الأزياء الراقية لربيع وصيف 2019... موسم يحتفل فيه المصممون بالاختلاف

بين غياب كارل لاغرفيلد ومشاركة 45 عارضة سمراء

منظر لفيلا «شانيل»
منظر لفيلا «شانيل»
TT

الأزياء الراقية لربيع وصيف 2019... موسم يحتفل فيه المصممون بالاختلاف

منظر لفيلا «شانيل»
منظر لفيلا «شانيل»

إذا كنت من الذين يرون الكأس نصف ممتلئ فإن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة الأميركية، والمخاوف من عواقب الـ«بريكست» والخروج دون اتفاق، كانت لها تأثيرات إيجابية على الموضة إذا كان ما تابعناه في الأسبوع الماضي هو المعيار. فاللافت خلال أسبوع الأزياء الراقية بباريس لربيع وصيف 2019 أن الكل كان يشعر بأنه ليس هناك مجال للتهاون. كانت المنافسة على أشدها بين بيوت الأزياء العالمية والمصممين لتقديم الجديد والفريد. فقد أدركوا أن الأسواق، التي كانت إلى عهد قريب، واعدة شجعتهم على التوسع فيها، تعرف حاليا تباطؤا وتقلصا، الأمر الذي يعني شيئا واحدا وهو أن البقاء سيكون للأقوى والمتميز فقط، وهذا ما كان ملموسا فيما تم اقتراحه. فبعد مواسم باردة لعب فيها أغلبهم على المضمون، استجمعوا كل طاقاتهم الإبداعية وقدموا أزياء لم تكن متعة للعين فحسب بل قابلة لتكون استثمارا على المدى البعيد. من عرض ستيفان رولان، الذي يمكن القول بأنه كان من أفضل ما قدمه منذ سنوات إلى عرض «أليكسي مابيل» الذي أكد فيه نُضجا فنيا، مرورا بالكبار من أمثال «ديور»، «شانيل» و«فالنتينو» وطبعا إيلي صعب و«رالف أند روسو» وغيرهم، يمكن القول بأن الطبق كان متوازنا وصحيا. صحيح أنهم لعبوا على المضمون، من ناحية تقديمهم لما يروق لامرأة عصرية، إلا أنهم أيضا جددوا أنفسهم وأعادوا لنا حلم أيام زمان، كل بلغته وأدواته الخاصة مع بعض الرسائل المبطنة تحت عشرات الأمتار من الأقمشة والتطريزات التي سهرت على تنفيذها الأنامل الناعمة لآلاف الساعات. بيير باولو بيكيولي، مصمم دار «فالنتينو» الذي كان نجم الأسبوع بلا منازع لخص الأمر بقوله بأن «الهوت كوتير تعني الحلم والفانتازيا، هي أيضا التعبير عن الفردية، وهذا يعني التنوع... إنها ليست رسالة سياسية تكتبها على «تي_شيرت» وليست ملابس «سبور» أو مستقاة من ثقافة الشارع... إنها كيف تتعامل مع العالم ومن أي زاوية تنظر إلى الأمور». من هذا المنظور كانت هناك الكثير من الرسائل، ربما تكون سياسية أو اجتماعية، لكنها لم تكن مكتوبة بالبنط العريض باستثناء الثنائي «فكتور أند رولف» اللذين قدما مجموعة كتبا عليها رسائل طريفة. أما الباقون فاكتفوا بالإيحاءات المبطنة، بمن فيهم ماريا غراتزيا تشيوري، مصممة «ديور» التي عودتنا على رسائلها النسوية المكتوبة إما على «تي_شيرتات» أو على إكسسوارات. ما تستنجه من هذه العروض أن أغلب المصممين توصلوا إلى أن الأولوية يجب أن تكون لتصاميم تخدم المرأة من دون أن ينسوا تلك الرؤية الفنية التي كانت ولا تزال جزءا لا يتجزأ في أزياء الـ«هوت كوتير» تحديدا. فلا بأس أن يستلهموا من فنون العمارة أو الرسم والنحت وما شابه، ما دامت لا تعيق الحركة وتتيح استعمالها بمرونة. فالمرأة تريدها فريدة من نوعها حتى تتألق فيها لكنها في الوقت ذاته تريدها مريحة.
وبما أننا في زمن أصبحت تتحكم فيه وسائل التواصل الاجتماعي، شاء البعض أم أبى، فإن العروض أصبحت تتطلب الكثير من البهارات حتى يحضر عنصر الإبهار وتأتي الصورة مثيرة. فالأزياء، مهما كان جمالها، تحتاج إلى خلفية مناسبة. أمر باتت بيوت الأزياء تعرفه وتُلبيه، بدليل أن العديد من العروض أصبحت تقام في معالم أثرية أو متاحف تتغير معالمها بديكورات تُجسد رؤية المصمم، كما كان الحال في متحف «لورودان» المقر شبه الرسمي لعروض دار «ديور» منذ سنوات. كانت القاعة المنصوبة في حديقته الشاسعة تبدو كالمعتاد مجرد قاعة ضخمة، لكن ما إن تدخلها حتى تُداهمك رائحة الخشب ومنظر الأعمدة في كل مكان. بعد أن تتعود العين على ظلمة المكان، نفهم أننا على موعد مع سيرك «ديور». لا نستغرب هذا الاختيار بقدر ما نتحمس له، لأنه يُذكرنا بأن السيد كريستيان ديور كان يحب الذهاب إلى السيرك في فصل الشتاء، وهو ما التقطته كاميرا ريتشارد أفيدون، في عام 1955 في صورة تحمل عنوان «دوفيما مع الفيلة». في نفس العام، أي 1955. عرض التلفزيون البريطاني، وبمناسبة عرض أقامته الدار في فندق «سافوي» بلندن، تقريراً مصوراً يحمل عنوان «سيرك ديور». لهذا ليس غريبا أن تكون هذه النقطة هي التي انطلقت منها المصممة ماريا غراتسيا تشيوري هذا الموسم، مبررة ذلك بقولها بأن أكثر ما شدها في ثقافة السيرك أنه يحتضن الاختلاف بكل أشكاله وألوانه «هناك مساواة لا تتحكم فيها معايير الجمال ولا تُلقي بالا للجنس أو العمر أو الأصل... هناك تركيز فقط على المهارة والتقنية».
وهذا ما جسدته في مجموعة متنوعة تتقفى تاريخ السيرك إلى حد ما، مثل مجموعة بتطريزات تبدو وكأنها وشوم تغطي الجسد، قالت بأنها استلهمتها من بشرة المرأة لتُذكرنا بسيرك الحقبة الفيكتورية. أما ألوان البودرة التي تتماهى وتمتزج ضمن لوحة ألوان لا متناهية فكانت ترمز إلى التهالك والغبار الذي يغطّي ملابس المسارح، بينما يرمز الأبيض والأسود بالبهلوانات والمروّضين والفرسان. بيد أن التفصيل والتفاصيل الراقية كانت أبعد ما تكون عن التهريج، بما في ذلك البنطلونات المشدودة عند الكاحل أو الركبة، التي قد لا تناسب كل النساء، لكن المصممة نجحت في طرحها من خلال إطلالة أنيقة بعد أن نسقتها مع قمصان بيضاء شفافة ذات ياقات عالية أو زينتها بشرائط. كانت هناك أيضا «كورسيهات» من الجلد، وكنزات وقمصان مقلّمة وفساتين سهرة طويلة من التول بتطريزات وخطوط أنثوية تستحضر مرونة راقصات الباليه. كعادتها تلاعبت المصممة أيضا على الذكوري والأنثوي من خلال مزجها الخامات والتصاميم المتناقضة مع بعض. التول والأورغنزا مثلا مع الجلد، والفساتين المنسابة مع كورسيهات تشد الخصر لتحدده وتخفف من نعومة الفستان.
كان مهما بالنسبة لماريا غراتزيا أن تأتي «كل إطلالة بشخصية مختلفة، تماما مثل شخصيات السيرك... شجاعة، مرحة، سعيدة وحزينة» حسب قولها، مضيفة: «السيرك عالم قائم بذاته. إنه يمر من مدينة إلى أخرى، وفي كل مرة يرتجل وتتغير بعض تفاصيله، مثل الموضة».
لكن لا بد من الإشارة إلى أن المصممة التي التحقت بدار «ديور» في عام 2016 كأول امرأة منذ تأسيسها، لم تنس أنها دخلتها وهي تحمل راية حركة نسوية جريئة عبرت عنها من خلال تعاونها الدائم مع كاتبات وموسيقيات ومخرجات ومصورات وفارسات. لم يختلف الأمر هذه المرة أيضا، حيث استعانت بفرقة سيرك «لامامبر» البريطانية المكونة كاملة من نساء.

