقع التواصل والتراسل. وتقلل الحكومة السودانية من أثر مواقع التواصل الاجتماعي، بيد أنها حجبت «فيسبوك، وواتساب، وتويتر» وغيرها من وسائل التواصل، فيما قال الرئيس عمر البشير في أكثر من مخاطبة جماهيرية إن «حكومته لن يسقطها الواتساب». ويقبع أكثر من 8 صحافيين في معتقلات جهاز الأمن السوداني، اعتقلوا منذ بدء الاحتجاجات في 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ومن بينهم «عادل إبراهيم كلر، وحسين سعد، وقرشي عوض» وآخرون.
ولم تخرج أمس أي مظاهرات كانت مجدولة، ما جعل المدينة تعيش يوماً خالياً من رائحة وأصوات قنابل الغاز المسيل للدموع، وسحب الدخان، وأصوات الرصاص، على الرغم من بقاء المظاهر الأمنية والحركة المستمرة للقوات في أماكن تفجر الاحتجاجات، التي تم الدعوة فيها للتظاهر. وشهدت أحياء ومدن «بري، والطائف، والحتانة، وخشم القربة» مظاهرات ليلية تلقائية حاشدة لم تكن مجدولة، جاءت بعد فض وقفات احتجاجية نظمها المهنيون من أطباء وصيادلة وأساتذة جامعات ومعلمون ومحامون وخريجو جامعة الخرطوم، ليلة أول من أمس. ومنذ تسلمه تنظيم وتنسيق المظاهرات والاحتجاجات، درج «تجمع المهنييين السودانيين»، على تقديم «جداول مظاهرات» يلتزم بها المواطنون حرفياً، وعادة ما ينظم مظاهرات متفرقة ونوعية في بعض المناطق طوال أيام الأسبوع ليتوجها بمظاهرة مركزية «يوم الخميس» يتم الحشد لها بكثافة وتشهد مشاركة معتبرة من المحتجين، بمواجهة «الترسانة الأمنية» المدججة، التي تحتل المكان المخصص للتجمع قبل وقت كاف للحيلولة دون تجمع المتظاهرين.
ومنذ أكثر من سبعة أسابيع، يشهد السودان موجة مظاهرات ووقفات احتجاجية شعبية، بدأت مطلبية ضد الغلاء وانعدام السلع الرئيسية في بعض المدن، ثم اتسعت لتشمل عددا كبيرا من أنحاء البلاد، وارتفع سقف مطالبها إلى «تنحي الرئيس عمر البشير وحكومته فوراً». ووظفت أجهزة الأمن ترسانة عسكرية كبيرة بمواجهة المحتجين السلميين، قابلتهم بعنف مفرط، مستخدمة الغاز المسيل للدموع والعصي والهراوات والرصاص الحي والمطاطي، ما أدى لمقتل أكثر من 30 متظاهرا بحسب الرواية الرسمية. وذكرت منظمة العفو الدولية في حصيلة قديمة أن أكثر من 40 متظاهرا لقوا حتفهم، بيد أن زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي أكد مقتل أكثر من 50 متظاهرا، فضلاً عن مئات من الجرحى والمصابين، وآلاف الموقوفين والمعتقلين من قادة المعارضة ونشطاء المجتمع المدني.
إلى ذلك، سلمت منظمات سودانية وأفريقية ودولية وناشطون، مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مذكرة تطالبه بتشكيل بعثة تقصي حقائق دولية في الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان في السودان. ودعت المذكرة التي حصلت «الشرق الأوسط» على نصها، المجلس، الذي يستعد لعقد دورته الأربعين، في الفترة من الخامس والعشرين من فبراير وحتى الثاني والعشرين من مارس (آذار) المقبل، إلى تحمل مسؤولياته في هذا الصدد، وعبر الموقعون عن بالغ قلقهم لما يجري في السودان من انتهاكات لحقوق الإنسان. وأضافت المذكرة: «نحثكم على التصدي لحملة القمع التي تشنها الحكومة السودانية على المتظاهرين السلميين وانتهاكاتها الجارية لحقوق الإنسان منذ الثالث عشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي». وأشار الموقعون إلى أن حكومة الرئيس عمر البشير واجهت المظاهرات بإطلاق الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع بشكل عشوائي على حشود من المتظاهرين السلميين، مما أسفر عن مقتل أكثر من (50) مدنياً، غير أن الحكومة تعترف بمقتل (30) شخصاً، وأنها شكلت لجنة تحقيق بشأن ذلك.
ووصفت المذكرة أن الهجمات كانت منظمة وواسعة النطاق على المدنيين، والتي ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية سواء في سياق الاحتجاجات الشعبية أو النزاعات المتعددة التي تشن ضد السكان في مناطق هامشية معينة من السودان. وقالت المذكرة إن «السودان واحد من البلدان القليلة الخاضعة لنظام الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان منذ عام 1993 ولتحقيق المحكمة الجنائية الدولية ولنظام عقوبات للأمم المتحدة المتعلق بحقوق الإنسان وبالقانون الإنساني»، وشددت على ضرورة منع المزيد من التصعيد وأن يلعب مجلس حقوق الإنسان دوراً مهماً في المساهمة في منع انتهاكات حقوق الإنسان وفق القرار (38 - 18).
ومن أبرز المنظمات التي وقعت على المذكرة «أعمل من أجل السودان»، والعفو الدولية، والمركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام، ومركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية، ومعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، والمركز الإقليمي لتدريب وتنمية المجتمع المدني، وهيئة محامي دارفور، ومشروع المدافعين عن حقوق الإنسان في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان، ومركز هودو، والمبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي، والمجموعة السودانية للديمقراطية أولا، والشبكة العربية لإعلام الأزمات، والتحالف العربي من أجل السودان.
وحث الموقعون على الحق الأصيل للسودانيين في الحياة الكريمة وعدم التعرض للتعذيب والمعاملة المهينة، وحقهم في حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي بما في ذلك حرية الإعلام، كما حث الموقعون المجلس على دعوة الحكومة للكف عن استخدام القوة المميتة والمفرطة ضد المحتجين السلميين، وإطلاق سراح جميع المحتجزين وضمان اتباع الإجراءات القانونية الواجبة والمحاكمة العادلة للمتهمين.



