عرسال اللبنانية تستعيد حياتها ببطء وعشرات العائلات النازحة تعود إلى سوريا

مدير جمعية لايف: تأكد لنا وجود ثمانية عسكريين لدى «داعش» و«النصرة» من أصل 22 مفقودا

آثار الدمار في عرسال («الشرق الأوسط»)
آثار الدمار في عرسال («الشرق الأوسط»)
TT

عرسال اللبنانية تستعيد حياتها ببطء وعشرات العائلات النازحة تعود إلى سوريا

آثار الدمار في عرسال («الشرق الأوسط»)
آثار الدمار في عرسال («الشرق الأوسط»)

تمكنت عشرات العائلات النازحة من العودة إلى سوريا من عرسال بعدما كانت قد علقت على الحدود ليومين بسبب عدم امتلاكها الأوراق الثبوتية ودخولهم بطريقة غير قانونية إلى لبنان، بينما لا يزال الترقب سيد الموقف بشأن مصير العسكريين المحتجزين لدى المسلحين المتشددين منذ بدء معركة عرسال في البقاع، شرق لبنان، قبل نحو عشرة أيام.
وبعد ثلاثة أيام من عودة الهدوء إلى المنطقة، بدأت عرسال وأبناؤها يعودون إلى حياتهم الطبيعية شيئا فشيئا، متخوفين في الوقت عينه من اهتزاز أمن بلدتهم في أي لحظة بعدما أدت الأحداث الأخيرة إلى نزوحهم وفقدان عدد منهم منازلهم التي طالها القصف، فيما أحكم الجيش اللبناني سيطرته على كل المواقع المحيطة بالبلدة بعد انتشاره في مواقع استراتيجية عدة وسير دوريات مؤللة مستحدثا حواجز ثابتة ومتنقلة للحفاظ على الأمن.
وانتشرت مواقع الجيش في وادي الحصن ووادي حميد ووادي عطا لجهة الشرق، وفي محلة رأس السرج وقرب مستوصف الرئيس رفيق الحريري عند مدخل البلدة الغربي، وفي محلة المصيدة شمال عرسال، إضافة إلى مراكز في وادي الرعيان وسرج حسان للناحية الجنوبية من البلدة.
ونظم أهالي العسكريين المختطفين أمس اعتصاما طالبوا خلاله الدولة اللبنانية ببذل المزيد من الجهود للإفراج عن أبنائهم. وفي هذا الإطار، قال رئيس جمعية لايف لحقوق الإنسان، نبيل الحلبي إن «التواصل المباشر مع الخاطفين توقف منذ اليوم الأول لانسحاب المسلحين إلى الجرود، أي الخميس، والمباحثات تجري الآن بطريقة غير مباشرة عبر ناشطين سوريين».
وقال الحلبي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إنه «تسلم من قائد الجيش العماد جان قهوجي، لائحة بأسماء 22 عسكريا مفقودا من الجيش اللبناني، لكن الجهة الخاطفة اعترفت بوجود ثمانية لديها فقط، ستة منهم لدى (داعش) نافيا في الوقت عينه أن يكون الخاطفون طلبوا مبادلة العسكريين بالموقوفين الإسلاميين، في سجن رومية، أو بقائد لواء فجر الإسلام، عماد جمهة، الذي أشعل توقيفه معركة عرسال. مع العلم أن معلومات أخرى كانت قد أشارت إلى أن العسكريين الـ22 موزعون لدى أربع فصائل معارضة، بينها «داعش» و«النصرة».
وكان الجيش اللبناني قد أعلن فقدان الاتصال بـ22 عسكريا يرجح أنهم محتجزون لدى المجموعات المسلحة، وذلك، قبل أن تنجح وساطة «هيئة العلماء المسلمين» في لبنان بالإفراج عن ثلاثة عناصر منهم و ثلاثة آخرين من قوى الأمن.
وشرح الحلبي الذي كان يشارك في المباحثات مع هيئة العلماء المسلمين، المراحل التي مرت بها المفاوضات وصولا إلى فقدان الاتصال بالخاطفين، بالقول «عندما انطلقت القوافل يوم الخميس باتجاه عرسال أطلق سراح ثلاثة عسكريين وكان يفترض أن يطلق سراح المخطوفين الآخرين على مراحل لاحقة، لكن بعدما منعت المساعدات من الدخول عند منطقة اللبوة طلب القائد الميداني لجبهة النصرة في عرسال أبو مالك، من المسلحين الانسحاب إلى الجرود لضمان إيصال المساعدات وكي لا يكونوا عائقا أمام وصولها، وهو الأمر الذي وإن انعكس إيجابا على الأرض إلا أن نتيجته كانت سلبية بالنسبة إلى العسكريين المختطفين، إذ فقدنا عندها الاتصال بالخاطفين».
وأشار الحلبي إلى أنه الآن تجري المفاوضات عبر وسطاء هم من الناشطين السوريين، مستبعدا أن يحصل أي جديد في الساعات القليلة المقبلة.