شانيل
كان غياب المصمم كارل لاغرفيلد لافتا في عرض «شانيل». السبب أنه كان متعبا. ورغم أن لا أحد لامه على هذا الغياب، فهو في عُمر يحتاج فيه إلى أخذ الأمور ببساطة كما أن الطقس كان مُثلجا في ذلك اليوم، إلا أن غيابه فتح الباب للكثير من التأويلات. فقد كانت هذه المرة الأولى التي يتغيب فيها منذ التحاقه بالدار في عام 1983.
لكن رغم غيابه لم تغب لمساته السحرية في تشكيلة عرضها في «لوغران باليه». كالعادة كان الديكور مبهرا يتحدى الطقس والواقع. فبينما كان الثلج يتساقط على قبة المتحف في الخارج، كانت الصورة بالداخل مختلفة بفضل الإضاءة الاصطناعية التي أعطت الانطباع بأننا في يوم مشمس من أيام الصيف وبأننا في فيلا تقع على ربوة عالية، بسلالم تؤدي إلى حديقة غناء يتوسطها مسبح. على جوانبها تم زرع أشجار النخيل والميموزا والليمون وممشى مغطى بالحصى. فيلا شانيل كما تمت تسميتها في بطاقة الدعوة ليست مكانا خياليا. فهي مستوحاة من «لافيجي» وهي فيلا في مونت كارلو كان المصمم يقضي فيها إجازاته الصيفية في الثمانينات.
لم تعكس الأزياء أجواء الصيف بالكامل. فقد كانت تبدو سميكة من بعيد يمكن أن تناسب كل المواسم، عاد فيها المصمم إلى القرن الـ18 وهي حقبة يعشقها ويعود إليها في الكثير من الأحيان. وعلى ما يبدو فإن الفكرة انبثقت بعد زيارة إلى معرض يقام حاليا في متحف بمنطقة «لوماريه» في الجادة الـ4 بعنوان «أقمشة مترفة: تجار ميرسر باريس القرن الـ18». يركز المعرض على التجار الفرنسيين الذين كانوا يستوردون الأقمشة والأشرطة الحريرية والإطارات الذهبية وما شابه من منتجات كان التجار يجلبونها للطبقات المخملية في ذلك العهد، من بينهم مدام بومبادور التي كانت معروفة بأناقتها وحبها للترف والورود. كان حبها هذا يمتد للأدوات المنزلية، بحيث لا بد أن نذكر أن الفضل في فتح مصنع البورسلين الفرنسي في ليموج يعود إليها، بعد أن أعجبت بمنتجات الشركة الألمانية مايسن وطلبت أن يكون لفرنسا شيء مماثل.
بدوره جند كارل لاغرفيلد كل الورشات التي تنضوي تحت أجنحة «شانيل» لصنع أزهار وورود من الريش أو الدانتيل، أو لتلوين الخرز باليد، وغيرها من التفاصيل التي زينت الأورغنزا والموسلين والدانتيل والحرير وطبعا التويد، في تصاميم تتميز بطبقات وطيات تستحضر فن الأوريغامي. افتتح العرض بمجموعة من تايورات التويد بتنورات تغطي نصف الساق، أتبعها بمجموعة من جاكيتات «البوليرو» سرعان ما اختفت لتحل محلها جاكيتات مفصلة تستقي خطوطها من جاكيت الدار الأيقوني، إلى جانب فساتين من الدانتيل تميل إلى الاستدارة بعض الشيء، بحيث تبدو وكأنها سلة مليئة بالأزهار. كان الانطباع رائعا يُرسل قشعريرة في الجسم أحيانا، تحار إن كانت بسبب البرد القارس في ذلك اليوم أم بسبب تأثير الإطلالات المتتالية. لكن هذا لا يعني أن كل الأحجام والأشكال كانت موفقة، فبعضها كان غريبا إلى حد القول بأن البعض قد يراه «دقة قديمة» لولا سحر اسم «شانيل» المتمثل في رموزه الأيقونية مثل الجاكيت الكلاسيكي والتويد. القطع المفصلة، مثلا، ركزت على الأكتاف المحددة في الجاكيتات وعلى التفصيل المحسوب في التنورات المستقيمة حتى الركبة لتتفتح من تحت بشكل أو بآخر، مثل تنورة مستقيمة تتفرع من تحت على شكل بليسيهات، أو فستان بسيط تظهر على جوانبه كشاكش من الريش أو طية تُلف عند الركبة نحو الخصر لتخلق طبقتين تُغلفان تطريزات جيدة أنيقة. كان هناك تلاعب بالأحجام لكن بنسبة أقل بكثير من عروض جيامباتستا فالي، «فالنتينو» أو أليكسي مابيل مثلا.
في نهاية العرض وبعد ظهور عروس «شانيل» التي استعاضت عن الفستان التقليدي بملابس بحر، تهادت العارضات من دون كارل لاغرفيلد. بدا الأمر غريبا وكأنه نهاية حقبة، لأنه تعود أن يحيي الحضور في نهاية كل عرض. في المقابل أرسلت الدار مكانه فيرجينا فييار، رئيسة مشغله ويده اليمنى التي بدأت تظهر معه في العروض السابقة، فيما اعتبره البعض تمهيدا لتسليمها المشغل بعده.

