«الأجندات الخاصة» تفاقم التوتر بين اللبنانيين والنازحين السوريين

سيول تغرق مخيماً للنازحين السوريين في لبنان (أ.ب)
سيول تغرق مخيماً للنازحين السوريين في لبنان (أ.ب)
TT

«الأجندات الخاصة» تفاقم التوتر بين اللبنانيين والنازحين السوريين

سيول تغرق مخيماً للنازحين السوريين في لبنان (أ.ب)
سيول تغرق مخيماً للنازحين السوريين في لبنان (أ.ب)

شغل مقطع فيديو تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، مطلع الأسبوع الماضي، الرأي العام اللبناني، بإظهاره ملثمين يعتدون بالضرب على نازحين سوريين في بلدة عرسال في البقاع الشمالي، وتحطيم ممتلكاتهم، وذلك بعد إطلاق دعوات عبر الإنترنت للتظاهر ضدهم.
ويقيم في عرسال أكثر من 60 ألف سوري موزعين على 126 مخيماً، في ظل ظروف معيشية قاسية تفاقمت حدتها مع الشتاء والثلج والعواصف، وفي ظل أحداث دامية ربطت وجودهم بالإرهاب «الداعشي» المسؤول عن خطف جنود لبنانيين وإعدامهم، واتهام أهالي البلدة بالتطرف لحضنهم هؤلاء اللاجئين.
يقول أحد النازحين السوريين في عرسال، في اتصال مع «الشرق الأوسط»، إن «العواصف الطبيعية التي دمرت مخيماتنا تبقى أرحم من العواصف الأمنية والمخابراتية التي تلاحقنا. نشعر أننا لا نزال تحت رحمة النظام السوري. لم يعد أحدنا يشعر بالأمان. حيناً يتهموننا بالإرهاب، وحيناً نحن نضارب على اللبنانيين ونسرق لهم أرزاقهم. وكأنه لا يكفي ما حل بنا. لا نعرف مصيرنا ومصير أبنائنا. فالمخيمات السورية في عرسال تشهد اقتحامات مستمرة من قبل (حزب الله) والجيش الذي يسيطر عليه (الحزب)، لينفذ حملات اعتقالات تطال العشرات من الشباب. وقبل سنوات قُتل البعض منا تحت التعذيب. ولم يتحرك أحد لينصفنا».
يوافق أحد سكان عرسال من آل الحجيري على أن بلدته أصبحت مفتوحة على مشروعات مخابراتية معروفة - مجهولة، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، ويضيف: «كأن اللعنة نزلت على بلدتنا. نحن ندفع غالياً ضريبة الحرب في سوريا. زرعوا بيننا متطرفين وعملاء للنظام ولـ(حزب الله)، وشوّهوا صورتنا. لم نعد نميز بين اللاجئ العادي والمدسوس لتنفيذ مخططات تؤذي تداعياتها البلدة المنكوبة أصلاً».
وإذ يقر العرسالي بأن سوق البلدة أصبحت خاضعة لجهات «سورية - لبنانية» تتحكم فيها وتفرض «الخوات»، وتستقوي على كل من لا يخضع لقوى الأمر الواقع، يشدد على أن أهالي البلدة لا يريدون تشنجات بينهم وبين القرى المحيطة بهم من جهة، وبينهم وبين اللاجئين السوريين من جهة أخرى، متمنياً أن يعود السوريون إلى بلادهم. ويقول: «نرثي لحالهم، لكن ليس على حسابنا».

