كيف نجحت أوروبا في تحقيق نهضتها؟

انتقلت تدريجياً من الوعظ والإرشاد إلى النقد والبحث

المؤلف: وليد نويهض - الناشر: ثقافة للنشر والتوزيع - الإمارات العربية المتحدة / 2018 277 صفحة
المؤلف: وليد نويهض - الناشر: ثقافة للنشر والتوزيع - الإمارات العربية المتحدة / 2018 277 صفحة
TT

كيف نجحت أوروبا في تحقيق نهضتها؟

المؤلف: وليد نويهض - الناشر: ثقافة للنشر والتوزيع - الإمارات العربية المتحدة / 2018 277 صفحة
المؤلف: وليد نويهض - الناشر: ثقافة للنشر والتوزيع - الإمارات العربية المتحدة / 2018 277 صفحة

عن دار «ثقافة للنشر والتوزيع»، في الإمارات العربية المتحدة، صدر في أكتوبر (تشرين الأول) 2018 كتاب «نشوء النخبة الأوروبية (1400 - 1920)»، للباحث اللبناني وليد نويهض الذي يطرح في مقدمة كتابه سؤالاً محورياً: كيف حققت أوروبا نهضتها؟ والإجابة بالطبع تحتاج عودة تاريخية إلى لحظة البدء.
تلك اللحظة بدأت في القرن الخامس عشر، وأخذت بالنمو والصعود الطردي بعد تغيير خطوط التجارة القديمة (طريق الحرير)، وعبور السفينة المحيطات، وصولاً إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، واكتشاف أميركا في نهاية ذلك القرن. بعد ذلك، أخذت أوروبا بالنهوض، من خلال معانقة العمران بالمعرفة، ولم يكن انهيار القديم (الأوروبي) من فراغ، إنما جاء استجابة للتحولات العمرانية والاكتشافات والاختراعات العلمية والفلكية والهندسية. وخلال هذه الفترة، برز دور النخبة الأوروبية، فأخذت تكتشف موقعها ووظيفتها، وبدأت تتدخل لصوغ منظومة معرفية تتخطى الفلسفات والمناهج الكلاسيكية المتوارثة والمترجمة عن العرب واليونان. لم تكن هذه النخبة موحدة، لكنها كانت مدركة لمسار التطور ونهاياته المتخالفة. وكانت بريطانيا هي الأولى في إدراك المتغيرات (ثورة كرومويل)، (الحرب الأهلية الإنجليزية 1642 - 1648). وتعتبر ثورة كرومويل، من أوائل الثورات الجمهورية وأبرزها في تاريخ أوروبا الحديث، وذلك بسبب تقدم بريطانيا العمراني على غيرها من المجتمعات الأوروبية. أمَّا في فرنسا، فقد أسهمت الحروب البونابرتية في إعادة ترسيم خريطة القارة سياسياً، حيث تحالفت بعض الدول الأوروبية ضد فرنسا، وأجبرتها على توقيع معاهدة فيينا 1815. بعد ذلك، ساد الهدوء أوروبا في فضاءات آيديولوجية أخذت ترتد على مفاهيم العدالة والحرية والمساواة التي أنتجتها النخبة في فترة انتعاش «ذهنية التغيير الشامل».