رالف أند روسو
في عرض «رالف أند روسو» لم تختلف الصورة كثيرا عما تم تقديمه طوال الأسبوع. كانت هناك رغبة في نيل الرضا بكل الأشكال والوسائل. كانت فرقة موسيقية مكسيكية في استقبال الحضور، وهو ما فسرته المصممة تامارا رالف فيما بعد على أنه كان تماشيا مع ملهمة هذه التشكيلة، ماريا فيلكس، أشهر ممثلة ومغنية مكسيكية في أربعينات وخمسينات القرن الماضي. كانت نجمة عاطفية وتتمتع بكاريزما عالية حسب قولها «كانت أيضا أنيقة رغم أنها لم تأخذ الموضة محمل الجد، وهذا ما أردته في هذه التشكيلة: أن تكون مرحة تعكس الجمال الأميركي اللاتيني». ما إن بدأ العرض حتى توارت صورة الفرقة الموسيقية عن الأذهان، ومعها تبدد الخوف من أن تكون التشكيلة فولكلورية. كانت أول إطلالة على شكل تايور ببنطلون مفصل على الجسم من صوف الكريب مزين بالكريستال وخيوط الذهب. العنصر المكسيكي الوحيد فيها كان القبعة الواسعة التي غطت رأس العارضة، وكان واضحا أن الهدف منها هو خلق بعض الدراما لا أقل ولا أكثر. توالت الإطلالات، التي تؤكد أن الدار وبعد أن رسخت مكانتها بين الكبار لا تريد أن تتنازل عن هذه المكانة مهما كان. فقد وجدت المصممة وصفة ناجحة لا تحيد عنها، وتتمثل في تقديم طبق متنوع يضمن لها مخاطبة كل نساء العالم، بغض النظر عن ثقافتهن. المهم أن تكون لهن الإمكانيات العالية والرغبة في التألق. مكمن قوة الدار أيضا هي أن المصممة تأخذ من كل بستان زهرة، بمعنى أنها تدرس ما تريده المرأة من الموضة، فتطرحه لها بلمسات جمالية راقية. جرعة الأناقة والثقة هذا الموسم زادت وتجسدت في استعمالها السخي للريش الذي زين مجموعة من قفاطين الشيفون الخفيفة، ولكريات صغيرة تدلت من فساتين كوكتيل من الدانتيل. الأسود كان قليلا مقارنة بالألوان الفاتحة، أما الجرأة، أو بالأحرى الشقاوة، فتمثلت في فستان سهرة باللون الأبيض طرزت عليه باقة من الموز وكأنها تذكرنا بجُرأة ملهمتها، ماريا فيلكس. كان واضحا أن تامارا حرصت أن لا تقع في مطب الفولكلور لهذا ركزت على التصاميم الهوليوودية بخطوطها الكلاسيكية بينما اكتفت بالسفر بنا إلى المكسيك من خلال بعض التفاصيل والألوان الزاهية وقبعات السومبريرو.

