هل يطلق انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ سباقاً جديداً للتسلح مع الصين وروسيا؟

هل يطلق انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ سباقاً جديداً للتسلح مع الصين وروسيا؟
TT

هل يطلق انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ سباقاً جديداً للتسلح مع الصين وروسيا؟

هل يطلق انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ سباقاً جديداً للتسلح مع الصين وروسيا؟

انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الأسلحة والصواريخ النووية المتوسطة المدى مع روسيا، فتح الباب أمام مناقشات اختلط فيها السجال السياسي الداخلي والخلافات بين الرئيس دونالد ترمب ومعارضيه، مع السياسات الخارجية ومصالح أميركا الاستراتيجية وتحالفاتها الدولية.
ورغم تأييد عدد كبير من أعضاء الكونغرس من الحزبين للخطوة، يرى عدد من رموز الحزب الديمقراطي، أن الانسحاب من المعاهدة يأتي في سياق محاولة الرئيس ترمب إبعاد شبهة التواطؤ مع روسيا في الانتخابات الرئاسية عام 2016 لإجهاض التحقيقات التي يجريها المحقق الخاص روبرت مولر في هذا الملف. في المقابل يدافع قادة الحزب الجمهوري عن الخطوة باعتبارها ضرورة للأمن القومي وردا على تلك الاتهامات.
غير أن الموقف الذي نقل عن اعتراض قادة البنتاغون الخروج من المعاهدة يظهر تباينا مع موقف الإدارة الأميركية الرسمي، رغم اقتناع القادة العسكريين بانتهاك روسيا للمعاهدة عبر تطويرها بشكل سري للصواريخ العابرة المتوسطة 9 إم 729.
تقول تلك الأوساط إن إعلان الانسحاب من المعاهدة كان من صلاحية وزير الدفاع، وعدم وجود وزير أصيل على رأس الوزارة ليس سببا كافيا لاستبداله بوزير الخارجية مايك بومبيو ليتولى هو هذا الإعلان. قادة البنتاغون يعتبرون أن الانسحاب من المعاهدة يحرم واشنطن إمكانية الاستمرار في عمليات الرقابة والتفتيش لإجبار موسكو على تغيير سلوكها، وأنه يأتي في سياق مواصلة سياسات الانسحاب من الاتفاقات الدولية كما جرى في الاتفاق النووي مع إيران، والتي عارضها وزير الدفاع السابق جيم ماتيس. ماتيس كان حريصا على الحفاظ على المعاهدات الدولية معتبرا أنها تسمح لواشنطن بمواصلة رقابتها وضغوطها لإجبار الطرف الآخر على الالتزام بها.
غير أن توجيه الاتهامات إلى من يوصفون بصقور الإدارة الأميركية كمستشار الأمن القومي جون بولتون، بأنهم يسعون إلى إعادة فرض أجندة سياسية خارجية متشددة، يلتقي مع تقديرات تقول إن الخطوة موجهة في الأصل إلى الصين التي تشهد برامجها الصاروخية وأسلحتها الاستراتيجية قفزة نوعية، تهدد ليس فقط حلفاء واشنطن في آسيا، بل والمصالح الحيوية للولايات المتحدة.
معاهدة الصواريخ المتوسطة التي وقعت قبل أكثر من 30 عاما لم تكن الصين طرفا فيها، لأنها لم تكن تشكل تهديدا استراتيجيا جديا، وكان تصنيفها السياسي والاقتصادي والعسكري يضعها في منزلة متأخرة نسبيا عن الدول الأكثر تقدما. لكن اليوم ومع كشفها عن العديد من برامجها وصناعاتها وطموحاتها التقنية والعسكرية وتمددها الاقتصادي والتجاري في شتى المجالات، بات من السذاجة عدم أخذ تهديداتها على محمل الجد. حتى اللحظة لم يصدر أي موقف رسمي سواء من إدارة ترمب أو من القادة العسكريين ما يؤكد هذه الفرضية أو يبني عليها. غير أن الكشف عن برنامج الدفاع الصاروخي للعام 2020 وهو الأول منذ نحو عشر سنوات، يثير بواعث القلق التي تسيطر على الدوائر العسكرية والاستراتيجية، بعيدا عن نظريات المؤامرة والتواطؤ مع روسيا. فقد نشر معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية في ندوة في واشنطن تقريرا عن التحديات التي تواجه الولايات المتحدة وبرنامجا عن خطط لتطوير الدفاع الصاروخي، اعتبر تجديدا لبرنامج «حرب النجوم» في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان.