ونفى الحلبي كل المعلومات التي أشارت إلى أن المسلحين طالبوا مبادلة العسكريين بموقوفين إسلاميين في سجن رومية، قائلا «كنا نتواصل مع قائد جبهة النصرة في عرسال المدعو أبو مالك، بعد استلامه القيادة الميدانية من لواء فجر الإسلام الذي بايع داعش، وكان يؤكد خلال المباحثات معه، وهو الذي عد الدخول إلى عرسال كان خطأ، استعدادهم الإفراج عن العسكريين فقط مقابل إدخال المساعدات إلى عرسال وضمان أمن النازحين السوريين».
وفي الوقت عينه أشار الحلبي إلى أن أبو مالك أخبره أن عددا من العسكريين الثمانية وضعهم خاص ولن يتمكن من تسليمهم، من دون إعطاء المزيد من التفاصيل.
وفيما فضل آلاف السوريين البقاء في عرسال الهاربين إليها من الموت في بلادهم رغم الأوضاع المأساوية التي يعيشونها والتي تفاقمت بعد الأحداث الأخيرة، تمكن أكثر من 1000 نازح سوري من العودة إلى بلدهم، أمس، عبر طريق المصنع في البقاع، وذلك بعد ساعات على إعلان السفير السوري لدى لبنان علي عبد الكريم على عن تسوية أوضاع دخولهم وإيجاد مقرات ملائمة لهم داخل الأراضي السورية.
وكانت السلطات السورية قد منعت الخميس دخول موكب يضم نحو 1750 لاجئا سوريا عائدا من عرسال بسبب عدم امتلاكهم أوراق ثبوتية أو أوراق دخول شرعية إلى لبنان. من جهتها، أكدت رئيسة الهيئة الدولية لدعم المصالحة في سوريا ورئيسة دير مار يعقوب في القلمون في ريف دمشق الأم أغنيس انتهاء أزمة السوريين العائدين إلى بلادهم عند نقطة المصنع، بعد أن أمنت لهم الحكومة السورية أماكن إقامة في بيوت ومراكز ثقافية ومدارس، تم تجهيزها لاستقبالهم، وذلك بعد التنسيق مع الأمن العام اللبناني، الذي سهل عبورهم.
وشكرت «الدولة اللبنانية والدولة السورية اللتين توصلتا إلى اتفاقية تتخطى الروتين الإداري، في ظل هذا الوضع الإنساني الاستثنائي».
وقالت الأم أغنيس في حديث إلى الوكالة الوطنية للإعلام إنها تشرف حاليا «مع متطوعين، على عملية دخول السوريين إلى أراضيهم»، وأعلنت أن «آلية الانتقال من لبنان إلى سوريا أصبحت أكثر أمانا الآن، بفضل خطة جديدة وضعتها الدولة السورية، التي لطالما احترمت شعبها». وشددت الأم أغنيس على ضرورة عودة النازحين السوريين جميعا إلى ديارهم «لعدم تكرار مأساة اللجوء الفلسطيني إلى لبنان»، مؤكدة أن «النازحين السوريين هم زائرون وليسوا لاجئين»، متهمة الأمم المتحدة وبعض الدول بأن لديهم مصلحة بإنشاء مخيمات للسوريين في لبنان، وأنهم بذلك يستخدمون البشر كأداة لتنفيذ سياسة معينة.
في موازاة ذلك، جدد وزير الخارجية جبران باسيل التحذير من أن تكون تجمعات النازحين بيئة حاضنة للإرهابيين، رافضا التفاوض مع الإرهابيين، لكن من جهته، ذكر وزير العدل أشرف ريفي بالمفاوضات التي جرت مع الإرهابيين الذين خطفوا راهبات معلولا وكيف حررن بعد مفاوضات شاقة جرت معهم من قبل مسؤولين أمنيين وتم في النهاية دفع أموال للخاطفين. وهو الأمر نفسه الذي جرى في أعزاز حيث جرت المفاوضات مع المتشددين وهنا أسأل كيف يسمح التفاوض مع هؤلاء لإطلاق سراح اللبنانيين، سائلا «كيف سمح حينها التفاوض معهم ولا يسمح لنا بالتفاوض مع الذين دخلوا إلى عرسال؟ هذا الأمر لا يجوز وعلينا ألا نكيل بمكيالين وألا يكون ثمة شتاء وصيف تحت سقف واحد».
وقال ريفي خلال زيارته للشيخ سالم الرافعي من هيئة العلماء المسلمين، الذي أصيب خلال دخوله إلى عرسال الأسبوع الماضي للتفاوض مع المسلحين بشأن إطلاق سراح العسكريين، «كنا واضحين منذ البداية واتفقنا على ثلاث نقاط، الأولى هي انسحاب المسلحين من عرسال ومن ثم إلى خارج الأراضي اللبنانية وهذا كان إنجازا بكل ما للكلمة من معنى ومتابعة موضوع الأسرى العسكريين سواء كانوا من الجيش أو من قوى أمن داخلي ونحن والإخوان في هيئة العلماء المسلمين سنتابع حتى النهاية لإطلاق سراح الأسرى ودون شك بالتنسيق مع قيادة الجيش ومجلس الوزراء وكل السلطات اللبنانية ولن يرتاح لنا بال إلا بعد الإفراج عنهم وأن يعودوا سالمين إلى أهاليهم».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.