{كيتا}.. رجل مالي الجديد

الرئيس المنتخب يملك الكاريزما والخبرة وثقة الناس.. لكن التحديات أمامه أكبر

{كيتا}.. رجل مالي الجديد
TT

{كيتا}.. رجل مالي الجديد

{كيتا}.. رجل مالي الجديد

عاشت مالي لعام ونصف العام على وقع أخطر أزمة عرفتها منذ الاستقلال؛ وهي أزمة متعددة الأبعاد حيث بدأت أمنية حين اندلع التمرد الذي قاده الطوارق في شمال البلاد وأنهته الجماعات الإسلامية المسلحة بالسيطرة على كبريات مدنه؛ ولكن هذه الأزمة تطورت لتصل إلى الجنوب حين قاد ضباط من الجيش المالي المهزوم انقلابا في مارس (آذار) 2012، ضد الرئيس أمادو توماني توري الذي كان يستعد لمغادرة السلطة بعد تنظيم انتخابات رئاسية كانت مقررة أبريل (نيسان) 2012؛ ولكنها تأجلت بعد دخول البلاد في أزمة دستورية ثم مرحلة انتقالية.
هذه الأزمة التي هددت كيان الدولة في مالي واستدعت تدخلا عسكريا دوليا بقيادة فرنسية، رافقتها أزمة اقتصادية ضربت البلد الذي يعد من أفقر بلدان العالم، ويعتمد في اقتصاده على الهبات والمساعدات الدولية؛ مع قليل من الإنتاج الزراعي على ضفة نهر النيجر الذي يعبر البلاد.
كل هذه المشكلات جعلت الماليين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وهم يحلمون برئيس يملك عصا سحرية لحل مشكلاتهم؛ ولكن اختيار الماليين وقع على رجل لا يملك هذه العصا السحرية غير أن بحوزته {قبضة من حديد} سبق أن جربها الماليون عندما كان حماس الثورة التي أسقطت الحكم العسكري سنة 1991، يهدد أمن الدولة واستقرارها.
إبراهيما ببكر كيتا، 68 عاما، الذي منحه الماليون ثقتهم لإدارة دفة البلاد، يصفه أنصاره بأنه {رجل أفعال لا أقوال}، ويراهنون على خبرة اكتسبها طيلة عشرين عاما تدرج خلالها في المناصب السيادية، مستشارا لرئيس الجمهورية ثم سفيرا ثم وزيرا للخارجية ثم رئيسا للحكومة، فرئيسا للبرلمان المالي.. وكمرشح للانتخابات الرئاسية لثلاث مرات متتالية.
الباحث الفرنسي فيليب هيغون، مدير الأبحاث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية المكلف بأفريقيا، يقول إن {كيتا سياسي لعب دورا مهما جدا في مالي من خلال المناصب التي تقلدها.. وبإمكاننا الحديث عن محارب قديم في الميدان السياسي المالي؛ فكان يمثل جوابا عن التساؤل الذي طرحه الماليون قبل التصويت: من الرجل الأكثر قدرة على إدارة مالي بالقدر الكافي من الكاريزما والخبرة الضرورية لتسوية المشكلات الجوهرية للبلد}.
أما الصحافي المالي لاباس حيداره، المدير الناشر لصحيفة {لانديبانداه}، فقد اعتبر في حديث مع {الشرق الأوسط} أنه {من بين جميع المرشحين كان كيتا يحظى بأكبر قدر من ثقة الماليين للخروج بالبلد من أزماته، وهي ثقة حصل عليها عندما كان يشغل منصب الوزير الأول خلال حكم الرئيس الأسبق ألفا عمر كوناري}، قبل أن يضيف: {نتذكر جميعا أن مالي عندما كانت تتلمس خطواتها الأولى في الديمقراطية مطلع تسعينات القرن الماضي، تعرضت لهزات عنيفة، فالحركة الطلابية التي ساهمت بشكل كبير في إسقاط الحكم الديكتاتوري للجنرال موسى تراوري كانت تعتقد أنها قادرة على إملاء القرارات على السلطة من خلال الاحتجاج وإحراق المرافق العمومية؛ كما أن الحركة النقابية التي لولاها ما نجحت ثورة مارس (آذار) 1991، من خلال سلاحها الفعال (العصيان المدني المفتوح)، كانت بدورها تطالب برفع الأجور بنسبة 150%، وهي زيادة يعجز عنها اقتصاد الدولة؛ هذا بالإضافة إلى هجمات مسلحة خاطفة يشنها الطوارق في الشمال}.
