كيف نجحت أوروبا في تحقيق نهضتها؟

انتقلت تدريجياً من الوعظ والإرشاد إلى النقد والبحث

المؤلف: وليد نويهض - الناشر: ثقافة للنشر والتوزيع - الإمارات العربية المتحدة / 2018 277 صفحة
المؤلف: وليد نويهض - الناشر: ثقافة للنشر والتوزيع - الإمارات العربية المتحدة / 2018 277 صفحة
TT

كيف نجحت أوروبا في تحقيق نهضتها؟

المؤلف: وليد نويهض - الناشر: ثقافة للنشر والتوزيع - الإمارات العربية المتحدة / 2018 277 صفحة
المؤلف: وليد نويهض - الناشر: ثقافة للنشر والتوزيع - الإمارات العربية المتحدة / 2018 277 صفحة

عن دار «ثقافة للنشر والتوزيع»، في الإمارات العربية المتحدة، صدر في أكتوبر (تشرين الأول) 2018 كتاب «نشوء النخبة الأوروبية (1400 - 1920)»، للباحث اللبناني وليد نويهض الذي يطرح في مقدمة كتابه سؤالاً محورياً: كيف حققت أوروبا نهضتها؟ والإجابة بالطبع تحتاج عودة تاريخية إلى لحظة البدء.
تلك اللحظة بدأت في القرن الخامس عشر، وأخذت بالنمو والصعود الطردي بعد تغيير خطوط التجارة القديمة (طريق الحرير)، وعبور السفينة المحيطات، وصولاً إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، واكتشاف أميركا في نهاية ذلك القرن. بعد ذلك، أخذت أوروبا بالنهوض، من خلال معانقة العمران بالمعرفة، ولم يكن انهيار القديم (الأوروبي) من فراغ، إنما جاء استجابة للتحولات العمرانية والاكتشافات والاختراعات العلمية والفلكية والهندسية. وخلال هذه الفترة، برز دور النخبة الأوروبية، فأخذت تكتشف موقعها ووظيفتها، وبدأت تتدخل لصوغ منظومة معرفية تتخطى الفلسفات والمناهج الكلاسيكية المتوارثة والمترجمة عن العرب واليونان. لم تكن هذه النخبة موحدة، لكنها كانت مدركة لمسار التطور ونهاياته المتخالفة. وكانت بريطانيا هي الأولى في إدراك المتغيرات (ثورة كرومويل)، (الحرب الأهلية الإنجليزية 1642 - 1648). وتعتبر ثورة كرومويل، من أوائل الثورات الجمهورية وأبرزها في تاريخ أوروبا الحديث، وذلك بسبب تقدم بريطانيا العمراني على غيرها من المجتمعات الأوروبية. أمَّا في فرنسا، فقد أسهمت الحروب البونابرتية في إعادة ترسيم خريطة القارة سياسياً، حيث تحالفت بعض الدول الأوروبية ضد فرنسا، وأجبرتها على توقيع معاهدة فيينا 1815. بعد ذلك، ساد الهدوء أوروبا في فضاءات آيديولوجية أخذت ترتد على مفاهيم العدالة والحرية والمساواة التي أنتجتها النخبة في فترة انتعاش «ذهنية التغيير الشامل».

- الانقلاب في موازين القوى
يشير الكاتب إلى أنَّ النخبة هي شريحة تتشكّل من روافد متخالفة في تكوينها الثقافي، وأصولها الاجتماعيّة، فالنخبة ليست طبقة ولا كتلة حزبية، وإنما هيئة عليا غير منسجمة في الوعي والتفكير، تقوم بدور الموجه أو المؤثر على الرأي العام. ولا يمكن عزل قوّة النخبة وتأثيرها عن فضاء العمران، إذ إنها نتاج تراكمات وحلقات موصولة زمنياً. وحين تتوصل في فترة زمنيّة محدّدة إلى درجة من الاستقلال النسبي عن الواقع، تبدأ في التأثير فيه. كل فلاسفة أوروبا الكبار مروا بهذه التحولات، وانتقلوا وارتقوا الدرجات خطوة خطوة، فكل فيلسوف هو نتاج عصره، وخلاصة ذهنية متقدمة عن عصر غيره، أو مَنْ سبقه. ولهذا تنوعت الفلسفة الأوروبية، واختلفت وتطورت وتفرعت، وهي في المجموع العام تدين لتلك الحضارات السابقة، من يونانية ورومانية وجرمانية ومسيحية وأندلسية (عربية - إسلامية). وقد استفاد الغالب الأوروبي آنذاك من المسلم المغلوب في الأندلس، حيث أخذ الغالب ينفك عن تقاليد المغلوب، ليعيد تأسيس منظومته المستقلة، بعد عقود متواصلة من التطور التراكمي الخاص.
ويؤكد المؤلف أنَّ الفكر الأوروبي الحديث لم يسقط من فوق إلى تحت، وإنما صعد من تحت إلى فوق. فالفكر الأوروبي ليس للترفيه والتسلية في المنتديات، وإنما كان أصل نهوضه تلبية متطلبات اجتماعية فرضها التطور العمراني. هنا، لعبت النخبة، كما يؤكد المؤلف، دورها في دفع المفاهيم الإنسانية إلى الأمام، حيث نجحت في الصعود في سلم الحضارة الإنسانية خطوة خطوة، وضمن صيغ متوازنة تضبط إيقاع التقدم للرد على متطلّبات مجتمع الرفاهية. ومن هنا، امتدت شجرة المعرفة الأوروبية الوليدة، وألقت بظلالها على مختلف شعوب العالم التي كانت لا تزال تعيش علاقات ما قبل الدولة (العشيرة، والطائفة، والمنطقة، وغيرها).