أليكسي مابيل
في نفس اليوم المثلج، قدم أليكسي مابيل تشكيلة كل ما فيها يقول بأنه بلغ مرحلة النضج. العنوان الذي اختاره لتشكيلته كان «دفقة قوس قزح» نظرا لألوانها الزاهية التي امتدت أيضا إلى الماكياج. خلف الكواليس قال المصمم بأنه تخيل فتاة تحاول أن تشم باقة من الورد، الأمر الذي انعكس على أطواق الورد في تسريحات الشعر وألوان الماكياج المتفتحة بألوان الورود. وأضاف: «إنه قوس قزح بكل المقاييس... يجسد حرية الألوان وحرية التعبير في الوقت ذاته». كان لكل لون، من الفيروزي والمرجاني إلى الوردي والأخضر وغيرها شخصيته التي يستمدها من عُمق درجته. فالأزرق الغامق مثل صبغ جاكيت مُفصل لامرأة ناضجة أو سيدة أعمال شابة بينما الفوشيا طبع فساتين أكثر حيوية وديناميكية. لكن الألوان لم تكن وحدها مركز الجذب والاهتمام، فالخطوط والأحجام كانت تضاهيها أهمية، مثل فستان بلون زهر الأقحوان بحزام معقود على شكل فيونكة، وآخر بلون الفاونيا تظهر منه كشاكش من التول على شكل قفص وآخر ينسدل من الظهر إلى الأرض بسخاء وتظهر من جوانبه فيونكات أنيقة يعتبرها البعض لصيقة بأسلوبه. إضافة إلى تركيزه على الأحجام والألوان انتبه أيضا إلى التفاصيل لا سيما في الأكمام المبتكرة، والتي يبدو أنها ستلعب دورا مهما في الموسم المقبل. في آخر العرض أرسل المصمم ثلاثة فساتين باللون الأبيض أنكر أن يكون قصده منها التودد للعرائس. فهي برأيه فساتين لكل المناسبات وإن كان غرضه منه أن تُلفت الانتباه في أي مناسبة حسب قوله مؤكدا أن هدفه هو أن يجعل المرأة لافتة للأنظار لكن في الوقت ذاته أن يمنحها الثقة.

ستيفان رولان
ستيفان رولان أكد أنه فهم أخيرا أن الجانب التسويقي، بمعنى التجاري، في أهمية الفني وبالتالي لا يمكن التمرد عليه. شغفه بالفن، وتحديدا فن العمارة جعله في السابق يُركز على الإبداع والابتكار أولا وأخيرا متناسيا أن الزمن لم يعد هو الزمن، وأن الراحل إيف سان لوران تقاعد لهذا السبب تحديدا لأنه فهم أنه لن يتمكن من تغيير وضع لم يُعجبه. لحسن الحظ أن ستيفان رولان لم يُحبط بقدر ما فهم الدرس وعمل على تحقيق المعادلة الصعبة بين رؤية ما يتوق له وما يتطلبه السوق. الدليل أنه قدم تشكيلة يمكن القول بأنها من أجمل ما قدمه منذ سنوات. عاد فيها حسب قوله إلى بداية القرن العشرين، الحقبة التي شهدت الكثير من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، مثل تحرير المرأة، إضافة إلى طفرة فنية أثمرت على فن الآرت ديكو. كل هذا ترجمه من خلال أزياء لم يتخل فيها عن الفنية في الخطوط والتفاصيل لكنه طعمها بمرونة وانسيابية تجعلها قابلة لكل المناسبات ولكل نساء العالم. ومع ذلك لم يخف المصمم تحسره على بعض التغيرات التي تدفع البعض للمجاراة ملقيا اللوم على وسائل التواصل الاجتماعي «لم تعد هناك حرية تفكير كما كان عليه الأمر سابقا. في المقابل هناك تبعية لا تُصدق، وما علينا سوى مراقبة الناس في الشارع لنتأكد أننا نتبع بعضنا البعض... نتبع توجهات الموضة، المدونات والأنفلوونسرز عوض أن يكون لكل واحد منا أسلوبه الخاص بعيدا عن إملاءات الغير».
بدأ عرضه بإطلالة بالأبيض، عصرية تضج بالأناقة تتكون من قميص شفاف يزين الريش حواشي أكمامه مع بنطلون واسع ومعطف طويل وعمامة قال المصمم بأنها تلقي تحية للراقصة إيسادورا دانكان. اللمسة الشرقية ظهرت في فستان طويل بفتحة أمامية مزينة بسيلكيون بلوني الذهب والبرونز وتطريزات بألوان المرجان والورد وفي الإيشاربات التي زينت رؤوس معظم العارضات.
مثل الأغلبية هذا الموسم، تلاعب ستيفان بالأحجام، وإن كانت أكثر توازنا وانسدالا من غيره. بيد أنه لم يتخل عن الدراما تماما، فقد ظهرت في فستان من الحرير بأكمام شفافة منفوخة بشكل كبير وياقة مزينة بالكريستال بطبعات يتماوج فيها البني مع الأصفر والأبيض، قال المصمم بأنه استلهمها من لوحة للمعماري الصيني، سونغ دونغ، الذي يعمل معه حاليا على مشروع يدور حول إصدار منتجات عضوية. إضافة إلى خفة التشكيلة ومرونتها، كانت التشكيلة تعبق بروح باريسية أكد فيها المصمم قدرته على مزج الألوان مع بعض. بيد أنه حرص أن لا تكون صارخة بالتناقضات، بحيث اكتفى بمزج لونين مع بعض باستثناء استعماله ألوانا أكثر في التطريزات.