وقال حيداره إنه {أمام هذه الأزمات المتزامنة عين الرئيس ألفا عمر كوناري عدة حكومات فشلت جميعها في إخماد احتجاج الشارع، ومواجهة تمرد الطوارق، حتى وقع اختياره على إبراهيما ببكر كيتا، رئيسا للحكومة، الذي لم يتأخر في مواجهة الاحتجاجات عندما قام، ولأول مرة منذ الثورة، باعتقال عدد من قادة الحراك الطلابي وقدمهم للمحاكمة بتهمة المساس بالأمن الوطني، كما أوقف قادة النقابات العمالية عند حدهم؛ أما بالنسبة للتمرد في الشمال فقد اعتقل عددا من زعمائه نقلوا إلى باماكو حيث تمت محاكمتهم؛ وكل هذه أمور لم نشاهدها قبل مجيء إبراهيما ببكر كيتا}.
خلال هذه الفترة ارتبط كيتا في أذهان الماليين بالصرامة والقدرة على إدارة الأزمات؛ ولكنه في نفس الوقت خرج بالكثير من التناقضات على رأسها انتماؤه للاشتراكية الدولية في الوقت الذي غابت فيه سمات الاشتراكيين عن سياساته، فبدأ البعض يشكك في يساريته وانتمائه الاشتراكي الذي لا يفوت مناسبة إلا وافتخر به.
كيتا المولود سنة 1945 بدأ اهتمامه بالشأن السياسي حين كان يدرس في باريس، حيث نشط في الحراك المناهض للاستعمار الذي قادته فيدرالية طلاب أفريقيا السوداء في فرنسا، مما جعل البعض يصفه آنذاك بـ{اليساري المتطرف}.
أقام كيتا في فرنسا لأكثر من ربع قرن حصل خلاله على شهادات عليا في التاريخ والعلاقات الدولية من جامعة السوربون، ثم عمل في عدد من المؤسسات والمعاهد الفكرية قبل أن يدرس في إحدى الجامعات الفرنسية تاريخ أنظمة الحكم في العالم الثالث؛ ومع تزايد المد الاشتراكي تشرب الشاب الأفريقي اليافع بالفكر اليساري الاشتراكي، واتخذ من الجنرال الفرنسي شارل ديغول قدوة ومثالا يحتذي به.
عاد كيتا إلى مالي سنة 1986 وبدأ نشاطه السياسي بالانخراط في تنظيمات سرية معارضة لحكم الجنرال موسى تراوري الذي أطيح به سنة 1991، لتنتهي بذلك 23 عاما حكم فيها تراوري الدولة بقبضة من حديد، كان ثمن نهايتها انتفاضة دموية أسفرت عن انقلاب أطاح بنظام تراوري، مارس (آذار) 1991، لتدخل البلاد في مرحلة انتقالية انتهت بانتخابات رئاسية لعب فيها إبراهيما ببكر كيتا دورا محوريا في التعبئة والدعاية للمرشح ألفا عمر كوناري، الذي أصبح بعد ذلك أول رئيس منتخب للجمهورية الثالثة في مالي.
بعض المراقبين يرى أن كيتا خدم كثيرا الرئيس كوناري، خاصة حين أسكت المعارضة عندما شككت في مصداقية انتخابات 1997 التي أعيد فيها انتخاب كوناري لولاية ثانية هي الأخيرة له حسب الدستور المالي؛ غير أن كيتا الذي كان يشغل منصب الوزير الأول ويترأس حزب التحالف من أجل الديمقراطية في مالي الحاكم آنذاك، واجه معارضة داخل الحزب الحاكم عندما قدم نفسه كبديل للرئيس كوناري المنتهية ولايته، فأجبر على الاستقالة من منصبه كرئيس للوزراء سنة 2000، ثم التخلي بعد ذلك عن رئاسة الحزب الحاكم، ليؤسس حزبه الخاص {التجمع من أجل مالي}.
