استعادة الجهاديين من سوريا تثير مشكلات في فرنسا

باريس بدأت نقلهم من المناطق الكردية إلى العراق

TT

استعادة الجهاديين من سوريا تثير مشكلات في فرنسا

وفد عسكري تركي في موسكو لمناقشة الانسحاب الأميركي من سوريا

غداة اجتماع لمجلس الأمن القومي برئاسة إردوغان
أنقرة: سعيد عبد الرازق
توجّه وفد من وزارة الدفاع التركية إلى العاصمة الروسية موسكو، أمس (الخميس)، لبحث آخر تطورات الملف السوري.
وقالت مصادر في وزارة الدفاع التركية إن الوزارة أرسلت وفداً إلى موسكو لبحث آخر التطورات التي تشهدها سوريا. وذكرت تقارير إعلامية أن وفداً برئاسة وزير الدفاع خلوصي أكار، ورئيس جهاز المخابرات هاكان فيدان، توجه إلى العاصمة موسكو، لبحث المنطقة الآمنة، والانسحاب الأميركي من سوريا.
وقام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة لموسكو الأسبوع الماضي أجرى خلالها مباحثات مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وبحث معه الانسحاب الأميركي من سوريا، والمنطقة الآمنة في شمال سوريا، والتطورات في إدلب. وأبدت موسكو انزعاجها من التطورات في إدلب وعودة هيئة تحرير الشام، التي تشكل («جبهة النصرة» سابقاً) غالبية قوامها، للسيطرة على منطقة خفض التصعيد المتفق عليها في إدلب، وأشارت إلى أن «اتفاق سوتشي» بشأن إقامة منطقة منزوعة السلاح في إدلب الموقّع بين إردوغان وبوتين في 17 سبتمبر (أيلول) الماضي، لم يُنفذ بالكامل، وأن المنطقة باتت خاضعة لسيطرة شبه كاملة من جانب «النصرة».
وتأتي زيارة الوفد التركي لموسكو غداة اجتماع لمجلس الأمن التركي برئاسة إردوغان، أول من أمس، أكد مواصلة أنقرة موقفها الحازم فيما يتعلق بالحفاظ على الوضع الحالي في إدلب، وتطبيق خريطة الطريق في منبج بشكل عاجل، وتنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها حول شرق الفرات (في إشارة إلى المقترح الأميركي بشأن المنطقة الآمنة)
وجدد مجلس الأمن القومي التركي، في بيان، عقب الاجتماع، دعوته إلى «وقف الدعم الأجنبي المقدم إلى الإرهاب»، والتأكيد، بشدة، على مواصلة مكافحة جميع المنظمات الإرهابية دون انقطاع. ولفت البيان إلى أن الاجتماع بحث تحقيق أمن الحدود الجنوبية في إطار العملية ضد الإرهاب، والتدابير المكملة المتخذة ضد أساليب التنظيمات الإرهابية الرامية إلى إقلاق راحة المواطنين. وأكد المجلس أن تهرُّب بعض البلدان (لم يسمِّها) من تسليم أعضاء التنظيمات الإرهابية الفارين إليها «غير مقبول»، مطالباً إياها بتسليمهم بموجب القوانين والاتفاقات الدولية.
