انتخاب دريان مفتيا جديدا خلفا لقباني يؤسس لمصالحة داخل الطائفة السنية في لبنان

سلام طالبه بتوطيد البعد الجامع لدار الفتوى.. والحريري ناشده حماية الاعتدال والوحدة الإسلامية

المفتي دريان مع سلفه الشيخ محمد رشيد قباني خلال حفل التسليم في بيروت أمس (رويترز)
المفتي دريان مع سلفه الشيخ محمد رشيد قباني خلال حفل التسليم في بيروت أمس (رويترز)
TT

انتخاب دريان مفتيا جديدا خلفا لقباني يؤسس لمصالحة داخل الطائفة السنية في لبنان

المفتي دريان مع سلفه الشيخ محمد رشيد قباني خلال حفل التسليم في بيروت أمس (رويترز)
المفتي دريان مع سلفه الشيخ محمد رشيد قباني خلال حفل التسليم في بيروت أمس (رويترز)

انتهت فصول أزمة دار الفتوى، المرجعية الرسمية العليا لدى الطائفة السنية في لبنان، أمس، مع انتخاب رئيس المحاكم الشرعية العليا الشيخ عبد اللطيف دريان، خلفا للمفتي الحالي الشيخ محمد رشيد قباني الذي تولى منصبه عام 1996 وتنتهي ولايته رسميا منتصف الشهر المقبل.
ويفتح انتخاب دريان (61 عاما)، بدعم من غالبية أعضاء مجلس الانتخاب الإسلامي، صفحة جديدة في دار الفتوى، على إيقاع التطورات المحلية والإقليمية المتسارعة، وذلك بعد عامين من خلافات عاصفة بين قباني والمناوئين له، نتيجة تباين وجهات النظر حول ملفات سياسية عدة، أبرزها أزمة سوريا، إضافة إلى اتهام المفتي قباني ونجله بقضايا فساد وتجاوزات مالية. ولم تثمر وساطات عدة في تطويق ذيول الانقسام الذي وصل إلى حد غير مسبوق، تحديدا بين قباني وتيار المستقبل، الأكثر تمثيلا لدى الطائفة السنية، ونتج عنه وجود «مجلسين شرعيين»، أحدهما مدد لنفسه نهاية عام 2012 من دون العودة إلى قباني، برضا رؤساء الحكومات السابقين والحالي، باستثناء رئيس الحكومة الأسبق سليم الحص، الأعضاء حكما في المجلس الشرعي، والثاني انتخب قبل عام بإيعاز من قباني الذي رد مجلس شورى الدولة مراجعته بشأن إبطال تمديد ولاية المجلس الشرعي المناوئ له.
وجاء انتخاب دريان، المقرب من تيار المستقبل، بعد يومين من عودة زعيم تيار المستقبل رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري إلى بيروت. ويأتي انتخابه نتيجة تفاهم سني، تحديدا بين المستقبل وقباني، وذلك بموجب «مبادرة مصرية وبمباركة عربية»، على حد تعبير قباني الذي قال مطلع الشهر الحالي إن الدعوة لانتخاب مفت جديد تأتي في «سياق الخطوات والإجراءات التي اتخذت ضمن الأجواء الختامية للحل، وبعد اطمئنانه إلى أن كل ما تم الاتفاق عليه سيكون مصانا لحفظ مكانة مقام الإفتاء الديني، ومكانة المسلمين ومرجعيتهم الدينية».
وفي سياق متصل، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية، عن مدير الأوقاف الإسلامية الشيخ هشام خليفة، قوله إن انتخاب دريان هو «ثمرة توافق بين قوى سنية فاعلة، لا سيما (تيار المستقبل) والمفتي الحالي الشيخ قباني، وذلك إثر مفاوضات قادتها مصر بمتابعة من المملكة العربية السعودية وسوريا».
وتشمل بنود التسوية التي أدت إلى انتخاب دريان، وفق خليفة «مصالحة قباني والمستقبل، ووقف السجالات بينهما»، إضافة إلى «بحث الملف المالي (في دار الفتوى) في قنواته القضائية»، وتأليف لجان «متخصصة» للبحث في تعديل قوانين دار الفتوى وصلاحيات المفتي.
وكان مجلس الانتخاب الإسلامي، الذي يضم أبرز الشخصيات السنية السياسية والروحية والشرعية، التأم أمس في مقر دار الفتوى ببيروت. وأعلن رئيس المجلس رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام فوز دريان، إثر نيله 74 صوتا من أصل 93 شخصا شاركوا في الاقتراع، بينهم رؤساء حكومات سابقون وزراء ونواب وعلماء وقضاة شرع، في حين نال منافس دريان، الشيخ أحمد الكردي، 9 أصوات، وصوت 8 آخرون بأوراق بيضاء، وألغيت ورقتان.
وأكد سلام في تصريح أن «طائفتنا طائفة الانفتاح والاعتدال للمحافظة على لبنان الديمقراطي، لبنان الحرية والسيادة، لبنان الاستقلال». وقال، خلال إطلاقه عملية الانتخاب «نمضي معا لانتخاب مفت للجمهورية بهدف توطيد دار الفتوى ببعدها المؤسسي الجامع بقيادة الطائفة دينيا، وسط ما يشهده الإسلام والمسلمون من حالات ووضعيات شاذة ومضرة، لا تمت إلى الإسلام والمسلمين بشكل».
