اليمن... إرهاب ثلاثي بغطاء إيراني

«الحوثي» و«داعش» و«القاعدة»... تضاد عقائدي ووحدة لوجيستية

قوات الشرعية اليمنية تعاين موقع تفجير سيارة مفخخة في مدينة عدن أعلن «داعش» مسؤوليته عنه (أ.ف.ب)
قوات الشرعية اليمنية تعاين موقع تفجير سيارة مفخخة في مدينة عدن أعلن «داعش» مسؤوليته عنه (أ.ف.ب)
TT

اليمن... إرهاب ثلاثي بغطاء إيراني

قوات الشرعية اليمنية تعاين موقع تفجير سيارة مفخخة في مدينة عدن أعلن «داعش» مسؤوليته عنه (أ.ف.ب)
قوات الشرعية اليمنية تعاين موقع تفجير سيارة مفخخة في مدينة عدن أعلن «داعش» مسؤوليته عنه (أ.ف.ب)

كشفت الأيام الأخيرة وتطورات الأحداث على الأرض في اليمن أن ميليشيات الحوثي الإرهابية التي تدور في فلك الإرهاب الإيراني الأسوأ من نوعه في تاريخ الخليج العربي والشرق الأوسط هي من يوفر الغطاء لتنظيمي القاعدة وداعش، وبدعم من طهران مباشرة في محاولة لا تخطئها العين لإثارة المزيد من الفوضى القاتلة في المنطقة.
الشاهد أنه في الأيام القليلة الماضية كشفت وزارة الداخلية اليمنية عن ضبط خلايا إرهابية تابعة لجماعة الحوثي تعمل تحت اسمي «داعش» و«القاعدة» على زعزعة الأمن والاستقرار، واستهداف قيادات الدولة، وتنفيذ عمليات الاغتيالات، وفي السياق نفسه كان الجيش اليمني يعلن عن إطلاق حملة أمنية واسعة النطاق لملاحقة عناصر تنظيم داعش ومحاولة تحجيم فلول «القاعدة» المنتشرين في الريف الغربي لمحافظة تعز جنوب صنعاء.
ولعل علامة الاستفهام الأولى في هذه السطور: «هل قدم الحوثيون إن بطريق مباشر أو غير مباشر الدعم اللازم والمطلوب للإرهاب وجماعاته المختلفة، ليزداد انتشارا في اليمن على النحو الذي جعل ذلك البلد بقعة مشتعلة في الحال والاستقبال؟».
المقرر بالتجربة التاريخية أن الإرهاب وخلاياه المختلفة لا تعيش إلا في بيئات منفلتة أمنيا عنوانها الفوضى وعدم الاستقرار، ولهذا فإنه ومنذ الانقلاب الحوثي في سبتمبر (أيلول) من عام 2014 فإن التنظيمات الإرهابية في اليمن تسعى جاهدة لاستغلال الأوضاع الأمنية المتردية من أجل محاولة فرض نفوذها على الساحة اليمنية.
على أن الخبراء في مجال تحليل ودراسة هوية الجماعات الإرهابية، لا سيما «داعش» و«القاعدة»، يدركون جيدا أن هناك خلافات بينية وفكرية عميقة إلى الدرجة التي جعلت بعضهم يتصادم بالفعل في الميدان.
أضف إلى ذلك أن إيران لها توجهات مغايرة عن الجماعتين، وعليه فقد باتت علامة الاستفهام: ما الذي يجمع الأضداد في إطار واحد وإن تقطعت بهم سبل التوجهات الآيديولوجية والعقائدية؟
المؤكد بداية أنه رغم اختلاف المرجعيات المذهبية لأطراف الثلاثي الإرهابي المتقدم، فإن المتابع لما يجري على الأرض في اليمن يدرك أن تضافر جهود الحوثي مع «القاعدة» و«داعش»، إنما يصب في نهاية المشهد لصالح المعسكر الإيراني ذاك الذي يسعى لتشتيت وإرباك الجيش اليمني والمقاومة والتحالف العربي ويسعى لأجل استنزافهم وإنهاكهم وهو ما لم ولن يدركوه.