- صدمة الطاعون ونفوذ الكنيسة
ثم يتطرق إلى صدمة الطاعون التي اجتاحت البحر المتوسط، والعالمين الأوروبي والإسلامي، لمدة 45 سنة، وأحدثت هزة ساهمت في تشكيل رؤيتين متخالفتين: العالم الإسلامي انعزل وانكفأ وارتد إلى إنتاج الخرافة، بينما العالم الأوروبي واجه التحدي بالذهاب نحو تصنيع العقاقير لمحاربة الوباء. وأدى اختلاف الاستجابة للتحدي إلى توليد نهضة علمية مختبرية في أوروبا، مقابل تراجع العالم الإسلامي الطبي في مواجهة الوباء الدارس للعمران. وهكذا، شكلت صدمة الطاعون خطوة لمصلحة الجانب الأوروبي، بينما العالم الإسلامي يخوض مواجهات عسكرية دائمة في الشطر الشرقي من أوروبا. آنذاك، كانت النخبة الأوروبية لا تزال تخضع لسلطة الكنيسة، ولم يكن بإمكانها أن تتحرك خارج منظومتها المعرفية. ففي مدينة كوسا الألمانية، نجح نقولا دي كوسا (1401 - 1464م) في تسجيل كتابات فلسفية لم تخرج عن حدود التصوف بسبب إصراره على العمل في إطار الكهنوت (ترقى من أسقف إلى كاردينال). وبسبب الطابع الديني لأعماله الفلسفية، وضعه ذلك في موقع مضاد للفلسفة الرشدية التي كانت لا تزال تسيطر على شريحة واسعة من النخبة الأوروبية، وتحديداً في جامعة بادو الإيطالية التي درّس فيها (ص 23). ولكن تصادفت أعمال دي كوسا مع سقوط القسطنطينية (1453م)، لتعطي قوة دفع مهمة، إذ إنَّها ستشكل دفعة معنوية للنخبة الأوروبية، وستوفر لها منطقة نفوذ في إطار الكنيسة التي اهتزت صورتها نسبياً أمام العامة، بسبب فشلها في الدفاع عن الثغور المسيحية في الشرق. من هنا، حصل تطور في المعرفة الأوروبية، حيث أخذ الوعي ينمو ويضغط باتجاه الانتقال من الوعظ والإرشاد إلى النقد والبحث.