مساعد نائب وزير الدفاع الأميركي لشؤون السياسة ديفيد تراشتنبرغ الذي شارك في الندوة مع الجنرال صامويل غريفس مدير وكالة الدفاع الصاروخي، قال إن تعاظم التحديات التي تواجه الولايات المتحدة من تنامي قدرات بعض البلدان وخصوصا روسيا والصين وكورية الشمالية وإيران في مجال إنتاج وإطلاق الصواريخ الباليستية والصواريخ الفائقة السرعة، فضلا عن تطور وتغير التقنيات المستخدمة في هذا المجال، يفرض على الولايات المتحدة إعادة النظر في برنامج دفاعها الصاروخي للرد على تلك التحديات. وشدد على أن المراجعة تهدف بالدرجة الأولى إلى إعادة التوازن في ميزان القوى بما يضمن للولايات المتحدة الحفاظ على تفوقها، والدخول في شراكات استراتيجية مع حلفائها. وأكد أن الولايات المتحدة تشارك إسرائيل في تطوير الكثير من البرامج والتصاميم الصاروخية وأجهزة الرادار وأدوات المراقبة وأجهزة الإنذار، لأن لديها تجربة طويلة على أرض الواقع في مواجهة الهجمات الصاروخية التي تتعرض لها من حركة حماس بحسب قوله.
وأضاف أن قيام الحوثيين بإطلاق الصواريخ التي زودتهم بها إيران على السعودية، يثبت الحاجة إلى وجود أنظمة دفاع صاروخي فاعلة، ما سمح بإنقاذ الأرواح بالدرجة الأولى، ويفرض على حلفائنا المشاركة معنا في جهود تطوير أنظمة الدفاع باعتبار أن تلك الهجمات الصاروخية تشكل هاجسا وتحديا مقلقا للجميع.
وأكد تراشتنبرغ أن قرار الانسحاب من المعاهدة مع روسيا اتخذ بالتشاور والتنسيق مع الحلفاء الأوروبيين لأن الأمر يمس أمنهم بشكل مباشر، ولم يكن قرارا أحاديا من واشنطن.
وأضاف أن الأوروبيين متضامنون مع الولايات المتحدة في إدانة الانتهاكات الروسية للمعاهدة، وعلى موسكو أن لا تلوم إلّا نفسها جراء قرار واشنطن الانسحاب من المعاهدة.
من ناحيته عرض الجنرال غريفيس عناوين برنامج الدفاع الصاروخي الجديد للعام 2020 والذي يشير في حال تنفيذ بنوده إلى أن سباقا جديدا للتسلح في طريقه للتحول إلى واقع ملموس، لا يمكن التكهن بنتائجه وآثاره على منافسي الولايات المتحدة. ويدعو البرنامج الطموح إلى إنتاج ما يكفي من الصواريخ الباليستية الدفاعية، وصيانة 44 قاعدة للصواريخ الاعتراضية المنتشرة داخل الأراضي الأميركية وخارجها والتأكد من جهوزيتها وقدراتها. كما يطلب إعادة تصميم أجهزة إطلاق الصواريخ وتحديث ما هو قائم، وتحديث وتطوير برامج الأمن السيبراني. ويتضمن إضافة 20 قاعدة أرضية للصواريخ الاعتراضية وأربع قواعد للصواريخ الباليستية، وتركيب أجهزة رادار متقدمة لرصد الصواريخ البعيدة المدى عام 2020.
ويدعو البرنامج إلى تعزيز وتطوير نظام الرادار والإنذار المبكر في جزيرة هاواي عام 2023. وإقامة ثلاثة مراكز دفاعية صاروخية في بولندا عام 2020. ويشدد على دعم ومساعدة جهود الحلفاء في إقامة أنظمة دفاعية صاروخية كاليابان، ونشر المزيد من بطاريات «ثاد» المضادة للصواريخ خلال عام 2020. ويعتبر البرنامج أن هناك حاجة داهمة لأنظمة دفاع صاروخية فائقة السرعة، ونشر أنظمة استشعار وقواعد في الفضاء الخارجي وأنظمة دفاعية تعمل بأشعة الليزر.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...