في تقرير أخير لها كانت صحيفة «واشنطن بوست» ترصد عبر عيون الباحثة في جامعة أكسفورد، إليزابيث كيندال، كيف تمكنت «القاعدة» بداية من تعزيز حضورها في اليمن، لا سيما أنها استفادت بشكل بالغ من الفوضى التي أعقبت الحرب في 2015، لا سيما بعد استيلاء جماعات الحوثي على معدات عسكرية يمتلكها الجيش اليمني وإقدام مقاتليها على سرقة البنك المركزي.
ترى كيندال أن مفتاح نجاح تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وبخاصة في اليمن لم يكن بفعل التجنيد المباشر، لا سيما أن عدد مقاتليه الأساسيين لم يتجاوز أربعة آلاف عنصر في قمة صعوده إنما جاء بفعل الجهود التي بذلها التنظيم بغية الحصول على دعم كبار قادة المدن وشيوخ القبائل، إلى جانب مساعيه لـ«كسب التعاطف الضمني من جانب السكان المحليين».
في هذا الإطار بدا «القاعدة» مختلفا في توجهاته عن «داعش» في أنه اعتمد نهجا متدرجا في ممارسة أعمال الحكم ضمن نطاق سيطرته حيث عقد صيغا تشاركية ومحلية الطابع لتقاسم السلطة مع أبناء تلك المناطق.
هل اليمن يمثل بالنسبة لـ«القاعدة» أهمية استراتيجية عالية، لا سيما أن التنظيم يخطط للعودة بقوة بعد الضربات الشديدة الوقع والخسائر الهائلة التي تعرض لها منافسه الأشد تنظيم دولة الخلافة «داعش»؟
يمكن القطع بأن ذلك كذلك بالفعل، فاليمن يمثل بيئة تتقاطع فيها الجغرافيا والديموغرافيا في خلق بؤر تمرد ذات إمكانية بقاء عالية، كما أن اليمن يقع في منطقة بؤرية محورية تحمل تهديدا خطيرا لأمن القوى الإقليمية والدولية، كما أن القدرة على التمدد الأفقي عبر توظيف العامل القبلي في اليمن والسعودية أمر من شأنه أن يرفد «القاعدة» بالمزيد من الأنصار وأن يوسع قاعدة الأفراد الساعين إلى القيام بعمليات انتحارية.
لم يكن لتنظيم داعش حضورا قويا أو ملحوظا في اليمن قبل الانقلاب الحوثي لكن أجواء الاضطراب والانشقاق الداخلي من جهة، والهزائم التي مني بها التنظيم في العراق وسوريا على يد قوات التحالف الدولي من جهة ثانية، يسرت وبشكل كبير لتسرب أعداد من «الدواعش» إلى الداخل اليمني، لا سيما في المواقع المتقدمة التي يسيطر عليها الحوثي وجماعته كما حدثت بعض الانشقاقات المبكرة في صفوف «القاعدة» لصالح «داعش»، وتم الإعلان عن قيام إمارات مزعومة تابعة لتنظيم الدولة في عدد من مناطق اليمن، إلى جانب تنفيذ هجمات استحوذت على عناوين الصحافة في عامي 2015 و2016. إلا أن «داعش» بحال من الأحوال لم يستطع أن ينافس «القاعدة» على النفوذ في اليمن. بدأت «داعش» تظهر في اليمن في بدايات عام 2014 عندما أعلن أبو بكر البغدادي أن مقاتلين في اليمن تعهدوا بالبيعة أي بقسم الولاء الرسمي له، وفي ذلك الوقت كان تنظيم الدولة يتمتع باكتساب عناصر جديدة بشكل كبير في جميع أنحاء العراق وسوريا فيما كانت ذروة شعبيته تتصاعد بين السلفيين المتشددين، وعليه فإنه ابتداء من نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 انشق عدد من نشطاء «القاعدة» في شبه الجزيرة العربية وانضموا إلى تنظيم الدولة في اليمن.
لم يكن الاندماج واردا بين «القاعدة» و«داعش» بالمرة فقد اعتبر رجالات «القاعدة» فكر «داعش» بالنسبة لهم فكرا دخيلا، حيث أعلن القيادي بـ«القاعدة» حارث النظاري الذي قتل لاحقا أن تنظيم داعش لا يتجاوز كونه جماعة من الجماعات المتطرفة، وأن إعلان «داعش» لم يستوف الشروط اللازمة، ومن ثم فإن هذا الإعلان لا يبطل شرعية الجماعات الأخرى التي تعمل في الساحة، وبدا أن خطاب النظاري موجه بشكل أساسي لأنصاره في اليمن قبل أن يكون ردا على إعلان البغدادي.
