تأملات فكرية وسط العاصفة الترابية

الكوارث الطبيعية أمر متكرر في التاريخ الإنساني وسيظل كذلك

تأملات فكرية وسط العاصفة الترابية
TT

تأملات فكرية وسط العاصفة الترابية

تأملات فكرية وسط العاصفة الترابية

ضربت القاهرة عاصفة ترابية عاتية من كل اتجاه فجعلتها كلون الصحراء، يحاصرها التراب من كل مكان لساعات ممتدة، ثم تهدأ العاصفة وتفقد قواها تدريجياً لتفتح ثغراتها وهي صاغرة من فرط وهنها لتدخل منها أشعة الشمس الدافئة، إلى أن تسيطر الشمس المترنمة على كبد سماء المدينة لتُدفئها وتدفئنا معها في هذا الجو البارد، فيعيد صفاء الجو الطمأنينة إلى القلوب، ولكن مخلفات العاصفة بترابها كانت فكرية أكثر منها طبيعية. فعلى الفور تذكرت كتيباً صغيراً اكتنزته للمؤرخ العظيم تقي الدين المقريزي بعنوان «إغاثة الأمة بكشف الغمة» يحصر فيه مقتطفات مما تعرضت له مصر من كوارث طبيعية عبر تاريخها الممتد نتيجة انخفاضات في منسوب نهر النيل أو زلازل أو حالات كساد موسعة منذ زمن فرعون حتى تاريخ كتابته الكتيب، وكان الغلاء هو القاسم المشترك المصاحب لكل هذه الكوارث بطبيعة الحال.
وإلى هنا فالأمر مفهوم، لكن المقريزي أورد كثيراً من التفسيرات التي أطلقها العامة وغير العامة لأسباب هذه الظواهر وتفسيراتهم لها في زمنها على اعتبارها غضباً إلهياً وقع على الأمة لبُعدها عن تعاليم الله وطاعته، ومثل هذه الجمل متناثرة في الكتيب، ولكن المقريزي قام بشرح الأسباب الحقيقية التي كانت وراء إما الكوارث الطبيعية أو ارتفاع الأسعار بنظرية أقرب ما تكون لـ«الكينزية» على أسس الاقتصاد الكلي والجزئي بشكل بدائي للغاية، فأشار إلى جانب الكوارث الطبيعية التي لا يد لأحد فيها، وجود أسباب اقتصادية أدت لحالات كساد وغلاء والتأخر في استرجاع الوضع على ما كان عليه، وعلى رأسها مفهوم التضخم المرتبط بصك العملة وضعف الرقابة على الأسعار وغلو الأطيان وسوء الإدارة من قبل الإقطاعيين والتجار.
وحقيقة الأمر أننا أمام تفسيرين واضحين لحالات استشراء الكوارث الطبيعية ونتائجها عبر التاريخ؛ تفسير على اعتباره غضباً إلهياً انتشر بين العامة وأيدته بعض الدوائر لأهدافها، هو ما يمكن أن نوصفه بالعلية الميتافيزيقية، والتفسير الآخر يرتكن إلى أسباب علمية واضحة. أما التفسير الميتافيزيقي فكان السائد في كثير من كتب التاريخ وليس مقصوراً علينا فقط، بل نجده أيضاً في أغلبية كتب تاريخ المجتمعات، فالعواصف والأعاصير على سبيل المثال فسرها اليونانيون القدماء بأنها غضب من إله البحر «بوسايدون»، بينما فُسر «الطاعون الكبير» الذي ضرب أوروبا خلال منتصف القرن الرابع عشر والذي قضى على ما يقرب من مائتي مليون شخص، بأنه عقاب من عند الله لأن الرعايا خرجوا عن الطاعة الكاملة للكنيسة.
إن هذا النهج الميتافيزيقي لفهم هذه المحن والكوارث يحتاج منا لوقفة فكرية صارمة لنضع الأمور في نصابها حتى لا يتكهن البعض بالغضب الإلهي وهم جاهلون، مستغلين في ذلك ارتباط الشعوب وقربهم الحقيقي من بارئهم، وهنا تجدر الإشارة إلى أهم ما يلي:
أولاً: إن الكوارث الطبيعية أمر متكرر في التاريخ الإنساني، وسيظل كذلك، من الطاعون إلى «تسونامي» إلى العواصف الثلجية إلى الجفاف والتصحر... إلخ، وهي أمور لها تفسيرها العلمي، فالطاعون العظيم عُرف مصدره سواءً كان «دبلي» أو غيره، والجفاف تم تفسيره بعلية علمية واضحة وارتباطه بالتقلبات المناخية ومستوى الأمطار، بل إن علماء مثل مالثوس في القرن الثامن عشر اعتبروها جزءاً من التوازن البيئي/ الديموغرافي الطبيعي للإنسانية.
ثانياً: إن التاريخ الإسلامي ذاته يورد بعض حالات الكوارث التي ضربت بكل قوة عظماء من التاريخ الإسلامي، ويحضرني هنا عام المجاعة وكذلك طاعون «عمواس» بالشام العظيم الذي راح ضحيته كثير من الصحابة، على رأسهم أبو عبيدة عامر بن الجراح، الذي لقبه المصطفى عليه الصلاة والسلام بـ«أمين الأمة»، وعُرف عنه فقدانه أسنانه عندما كان ينزع المغفر عن وجنة المصطفى عليه الصلاة والسلام في معركة «أحد»، وهو الرجل الذي رفض تجريد القائد البيزنطي بعد أن قتله في معركة اليرموك زاهداً مبتغياً فضل الله سبحانه وتعالى، متباعداً عن زخرفة الدنيا، فهذه الشخصية حصد الطاعون روحها الطاهرة، فهل كان عليه غضب من الله والعياذ بالله؟ وهل كان هذا الغضب منصباً أيضاً على رهط من الصحابة رضي الله عنهم جميعاً الذين لقوا حتفهم جراء هذا الطاعون؟
ثالثاً: إن إيماننا الكامل ثابت بالقدرة الإلهية المطلقة على العقاب في الدنيا والآخرة، وكما ورد في كتابه الحكيم «وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أو هُمْ قَائِلُونَ»، ولكننا لا يجب أن نفسر كل مصاب يصيبنا على اعتباره غضباً من عند الله، سواء كان بهدف العقاب أو لمفهوم «الكفارة»، فالكوارث الطبيعية شملت كل المجتمعات في كل بقاع الأرض مهما تباعدت جغرافياً وزمنياً، ومهما قرُبت من الله أو بعدت، ومن ثم فإنه يصعب علينا أن ننسب كل كارثة إلى غضب من الله سبحانه، فنستثمرها لصالح رؤية ما.
إن غضب الله والعياذ بالله لأمر جلل، فلا نسرف في مثل هذه التفسيرات، فسبحانك ربي العظيم عما ينسبونه إليك.