«حزب الله» يؤيد عودة قسرية
يقول المحامي والناشط نبيل الحلبي لـ«الشرق الأوسط»، «ما حصل في عرسال أدانه المجتمع العرسالي. فقد عمدت جهات إلى دفع شباب ملثمين ليوقعوا بين الأهالي واللاجئين السوريين. والهدف دفع هؤلاء إلى العودة القسرية ومغادرة عرسال ورميهم في حضن النظام السوري ليجندهم ويرغمهم على قتل المزيد من أبناء الشعب».
ويضع الحلبي ما حصل في عرسال في خانة تنفيذ مخططات النظام السوري و«حزب الله». ويضيف: «عملياً (حزب الله) يحتل المناطق التي تهجر منها سوريو عرسال، تحديداً القصير والقلمون. وهو يريد تكريس هذا الاحتلال»، ويورد مَثَل الوجود التركي الذي يتعايش مع السوريين في شمال سوريا. ويقول: «يرغب (حزب الله) في أن يفرض نموذج هذا التعايش على أهالي المناطق التي يحتلها وتحيط بحدود لبنان الشرقية. ويريد أن يفرض على هؤلاء الهاربين منه التطبيع معه في مناطقهم وحياتهم اليومية، أي تكريس احتلاله بحيث يفرض نفسه أمراً واقعاً عندما تتحول المطالبات الدولية برحيله ورحيل الإيرانيين من سوريا إلى التفعيل، لا يمكنه ذلك إذا بقي اللاجئون خارج سوريا، يريد أن ينهي ملفهم على طريقته».
ويؤكد الحلبي أن «العلاقة جيدة بين العرساليين واللاجئين السوريين، كما هي جيدة بين أهالي البقاع عامة وهؤلاء اللاجئين». واستشهد بتعرض مخيمات السوريين للغرق خلال العواصف التي أغرقت هذه المخيمات وجرفتها مطلع العام الحالي، ومسارعة اللبنانيين إلى مساعدتهم وإنقاذهم واستضافتهم في بيوتهم.
ويوضح الحلبي أن «قوى الأمن ألقت القبض على بعض الملثمين الذين حاولوا إخفاء هويتهم ودوافعهم، كما أن التحقيق جارٍ لكشف مواقع التحريض الإلكترونية الوهمية والتحريضية التي تعمل لبث التفرقة المذهبية والكراهية التي رافقت التحرك المشبوه في عرسال».
ولا يعتبر الحلبي، أن التشنج في مناطق اللجوء السوري سببه منافسة السوريين للبنانيين في العمل، ويقول: «لبنان لا يعترف بهؤلاء على أنهم لاجئون، فهو لم يوقع على الاتفاقية الخاصة باللجوء، بالتالي هو ممر لهؤلاء اللاجئين بانتظار أن تحل المفوضية العليا لشؤون اللاجئين والتابعة للأمم المتحدة قضيتهم، إما بالعودة الآمنة والطوعية، أو بتوطينهم في دول أخرى.