«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.


قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
TT

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)

يراقب الشارع اليمني انخراط الجماعة الحوثية في الحرب لدعم إيران عسكرياً في مواجهة أميركا وإسرائيل بقلق متزايد؛ خشية أن تتحول البلاد المنهكة بالحرب والأزمات الاقتصادية ساحةً جديدةً لصراع إقليمي أوسع. ويتساءل قطاع واسع من اليمنيين عن الفارق الذي ستحدثه هذه الخطة الحوثية، وسط آمال بانتهاء انقلاب الجماعة المتحالفة مع طهران.

وعلى الرغم من الخطاب التعبوي للجماعة عن «معركة كبرى» مزعومة ضد إسرائيل وحلفائها، يبدي السكان في صنعاء ومدن أخرى، مخاوف متنامية من تداعيات هذا الانخراط، بدءاً من احتمال تعرض البلاد لضربات عسكرية، وصولاً إلى مزيد من الضغوط المعيشية على مجتمع يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومنذ الساعات الأولى لإعلان الجماعة إطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل، بدأت ردود فعل متنوعة في أوساط السكان ما بين التهكم والقلق والغضب والاستعداد للنزوح وشراء مواد تموينية ضرورية، خصوصاً الوقود والغاز المنزلي، إلا أن هناك من رأى أن ما أقدمت عليه الجماعة قد يكون سبباً في حل الأزمة اليمنية، أو منحها بعداً جديداً.

يقول، مراد أحمد، وهو موظف عمومي، لـ«الشرق الأوسط» إنه وعائلته يتابعون التطورات بقلق متزايد، ويفكرون في خياراتهم إذا ما وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة مزيد من أعباء الحياة اليومية إذا أصبحت البلد في قلب حرب إقليمية جديدة قد يدفع ثمنها المدنيون أولاً.

عنصر حوثي في صنعاء يحرس مظاهرة للجماعة تأييداً لإيران (رويترز)

وتتردد في أوساط اليمنيين تعليقات متكررة تنتقد أولويات الجماعة الحوثية في ظل الأزمة المعيشية، فبينما ينتظر غالبية الموظفين العمومين الرواتب منذ سنوات، تتحول النقاشات توقعات ردود الفعل بعد إطلاق الصواريخ بعيدة المدى التي يستنكر الغالبية حضورها بينما تنقطع الكهرباء ويختفي الغاز وغالبية الخدمات ويتأجل الحديث عن الرواتب المنقطعة منذ قرابة عقد.

يشير جمال مصطفى، وهو موظف عمومي آخر ممن انقطعت رواتبهم منذ سنين، إلى أن التهكم في حد ذاته أصبح قاسياً ومريراً. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن اليمنيين، وبينما يخشون من التأثيرات الاقتصادية للحرب وتداعيات استهداف منشآت الطاقة، يجدون أنفسهم عُرضة لأن يكونوا أكثر من يدفع ثمن صراع أكبر منهم.

مغامرة غير محسوبة

وتتفاوت تقديرات المتابعين لمدى فاعلية ومساهمة المشاركة الحوثية في المواجهة الجارية في المنطقة، خصوصاً أن صواريخها ومسيّراتها التي استهدفت إسرائيل سابقاً لم تكن مؤثرة عسكرياً، مقابل هجماتهم السابقة في البحر الأحمر التي عطلت الملاحة الدولية وتسببت بخسائر كبيرة في الاقتصاد والتجارة العالميين ورفعت تكلفة النقل والتأمين البحري.