في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
TT

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)

أعادت إسرائيل، الثلاثاء، إلى اليونان 22 قطعة أثرية أُخرجت من البلاد «بشكل غير قانوني» وتعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، وفق ما أعلنت وزيرة الثقافة لينا ميندوني.

ورحّبت ميندوني بهذه الخطوة قائلة إنها «المرة الأولى التي تعيد فيها إسرائيل قطعاً أثرية إلى اليونان»، معتبرة أن ذلك يمثل «نقطة انطلاق لتعاون أوثق بين البلدين لحماية التراث الثقافي ومكافحة الاتجار بالآثار»، ومشيدة بعملية تكتسي «أهمية استثنائية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وسُلّمت هذه القطع «التي هُرّبت من البلاد بطريقة غير قانونية» إلى الوزيرة من جانب سفيرة إسرائيل لدى اليونان بنينات ياناي.

وتم تحديد موقع هذه القطع الأثرية التي شملت أوانيَ تعود أصولها إلى منطقة أتيكا وأخرى من ورش عمل كورنثية بالإضافة إلى تمثال برونزي صغير يمثل هيئة أنثوية، ومصادرتها من جانب وحدة منع الاتجار غير المشروع التابعة لسلطة الآثار الإسرائيلية.

وعززت اليونان تعاونها مع إسرائيل في السنوات الأخيرة، لا سيما في مجالي الدفاع والأمن.


الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد (أي عمرها 14 ألف عام)، وهي واحدة من ثلاثة أجزاء شكّلت لوحاً معمارياً حجرياً منقوشاً ومصنوعاً من الحجر الطيني.

وتسلّم القطعة الأثرية وزير الخارجية أيمن الصفدي خلال مراسم أُقيمت في المعرض الوطني الأسترالي على هامش زيارة الدولة التي يجريها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لأستراليا، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت وزارة الخارجية الأردنية في بيان: «اكتُشفت القطعة عام 1983 خلال أعمال تنقيب نفّذتها بعثة مشتركة من جامعة سيدني وكلية ووستر، قبل نقلها إلى المعرض الوطني الأسترالي عام 1985، وفق ترتيبات اتفق عليها البلدان» في ذلك الحين.

