رايت: هاتفني أحد أقارب الظواهري فتجسست عليَّ الـ {اف.بي.آي}

الصحافي الأميركي أحد أبرز خبراء مكافحة الإرهاب أكد لـ {الشرق الأوسط} وجود يأس كبير بين المسلمين في الغرب يدفع أبناءهم إلى التطرف

لورانس رايت أمام مقر دار الصحافة العربية في العاصمة لندن (تصوير: جيمس حنا)  -  لورانس رايت
لورانس رايت أمام مقر دار الصحافة العربية في العاصمة لندن (تصوير: جيمس حنا) - لورانس رايت
TT

رايت: هاتفني أحد أقارب الظواهري فتجسست عليَّ الـ {اف.بي.آي}

لورانس رايت أمام مقر دار الصحافة العربية في العاصمة لندن (تصوير: جيمس حنا)  -  لورانس رايت
لورانس رايت أمام مقر دار الصحافة العربية في العاصمة لندن (تصوير: جيمس حنا) - لورانس رايت

يعتقد لورانس رايت الصحافي الأميركي الكاتب في مجلة «نيويوركر» المتخصص في الكتابة عن «القاعدة» ومؤلف كتاب «البروج المشيدة.. (القاعدة) والطريق إلى 11 سبتمبر» أن «داعش» لن تختفي من المشهد السياسي بسهولة، ويتميز رايت باللقطة الصحافية، فقد استمد عنوان كتابه الأشهر من الآية القرآنية «أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة» التي جاءت في رسالة بن لادن لمحمد عطا زعيم الانتحاريين في هجمات سبتمبر، وكان يقصد بها استهداف برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.. كانت تلك إجابة الكاتب الأميركي رايت في حواره لصحيفة «الشرق الأوسط» حول سبب اختياره لعنوان كتابه الشهير «البروج المشيدة»، وقال رايت، إن بن لادن استخدم تلك الرسالة شفرة ملغزة تطلب من عطا أن يمضي في خطته المرسومة، مشيرا إلى استهداف برجي التجارة بنيويورك في سبتمبر 2011.
أمضى رايت 35 عاما من حياته المهنية في البحث وراء شخصية أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، وأجرى مقابلات مع أكثر من 500 شخص من أصدقاء وأقارب بن لادن ومسؤولين في 20 دولة، وخرج إلى العالم قبل ست سنوات بكتابه الذي حصل على جائزة «بوليتزر» (أرقى الجوائز الأميركية في الصحافة)، وعندما جاء إلى دار الصحافة العربية في العاصمة لندن قبل أيام، تحدث عن مسرحيته الأخيرة «كامب ديفيد»، التي عُرضت في الولايات المتحدة وحققت نجاحا على مدار ستة أسابيع متواصلة، وحضر عرضها الافتتاحي الرئيس الأسبق كارتر وزوجته وجيهان السادات قرينة الرئيس المصري الراحل.
وقال رايت: «كان الجميع يعتقد أنه كان رجلا ضعيفا ولن يستمر طويلا. سيبقى لوقت قصير حتى يأتي رئيس آخر قوي مكانه. ولكن السادات قلب الموازين. أثبت أنه الرئيس القوي»، وجاء معه الحوار على النحو التالي:

* لماذا يصبح من السهل على بعض المسلمين، أمثال أبو هريرة الأميركي والمتطرفين في بريطانيا وآسيا، التحول إلى مقاتلين؟
- أعتقد أن بعضا منهم، وخاصة في أوروبا، يجدون مجتمعات تضم جماعات ذات انتماء عرقي أو ديني مميز. في أميركا المجتمع أكثر اختلاطا. في أوروبا تجد جميع الأتراك يعيشون في ألمانيا وهكذا، بذلك يصبح لديك جاليات مختلفة من المسلمين الذين لا يتحدثون بلغة الدولة التي يعيشون بها جيدا أو لا يتحدثون بها على الإطلاق. على سبيل المثال، إذا كان شاب مسلم يعيش في بلجيكا أو فرنسا حيث توجد جالية مسلمة كبيرة، قد لا يتحدث الفرنسية أو الألمانية أو الهولندية، وربما أيضا لا يتحدث العربية جيدا. كذلك من الممكن أنه لم يزر مطلقا المغرب أو الجزائر موطنه الأم، لذا يكون تائها ويصبح دينه هو هويته، وكلما ازداد تطرفا نما لديه شعور بامتلاك الهوية. ولكني أعتقد أن هناك يأسا كبيرا داخل كثير من الدول المسلمة وفي الشتات الذي نراه بين المسلمين في الغرب، حيث يسري شعور بأنهم لم ينجحوا أو لم يتأقلموا، وأعتقد أن هذا يولّد نوعا من اليأس الانتحاري الذي نراه بين الشباب الذين يقتلون أنفسهم الآن.
* ما الجماعة الأخطر؛ «داعش» أم «النصرة» أم «القاعدة»؟
- في تقديري، الأمر الخطير بالفعل هو عدم وجود بديل، لأن كل من تلك الجماعات خطيرة، ولكنها لا تواجه مقاومة بالطريقة التي تحتاج إليها تلك الثقافات من أجل حماية ذاتها من داء التطرف. لا توجد حصانة كافية في العالم العربي والإسلامي في الوقت الراهن. يتنافس كل من تنظيمي «داعش» و«القاعدة» على الاستحواذ على أراضٍ تمتد من روسيا إلى المغرب. وأحيانا ما تجد التنظيمين موجودين على أرض دولة واحدة، وأحيانا أخرى في دول مختلفة، ولكن يجذب تنظيم «داعش» كثيرا من الشباب الذي يرغبون في الإيمان بفكره.
* متى تتوقع أن تختفي هذه الجماعات؟ بعد عشر سنوات أو 20 سنة؟
- لا أدري. لكي أكون صريحا ظننت أن هذا سوف يحدث بحلول الوقت الحالي، ولكن ثبت أنه أكثر قدرة على الاستمرار مما ظننت، وأعتقد أن ذلك يرجع إلى أن السبب الذي أدى إلى ظهور هذه الجماعات لم يتغير، وحتى تتخذ المجتمعات التي ظهرت بها تلك الجماعات بعض الإصلاحات وتحقق بعض التقدم، فسوف نستمر في مشاهدة التطرف وهو يخرج عبر الحدود.
إضافة إلى ذلك، كانت معلومات متناقضة ترد من أميركا بشأن «القاعدة» ومسلحيها، وأخبار عن أشخاص تقتلهم طائرات من دون طيار، ثم يتضح أنهم أحياء.
أعتقد أننا نبالغ باستمرار في تقدير حجم إمكانياتنا الاستخباراتية، وقد ثبت مرارا وتكرارا أننا لا نعلم الكثير عن الصراعات التي نخوضها.
* بعد كتابة العديد من المقالات والكتب، هل أصبحتَ تعرف كل شيء عن «القاعدة»؟
- لا، بالتأكيد لا أعرف، وكل شيء يتغير باستمرار كما ترى ما يحدث أمامنا.
* كم عدد الأشخاص الذين يتحدثون العربية في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أو مكتب التحقيقات الفيدرالية؟ وما قدراتهم اللغوية؟
- تمثل اللغة مشكلة حقيقة. لا أعرف ما إذا كان ذلك تغيرا، ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر كان هناك عدد قليل ممن يجيدون التحدث بالعربية أو الأوردية أو الفارسية أو غيرها من أصحاب اللغة الأصليين. يوجد عدد كبير منهم في الولايات المتحدة، وكل من هؤلاء الناطقين بلغاتهم الأصلية لديه جالية كبيرة، ولكن لا يثق بهم مجتمع الاستخبارات الأميركي. أحد الأبطال الذين تحدثت عنهم في كتابي اسمه علي سفيان، وهو مولود في بيروت ويتحدث العربية وهي لغته الأم، ولكني في الوقت الحالي لا أدري إن كان يستطيع الحصول على الوظيفة في مكتب التحقيقات الفيدرالية في ظل التحيز ضد الأميركيين المولودين في الخارج، ولكن ذلك يلحق بنا ضررا. بالتأكيد لا أعرف، وكل شيء يتغير باستمرار كما ترى ما يحدث أمامنا.