- الانقلاب في موازين القوى
يشير الكاتب إلى أنَّ النخبة هي شريحة تتشكّل من روافد متخالفة في تكوينها الثقافي، وأصولها الاجتماعيّة، فالنخبة ليست طبقة ولا كتلة حزبية، وإنما هيئة عليا غير منسجمة في الوعي والتفكير، تقوم بدور الموجه أو المؤثر على الرأي العام. ولا يمكن عزل قوّة النخبة وتأثيرها عن فضاء العمران، إذ إنها نتاج تراكمات وحلقات موصولة زمنياً. وحين تتوصل في فترة زمنيّة محدّدة إلى درجة من الاستقلال النسبي عن الواقع، تبدأ في التأثير فيه. كل فلاسفة أوروبا الكبار مروا بهذه التحولات، وانتقلوا وارتقوا الدرجات خطوة خطوة، فكل فيلسوف هو نتاج عصره، وخلاصة ذهنية متقدمة عن عصر غيره، أو مَنْ سبقه. ولهذا تنوعت الفلسفة الأوروبية، واختلفت وتطورت وتفرعت، وهي في المجموع العام تدين لتلك الحضارات السابقة، من يونانية ورومانية وجرمانية ومسيحية وأندلسية (عربية - إسلامية). وقد استفاد الغالب الأوروبي آنذاك من المسلم المغلوب في الأندلس، حيث أخذ الغالب ينفك عن تقاليد المغلوب، ليعيد تأسيس منظومته المستقلة، بعد عقود متواصلة من التطور التراكمي الخاص.
ويؤكد المؤلف أنَّ الفكر الأوروبي الحديث لم يسقط من فوق إلى تحت، وإنما صعد من تحت إلى فوق. فالفكر الأوروبي ليس للترفيه والتسلية في المنتديات، وإنما كان أصل نهوضه تلبية متطلبات اجتماعية فرضها التطور العمراني. هنا، لعبت النخبة، كما يؤكد المؤلف، دورها في دفع المفاهيم الإنسانية إلى الأمام، حيث نجحت في الصعود في سلم الحضارة الإنسانية خطوة خطوة، وضمن صيغ متوازنة تضبط إيقاع التقدم للرد على متطلّبات مجتمع الرفاهية. ومن هنا، امتدت شجرة المعرفة الأوروبية الوليدة، وألقت بظلالها على مختلف شعوب العالم التي كانت لا تزال تعيش علاقات ما قبل الدولة (العشيرة، والطائفة، والمنطقة، وغيرها).

- صدمة الطاعون ونفوذ الكنيسة
ثم يتطرق إلى صدمة الطاعون التي اجتاحت البحر المتوسط، والعالمين الأوروبي والإسلامي، لمدة 45 سنة، وأحدثت هزة ساهمت في تشكيل رؤيتين متخالفتين: العالم الإسلامي انعزل وانكفأ وارتد إلى إنتاج الخرافة، بينما العالم الأوروبي واجه التحدي بالذهاب نحو تصنيع العقاقير لمحاربة الوباء. وأدى اختلاف الاستجابة للتحدي إلى توليد نهضة علمية مختبرية في أوروبا، مقابل تراجع العالم الإسلامي الطبي في مواجهة الوباء الدارس للعمران. وهكذا، شكلت صدمة الطاعون خطوة لمصلحة الجانب الأوروبي، بينما العالم الإسلامي يخوض مواجهات عسكرية دائمة في الشطر الشرقي من أوروبا. آنذاك، كانت النخبة الأوروبية لا تزال تخضع لسلطة الكنيسة، ولم يكن بإمكانها أن تتحرك خارج منظومتها المعرفية. ففي مدينة كوسا الألمانية، نجح نقولا دي كوسا (1401 - 1464م) في تسجيل كتابات فلسفية لم تخرج عن حدود التصوف بسبب إصراره على العمل في إطار الكهنوت (ترقى من أسقف إلى كاردينال). وبسبب الطابع الديني لأعماله الفلسفية، وضعه ذلك في موقع مضاد للفلسفة الرشدية التي كانت لا تزال تسيطر على شريحة واسعة من النخبة الأوروبية، وتحديداً في جامعة بادو الإيطالية التي درّس فيها (ص 23). ولكن تصادفت أعمال دي كوسا مع سقوط القسطنطينية (1453م)، لتعطي قوة دفع مهمة، إذ إنَّها ستشكل دفعة معنوية للنخبة الأوروبية، وستوفر لها منطقة نفوذ في إطار الكنيسة التي اهتزت صورتها نسبياً أمام العامة، بسبب فشلها في الدفاع عن الثغور المسيحية في الشرق. من هنا، حصل تطور في المعرفة الأوروبية، حيث أخذ الوعي ينمو ويضغط باتجاه الانتقال من الوعظ والإرشاد إلى النقد والبحث.