في السياق ذاته، اتهم وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، بعض أعضاء التحالف الدولي للحرب على «داعش» (لم يسمهم)، بـ«دعم الإرهابيين في إدلب في محاولة لإحباط الاتفاق التركي الروسي في سوتشي حول وقف التصعيد في إدلب». وقال في مقابلة مع صحيفة «حرييت» التركية، أمس، إن «بعض الشركاء في التحالف يدعمون (هيئة تحرير الشام) أولاً من أجل إلحاق الضرر بـ(اتفاقية سوتشي)، وثانياً لأن هذه الدول تبذل جهوداً كبيرة لمنع تشكيل اللجنة الدستورية في سوريا.
وأضاف أن هذه الدول تحرض «هيئة تحرير الشام» على انتهاك اتفاق إدلب بتقديم الدعم المالي لها، لافتاً إلى أن لدى روسيا اقتراحاً لعملية مشتركة لإخراج الإرهابيين من هناك. وتابع أن الدول التي جاء منها المقاتلون الأجانب إلى إدلب لا ترغب في استعادتهم، وأن «هيئة تحرير الشام» لا تستطيع تجنيد المزيد من المقاتلين بسبب أن الحدود التركية السورية تحت سيطرة تركيا، مشيراً إلى أنه بعد مجيء بلاده إلى إدلب، غادر كثير من مسلحي هيئة تحرير الشام.
وأشار إلى أن علامة الاستفهام الرئيسية في إدلب هي المكان الذي سيذهب إليه متشددو تحرير الشام عند مغادرة إدلب.
وبالنسبة للمنطقة الآمنة المقترحة من جانب واشنطن، قال جاويش أوغلو إن روسيا لا ترفض رفضاً قاطعاً فكرة إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا، و«رأينا ذلك خلال مباحثات الرئيس التركي في موسكو، الأسبوع الماضي، لكن تفاصيل المنطقة المقترحة من قبل الولايات المتحدة لم تتضح بعد»، لافتاً إلى أنه في أعقاب اقتراح الولايات المتحدة الخاص بالمنطقة الآمنة، أكد الروس، بشكل خاص، ضرورة العمل على وقف مخاوف تركيا. والأسئلة المتعلقة بالمنطقة الآمنة ستُناقش في اجتماع مجموعة عمل مشترك رفيعة المستوى تركية - أميركية ستُعقد في واشنطن في 5 فبراير (شباط) الحالي.
وأشار إلى أن أنقرة تعترض على إمكانية قيام النظام السوري بملء الفراغ في المنطقة التي ستنسحب منها الولايات المتحدة في شرق نهر الفرات، لأن مثل هذا السيناريو قد يشكل تهديداً للأمن القومي لتركيا، لأن «وحدات حماية الشعب» يمكن أن تتعاون مع أي طرف، بما في ذلك النظام السوري.
وأضاف أن الولايات المتحدة تعترض أيضاً على دخول النظام إلى هذه المنطقة، وليس لدينا وجهات نظر مختلفة حول هذا الأمر... «الأميركيون يقولون إن النظام يعني الإيرانيين. لقد أخبرونا بذلك صراحة».
ولفت إلى أن نحو 400 ألف كردي سوري يمكن أن يعودوا إلى المنطقة الآمنة، إذا ما تم تأسيسها.
وبالنسبة لمنبج، قال جاويش أوغلو، إن هناك تأخيراً في مسار خريطة طريق منبج المتفق عليها مع الولايات المتحدة، لكن الآن تسارعت عملية التنفيذ، ونناقش قوائم الأسماء التي سيتم تعيينها في الوحدات الأمنية والإدارات المحلية في منبج.