* هل أصبح الغرب أكثر معرفة بالمسلمين والإسلام في الوقت الحالي؟
- نعم، بالطبع، انظر إلى لندن، عندما بدأت في المجيء إلى هنا مراسلا شابا، لم أكن أرى سيدة واحدة محجبة، والآن نراهم في كل مكان، لذلك يعرفهم الناس جيدا، ويرجع الأمر في الغالب إلى اضطرار عدد كبير من المسلمين إلى الفرار من بلدانهم والسعي إلى الإقامة في الغرب. تسبب ذلك في إثارة توترات كثيرة، ولكنهم في المقابل جاءوا إلى مناطق يمكنهم الحصول على عمل بها، في حين أنهم لا يستطيعون العمل في أوطانهم، وهم هنا أكثر حرية في أن يكونوا كما يريدون. وربما يؤثر ذلك في النهاية على سكان الدول التي غادروها.
* من وجهة نظركم.. هل يمكن أن تختفي جماعة الإخوان المسلمين نهائيا من مصر؟
- أولا وقبل أي شيء، ازدهرت جماعة الإخوان لأنها كانت السبيل الوحيدة أمام كثير من المصريين للاحتجاج ضد الحكومة، ثم نشأ مزيد من الحركات الراديكالية بعد ذلك، انظر مثلا إلى الظواهري الذي كان يكره «الإخوان». كانت هناك حكومة، ثم تظاهر الإسلاميون ضدها، وكانوا الوحيدين الذين يملكون الجرأة للوقوف ضدها. كانت «الإخوان» جماعة سرية وصلت إلى الحكم ولكنها الآن عادت إلى العمل تنظيما سريا مرة أخرى، بعد عزل الرئيس محمد مرسي. إذا تخلصت من الإخوان المسلمين، وإذا كانت لديك حكومة استبدادية ومتطرفون فقط، من دون وجود الإخوان المسلمين في المنتصف، أعتقد أنك سوف تشهد ارتفاعا في أعداد المتطرفين.
* هل سيُغلق معتقل غوانتانامو يوما ما؟
- يجب أن يُغلق يوما ما. لقد مر على وجوده وقت طويل للغاية، وأصبح يمثل عقبة سياسية، ولم يعد هناك سبب حقيقي جيد لعدم الانتهاء من توزيع هؤلاء المحتجزين الذين لا سبب لوجودهم هناك، ثم محاكمة الآخرين.
* ما أصعب موقف واجهته في حياتك المهنية؟ هل استشعرت يوما بسبب طبيعة عملك أنك تحت رقابة الأجهزة الأمنية؟
- أول مرة ألحظ أن اتصالاتي الهاتفية كانت مراقبة من خلال مصدر لي في محطة «أليكس»، وهي محطة افتراضية لمتابعة ورصد تحركات بن لادن، وكانت مشتركة ما بين الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي. وقتها تلقيت اتصالا من أحد أقارب الظواهري يطلب مني معرفة ما إذا كانت بناته أحياء أم لا، لأنهم لم يكونوا يعلمون عنهن شيئا. وسألني القريب إذا كنت أستطيع البحث عن الأمر، فأخبرته أنني أستطيع أن أسأل، فاتصلت بعميل مسؤول عن ملف الظواهري في مكتب التحقيقات الفيدرالية، الذي أخبرني بوفاتهن، وهي معلومة خاطئة. فاتصلت بالقريب وأخبرته آسفا بأن بنات الظواهري توفين بعد ضربة «درون» في الشريط القبلي، وتسببت في حزن هؤلاء الأقارب من دون داعٍ. بعد فترة، كنت أتحدث مع مصدري في محطة بن لادن، وأخبرته أنني قمت بتلك المكالمة المؤسفة، فقال لي: «نعم، لقد رأيت نصها على جهازي منذ فترة». ظننت على الفور أن المصريين يراقبون عائلة الظواهري، ثم يمررون المكالمات الهاتفية إلى الاستخبارات الأميركية أو ما إلى ذلك من تفسيرات. هذا ما حدثتني نفسي به، ولكني