جون بول غوتييه
أما بالنسبة لجون بول غوتييه، فإنه ومنذ أن تخلى عن خط الأزياء الجاهزة وهو يصب كل طاقته وشقاوته المعروفة على خط الـ«هوت كوتير» وبالنتيجة يُتحفنا بالغريب والعجيب. في عرضه لربيع وصيف 2019 تراجعت التصاميم والألوان المستوحاة من عالم البحارة التي أصبحت لصيقة بأسلوبه ولم تختف فكرتها. فعوض أن يُسهب في الخطوط المقلمة وألوان الأبيض والأزرق وما شابه من أمور أخذنا في رحلة بحرية مر بها على عدة بلدان دافئة قبل أن يحط الرحال في اليابان. قدم فساتين بكل الأشكال، إلى جانب جاكيتات درامية عند الأكتاف، وطبعا الكثير من القطع المستوحاة من فتيات الغيشا. الكورسيه الذي اشتهر به كان أيضا حاضرا إلى جانب حزام الأوبي العريض، لكن أكثر ما أثار الانتباه هي الأكمام التي كانت فيها بعض المبالغة المسرحية، وهو ما يمكن اعتباره طبيعيا بحكم أن غوتييه هو مصمم ملابس المسرحية الموسيقية الراقصة «فاشن فريك شو» التي تعرض حاليا في «لي فولي بيرجير» بباريس، وتعرف نجاحا كبيرا استدعى تمديد مدة العرض إلى شهر أبريل (نيسان) المقبل.
فمع كل إطلالة تقريبا، كانت تظهر شخصية مختلفة. مرة على شكل عارضة في ملابس راقصة كانكان، ومرة على شكل حورية بحر في فستان أزرق من التول بصدر مشدود وكأنه في قفص ومرة على شكل فتاة غيشا، وهكذا. وتجدر الإشارة إلى أنه استعان بعارضات يشاركن أيضا في المسرحية، مثل ديتا فون تيز وآنا كليفلاند التي أنهت العرض بفستان، من المفترض أن يكون فستان زفاف، مصنوع بالكامل من الورق. قدمته وهي تقوم بحركات راقصة تؤكد أن المصمم الشقي لا يزال يستمتع بالموضة من دون أن يأخذها بجدية. بيد أنه بتوجهه إلى اليابان والصين، فإنه يبرهن أنه لا يتجاهل أن هذه الأزياء للبيع وليست للمسرح، لا سيما أن التشكيلة بكل تقنياتها ورغم غرابتها ستروق للذائقة اليابانية بشكل كبير. فهو لم يستنسخ ثقافتهم بشكل حرفي بل أخذ منها مجرد عناصر تتماشى مع الأسلوب الباريسي الذي تتوق له الآسيويات ممن أصبح لهن دور كبير في إنعاش خط الـ«هوت كوتير».

فالنتينو
اختتم أسبوع الهوت كوتير لربيع وصيف 2019 بالدموع وشهقات الإعجاب. كان ذلك في عرض «فالنتينو»، الذي لم تتمالك فيه المغنية سيلين ديون نفسها، وبكت أمام الكل عندما بدأ العرض على نغمات أغنية سبق وغنتها لزوجها الراحل رينيه. أما شهقات الإعجاب فقد صدرت من كل الحضور، لأن مصممها بيكيولي أخذنا إلى أقصى مراحل الجمال والفنية. بعد العرض عانقته سيلين ديور قائلة «شكرا من القلب، لقد أعدت للمرأة الجمال»، وكانت على حق. فقد حملت تشكيلته الحضور إلى عالم من الخيال بألوانها الزاهية وأحجامها الضخمة وتطريزاتها السخية. لم تصدم العين أو تصيبها بالتخمة لأن نصف هذه التطريزات كان في البطانة أساسا أو يختفي تحت ستارة من القماش. لكن عرضه لم يكن عن الأزياء وحدها. كان أيضا رسالة راقية عن التنوع واحتضان الآخر، باستعانته بـ45 عارضة سوداء وسمراء، وهو عدد غير مسبوق خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن تشكيلته ضمت 65 قطعة، أي أن نسبة العارضات الشقراوات كانت أقل بكثير.
بعد العرض صرح بيكيولي بأنه استلهم الفكرة من صورة التقطها مصور الموضة المعروف سيسل بيتون في عام 1948 وتظهر فيها تسع عارضات، في أزياء فخمة للمصمم الراحل تشارلز جيمس. كل ما في الصورة كان يعبق بالجمال والفخامة، لكن لم تكن من بينهن ولا عارضة سوداء أو سمراء، الأمر الذي أثار انتباهه وحفيظته على حد سواء، وجعله يُصحح الأمر بصورة تواكب العصر من حيث ثقافتها وخطوطها. كانت هناك بالطبع أزياء للنهار لكن بما أن نسبة 70 في المائة الـ«هوت كوتير» تكون عن أزياء المساء والسهرة، فإنه لم يُقصر في هذا الجانب، وقدم مجموعة قد تكون متنوعة من حيث الألوان والتطريزات، لكنها تتقاسم الفخامة في كل جزئية منها.
ورغم أن بيكيولي صرح بأن أكثر ما يحبه في «الهوت كوتير» خفتها وتفردها وما تتيحه من فرصة لاختبار أفكار فنية جديدة، إلا أن ما لم يقله بلسانه وعبر عنه بالكشاكش والورود والدانتيل، أن تحت غطاء الفنية والحرفية، يسكن مصمم رومانسي يحترم الأنوثة ولا يبخل عليها بشيء. قدم مثلا فستانا احتاج إلى 236 مترا من القماش ليصوغ منه ورودا طرزها عليه، وآخر إلى 63 مترا ـ بينما استغرق تطريز فستان، بورود مصنوعة من الدانتيل، إلى 700 ساعة من العمل، وفستان بكشاكش ظهرت به العارضة كايا غيربر، من الأورغنزا والدانتيل إلى 1.050 ساعة. تفسيره كان «أن هذا ما تعنيه الهوت كوتير. كل ما في الأمر أنه عليك أن تنظر إليها من زاوية مختلفة» حتى تُبرز قدرات المصمم وفي الوقت ذاته تُبرر أسعارها التي تتعدى مئات الآلاف.