لم يهدأ بعد الجدل الذي اندلع على خلفية احتمال عودة الجهاديين الفرنسيين أو المقيمين مع نسائهم وأولادهم إلى فرنسا، من المعتقلات القائمة شمال وشمال شرقي سوريا التي تشرف عليها وحدات حماية الشعب الكردية بمساعدة القوات الأميركية والفرنسية والبريطانية.
ومع استمراره، دخل أمس رئيس الحكومة ووزيرة العدل على الخط. وأكد الأول، أن باريس تفضل استعادتهم و«محاكمتهم بقسوة في فرنسا بدلاً من أن يتوزعوا للقيام بأعمال أخرى بما في ذلك ضد بلدنا». وبعد وزير الداخلية ثم وزارة الخارجية، سعى رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب إلى طمأنة الرأي العام الفرنسي المتوجس من عودة جهاديين؛ لما يشكلونه من مخاطر على الأمن في بلد عانى في السنوات الأربع الماضية من عشرات العمليات الإرهابية. أما وزيرة العدل نيكول بيلوبيه، فقد حاولت من جانبها تهدئة روع الفرنسيين من خلال التركيز على أن أكثرية العائدين، في حال عودتهم، سيكونون من الأطفال الذين «إما ولدوا هناك أو سافروا من فرنسا وهم صغار السن مع أهلهم»، مضيفة أن «أعداد هؤلاء أكبر من أعداد البالغين».
حتى زمن ليس بالبعيد، كانت باريس تستبعد عودة البالغين من النساء والرجال وتريد محاكمتهم في مناطق اعتقالهم، في حين تركز جهودها على استعادة الأطفال وحدهم. ووفق الأرقام المتوافرة التي وصفتها الوزيرة الفرنسية بـ«غير الثابتة»، فهناك 130 من الفرنسيين في معسكرات اعتقال وحدات حماية الشعب الكردية بينهم 80 طفلاً، في حين البالغون ينقسمون بالتساوي بين الرجال والنساء. وبين هؤلاء أسماء معروفة من الذين كانت لهم أدوار مهمة في تعبئة فرنسيين وفرنسيات ودفعهم للذهاب إلى سوريا، أو لعبوا دور «المشغلين» للدفع إلى تنفيذ عمليات إرهابية على الأراضي الفرنسية. يضاف إلى هؤلاء مئات عدة من الفرنسيين المتواجدين في البلدات التي ما زالت تحت سيطرة «داعش» في وادي الفرات وعلى الحدود مع العراق أو في البادية السورية ومنطقة إدلب، وبالتالي، فإن ترحيل الـ130 لا يعني أن الوجود الجهادي الفرنسي في سوريا قد انتهى. وثمة معلومات تفيد بوجود مجموعة من الفرنسيين في سجون النظام وقد أسروا في المعارك التي قامت بها القوات السورية وحلفاؤها من الميليشيات شرق البلاد. وقد اضطرت باريس إلى تغيير مقاربتها لهذا الملف المتفجر بعد قرار الرئيس ترمب سحب قواته من شمال وشمال شرقي سوريا، والمخاوف من قيام تركيا بعملية عسكرية في المناطق المذكورة؛ ما يعني أن بقاء هؤلاء الجهاديين في معتقلاتهم لن يكون مضموناً. وسبق للأكراد في سوريا أن استخدموا هذه الورقة للضغط على الغربيين لحملهم على ردع تركيا عن القيام بمغامرة عسكرية يكون من شأنها تشتت الجهاديين فرنسيين أو غير فرنسيين، أو حتى هربهم بما يضاعف مخاطر حصول أعمال إرهابية جديدة أينما كانوا. وفي حين يبدو أن القرار الأميركي لا رجعة عنه، لم يعد أمام الحكومة الفرنسية مفر من تغيير مقاربتها. وأول من أمس، أثير الملف في اجتماع لمجلس الدفاع عقد برئاسة الرئيس إيمانويل ماكرون لرسم المسار الذي ستسلكه فرنسا في هذه المسألة.
وأمس، كشفت صحيفة «لو فيغاور»، عن أن باريس بدأت في ترحيل الجهاديين من سوريا إلى العراق؛ تمهيداً على الأرجح لنقلهم لاحقاً إلى فرنسا. وتفيد الصحيفة، بأن 82 شخصاً وهم من البالغين قد نقلوا بالفعل إلى الأراضي العراقية. أما العدد الإجمالي للجهاديين وعائلاتهم فيقل وفق الأرقام المتداولة عن الألف.
وإذا كان الانسحاب الأميركي (2000 جندي) هو المحرك الأول الذي حمل باريس على تغيير سياستها، فلأنه يحمل أخطاراً ثلاثية الأبعاد: فهو من جهة، سيعني لاحقاً أو في الوقت عينه رحيل القوة الفرنسية والبريطانية الموجودتين إلى جانب الأكراد، وبالتالي سيضاعف مخاطر تفلت الجهاديين من الرقابة؛ نظراً للدور الرئيسي الذي يلعبه الغربيون في حراسة مخيماتهم. والثاني مرتبط بالمحادثات الجارية بين الأكراد والنظام السوري والخوف الغربي من أن يعمد هؤلاء إلى تسليمهم إلى دمشق ما سيعطيها ورقة ضغط أمنية وسياسية على العواصم الغربية الثلاث. وأخيراً، فإن باريس التي كانت تحظى بمعاملة خاصة من الطرف الكردي تتخوف كذلك من التهديدات والتحركات التركية وما سيكون لها من أثر بالغ على قدرات الأكراد على الاهتمام بالجهاديين.
الثابت اليوم، أن عودة الجهاديين مع عائلاتهم تثير الكثير من الإشكاليات، أولاها إنسانية وتتناول مصير الأطفال ويعدّون بالعشرات؛ إذ يتعين فصلهم عن أمهاتهم، وفي حال لم تقبل الأمهات هذا الفصل، فسيكون من الصعب التعامل معهم أو إبقاؤهم إلى جانب أمهاتهم في السجون. والثانية قضائية، وفحواها أن النظام القضائي الفرنسي لا يتيح النطق بالأحكام إلا بناءً على قرائن مادية وشهادات، وبالتالي سيكون من الصعب الحصول عليها من أجل إدانة الجهاديين وإرسالهم لسنوات إلى السجون. ثم هناك صعوبة لوجيستية تتناول توزيع العائدين على الس



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.