بعد عدة شهور تلقيت اتصالا من مكتب التحقيقات الفيدرالي في أوستن حيث أقطن، يطلب فيه فريق عمل في مكافحة الإرهاب مقابلتي. كنت قد تحدثت مع مكتب التحقيقات الفيدرالي من قبل لأقدم لهم خلفية عن تاريخ «القاعدة» وما إلى ذلك، لهذا ظننت أن الأمر يتعلق بشيء من هذا القبيل. وعندما جاءوا إلى منزلي، كان شخص منهم يحمل حقيبة صغيرة فتحها، وأخرج منها بعض المواد، وبدأ يسألني: «هل تعرف.. ثم ذكر رقما». قلت إن ذلك الرقم يبدو في لندن. فنظرت إلى جهاز الكومبيوتر لدي ووجدت أنه رقم غاريت بيرس، المحامية التي تدافع عن كثير من الجهاديين الذين كنت أتحدث إليهم. كان الأمر متعلقا بطبيعة المحادثات التي أجريها مع عملائها، وكانت تطلب مني ألا أتحدث مع عملائها. لم تكن تريدني أن أتحدث مع أي منهم، ثم سألوني من هي كارولين رايت، فقلت إنها ابنتي. كانوا يعتقدون أنها الشخص الذي يجري هذه الاتصالات الهاتفية، وبدأت أفكر بشأن كيفية عمل مكتب التحقيقات الفيدرالية. إنهم يرسمون روابط متصلة، يرسمون في النهاية خطوات كثيرة ويقولون: «إنك تبعد عن تنظيم القاعدة بثلاث خطوات»، إذن فأنت داخل الدائرة، وسوف نضعك على قائمة الممنوعين من السفر، وإلا فسوف نتعقبك. قلت لهم: كيف وصلتم إلى اسم ابنتي، واسمها ليس مسجلا على هواتفي، وأدركت أنه لا بد أنهم يتنصتون على مكالماتي. وبمجرد أن بدأت في التساؤل عن ذلك وجدتهم قد أغلقوا الحقيبة الصغيرة وغادروا المنزل. ثم بدأت التفكير من جديد في الاتصال الهاتفي الذي جرى مع عائلة الظواهري، واتصلت بمصدري مرة أخرى، وسألته: هل كان ما قرأه «نصا لمحادثتي أم موجزا». وفي ذلك اختلاف مهم، نظرا لأنه في الولايات المتحدة، إذا كان مواطن أميركي متورطا في محادثة، فليس من المفترض أن تكشف عن هويته. لذلك تشير حقيقة أنهم حددوا هويتي إلى أمر ما. بالإضافة إلى ذلك، تقدم «ناسا» ملخصات بالمحادثات التي تجري فقط وليس نصا لها، وقد قال لي المصدر إنه قرأ الملخص، لذلك كان من الواضح أن «ناسا» تتنصت على مكالماتي. كانت هذه هي التجربة التي مررت بها، وانتابتني مشاعر مختلطة بشأنها، لأنهم خلطوا بين كل الأمور. يمكنني أن أتفهم تصورهم لأني على اتصال بأشخاص من «القاعدة»، وأني أود أن أتحدث مع أشخاص في «القاعدة»، فهذا هو عملي، وذلك هو عملهم.
* ما عدد المسرحيات التي كتبتها حتى اليوم.. وهل حققت «كامب ديفيد» النجاح المرجو؟
- كامب ديفيد، تدور المسرحية عن قمة 1978 التي جمعت بين جيمي كارتر وبيغن وأنور السادات وهؤلاء هم شخصيات المسرحية، بالإضافة إلى روزفلت وكارتر وزوجة جيمي كارتر. تتعلق المسرحية بثلاثة رجال يتميزون بأنهم شديدو التدين، اجتمعوا معا وأبرموا معاهدة السلام الوحيدة الدائمة في الشرق الأوسط، وتدور المسرحية عن كيفية حدوث ذلك.
استمر عرض المسرحية لمدة ستة أسابيع، وفي ليلة الافتتاح جاء الرئيس كارتر وزوجته وزوجة السادات. كنت أشعر بالقلق، لأن كارتر لم يكن قد قرأ المسرحية، ولم أعرف ما إذا كانت ستعجبه أم لا. كان ممثلو المسرحية يجدون الرئيس والشخصيات التي يؤدون أدوارها تجلس في الخارج وسط الجمهور، وبعد أن أسدل الستار، صعد الرئيس كارتر وزوجته وزوجة السادات على خشبة المسرح، واحتضنوا جميع الممثلين. وذهبت زوجة السادات إلى رون ريفكين، الذي أدى دور بيغن لتحيته وهي تناديه باسم «بيغن»!



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».