كان للخلاف بين «القاعدة» و«داعش» أن يطفو على السطح في كل الأحوال فعلى الرغم من أن الأول حاول مرارا تأخير إعلان موقفه من الخلاف الذي جرت به المقادير بين الرجل الأول في تنظيم القاعدة والمسؤول عن هيكلها الحالي أيمن الظواهري، وبين تنظيم داعش الذي رأى في نفسه الأحق بقيادة التنظيم، فإن «القاعدة» في نهاية المطاف أعلنت تجديد بيعتها في اليمن للظواهري، ورفض فكرة قيام البغدادي بإعلان الخلافة بشكل منفصل.
أخفق «داعش» في اليمن في بداية الأمر فيما نجحت فيه «القاعدة»، وفي المقدمة من ذلك عجزه عن بلورة رؤية مجتمعية ثقافية محددة قادرة على التحدث بلسان اليمنيين ومخاطبتهم أو دغدغة مشاعرهم من أجل كسب المزيد من عناصرهم، فضلا عن غياب مشاركات في مشروعات تنمية المجتمع المحلي إلى جانب توجيه انتقادات قاسية لتكتيكات «داعش» من قبل مقاتلين انشقوا عن صفوفه إلى صفوف «القاعدة». ولأن «القاعدة» تنظيم مؤدلج فكريا فيما «داعش» عملياتي بشكل أكبر وأخطر، بدأ المشهد على الأرض يكاد يتحول إلى سباق دام بين المجموعتين لإحداث أكبر عمليات إرهابية، ففي مارس (آذار) 2015 أعلن ما يعرف بولاية صنعاء التابعة لتنظيم الدولة مسؤوليته عن تفجيرات صنعاء الأخيرة حيث فجر أربعة انتحاريين أنفسهم في مسجدي بدر والحشوش مما أسفر عن مقتل 142 شخصا في حين تبرأ «القاعدة» من العملية واتهم تنظيم داعش بالتساهل في سفك الدماء.
لم تتوقف المناوشات بين «القاعدة» و«داعش» عند المقارعات الفكرية، بل حدثت معارك فعلية على الأرض لا سيما في محافظات جنوبية ما اعتبر دليلا آخر على شعور تنظيم القاعدة بخطر استلاب الدواعش لمكان ومكانة أوسع وأعمق في المجتمع اليمني، ولاحقا بطغيان يمكن له أن يزيح مكتسبات «القاعدة» عبر الأعوام الماضية، لا سيما أن تنظيم داعش كان يتهم «القاعدة» في اليمن بأنه «تنظيم جهادي إسلامي لكن بما لا يكفي لأن يستحق هذا الوصف».
مرة أخرى كيف لتنظيمات متقاتلة على هذا النحو أن تتشارك ولو مرحليا تحت عباءة وغطاء واحد في الداخل اليمني؟... لتكن البداية من عند الحوثي و«القاعدة» وهي علاقة معقدة ومركبة فمع الإقرار بالاختلاف العقائدي أولا والآيديولوجي ثانيا، فإن المحلل المحقق والمدقق لتقارير مجلس الأمن والأمم المتحدة منذ 2014 وحتى اليوم يستطيع أن يرصد وبأقل مجهود فكري العلاقات الوثيقة التي ربطت علي عبد الله صالح مع تنظيم القاعدة، إضافة إلى أن التحقيقات تؤكد تورط ميليشيات الحوثي في زرع عبوات ناسفة بالمدن اليمنية ونسبتها لـ«داعش»، ما يؤكد كذلك تورط الميليشيات الحوثية مع «القاعدة»، وهنا الدليل الأول على أن «القاعدة» والحوثي وجهان لعملة واحدة صناعتها إيرانية فالعلاقة المزدوجة بين تنظيم القاعدة بإيران من جهة وبالحوثيين من جهة أخرى، تؤكد أن إيران نجحت وبكل أسف في استقطاب كثير من مقاتلي «القاعدة» وبينهم قيادات في الخط الأول والقيادات الوسطى، كما أنها قامت بتقارب بين ميليشيات الحوثي وميليشيات «القاعدة»، والجميع يعلم أن هناك صفقات تبادل أسرى بين الحوثيين و«القاعدة» برعاية إيرانية، كما كشفت المفاوضات في مراحلها المختلفة عن العلاقة بين تنظيم القاعدة وجماعة الحوثي وذلك عندما رفضت ميليشيات الحوثي مقترحا من الأمم المتحدة بإصدار بيان يؤيد العملية العسكرية ضد تنظيم القاعدة في المكلا وأبين.