واوضحت أن «القطعة تكتسب أهمية أثرية وتاريخية استثنائية؛ إذ تشكّل، مع الجزأين الآخرين، ما يُعد أقدم منحوتة كبيرة الحجم معروفة في العالم، بينما يحفظ الأردن الجزأين الآخرين في متحف الأردن في عمّان ومتحف دار السرايا في إربد (89 كلم شمال عمان)».

وأكد الصفدي، خلال مراسم التسليم التي حضرتها من الجانب الأسترالي المبعوثة الخاصة للحكومة الأسترالية لشؤون الفنون سوزان تمبلمان، ومسؤولون في المتحف معنيون بالشؤون الثقافية والفنية، «أهمية التعاون الأردني الأسترالي في مجال التنقيب عن الآثار وحفظها»، معرباً عن شكره للحكومة الأسترالية والمتحف على تعاونهما وإعادة القطعة الأثرية إلى الأردن.

ويحتوي الأردن على أكثر من 100 ألف موقع أثري مكتشف، سجَل منها أكثر من 15 ألف موقع رسمياً، بحسب دائرة الآثار العامة.

كما يضم العديد من المواقع المسجلة على لائحة التراث العالمي لمنظمة «اليونسكو» منها مدينة البتراء الأثرية (مدينة الأنباط الوردية)، وقصر عمرة (قصر صحراوي أموي)، وموقع أم الرصاص الأثري، وصحراء وادي رم التي تشبه تضاريسها سطح القمر، والمغطس (موقع معمودية السيد المسيح بحسب التقليد المسيحي).


مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)

بعد نجاحها في تسجيل 11 عنصراً على قوائم التراث غير المادي بـ«اليونسكو»، أبرزت مصر تسجيل مدن القاهرة والجيزة وأسوان بوصفها مدناً تراثية ذات طابع ثقافي في المنظمة الدولية، حسبما أشارت الدكتورة هالة عبد الجواد، ممثلة اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو»، التي أكدت خلال مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» الذي عُقد، الثلاثاء، بالمجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية «أن التراث يمثل الذاكرة الحية للشعوب، وأن مصر تمتلك تراثاً مادياً وغير مادي ووثائقياً ثرياً»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أهمية توثيق الممارسات التراثية وتسجيلها ونقلها إلى الأجيال الجديدة والعالم المحيط.

المؤتمر الذي يحتفي باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته «اليونسكو» ليوافق 17 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، ويستمر 3 أيام بمشاركة أكثر من 160 باحثاً، بدأت فعالياته بعرض التنورة، واستعراض نماذج من الفنون التراثية، وعُرض فيلم تسجيلي عن التراث الثقافي غير المادي المصري، واستعرض مستهدفات الخطة التنموية المتعلقة بالحرف التراثية، إلى جانب إبراز نماذج من الأعمال الحرفية في مدن مصرية عدة، منها الأقصر والمنوفية والواحات وشلاتين.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة ورئيس اللجنة العلمية المنظمة للمؤتمر، الدكتور أشرف العزازي، أن المؤتمر يقوم على شراكة بين مؤسسات ومنظمات معنية بالتراث، في مقدمتها اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو» وجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وجمعية «خير بلدنا». وأوضح في بيان للمجلس، أن التراث الثقافي غير المادي هو ذاكرة حية للمجتمع، ويشمل هذا التراث الحكايات والأمثال والأغاني والموسيقى، والفنون الشعبية، والحرف التقليدية والمعارف المرتبطة بالطبيعة والبيئة، وغيرها من أشكال التعبير التي تمنح المجتمعات خصوصيتها الثقافية.

شارع المعز في القاهرة (وزارة السياحة والآثار)

وأشار إلى امتلاك مصر رصيدا تراثياً متنوعاً يمتد من الوادي والدلتا إلى سيناء والنوبة والصعيد والسواحل، بما تحمله هذه البيئات من فنون وموسيقى وحرف وعادات وتقاليد وأشكال متنوعة من التعبير الثقافي. وقال إن هذا التنوع ثروة وطنية تستحق أن نقدمها للعالم بوصفها جزءاً أصيلاً من الشخصية الثقافية المصرية.

وفي هذا السياق، تكتسب الجهود المصرية لتسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي على قوائم منظمة «اليونسكو» أهمية خاصة، سواء قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، أو القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بما يعزز حضور التراث المصري على الساحة الدولية.

وكانت مصر قد سجلت 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونسكو» للتراث العلمي غير المادي من بينها «السيرة الهلالية» و«الأراجوز» و«التحطيب» و«الخط العربي»، و«النخلة: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«آلة السمسمية» بالاشتراك مع المملكة العربية السعودية، وكان «الكشري المصري» أحدث العناصر المسجلة.