وفي أول تصريح له، أمل المفتي الجديد أن يكون انتخابه «فاتحة خير على المسلمين»، مشيرا إلى أنه «أصاب دار الفتوى انقسام من حولها وانقسامات في قلب مؤسساتها وتراجع في خدماتها الوطنية وفي القيام بدورها الجامع ومهماتها الاجتماعية الكبرى». واعتبر أن ما جرى أمس «تعبير عن إرادة قوية من جانب كل المسلمين في لبنان في مواجهة المشكلات وتسديد المسار والتصميم على متابعة المهام والدور والإسهام المعهود من جانب هذه الدار العريقة في صون الشأنين الإسلامي والوطني».
وفي حين خاطب المسلمين بالقول «لكل مبادرة في المجال الديني والوطني مهمة ورسالة وبرنامج»، آملا أن يكون «على مستوى الأمانة التي عهدتم لي بها في رعاية الشأن الديني والوقفي والقضائي والخيري بحسب المراسيم والقوانين والأعراف المرعية، وبما تقتضيه النزاهة والشورى»، شدد دريان على أنه «لا مجال اليوم ولا بعد اليوم للانقسام بين المفتي والمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى». وأكد إصراره «على العودة إلى مسار الألفة والوحدة والعمل بقدر الوسع والطاقة مع المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى للاستعداد لما هو ضروري». وتابع «إنني مصمم على العمل مع المجلس الشرعي ومع المجلس الاستشاري ومع الإدارات الوقفية وإدارات المؤسسات الخيرية وإدارات صناديق الزكاة لتلافي ما وقع من أضرار في العمل والثقة».
ولاقى انتخاب دريان سلسلة مواقف مهنئة، جاء أبرزها على لسان زعيم تيار المستقبل، رئيس الحكومة الأسبق، سعد الحريري، الذي رأى أن دريان يتولى قيادة دار الفتوى «في مرحلة من أصعب المراحل في تاريخ لبنان»، وقال «الآمال معقودة عليكم يا صاحب السماحة في حماية الوحدة الإسلامية والتأكيد على الاعتدال والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، فالتحديات التي تواجه لبنان والأمة كثيرة».
وأشار الحريري في تصريحات أدلى بها أمس إلى أن «المسؤولية الملقاة على دار الفتوى وكل العلماء المسلمين في هذه المرحلة مسؤولية كبرى لا تحتمل التردد أو التخلف عن مواجهة التطرف وإنقاذ رسالة الإسلام والمسلمين من السقوط». وشدد على «اننا نتحمل المسؤولية ولن نرضى لقلة من المتطرفين أن تأخذ الإسلام إلى مواجهة مع باقي الشركاء في الوطن والأمة»، لافتا إلى أن «تلك الحفنة التي تقوم باقتلاع المسيحيين في العراق من أرضهم هي فئة ضالة معادية للإسلام وخارجة عن رسالة النبي، ومن هنا طلبنا من الدول العربية موقفا يحمي الحياة المشتركة في المنطقة وفي لبنان تحديدا، وسنحمي هذا العيش بكل ما نملك بإذن الله». ولاقى انتخاب دريان ارتياحا لدى أعضاء المجلس الإسلامي الشرعي، الذين أثنوا على الصورة الحضارية التي جسدتها العملية الانتخابية التي استكملت سياسيا بمائدة غداء جامعة أقامها الحريري في دارته وسط بيروت لكل أعضاء مجلس الانتخاب الإسلامي وبحضور المفتيين دريان وقباني، تكريسا للمصالحة السياسية. وقال عضو المجلس الشرعي المحامي محمد المراد، لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن «عملية انتخاب مفت جديد جرت بطريقة ديمقراطية وحضارية وبكثير من الاحترام والانتظام والتقيد بالقوانين، مع اكتمال الصورة سياسيا بعودة الرئيس الحريري إلى بيت الوسط».
وأشار إلى أن «هذه الصورة تعبر عن الوجه الحقيقي للطائفة السنية ودار الفتوى، وتؤكد على زوال الصورة القديمة»، مثنيا على الأسس والقواعد والعناوين المهمة، التي حددها دريان في أول كلمة له، على مستوى مؤسسات الدار والأوقاف والعمل الخيري والتربوي، وكذلك على المستويين الوطني والعربي»، مقدرا «تركيزه على تعزيز الاعتدال ونبذ التطرف». وقال إن خطابه «تأسيسي وسيتم البناء عليه بما يعيد للطائفة وحدتها وتماسكها لتتمكن من القيام بدورها الأساسي والتاريخي».
يذكر أن المفتي قباني سيستمر في منصبه حتى انتهاء ولايته في 15 سبتمبر (أيلول)، تاريخ بلوغه السن القانونية (73 عاما)، على أن تعقب ذلك خطوات إدارية وقانونية عدة، في مقدمتها حفل تنصيب المفتي الجديد وتسلمه مقاليد إدارة وقيادة دار الفتوى. وتجدر الإشارة إلى أنه تخللت عملية تغطية انتخابات دار الفتوى حالة تدافع بين عدد من الإعلاميين وأفراد سرية حرس رئاسة الحكومة، تطورت إلى تضارب وإصابة أحد الصحافيين برضوض. ولاقى الاعتداء على الصحافيين استنكارا من وزير الإعلام رمزي جريج ونقابة المحررين، في وقت أعلن فيه رئيس الحكومة تمام سلام طلبه من وزير الداخلية نهاد المشنوق «إجراء التحقيق اللازم لإعطاء كل ذي حق حقه».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.