- فلاسفة ومفكرون
منذ النصف الثاني من القرن الخامس عشر، ستشهد القارة نقطة تحول استثنائية في وعي «النخبة» الأوروبية، إذ ستولد في هذه الحقبة الانتقالية مجموعة عقول سيكون لها شأنها في مطلع القرن السادس عشر. ففي هذه المرحلة، سيولد ليوناردو دافنشي في 1452، ونقولا ماكيافلي في 1469، ونقولا كوبرنيكس في 1473، ولويس فيغيس في 1492. وستعمل هذه الشريحة من العلماء على إحداث نقلة نوعية في مختلف مناحي الحياة الأوروبية. لقد جاءت أفكار ماكيافلي قاسية، ولكنها من الناحية الزمنية تبدو عادية، في قارة كانت في طور التقدم والانتقال من مفهوم الرعية إلى مفهوم المواطن.
وكانت إرشادات ماكيافلي مدمرة إنسانياً، ولكنها جاءت في زمنه واقعية، لكونها ترد على حاجات عصر أخذ يشرف على التفكك، حيث تأسست أفكاره على اكتشافات القرن الخامس عشر الذي شهد بدايات استثنائية ستنقل أوروبا لاحقاً من عالم سلطة الكنيسة إلى عالم سلطة المعرفة، وماكيافلي كان من أشهر رموزه. وقد شكل النصف الثاني من القرن السادس عشر بداية ظهور متحولات في بنية النخبة الأوروبية، مستفيدة من تلك الانشقاقات التي أصابت الكنيسة، وأضعفت نسبياً هيبة الإكليروس، حين تراجع دور الكنيسة السياسي، لمصلحة تعزيز موقع الدولة الذي أسهم في إنتاج «نخبة» طموحة في خياراتها الكبرى.
وخلال تلك العقود الخمسة، ستترافق الحروب الدينية (الأهلية) مع ولادة كبار العلماء والأدمغة. ففي مدينة بيزا الإيطالية، سيولد غاليليو غاليلي في 1564. وفي بريطانيا، فرنسيس بيكون في 1561، وتوماس هوبز في 1588، وسيولد في مقاطعة تورين (فرنسا) رينيه ديكارت في 1591. وسينتهي القرن السابع عشر الذي بدأ في ضوء إيقاعات الحروب الدينية وتداعياتها، ومحاكم التفتيش ومضاعفاتها، وتراجع موجة الحروب الدينية، وانكسار نسبي لوظيفة الكنيسة، وتحطيم معقول لهيبة الإكليروس، مقابل نمو قوة الدولة المركزية. فالدولة في مهماتها المضافة ستكون في القرون المقبلة مدار التجاذب والتفاوض والتناحر والتنافس. لقد أصبحت الدولة كنيسة أوروبا الجديدة (ص 33).
وعاشت في سنوات ذلك القرن وكتبت وظهرت أسماء أسهمت في تأسيس معرفة حديثة تتناسب والتطور العمراني الذي شهدته القارة، منهم بيكون، وغاليليو، وهوبز، وديكارت، وباسكال، وسبينوزا، ونيوتن، ولوك، وليبنتز. ولولا هؤلاء لما كانت أوروبا التي نعرفها الآن على ما هي عليه.

- صحافي وكاتب سوري


مقالات ذات صلة

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

حين تتآكل الدبلوماسية

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة.

ندى حطيط
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
كتب امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان

«الشرق الأوسط» (بيروت)

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.


«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»
TT

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش. بدأ حياته عاملاً مُحتالاً صغيراً، يُهرِّب السجائر عبر الحدود، ويلهث في الكويت خلف اللذائذ العابرة، قبل أن يندمج في جماعة «الدعوة والتبليغ»، ثم تنصل منها ليصعد كأب كاريزمي لجماعة أُصولية مفتونة بالرؤى والأساطير، وصولاً إلى اللحظة الفارقة، حين قاد هجوماً على الحرم، وبايع فيه «المهدي» المزعوم، بين الركن والمقام، حيث كشف الحجاب عنه، إيذاناً بالملحمة النهائية.

ويطرح كتاب «الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية» مقاربة نقدية ورؤية تفكيكية مغايرة لسيرة جهيمان، وهو صادر عن دار جداول للنشر والترجمة، ومن تأليف الدكتورة لطيفة الشعلان، أستاذة علم النفس بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن بالرياض، وعضوة مجلس الشورى السعودي، وهو يعالج الاختزالات التقليدية التي تقف عند حدود التحليل السياسي أو التشخيص الباثولوجي الإكلينيكي لـ«جهيمان العتيبي»، وتغوص في أعماق «سيكولوجيا الوعي المهدوي»، متتبعة مسارات القلق الوجودي وسؤال المعنى لدى شخصية هذه التراجيديا المؤلمة.

قصور الاختزال

لا تعلق الباحثة كل المسؤولية على «اليقين المهدوي» الذي أدّى بطبيعة الحال دوراً حاسماً في الحراك الذي انتهى بالاقتحام، لكنه لا يُقدِّم سوى نصف الإجابة عن السؤال التاريخي المُحيِّر، إذ يكمن النصف الآخر في بنية هذه الذات التي سمحت لهذا الإيمان أن يتشكّل، بكل ذلك الصدق والتماسك، وصولاً إلى اللحظة الفاصلة وما ترتّب عليها.

تضمنت نشأة جهيمان - في مرحلتي الطفولة والمراهقة - استدماجاً للمشاعر المُرتبطة بواقعة «السبلة» (1347 هـ / 1929 م)، وهي المشاعر التي سادت محيطه الاجتماعي، من الأُسرة والمسجد، وصولاً إلى القبيلة، ومن المُحتمل أن الحنين كان يشدّه إلى ماضي أسلافه، بحديث يُراوح بين التبجيل والأسى.