لقطات
الثمانينات
لا تزال هذه الحقبة مؤثرة في الموضة. ظهرت في عدة عروض على شكل أكتاف محددة وواضحة كما الحال في عروض «بالمان» وألكسندر فوتييه، كما ظهرت في البريق والجمع بين عدة إكسسوارات في إطلالة واحدة، والتسريحات المنفوخة.

إكسسوارات الشعر
طوق الشعر، الإيشاربات والقبعات رافقت تايورات مفصلة للنهار كما الفساتين الفخمة للسهرة والمساء. في عرض ستيفان رولان أخذت روحاً شرقية، وفي عرض أليكسي مابيل أخذت أسلوباً بوهيمياً يأخذنا إلى الستينات والسبعينات، حقبة الهيبيز.
- التايور المفصل كان حاضراً في عدة عروض. الفرق بينه في الماضي وهذا الموسم أن التفاصيل تغيرت فيما يخص الأكتاف والتنورات التي اكتسبت حيوية أكبر من خلال التفاصيل مثل البليسيهات أو الريش. في عرض «شانيل» مثلاً تأثرت باستدارة فساتين القرن 18.

النظارات الشمسية
كانت إكسسواراً مهماً في كثير من العروض، مثل عروض إيلي صعب وألكسندر فوتييه وغيرهما.
لم تكن عادية للحماية من أشعة الشمس فقط بل بأشكال مبالغ في أحجامها وألوانها أحياناً، كأنها تخاطب فتيات «إنستغرام»، بتصاميمها المستقبلية حيناً أو «فينتاج» حيناً آخر. في بعض الأحيان وصلت إلى مرحلة كاريكاتورية.

الماكياج
- إذا كانت التصاميم تتسم ببعض المبالغة فإن الماكياج كان على العكس، يميل إلى الطبيعي والطبيعة بألوان الورد.
لكن لا ينطبق هذا الأمر على كل العروض، فبعضها تفنن في تزيين العيون مثلما الحال في عرض «فالنتينو» التي ظهرت فيها العروض برموش طويلة من الريش وبتلات ورد في محيطها.
أما بالنسبة للتسريحات فكانت بسيطة ومرتبة، وفي حالات أخرى منفوخة تستحضر حقبة الثمانينات.



حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
TT

حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

من متاجر الجمعيات الخيرية والأسواق الشعبية، إلى منصات إعادة البيع على الإنترنت، يغيّر جيل زد علاقته بالموضة والاستهلاك. فالقطعة المستعملة لم تعد علامة على التوفير، بل أصبحت أحياناً أكثر جاذبية من الجديدة، والعثور على حقيبة فاخرة أو معطف نادر بسعر زهيد قد يكون إنجازاً يستحق الاحتفال به على وسائل التواصل الاجتماعي.

كان شعار الموضة، لعقود طويلة، واضحاً: كلما ارتفع السعر، ارتفعت القيمة. وكانت أسماء دُور الأزياء العالمية وشعاراتها الكبيرة كافية لمنح صاحبها شعوراً بالتميز والمكانة.

أصبح اقتناء قطعة فريدة من محلات الملابس المستعملة أمراً يدعو للتفاخر (غيتي)

فبالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء «جيل زد» والأجيال الأصغر سناً، لم تعد الأناقة مرتبطة بالضرورة بشراء الجديد أو دفع مبالغ كبيرة مقابل قطعة تحمل اسماً شهيراً، بل أصبح البحث عن قطعة مميزة، بسعر معقول، وربما مستعملة، جزءاً من ثقافة جديدة في التسوق تعرف باسم Thrifting أو التسوق من متاجر الملابس المستعملة.

ففي عالم تنتشر فيه الملابس نفسها بآلاف المتاجر، يبحث الشباب عن شيء مختلف؛ قطعة لا يرتديها الجميع، أو سترة قديمة لم تعد تُنتَج، أو حقيبة تحمل طابعاً من زمن آخر.

لهذا أصبحت متاجر الملابس المستعملة والأسواق الشعبية ومتاجر الجمعيات الخيرية وجهاتٍ يقصدها الشباب بحثاً عن «الكنوز المخفية».

هناك من يفضل المتاجر الخيرية التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة (غيتي)

قد يدخل المتسوق متجراً لا يعرف ماذا سيجد فيه، ثم يخرج منه بمعطف مميز أو حذاء من علامة معروفة أو حقيبة عتيقة، وكل ذلك مقابل مبلغ قد لا يتجاوز جزءاً بسيطاً من سعر القطعة الجديدة. وهنا تكمن متعة الـThrifting ليست المتعة في الشراء وحده، بل في الاكتشاف.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

لو بقي تسوق المستعمل محصوراً في المتاجر والأسواق، لربما لم يكن ليصل إلى المكانة التي يحتلها اليوم.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي قلبت المعادلة.

على منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب»، أصبح الشباب يصورون جولاتهم داخل متاجر الملابس المستعملة، ويعرضون ما عثروا عليه، ويكشفون عن الأسعار، ويشرحون كيفية تنسيق القِطع القديمة مع الملابس الحديثة.

انتشرت مقاطع ما يُعرف بـThrift Hauls، حيث يستعرض المستخدمون مجموعة من مشترياتهم، كما تحولت فكرة العثور على قطعة فاخرة بسعر منخفض إلى نوع من المحتوى الذي يثير الفضول والإعجاب.

وأصبح السؤال ليس: «لماذا تشتري ملابس مستعملة؟»، وإنما: «ماذا استطعت أن تجد؟»،

وهكذا نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل ما كان يُنظَر إليه بوصفه وسيلة لتوفير المال إلى ثقافة وموضة لها جمهورها ولغتها ومؤثروها.

وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في قلب المعادلة ونشر هذه الظاهرة (غيتي)

تختلف تجربة التسوق من شخص إلى آخر، فهناك من يستمتع بالتجول في الأسواق الشعبية وأسواق الشوارع، حيث تختلط الملابس القديمة بالأحذية والحقائب والإكسسوارات.

وهناك من يُفضل المتاجر الخيرية، التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة، بينما تذهب عائدات المبيعات إلى دعم الأعمال الخيرية. وآخرون يبحثون عن متاجر متخصصة في القطع القديمة أو منصات إلكترونية تجمع البائعين والمشترين في سوق واسعة للمنتجات المستعملة. وفي جميع الحالات، أصبحت عملية البحث نفسها جزءاً من التجربة.

اكتسب متجر ليفتيز «Lefties» الذي نشأ لتصريف فائض ملابس «زارا» بأسعار مخفضة جماهيرية لدى الشباب (موقع ليفتيز)

المفارقة أن الاهتمام بالملابس المستعملة، أو من موسم مضى، لم يلغِ اهتمام الشباب بالعلامات الفاخرة، بل على العكس، هناك سوق متنامية للمنتجات الفاخرة المستعملة.

فالحقيبة التي تبدو بعيدة المنال عندما تكون جديدة، يمكن أن تصبح أكثر قابلية للشراء عندما تكون مستعملة. والمعطف الذي يبلغ سعره آلافاً عند طرحه للمرة الأولى، قد يصبح في متناول شاب يبحث عنه بعد سنوات.

وأحياناً تكون القطعة القديمة أكثر جاذبية من الجديدة، خصوصاً إذا كانت نادرة أو من مجموعة لم تعد متوفرة.

ولم يتوقف الأمر عند الاستهلاك، فقد تحولت الملابس المستعملة لدى بعض الشباب إلى مشروع تجاري صغير.

فهُم يبحثون عن القطع المميزة في المتاجر الخيرية والأسواق الشعبية، ويعرفون العلامات التي تحظى بطلب مرتفع، ثم يشترونها بأسعار منخفضة ويعيدون بيعها عبر الإنترنت. قد تكون حقيبة فاخرة، أو سترة من علامة معروفة، أو حذاءً نادراً. وبعد العثور على القطعة، تبدأ مرحلة أخرى: تنظيفها، وتصويرها، وكتابة وصف جيد لها، ثم عرضها للبيع على إحدى منصات إعادة البيع.

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

وبذلك يمكن أن تتحول هواية البحث عن الملابس المستعملة إلى مصدر دخل إضافي.

بل إن بعض الشباب طوّروا معرفة واسعة بالعلامات التجارية والأسعار واتجاهات السوق، فأصبحوا يتعاملون مع القطع المستعملة ليس بوصفها ملابس فحسب، وإنما بوصفها سلعاً قابلة لإعادة البيع والاستثمار.

القديم مستدام

هناك سبب آخر وراء شعبية هذه الظاهرة؛ وهو الاهتمام المتزايد بالاستدامة.

فبدلاً من شراء الملابس الجديدة باستمرار، والتخلص منها بعد فترة قصيرة، يمنح شراء الملابس المستعملة القطعة عمراً أطول، ويقلل الحاجة لإنتاج قطعة جديدة، لكن اختزال ظاهرة الـThrifting في الاستدامة وحدها سيكون تبسيطاً لها.

فالشاب قد يشتري مستعملاً لأنه أرخص، أو لأنه يريد قطعة لا يملكها أحد من أصدقائه، أو لأنه يبحث عن تصميم قديم، أو لأنه يريد إعادة بيعها وتحقيق ربح منها، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل انتهى عصر الماركات؟

الجواب: لا ليس بالضرورة، فجيل زد لا يدير ظهره تماماً للعلامات التجارية الفاخرة، لكنه يبدو أكثر استعداداً لإعادة تعريف العلاقة بها وتغيير تسميتها.

قد يرتدي شاب سترة اشتراها من متجر خيري ببضعة جنيهات، إلى جانب حذاء مستعمل من علامة فاخرة وساعة قديمة وحقيبة عثر عليها في سوق شعبية. بالنسبة إليه، لا تكمن قيمة الإطلالة في أن تكون جميع القطع جديدة أو باهظة الثمن، بل في الطريقة التي جرى بها جمعها وتنسيقها.


الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)

يتجدد موعد جوائز «فاشن تراست أرابيا» من جديد في دورتها لعام 2026، حاملة معها أسماء جديدة وآمالاً كبيرة من مواهب تسعى إلى ترسيخ حضورها على خريطة الموضة والأزياء العالمية. كالعادة، واستباقاً لحفل توزيع الجوائز في آخر الشهر، كشفت المؤسسة عن القائمة النهائية للمرشحين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كلهم يتنافسون على سبع جوائز قيمة، «مادياً ومعنوياً ولوجستياً» يُعلن عنها في الدوحة في 28 من الشهر الحالي.

21 مصمماً يحلمون بالجائزة بكل ما تحمله من دعم مادي ولوجستي (فاشن تراست أرابيا)

ويأتي اختيار المرشحين عموماً، عقب عملية تقييم تتولاها اللجنة الاستشارية التي تضم أسماء عالمية مؤثرة على ساحة الموضة، من رؤساء تنفيذيين في بيوت أزياء كبيرة ومصممين عالميين إلى مشترين وغيرهم. ومن المقرر أن يلتقي المرشحين لجنة التحكيم لتقديم أعمالهم ومشروعاتهم، قبل الإعلان عن أسماء الفائزين السبعة خلال الحفل الختامي الذي سيقام مساء 28 من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بحضور نجوم سيحطّون الرحال في الدوحة من كل أنحاء العالم.