منافسة اللبنانيين
حالات التوتر بين النازحين السوريين والمجتمعات اللبنانية المضيفة لا تقتصر على عرسال، وتتراوح بين الشحن الطائفي أو الاقتصادي - الاجتماعي. ويقول علي، وهو سوري يعمل مزارعاً في محيط بلدة رياق البقاعية، لـ«الشرق الأوسط»: «أعمل في لبنان منذ 15 عاماً. لكن الظروف اختلفت عما كانت عليه قبل العام 2011. أسمع كثيراً من يطالبني بالعودة إلى سوريا. أصمت خوفاً من خسارتي عملي. كنت أقيم في تجمع للسوريين وأدفع بدل إيجار مقبولاً لكن الجيش رحلنا، ولا نعلم السبب. إيجارات البيوت ارتفعت بشكل جنوني وفرص العمل تتراجع، وكذلك رواتبنا. والمنافسة ليست لبنانية - سورية، بل هي سورية - سورية. من كان يدفع لنا عشرين دولاراً بدل يوم عمل من الصباح إلى المساء، يجد من يقبل بعشرة دولارات حالياً. إيجار بيتي المؤلف من غرفتين يبلغ 150 دولاراً. ومساعدة مفوضية الأمم المتحدة توقفت. والجمعيات لم تعد تسدد بدل النقل ليصل أولادنا إلى المدارس. إقامتي غير شرعية لأن تكاليفها مرتفعة وتقارب 800 دولار، إضافة إلى أن من يقبل بكفالتي يشترط حصوله على 200 دولار سلفاً. وأنا لا أملك المال».
ويقول الناشط فؤاد مكحل من البقاع الأوسط لـ«الشرق الأوسط»، «نال البقاع النصيب الأوفر من اللاجئين السوريين. ويعيش معظمهم في مخيمات تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الكريمة. وعلى الرغم من أن بعض الجمعيات الإنسانية والأمم المتحدة تمد اللاجئين بمساعدات مالية وعينية، غير أنها تبقى غير كافية لهم، ما دفع الكثير من هؤلاء إلى منافسة العمال اللبنانيين، وذلك بسبب الأجور الزهيدة التي يقبلون بها. وفتح البعض منهم محلات تجارية تنافس أصحاب المهن من اللبنانيين، ما دفع بعض سكان القرى إلى التململ منهم».
ويضيف مكحل: «غالبية العمال اللبنانيين يعانون من نقص في فرص العمل، وكون العامل اللبناني لا يحصل على أي خدمات من أي جمعيات. والأحداث التي شهدتها منطقة عرسال قبل فترة خير دليل على واقعنا من حالة النزوح. ومن الجدير ذكره أن كثرة الولادات عند السوريين خلقت هاجساً يقض مضاجع اللبنانيين».

غياب سياسة موحدة
مصطفى الذي يعمل ناطوراً لأحد الأبنية في جبل لبنان، ينتفض غاضباً لدى طرح مسألة الولادات، ويهدد بترك العمل، وإن كان لا ينفذ تهديده، وكأنه بذلك يحاول استلحاق بعض من كرامة يعتبر أنها تهدر عندما يتذمر الساكنون من أولاده. ويقول إن «اللبنانيين عنصريون ويستسهلون توبيخه وإهانته والتذمر من إنجابه ثلاثة أطفال. ويقسم أنه سيعود إلى منزله الأوسع من منازل من يخدمهم. لكن ليس إن كان هو وزوجته وأولاده سيموتون إذا عادوا».
ويقول الخبير في السياسات العامة واللاجئين الدكتور زياد الصائغ لـ«الشرق الأوسط»، «طالت أزمة اللجوء السوري إلى لبنان. ودخلت في عامها الثامن. لم يوفق لبنان بسبب الاشتباك السياسي في إقرار سياسة عامة موحدة لإدارة الأزمة. الدول المانحة لهيئات الأمم المتحدة التي تعنى باللاجئين، كما منظمات المجتمع المدني الدولية والمحلية تشعر بالتعب. التقديمات تراجعت، ولا يزال مؤتمر (سيدر) المعني بدعم إعادة إطلاق الدورة الاقتصادية في المجتمعات المضيفة، خصوصاً معطلاً».
ولا ينفي الصائغ أن «توتراً مطلوباً تنفذ أجندته بعض القوى السياسية لغايات ومصالح خاصة ضيقة. ويبدو أن هؤلاء لم يتعلموا من التجربة اللبنانية - الفلسطينية. وغياب سياسة عامة موحدة، وعدم تلاقي اللجنة الوزارية على إنجاز موقف موحد جعل مسار التعبيرات اللفظية المستخدمة كثيفة التشنج».
عن هذه الأجندة، يقول الصائغ: «أخاف أن يؤدي عدم ضبط مسار السياسة العامة لإدارة ملف اللجوء السوري وإدارة ملف العودة، إلى استخدام هاتين الإدارتين الغائبتين في مسار شعبوي ديماغوغي ارتجالي، ونكون دخلنا في نفق شحن ومواجهات لا أدري كيف يتم ضبطها».
في البحث عن الحلول، يقول الصائغ: «لا بد من أن تؤدي البلديات واتحاداتها دوراً أساسياً في ضبط وجود اللاجئين السوريين ضمن نطاقاتها الجغرافية، وتطبيق قانون العمل، ومن ثم دعوة الجهات المانحة لدعم المجتمعات المضيفة الموجوعة. قد يشكِّل الأمر حلاً على المدى القريب، لكن الحل الجذري يكمن بوقف الحرب المأساوية في سوريا، وتأمين عودة طوعية وكريمة وآمنة للاجئين بضمانات أممية وعربية. وبموازاة ذلك يجب فهم الذاكرة اللبنانية المجروحة والذاكرة السورية الموجوعة والعمل الهادئ لترميم هاتين الذاكرتين، وإلا سنكون أمام تعقيدات مدمرة».



تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)

لا يزال اليمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من أزمة الجوع الحاد عالمياً، في ظل مؤشرات دولية متزايدة التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار الصراع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الإغاثية؛ الأمر الذي يضع ملايين السكان أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.

وأظهرت تقارير دولية حديثة أن اليمن يُصنَّف ضمن البلدان التي تشهد مستويات مرتفعة للغاية من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما ضمن مستوى «الطوارئ»، وهو ثاني أخطر تصنيف قبل المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في وقت تسجل فيه بعض المناطق حالات دخلت مرحلة «الكارثة»، وهي أخطر مستويات الجوع التي تهدد حياة السكان بصورة مباشرة.

وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة الغذائية التي تضرب البلاد منذ سنوات، في ظل تشابك عوامل داخلية وخارجية أسهمت في إنهاك قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

وتضع البيانات الدولية اليمن في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالأزمات الغذائية على مستوى العالم، حيث يواجه ملايين اليمنيين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والقدرة المحدودة على الاستجابة لها.

سوق شعبية في صنعاء حيث العاصمة اليمنية الخاضعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الانقلاب الحوثي وما خلّفه من دمار واسع للبنية الاقتصادية والإنتاجية، أسهما بصورة مباشرة في تقويض الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع النشاط الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أدى تراجع مصادر دخل الأسر، وانكماش فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، إلى دفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق الريفية والأشد تأثراً بالنزاع، حيث تتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية بشكل متزايد.

ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الغذاء فقط، بل أصبحت أزمة مركبة ترتبط بسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما يضاعف من خطورة الوضع على الفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء.

تراجع التمويل

في موازاة ارتفاع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً كبيراً يتمثل في تقلص التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة؛ وهو ما انعكس مباشرة على حجم ونطاق التدخلات الإنسانية المنفذة على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن انخفاض التمويل دفع كثيراً من الجهات الإغاثية إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والتغذوية، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يركز على الحالات الأكثر إلحاحاً؛ ما ترك أعداداً كبيرة من الأسر خارج نطاق الدعم المنتظم، رغم تزايد حاجتها إلى المساعدة.

جبايات الحوثيين تسببت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع التمويل في الحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج مستدامة تعزز الأمن الغذائي، مثل دعم سبل العيش، وتوسيع مشاريع المياه، وتحسين الخدمات الصحية، وهي تدخلات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة وتخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة.

ويرى خبراء أن استمرار فجوة التمويل، بالتوازي مع تعقيد البيئة الإنسانية، قد يدفع بمزيد من المناطق إلى أوضاع أكثر خطورة، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بوصول المساعدات وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية في بلد يعاني هشاشة واسعة في بنيته الخدمية والاقتصادية.

مرحلة حرجة

في تحذير جديد، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الوضع الإنساني في اليمن بأنه وصل إلى «نقطة تحول حرجة»، مشيراً إلى أن ملايين السكان يواجهون خطر الانزلاق نحو مستويات أشد من الجوع الحاد إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 22.3 مليون يمني باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية، في حين لا يزال أكثر من 18 مليون شخص معرضين لمستويات حادة من الجوع، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمة بصورة غير مسبوقة.

تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

وتتزامن هذه المؤشرات مع تحديات صحية متفاقمة، في ظل تعثر النظام الصحي واستمرار عمل نسبة محدودة من المرافق الطبية بشكل جزئي؛ ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر مزدوجة تجمع بين نقص الغذاء وضعف القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذّر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الوضع دون استجابة واسعة النطاق سيقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل ارتفاع معدلات سوء التغذية، وزيادة معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتزايد الدعوات إلى تكثيف الاستجابة الإنسانية الدولية، ودعم برامج الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز سبل العيش والخدمات الأساسية، بصفتها خطوات ملحة للحد من تفاقم الأزمة ومنع انزلاق مزيد من اليمنيين إلى حافة المجاعة.


حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
TT

حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

واصلت قوات «درع الوطن» اليمنية تعزيز حضورها الأمني في ساحل ووادي حضرموت، ضمن تحركات ميدانية واسعة تستهدف ضبط السلاح غير المرخص، وملاحقة محال بيعه، ومنع حمله والتجول به داخل المدن والمناطق السكنية، في إطار مساعٍ متواصلة لترسيخ الاستقرار، وفرض هيبة النظام، وتوسيع مظلة الأمن في واحدة من أكثر المحافظات اليمنية أهمية على المستويين الأمني والاقتصادي.

تأتي هذه الإجراءات ضمن خطة أمنية متكاملة تستند إلى الانتشار الميداني، وتكثيف الحملات التفتيشية، ومداهمة المواقع المشبوهة، إلى جانب إحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، في رسالة واضحة بأن السلطات الأمنية ماضية في إنهاء مظاهر التسلح العشوائي، وتجفيف منابع الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخائر.

وفي وادي حضرموت، نفَّذ اللواء الثاني التابع للفرقة الثانية في قوات درع الوطن حملة أمنية واسعة لمنع حمل السلاح غير المرخص ومصادرته بشكل كامل، شملت المدن الرئيسية والثانوية، وذلك بناءً على توجيهات قائد المنطقة العسكرية الأولى اللواء فهد بامؤمن.

قوات «درع الوطن» اليمنية عززت قبضتها الأمنية في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

ووفقاً لما أعلنته قيادة الحملة، فإن الأطقم العسكرية تواصل انتشارها الميداني في مختلف مدن ومناطق الوادي، حيث تنفذ عمليات مداهمة للمحال المخالفة، وتضبط حاملي السلاح غير المرخص، وتصادر المضبوطات، تمهيداً لإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية.

وأكدت قيادة الحملة أن الهدف الرئيسي يتمثل في تعزيز الأمن والاستقرار، وفرض هيبة النظام، وحماية السكان من تداعيات انتشار السلاح داخل الأحياء السكنية، مشددةً على أن حمل السلاح داخل المدن بات يمثل تجاوزاً مرفوضاً وخطاً أحمر لن يكون هناك أي تهاون في التعامل معه، مع تأكيد التعامل بحزم مع كل من يخالف التعليمات أو يحاول الالتفاف عليها.

ملاحقة تجارة السلاح

في امتداد لهذه الحملة، واصل اللواء الخامس في الفرقة الثانية بقيادة العقيد عماد الحدادي تنفيذ عملياته الأمنية في مدينة سيئون، حيث أعلن ضبط ومصادرة عدد من الأسلحة غير المرخصة، وإحالة المضبوطين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

كما كانت الفرقة الثانية، بقيادة مساعد القائد الرائد أحمد الديني، ورئيس عمليات اللواء الثاني المقدم صادق المنهالي، قد نفَّذت حملة أمنية واسعة استهدفت مديريتي القطن وحوره، وشملت مداهمة مواقع مشبوهة، إلى جانب محال تبيع الأسلحة والذخائر بصورة غير قانونية.