لكن الباحثة ترى أن هذه الاستحضارات الوجدانية تظل هامشية في سياق الدراما المهولة، التي بلغت ذروتها في عملية الاقتحام.«مجتمع الأوهام»

يكشف الكتاب عن كيفية تشكل «مجتمع أوهام» متكامل داخل أروقة الجماعة، حيث أصبحت مرويات الفتن وأشراط الساعة محاكاة يومية استهلكت وجدان الأفراد، لينكمش الواقع تدريجياً لصالح عالم موازٍ.

ولعبت «الأحلام والمنامات» دوراً محورياً في تغذية هذا الوهم؛ إذ وثقت الجماعة وصنفت ملفات تضم ما لا يقل عن 270 مناماً، تحولت من مجرد شطحات نفسية إلى «تأكيدات غيبية» يستند إليها الأفراد.

وتجلت المأساة في كون الفكرة المهدوية نشأت في فضاء هامشي عبر المزاح والمداعبات، قبل أن تتلقفها بيئة الإشارات والرموز، وتشكّلت دائرة ارتدادية خادعة، تبشير «محمد بن عبد الله» بنفسه بناءً على نبوءات ورؤى، ليصادق جهيمان عليها ويمررها للأتباع، الذين يعودون بدورهم للمهدي المزعوم كبراهين تصديق، لتستحيل كل ذات إلى مرآة تعكس ضلال الأخرى وتمنحها الشرعية.

هذه البدايات التي اتسمت بالخِفة العابرة، سُرعان ما وجدت في بيئة الإشارات والرموز والأحلام تربة خصبة للتشابك والنمو الملحمي، ليتكفل جهيمان بنقلها من سياق الهمس الخجول إلى صعيد «الحقيقة الكونية»، التي شكّلت في نهاية المطاف تلك التراجيديا التاريخية.

تقول الباحثة: «بفعل ذلك الاستغراق، كان الواقع ينكمش ويضيق تدريجياً لينغلق على عالم موازٍ، يحكمه مناخ غرائبي مشدود إلى الغيب، استهلك وجدان هؤلاء الرجال، وأخرجهم من سياق الواقع إلى حيِّز الانتظار الملحمي. ومع ذلك، لم يكن اليقين بظهور «المهدي» على درجة واحدة من الاستقرار في النفوس، إذ ظل بعضهم متوجساً حيال هذه الدعوى، وإن استمروا في فلك الجماعة، مدفوعين إما بالارتهان للآيديولوجية الرامية إلى التغيير الديني والأخلاقي، وإما انشداداً إلى سطوة القائد وشخصيته الكاريزمية».

القطيعة والإنكار

يرصد الكتاب محطات مفصلية شكلت الوعي الحركي لجهيمان، أبرزها حادثة تكسير «ألمانيكانات» والصور بالمدينة المنورة عام 1965، التي لم تكن مجرد اعتراض باليد، بل أعلنت قطيعة نهائية مع عالمه الراهن وموت براءته السياسية، لتتأسس بعدها بعام واحد (1966) الجماعة السلفية المحتسبة، التي انشق عنها هو الآخر، منفرداً بخط أكثر صرامة وتشدداً.

ومع حلول عام 1978، استقرت فكرة المهدوية في ذهنه، ليبدأ التحرك نحو السلاح عبر المهربين، ترتيباً لإطلالة القرن الهجري الجديد.

ورغم الحصار والتطورات الميدانية أثناء المواجهة داخل الحرم المكي، انقاد جهيمان لسيطرة يقينه اللامعقول؛ حيث مارس حالة نموذجية من «الانفصال عن الواقع»، وحين تسرب الشك بين صفوف أتباعه عقب مقتل «المهدي المزعوم»، واجه ذلك بغضب حاد، معتبراً إياه إرجافاً، مصرّاً على أن المهدي لا يُقتل، بل ينتظر «الخسف بالجيش».

تقول الباحثة: «تُوفِّر الرؤى الأُخروية للمؤمنين بها على المدى القصير شعوراً بالراحة والسكينة، وأملاً باكتمال المعنى، لكن هذا الاستقرار سرعان ما يضطرب حين تمرّ الأيام دون تحقق وعد الخلاص، وحينذاك يزداد الإحباط وتتراكم مشاعر الخواء والاغتراب، ما يُحيل هذه الرؤى الغيبية ذاتها إلى قوة ديناميكية تدفع أصحابها دفعاً نحو الكارثة».