هل من خيط يربط بين «داعش» وإيران، لا سيما في اليمن؟
ليس سرا القول إن الإيرانيين الذين أطلقوا ظاهريا فتاوى ما عرف بـ«الجهاد الكفائي» ضد «داعش»» علنا هم أكثر المستفيدين منها سرا لتحقيق مصالحهم في المنطقة، فطهران التي لا تستنكف تدين «داعش» لفظيا هي التي لا تحاربه على أرض الواقع عسكريا أو لوجيستيا، ولهذا نرى «داعش» يتحاشى استهدافها رغم شعاراته العلنية المضادة والمهاجمة للشيعة مما يؤكد وجود مصالح خلفية بين الجانبين في الماضي والحاضر.
أحد أفضل الأصوات التي كشفت لنا أبعاد العلاقات الخفية بين الإيرانيين و«الدواعش» دكتور مجيد رفيع زاده الباحث الإيراني الأميركي بجامعة هارفارد، والذي أشار إلى أن طهران استخدمت «داعش» في تعزيز قوتها الإقليمية، حيث كانت تواجه صعوبة في إضفاء الشرعية على دورها في العراق ودعمها لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، كما أن إيران استغلت «الدواعش» في زخم ودعم قوة الميليشيات الشيعية التي تدعمها والتي تلعب دورا خطيرا اليوم في بلدان عربية مثل العراق وسوريا ولبنان والبحرين واليمن، وعليه فإن تظاهر إيران بأنها تقاوم «داعش» هو شأن منحول وغير صحيح؛ إذ من مصلحتها بقاء التنظيم الإرهابي قويا ومنتشرا، الأمر الذي جعل البعض ينظرون إلى «داعش» على أنه حصان طروادة بالنسبة لإيران.
يوما تلو الآخر تتضح معالم التنسيق بين «الحوثي» و«القاعدة» و«داعش» في اليمن بمظلة مالية وعسكرية إيرانية، فقد ظهر الأمر قبل فترة عندما أقدم «الدواعش» على قتل عناصر يمنية في محافظة البيضاء كانوا في طريقهم إلى محافظة مأرب للالتحاق بصفوف الجيش الوطني الذي يواجه جماعة الحوثي الانقلابية، العملية التي تؤكد أن المستفيد الأول من تنفيذها هي الميليشيا الحوثية رغم اختلاف المرجعية المذهبية للطرفين.
هل التحالف الثلاثي الشرير المتقدم يعني أن قوات التحالف الدولي تحقق نجاحات بالفعل على الأرض؟ المؤكد أن قوات التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن قد نجحت في التصدي للميلشيات الإرهابية من خلال الانتصارات الميدانية الكبيرة التي تحققت منذ انطلاق «عملية الحزم» في مارس 2015 وحتى اللحظة، حيث عملت قوات التحالف العربي على كبح جماح الميليشيات الحوثية، وتمكنت عبر إسناد القوات اليمنية والمقاومة الشعبية من استعادة 85 في المائة من الأراضي اليمنية التي كانت مهددة بالسقوط في براثن المشروع الإيراني الرامي لضرب المنطقة وتهديد الأمن الإقليمي والعالمي، وفي مواجهة تلك الانتصارات يُضحي من الطبيعي أن ينشأ تحالف «حوثي - داعشي – قاعدي»، يسعى لتنفيذ هجمات إرهابية جديدة في اليمن تستهدف المناطق المحررة من قبل القوات الشرعية.