وأسفرت تلك الحملة عن مصادرة كميات من الأسلحة والذخائر، وإغلاق عدد من المحال المخالفة التي تمارس تجارة السلاح دون تراخيص، في خطوة تعكس توجهاً أمنياً واضحاً نحو ضرب شبكات الاتجار بالسلاح عند منابعها، وليس فقط الاكتفاء بضبط حامليه في الشوارع والمدن.

إجراءات تفتيش دقيقة لمنع تهريب الأسلحة والذخائر في وادي حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

وأوضحت قيادة الفرقة الثانية أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية محكمة لاجتثاث ظاهرة حمل السلاح العشوائي، والقضاء على أوكار تجار السلاح، ومنع المظاهر المسلحة التي تشكل تهديداً مباشراً لأمن المديريات واستقرارها، مؤكدة استمرار الحملات خلال الأيام المقبلة لملاحقة كل من يعبث بالأمن العام.

وبالتوازي مع هذه الحملات، واصلت الأجهزة الأمنية في وادي حضرموت تعزيز حضورها المؤسسي في مواجهة الجرائم المنظمة والجنائية، حيث أحالت الإدارة العامة للأمن والشرطة 15 متهماً إلى النيابة الجزائية المتخصصة، على ذمة قضايا جنائية جسيمة جرى ضبطها والتحقيق فيها خلال الشهر الحالي والذي سبقه.

وشملت القضايا المحالة ستة متهمين في قضايا مخدرات، وستة آخرين في قضايا اختطاف، إضافة إلى متهمين في قضية تتعلق بالإضرار بالاقتصاد الوطني، إلى جانب مطلوب للنيابة العامة، وذلك بعد استكمال التحقيقات وجمع الاستدلالات، وتسليم ملفات القضايا مع المضبوطات وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.

رفع الجاهزية

في ساحل حضرموت، دشن قائد لواء «الريان» العميد الركن خالد التميمي، الدورة التنشيطية الأولى لمنتسبي اللواء ضمن الخطة التدريبية للعام الحالي، في خطوة تستهدف توحيد المفاهيم العسكرية، وتعزيز الجاهزية والانضباط، ورفع كفاءة الأداء الميداني.

وأكد التميمي خلال افتتاح الدورة أهمية ترسيخ المفاهيم العسكرية الصحيحة، ورفع مستوى الحس الأمني لدى الأفراد، والالتزام بالتفتيش الدقيق للمركبات، واتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة، بوصفها أدوات أساسية في حفظ الأمن ومنع أي تهديدات محتملة.

كما شدد على أهمية العمل بروح الفريق الواحد، وتعزيز روح الزمالة والانضباط بين الأفراد، بوصف ذلك أحد المرتكزات الأساسية لنجاح الوحدات العسكرية في أداء مهامها بكفاءة ومسؤولية، مع التعهد بمواصلة البرامج التدريبية بما يضمن رفع جاهزية القوات لمواجهة مختلف التحديات.

خفر السواحل اليمني في مبادرة لتنظيف حوض ميناء المكلا (الإعلام العسكري اليمني)

في سياق متصل، نفذت قوات خفر السواحل مبادرة ميدانية لتنظيف حوض ميناء المكلا، بالتزامن مع الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من عناصر تنظيم «القاعدة» الإرهابي، بهدف إزالة المخلفات البحرية من قاع الحوض، والحفاظ على البيئة البحرية وصون نظافة السواحل والموانئ.

وأكدت قيادة خفر السواحل أن ما تحقق من تطوير في قدراتها، بدعم من التحالف العربي بقيادة السعودية، من خلال تزويدها بزوارق حديثة ومنظومات اتصالات متطورة، أسهم في تعزيز قدرتها على تأمين السواحل وحماية الأمن البحري، إلى جانب توسيع مساهمتها في المبادرات البيئية والخدمية المرتبطة بالمصلحة العامة.

Your Premium trial has ended


تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».