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتفعّل خطاباً تعبوياً للتصعيد رغم مخاوف السكان على معيشتهم (رويترز)

يذهب فارس البيل، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، إلى أن التدخل الحوثي المؤجل منذ بداية المواجهة كان مفروضاً على الجماعة، لكنه جاء في توقيت غير محسوب، فبعد أن كانت إيران تتوقع أن يؤثر الحوثيون في المعركة، فإن الضربات الأميركية - الإسرائيلية فككت قدرات النظام الإيراني وجعلت المساهمة الحوثية هشة وبلا مبرر، خلافاً للشروط التي وضعتها الجماعة قبل هجماتها.

ويضيف البيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن لا تأثير لدخول الحوثيين في حماية إيران أو تهديد إسرائيل عسكرياً، سوى أنه سيجلب على اليمنيين دمار بنيتهم التحتية، لكنه في الآن ذاته كتب على الحوثي النهاية، وسيفتح الباب لدخول أطراف جديدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر؛ ما سيكون سبباً لخلاص اليمن والمنطقة من الجماعة.

المزاج الشعبي

ويبدو المزاج الشعبي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية معزولاً عن خطابها التعبوي، فبينما يخشى كثيرون من تبعات مغامراتها، ينتظر غيرهم أن تعجّل جميع ممارساتها بإنهاء نفوذها.

يقول باحث يمني أكاديمي في السياسة والإعلام، إن قطاعاً من السكان باتوا يتوقعون أن تكون نهاية الأزمة اليمنية مرتبطة بالتصعيد الذي تشهده المنطقة، وإن مشاركة الجماعة الحوثية في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يمكن أن تؤدي إلى حل غير متوقع للصراع في اليمن.

الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

وحسب ما ينقله الباحث، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته لإقامته في صنعاء، فإن أصحاب هذا الرأي لا ينتمون إلى طبقة أو فئة اجتماعية محددة، وإنهم موجودون في كل المستويات الاجتماعية والعلمية والثقافية. ويفسر آراءهم بأنها تأتي نتيجة الضبابية والغموض في مستقبل الأزمة اليمنية، وصعوبة توقع حل سلمي لها، خصوصاً مع تعنت الجماعة الحوثية، واستعداداتها الدائمة لمعارك لا تنتهي.

استنزاف داخلي

يتفق كثير من المراقبين على أن ارتباط الأزمة اليمنية بالحرب الإقليمية الحالية من التدخل الحوثي، سيمنحها مساراً جديداً، لكنهم يختلفون في طبيعته وتفاصيله.

فوقاً لما يورده الباحث، هناك من يرى أن الحوثيين - بقدر ما يعرّضون البلد للمزيد من الخراب وتدمير البنية التحتية ويهدّدون حياة وسلامة السكان، إذا ما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل الرد على هجماتهم - يعرّضون أنفسهم بالمقابل لاستنزاف كبير، خصوصاً إذا طالت المواجهة، وهذا يسهِم في إضعافهم، ويعزز من إمكانية التمرد عليهم.

دخان غارة إسرائيلية وسط صنعاء في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وعلى جانب آخر، يرجّح آخرون أن يؤدي إضعاف الجماعة عسكرياً واستنزافها اقتصادياً إلى قبولها مستقبلاً بعملية سلام فعلية، بعد أن يجري تجريد النظام الإيراني من أدواته ووسائل دعم أذرعه في المنطقة، وفي هذه الحالة ستتعاطى بانتهازية لتجنب نفسها الانهيار الداخلي وصراع الأجنحة الذي ستتسبب به محدودية الموارد والنفوذ.

وطبقاً لتوقعات أخرى، فإن مغامرة الجماعة قد تؤدي إلى زيادة حظوظها في السيطرة والنفوذ في حال خروج إيران من المواجهة دون هزيمة كاملة تنهي قدرتها على التدخل في شؤون دول المنطقة؛ وهو ما سيعزز من خطاب الجماعة الذي يزعم قدرتها على فرض نفسها كقوة إقليمية، وسيقابله تفاقم معاناة السكان تحت سيطرتها.

ويرى أصحاب هذا التوقع أن ذلك سيفرض على اليمنيين مواجهة مباشرة وحاسمة مع الجماعة التي ستتوقع أنها فرضت نفوذها إلى الأبد، بينما هي عرضت نفسها لاستنزاف قدراتها وإمكانات سيطرتها، وضاعفت من غضب السكان عليها، كما حدث لنظام الأسد في سوريا أواخر العام قبل الماضي.


«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.