مقالات ذات صلة

العليمي يعلن انطلاق «فجر اليمن» لاستعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين

العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يعلن انطلاق «فجر اليمن» لاستعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الاثنين، انطلاق عملية عسكرية أطلق عليها اسم «فجر اليمن»، بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وحدات من قوات ألوية العمالقة (إعلام عسكري)

قوات العمالقة و«درع الوطن» تتقدم نحو ذوباب قرب باب المندب

تُواصل قوات «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» تقدمها في مناطق محيطة بمضيق باب المندب، وسط معارك عنيفة مع جماعة «الحوثي» بمنطقة ذوباب، بالتزامن مع عمليات عسكرية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي أضواء انفجارات سببتها الصواريخ الحوثية على مدينة المخا منتصف أغسطس (آب) الماضي (رويترز)

الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

تكشف الهجمات الصاروخية الحوثية عن نمط استهداف لعمق سيطرة القوات الحكومية بوصف ذلك تمهيداً للتقدم الميداني بضرب المنشآت الحيوية وإرهاب السكان ومراكز الإمداد

وضاح الجليل (عدن)
خاص بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ) p-circle

خاص قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

قال رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية إن سيطرة الحوثيين على باب المندب وجزر البحر الأحمر تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

وجدت جيبوتي نفسها تحت وطأة تدفق آلاف الفارين من جحيم النزاعات وسط تصاعد الأزمات في دول الجوار، لا سيما في إثيوبيا واليمن.

محمد محمود (القاهرة)

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
TT

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها في منزلها بحي مونمارتر في باريس، قبل 39 عاماً. فقد توفيت في 3 مايو (أيار) 1987، عن 54 عاماً، وتركت رسالة كتبت فيها: «سامحوني، الحياة لم تعد تُحتمل».

يُستهلّ العرض بعزف على الكمان لأغنيتها الشهيرة «حلوة يا بلدي»، التي يستمد عنوانه من أحد مقاطعها، وتعبّر عنها طفلة ترقص الباليه. وتبدأ الأحداث قبل ساعات من رحيل داليدا، وسط شعورها بالوحدة والضياع، لكن العرض لا يسقط في فخ الميلودراما، بل يقدّم رؤية موسيقية غنائية استعراضية صاغها المخرج حمدي العربي.

الفنانة داليدا (أرشيفية)

وتجسّد الفنانة الجزائرية كريمة نايت شخصية داليدا، فيما تحضر المطربة الراحلة في خلفية المسرح، عبر مشاهد من حفلاتها وصور لها بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

في المشاهد الأولى للمسرحية، التي قُدّمت على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، تستيقظ داليدا وداخلها شعور خانق بالوحدة والضيق، وكأنها تتعرض للمطاردة من وجوه عديدة غير واضحة الملامح، تكثّف حضورها شاشة العرض في خلفية المسرح. وتمزّق ملابسها التي تظهر بها في الحفلات، وتستعيد حواراً مع والدتها حين كانت طفلة.

وتتوالى المشاهد بين الإبهار في أزياء البطلة وبقية المشاركين والإضاءة اللافتة، ولحظات تتسم فيها داليدا بالحيوية، وأخرى تبدو خلالها منكسرة وضعيفة.