6 فئات تحتفي بتنوع التصميم

تتوزع القائمة النهائية للمرشحين على ست فئات، تعكس تنوع مجالات التصميم واتساع مساحات الإبداع في صناعة الأزياء.

ففي فئة الأزياء الجاهزة، تضم القائمة ريانة هيمسكر، من الجزائر، وسارة ماني بوروتش من الأردن، وأحمد حسن من السعودية.

سارة ماني بوروتش من الأردن المرشحة عن فئة الأزياء الجاهزة (فاشن تراست أرابيا)

أما فئة أزياء السهرة والمساء، فيتنافس عليها كل من سيندي أبي شالا من علامة «CIN»، وحيدر كريم من علامة «أوسكار كراي»، وكلاهما من لبنان، إلى جانب دانا رياض من علامتها «دانا رياض» من فلسطين.

وفي فئة الإكسسوارات، وصلت إلى المرحلة النهائية علياء زكي من لبنان، ومريم المالكي من قطر، وصفاء بودخانة من تونس.

دانا رياض من من فلسطين المرشحة عن فئة أزياء السهرة (فاشن تراست أرابيا)

وتضم فئة المجوهرات فاروج فارتان كازانجيان من علامة «هاري في» من مصر، ليال السلطان من علامة «إلورا» من الكويت، وجويل خراط من لبنان.

أما جائزة فرانكا سوزاني، الخاصة بالمواهب الواعدة، فتتنافس عليها ليلى الطوايا من فلسطين والأردن، ويوسف زغيب من لبنان، وزينة عيسى من سوريا.

وفي فئة تكنولوجيا الأزياء، تشمل القائمة شيماء وفاطمة العلاة من مصر، وسيرين قبيسي من لبنان وآمنة حسين من تونس.

جويل خراط من لبنان المرشحة عن فئة المجوهرات (فاشن تراست أرابيا)

وكعادة «فاشن تراست أرابيا» في استضافة مصممين من بلد بعيد وتخصيص جائزة سابعة مستقلة للمصممين المشاركين منها، تشمل الجائزة هذا العام المكسيك، لتكون الدولة الضيفة.

ويخضع المرشحون المكسيكيون لآلية التحكيم نفسها المعتمدة لبقية المتنافسين، في خطة تعكس توجهاً نحو توسيع آفاق التواصل بين المواهب الإبداعية في أسواق مختلفة، وتعزيز فرص التعاون وتبادل الخبرات على المستوى الدولي. ويأتي هذا التعاون بدعم من «فوغ» المكسيك وأميركا اللاتينية، انطلاقاً من أهمية بناء شبكات مهنية عابرة للحدود، وتوفير بيئات داعمة للمصممين الشباب تساعدهم على تطوير أعمالهم وتوسيع حضورهم. وتضمن قائمة المرشحين عن المكسيك، باتريسيو كامبيلو عن علامة «كامبيلو» والثنائي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» وكاميلا بانز عن علامة «بانزو».

الثنائي المكسيكي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» (فاشن تراست أرابيا)

المنح المالية والإرشاد المهني:

ولا تقف أوجه الدعم التي توفرها المؤسسة عند حدود التكريم؛ إذ تشكل المنح المالية وبرامج الإرشاد المهني جانباً أساسياً من منظومة عملها. ويحصل الفائزون على منح تتراوح قيمتها بين 100 ألف و200 ألف دولار، حسب حجم النشاط التجاري لكل مصمم، في حين تبلغ قيمة المنحة المخصصة للفائز بجائزة «فرانكا سوتساني» للمواهب الواعدة 50 ألف دولار.

في فئة تكنولوجيا الأزياء تشارك كل من شيماء وفاطمة العلاوي من مصر (فاشن تراست أرابيا)

وفي امتداد للدعم التجاري، الذي يعدّ من أهم العناصر التي يحتاج إليها أي مصمم شاب، تعرض مجموعات الفائزين في فئات الأزياء الجاهزة وأزياء السهرة والإكسسوارات والمجوهرات لدى الشريكين التجاريين للمؤسسة، «هارودز» و«أوناس» على مدى موسم، بما يتيح للمصممين فرصة الوصول إلى أسواق أوسع وجمهور دولي.

كما تشمل برامج الدعم عاماً كاملاً من الإرشاد المهني المصمم وفق احتياجات كل فائز بالتعاون مع «براند X سوسايتي». ويشارك المصممون الفائزون أيضاً في برنامج إرشادي خاص يمتد يومين في لندن، تنظمه المؤسسة مع «ذي بيستر كوليكشن» والمجلس البريطاني للأزياء و«براند Xسوسايتي».

وتعكس هذه البرامج توجهاً يتجاوز منح الجوائز المالية إلى مواكبة المصممين في مراحل تطورهم المهني، ومساعدتهم على التعامل مع متطلبات الصناعة، من بناء العلامة التجارية إلى التوسع التجاري والانفتاح على الأسواق العالمية.

من الاكتشاف إلى حضورها العالمي

تأسست «فاشن تراست أرابيا» عام 2018 مستلهمة تجربة «فاشن تراست يو كي» أي البريطانية، وهي مؤسسة غير ربحية تقوم رؤيتها على توفير فرص عملية للمصممين الذين بلغوا مرحلة الاستعداد لدخول الأسواق العالمية، لكن يفتقدون إلى الدعم المالي والتوجيه الاستراتيجي وبرامج الإرشاد، وهو ما تقدمه المؤسسة بالتعاون مع خبراء وشخصيات ذات خبرة واسعة في صناعة الأزياء. فغايتها منذ تأسيسها لا تقتصر على الاحتفاء بالأسماء الجديدة، بل تمتد إلى تهيئة الظروف التي تمكّن هذه المواهب من بناء مسارات مهنية مستقرة، وتطوير علامات تجارية قادرة على المنافسة خارج حدود المنطقة