غربة الروح وسؤال المعنى

تجلت لدى جهيمان رمزية بالغة، في اهتمامه المُفرط بالترتيب الزماني والمكاني للعلامات المرتبطة بخروج «المهدي»، ومحاولة مطابقتها قسرياً مع واقع السعودية المُعاش خلال سبعينات القرن العشرين.

لقد اندفع جهيمان تحت وطأة الاغتراب وانسداد الأفق في قفزة نحو اللامعقول، مسكوناً بقلق وجودي جارف سعى من خلاله إلى إعادة هيكلة الوجود، عبر تسريع المسير العنيف من الحاضر المأزوم إلى الغيب المنتظر؛ لتنتهي تلك المأساة باستسلامه الإجهادي، وصمته الواجم أثناء رحلته الأخيرة نحو القصاص، مخلفاً وراءه واحدة من أقسى السرديات المسيانية في التاريخ الحديث.

ورصدت الباحثة من خلال مصادرها، ومن بينهم مسؤول أمني مطلع على تفاصيل القضية، أن جهيمان لم يُبد أي مقاومة لحظة اعتقاله، إذ كان الإجهاد قد نال منه، وخلال مجريات التحقيق ظهر متماسكاً، مختزلاً العملية بأكملها في صورة اجتهاد تبيَّن أنه في غير محله.

وفي رحلته الأخيرة نحو تنفيذ حُكم القتل، برفقة سعيد بن عبد اللّه - شقيق «المهدي» - وأربعة محكومين آخرين، كان جهيمان واجماً طوال الطريق، شأنه في ذلك شأن رفاقه الخمسة الآخرين، فلم ينبس بكلمة واحدة.

وترى الباحثة أن «جهيمان يبقى حالة استثنائية مُتفرِّدة في يقينه المُطلق بأنه يُعاصر أواخر الزمان، وهو يقين استبدّ بمداركه وهيمن عليها، وصاغ خياراته الوجودية، ورسم مصيره الشخصي ومصائر الآخرين من حوله. فقد تجاوز هذا الاعتقاد كل حد مُتصور ليستحيل قوة تاريخية كبرى، أحدثت تأثيرات عميقة ومتعددة الأبعاد».


امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»
TT

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان والحب المنقطع، وتعيش صراعاً متواصلاً مع ذاكرتها وهويتها... تكبر المرأة وهي تحمل اسماً لا يشبهها، ووجوهاً كثيرة تخفي وراءها الخوف والذنب والوحدة.

في هذه الرواية (256 صفحة) يتسع السرد ليكشف لا عن تاريخ عائلة فحسب بل عن مجتمع، وسط التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الجزائر من أواخر الثمانينات إلى سنوات العنف المسلح.

إنها رواية عن آثار العنف المتوارث، وتبعات الفقد، والخوف من الأمومة، وتضحية النساء بذواتهن داخل الأسرة والزواج، إلى جانب محاولات استعادة الصوت والحلم من خلال التعليم والرسم والحب.

جاء في كلمة الناشر:

«لا جدار أبيض في منزل كاملة. هناك، تعيش وحيدة، محاطة بوجوه لا تعرفها. وجوه نساء من دون ملامح أو مشوّهة الملامح تكتظّ بها الجدران كيفما التفتت. لكنَّ وجهاً غريباً يبدأ، خارج حدود ذلك المنزل المتخم بالرسومات، بالظهور أمام كاملة في كلّ انعكاس: على واجهات المحالّ، ونوافذ الحافلات، والزجاج البارد للثلاجات. وجه امرأة لا تعرفها... لكن، مع ذلك، يبدو مألوفاً بشكل مقلق.

تخبر المحيطين بها أنَّ امرأة تلاحقها، وتترصدها. لكن لا أحد يصدقها، فلا تجد أمامها سوى العودة إلى الماضي، ومخالفة أهمّ قاعدة وضعتها لنفسها: ثلاث أيادٍ لن تسمح بأن تمسك بها يوماً: يد غريب، ويد عدوّ، ويد الذكريات.

في رحلةٍ تعود بها إلى ما حاولت طويلاً دفنه في غياهب ذاكرتها، تجد كاملة نفسها أمام سؤالٍ لم يخطر لها يوماً أن تطرحه:

هل يمكن للإنسان أن يفقد وجهه فعلاً، أم أنّ الحياة هي من تغيّره بصمت حتى يعجز عن التعرف إليه؟

من تكون المرأة التي تظهر في المرايا؟ ولماذا يبدو وجهها مألوفاً إلى هذا الحدّ؟». وكانت وئام شرماطي قد أصدرت روايتين: «قبر مكشوف على السماء» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة القلم الذهبي و«المرأة التي لا تشبه اسمها».