وتغنّي «أنا الديفا»، معبّرة عن إحساسها بالنجاح واعتزازها بما قدّمته، قبل أن يلاحقها الإحباط وتحيط بها مشاعر الوحدة بعدما ضاقت بقيود الشهرة؛ فتغنّي: «أنا مش مانيكان، أنا روح إنسان، مش وردة بلاستيك على رسمة فستان».

وتقدّم كريمة نايت أغنيات لداليدا بصوتها، من بينها «Je suis malade»، التي تعبّر عن حزنها وإحساسها بالمرض، وترافق أداءها بالرقص الإيقاعي والاستعراض مع فريق من راقصي الباليه. وتشارك في الأداء التمثيلي شيري أحمد وتمارا مصطفى حجاج.

وأكد مخرج العرض، الفنان حمدي العربي، الذي يقيم بين مصر وألمانيا، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنه ظل يعمل على العرض منذ سنوات، عادّاً المطربة الراحلة مصدر إلهام له. وقال: «صدمني مثل كثيرين خبر انتحارها رغم أنها حققت أمجاداً عالمية».

ملصق العرض المسرحي (الشرق الأوسط)

وأضاف: «رحلتها جمعت بين القوة والضعف، وهذه القوة مكّنتها من تحقيق كل هذه المكانة العالمية، ثم حين تعود إلى بيتها تجد نفسها وحيدة وضعيفة رغم كل الحب الذي أحاطها به الجمهور في كل مكان. فقد كانت تتوق لكي تكون أمّاً ولم تستطع، كما أن الذين أحبتهم أنهوا حياتهم».

وأوضح العربي أنه أنتج العرض بشكل مستقل، وأنه يسعى إلى تقديمه كلما توافرت له فرصة، متطلعاً إلى عرضه في مدن عربية وأجنبية خلال الفترة المقبلة.

وعن اختياره بطلة لا تشبه داليدا في الشكل، قال إنه قصد ذلك، ولا يعنيه التطابق الشكلي بينهما؛ لأنه لا يقدّم بطلة تقلّد داليدا وتتشبّه بها، بل يهمّه أن تعبّر عن روح الفنانة الراحلة.

وأضاف: «كريمة نايت تتمتع بطاقة فنية عالية مطربة وراقصة للرقص الحديث وممثلة لها مسيرة طويلة، وقد جعلتها أيضاً تغنّي أغنيات داليدا دون الاستعانة بتسجيلات صوتية للفنانة الراحلة».

ولعبت الموسيقى دوراً كبيراً في العرض المسرحي، بمشاركة شريف الوسيمي، الذي عَدّه المخرج شريكاً رئيسياً في جميع عروضه، لما يتمتع به من موهبة، ولما يجمعهما من تفاهم.

المخرج وفريق العمل يوجهون تحية للجمهور في نهاية العرض (الشرق الأوسط)

وأشار المخرج إلى عمله في بداياته عارضاً في فيديوهات أغنيات عدة لمطربات، من بينها «وحياتي عندك» لذكرى، و«كل دي إشاعات» لسميرة سعيد. كما أخرج عروضاً مسرحية في مصر، من بينها «فاوست»، التي قدّمها برؤية شعبية مصرية، وتناول سيرة أسطورة الباليه «نورياف» في عرض مسرحي قام ببطولته ممدوح حسن.

وُلدت المطربة الإيطالية الأصل يولاندا كريستينا جيجليوتي، الشهيرة بـ«داليدا»، في حي شبرا بالقاهرة، وشاركت ممثلة في الفيلم المصري «سيجارة وكأس» للمخرج نيازي مصطفى عام 1955. وحققت نجاحاً منقطع النظير مطربة بعد وصولها إلى فرنسا، وغنّت بلغات عدة، من بينها العربية والفرنسية والإيطالية واليونانية والألمانية، ولها رصيد يتجاوز ألف أغنية. كما لعبت بطولة فيلم «اليوم السادس» للمخرج يوسف شاهين عام 1986.

ويخلّد ذكراها تمثال نصفي برونزي أبدعه النحات أسلان، ونُصب عام 1997 في ساحة داليدا بحي مونمارتر في باريس.


«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».