من جانبها، أكدت الدكتورة نهلة إمام على أهمية الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته منظمة «اليونسكو»، وشددت في كلمتها خلال المؤتمر على أن تسجيل عناصر التراث في قوائم «اليونسكو» ليس الغاية الوحيدة؛ إذ يتطلّب صونه التعاون بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وحاملي التراث الذين يمثلون الركيزة الأساسية لاستمراره. وأشارت إلى حصول مصر على دعم مادي لصون بعض الحرف التراثية، ومنها الأراجوز، مؤكدة دورها الفاعل في تنفيذ الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي.

ودعت إلى تعزيز التعاون بين خبراء التراث والمؤسسات التعليمية، بما فيها المدارس المنتسبة لـ«اليونسكو» والجامعات، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية في ظل الانفتاح العالمي. وأوضحت أن اللجنة الوطنية تقوم بتنسيق العمل مع منظمات «اليونسكو» و«الإيسيسكو» و«الألكسو»، وتنفيذ المشروعات والفعاليات المشتركة، فضلاً عن دعم جهود توثيق التراث، ورفع التقارير إلى وزارة الخارجية. كما أشارت إلى تسجيل القاهرة وأسوان والجيزة مدناً تراثية لدى «اليونسكو»، مؤكدة أهمية التشبيك بين المؤسسات المعنية والتراث المصري.

ويؤكد الدكتور محمد شبانة، عضو اللجنة العلمية للمؤتمر، أن تسجيل المدن المصرية الثلاثة القاهرة والجيزة وأسوان مدناً ثقافية بمنظمة «اليونسكو» يعود لما تحتويه من صناعات ثقافية وتراثية كبيرة مثل صناعة السينما في الجيزة وصناعات ثقافية أخرى في القاهرة وأسوان.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤتمر يسعى لإبراز كثير من عناصر التراث المصري اللامادي الذي يشكل جزءا من وجدان المصريين عبر العصور»، مشيرا إلى أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر ستفضي لتوصيات شتى مرتبطة بتسجيل عناصر جديدة في اليونسكو. مبينا أن هناك عنصرا جديدا يتم التوجه لتسجيله بـ«اليونسكو»، وهو آلة العود المصرية صناعتها وسماتها الخاصة «فالعود المصري مدرسة مستقلة في العزف الموسيقي وفي نغماته وصناعته، وهو ما نسعى للتأكيد عليه، وتسجيله ضمن التراث غير المادي»، على حد تعبيره.

جانب من مؤتمر التراث الثقافي غير المادي (وزارة الثقافة)

وفي كلمتها، أوضحت الدكتورة عبير عناني، ممثلة جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، أن التعاون بين الجامعة ووزارة الثقافة امتداد لشراكة بدأت، العام الماضي، ولفتت إلى ابتكار مجموعة من طلابها تطبيقاً لترجمة اللغة الهيروغليفية، حصلوا بسببه على جائزة من وزارة الثقافة، ومن المقرر أن يعرضوا مشروعهم خلال إحدى جلسات اليوم الثاني للمؤتمر بمقر الجامعة.

وترى الدكتورة دينا سليمان المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» والمشاركة في المؤتمر، أن إبراز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان ضمن المدن التراثية الثقافية بـ«اليونسكو» فرصة لإعادة النظر إلى التراث المصري بوصفه منظومة متكاملة، لا تقتصر على الآثار والمباني التاريخية، وإنما تشمل أيضاً العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية التي تناقلها المصريون عبر الأجيال.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تكتسب هذه الخطوة أهميتها من تأكيدها على التنوع الحضاري الذي تمثله المدن الثلاث؛ فالقاهرة تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والعمران والحرف التقليدية، بينما ترتبط الجيزة بتراث أثري استثنائي يعكس مكانة مصر القديمة، وتتميز أسوان بخصوصية ثقافية وإنسانية تتجلى في التراث النوبي والفنون الشعبية والممارسات الاجتماعية المتوارثة».

وختمت أن «الحفاظ على التراث غير المادي ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لتطوير هذه المدن، من خلال توثيق الروايات الشفهية، ودعم الحرفيين، ونقل المعارف التقليدية إلى الأجيال الجديدة، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد عناصر تراثها وصونها؛ فالتسجيل الدولي ليس غاية في حد ذاته، وإنما مسؤولية تستلزم وضع خطط مستدامة تضمن استمرار هذا التراث في حياة الناس».