- فلاسفة ومفكرون
منذ النصف الثاني من القرن الخامس عشر، ستشهد القارة نقطة تحول استثنائية في وعي «النخبة» الأوروبية، إذ ستولد في هذه الحقبة الانتقالية مجموعة عقول سيكون لها شأنها في مطلع القرن السادس عشر. ففي هذه المرحلة، سيولد ليوناردو دافنشي في 1452، ونقولا ماكيافلي في 1469، ونقولا كوبرنيكس في 1473، ولويس فيغيس في 1492. وستعمل هذه الشريحة من العلماء على إحداث نقلة نوعية في مختلف مناحي الحياة الأوروبية. لقد جاءت أفكار ماكيافلي قاسية، ولكنها من الناحية الزمنية تبدو عادية، في قارة كانت في طور التقدم والانتقال من مفهوم الرعية إلى مفهوم المواطن.
وكانت إرشادات ماكيافلي مدمرة إنسانياً، ولكنها جاءت في زمنه واقعية، لكونها ترد على حاجات عصر أخذ يشرف على التفكك، حيث تأسست أفكاره على اكتشافات القرن الخامس عشر الذي شهد بدايات استثنائية ستنقل أوروبا لاحقاً من عالم سلطة الكنيسة إلى عالم سلطة المعرفة، وماكيافلي كان من أشهر رموزه. وقد شكل النصف الثاني من القرن السادس عشر بداية ظهور متحولات في بنية النخبة الأوروبية، مستفيدة من تلك الانشقاقات التي أصابت الكنيسة، وأضعفت نسبياً هيبة الإكليروس، حين تراجع دور الكنيسة السياسي، لمصلحة تعزيز موقع الدولة الذي أسهم في إنتاج «نخبة» طموحة في خياراتها الكبرى.
وخلال تلك العقود الخمسة، ستترافق الحروب الدينية (الأهلية) مع ولادة كبار العلماء والأدمغة. ففي مدينة بيزا الإيطالية، سيولد غاليليو غاليلي في 1564. وفي بريطانيا، فرنسيس بيكون في 1561، وتوماس هوبز في 1588، وسيولد في مقاطعة تورين (فرنسا) رينيه ديكارت في 1591. وسينتهي القرن السابع عشر الذي بدأ في ضوء إيقاعات الحروب الدينية وتداعياتها، ومحاكم التفتيش ومضاعفاتها، وتراجع موجة الحروب الدينية، وانكسار نسبي لوظيفة الكنيسة، وتحطيم معقول لهيبة الإكليروس، مقابل نمو قوة الدولة المركزية. فالدولة في مهماتها المضافة ستكون في القرون المقبلة مدار التجاذب والتفاوض والتناحر والتنافس. لقد أصبحت الدولة كنيسة أوروبا الجديدة (ص 33).
وعاشت في سنوات ذلك القرن وكتبت وظهرت أسماء أسهمت في تأسيس معرفة حديثة تتناسب والتطور العمراني الذي شهدته القارة، منهم بيكون، وغاليليو، وهوبز، وديكارت، وباسكال، وسبينوزا، ونيوتن، ولوك، وليبنتز. ولولا هؤلاء لما كانت أوروبا التي نعرفها الآن على ما هي عليه.

- صحافي وكاتب سوري


مقالات ذات صلة

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

ثقافة وفنون لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

تعرَّف القارئ العربي على عوالم الكاتبة الكورية لي سو يون عبر روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم الأكثر مبيعاً، وصدرت ترجمتها إلى العربية

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تتناول الباحثة الأردنية الدكتورة هبة مرزوق الهباهبة، في كتابها «فصل السلطات بين الفلسفة والقانون»، المنعكسات المعاصرة لنظرية الفصل بين السلطات

«الشرق الأوسط» (عمَّان)
ثقافة وفنون جناح السعودية في المعرض (واس)

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

يشهد «الصالون الدولي للكتاب بالجزائر»، المقام بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، إقبالاً كبيراً منذ افتتاحه، بمشاركة مميزة للمملكة العربية السعودية ضيفَ شرف.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
ثقافة وفنون هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).