رشح كيتا نفسه من خلال الحزب الجديد للانتخابات الرئاسية سنة 2002، ليأتي في المرتبة الثالثة ويرجح الكفة بين الجنرال أمادو توماني توري ومرشح الحزب الحاكم سوميلا سيسي، اللذين تنافسا في الجولة الثانية؛ وبعد ذلك بثلاث سنوات استطاع كيتا في الانتخابات التشريعية أن يصبح رئيسا للبرلمان؛ قبل أن يعود للترشح مرة ثانية إلى الانتخابات الرئاسية سنة 2007، محققا المرتبة الثانية بعد الرئيس أمادو توماني توري الذي نجح في خلافة نفسه.
ومنذ هزيمته في انتخابات 2007 بدأت مرحلة جديدة من المسيرة السياسية للرجل، حيث يقول الصحافي المالي لاباس حيداره، {إن كيتا منذ هزيمته في رئاسيات 2007 أصبح يقود حزبه وفق سياسة خاصة تتعمد التقليل من المشاركة في الحكم، كما ابتعد هو شخصيا عن الظهور قدر المستطاع، مكتفيا برئاسة البرلمان}.
أما الصحافي المالي شاهانا تاقيو، رئيس تحرير صحيفة «22 سبتمبر»، فيرى أن كيتا الذي عرف بأنه {كتوم جدا}، كان أبرز المستفيدين من انقلاب 22 مارس (آذار) 2012، الذي قلب الموازين في الساحة السياسية عندما أعلن عدد من أبرز السياسيين الماليين معارضتهم للانقلاب ودخلوا في صدام مع منفذيه؛ في حين فضل كيتا موقفا متماشيا مع سياسته {الهادئة والمراوغة} عندما ندد بالانقلاب وفي نفس الوقت {أعلن تفهمه لما أقدم عليه جيش أهينت كرامته}.
منذ موقفه خلال انقلاب مارس بدأ الحديث عن كيتا بوصفه مرشح الجيش؛ حيث يعود الباحث الفرنسي فيليب هيغون ليقول إن {كيتا على صلة وثيقة بأفراد في المؤسسة العسكرية، لذا التزم الصمت إبان الانقلاب العسكري}، ويضيف هيغون أن {علاقات كيتا لا تنحصر في المؤسسة العسكرية فحسب، بل إنه يربط علاقات وثيقة مع عدد من قادة دول شبه المنطقة على غرار رئيس النيجر محمدو يوسوفو ورئيس الغابون عالي بونغو}.
غير أن ما توقف عنده المحللون هو علاقة كيتا بفرنسا القوة الاستعمارية السابقة لبلاده، حيث كتبت صحيفة {لوموند} الفرنسية أن كيتا بوصفه عضوا في الاشتراكية الدولية، لديه علاقة خاصة مع المسؤولين الاشتراكيين الذين يحكمون فرنسا: فرنسوا هولاند، لوران فابيوس، مانويل فالس؛ هذا بالإضافة إلى الفترة التي قضاها يدرس ويعمل في فرنسا والتي تصل إلى ستة وعشرين عاما؛ غير أن فيليب هيغون يرى أن ذلك {لا يجعلنا نقول إن كيتا حظي بدعم فرنسا}.
أما على المستوى الداخلي فيؤكد الباحث الفرنسي أن {كيتا المنحدر من الجنوب يحظى بدعم كبير في الأوساط التقليدية والدينية، خاصة من طرف التيار الوهابي الذي يتمتع بنفوذ متزايد في مالي، والتيار الصوفي واسع الانتشار في الأوساط الشعبية}، وذلك في إشارة إلى دعوة الخليفة العام للطريقة الحموية، أتباعه في مالي الذين يقدر عددهم بنحو 3 ملايين نسمة، إلى التصويت لصالح كيتا، مما أثار سخط منافسيه، الذين اعتبروا أن الخليفة تجاوز دوره الديني ليتدخل في الشأن السياسي في بلد علماني.
غير أن كيتا الذي استطاع بحنكة الخبير أن يستغل مظهره كرجل أفريقي تقليدي يلقبه أنصاره بـ{الحاج} منذ أن أدى فريضة الحج؛ ينحدر من إحدى أقوى العرقيات وأكثرها نفوذا في مالي حيث يصفه البعض بأنه {زعيم قبلي}؛ كما يتمتع بعلاقات {جيدة} مع المكونات العرقية في الشمال من العرب والطوارق، مما جعل أنصاره يراهنون عليه للتوصل إلى حل نهائي لأزمة الشمال.
وفي هذا السياق يرى أستاذ الفلسفة في جامعة باماكو عيسى انجاي أن {قضية الشمال حساسة بالنسبة للماليين الذين عاشوا أوقاتا صعبة خلال حركات التمرد التي شهدها الشمال؛ وموقف كيتا من هذه القضية كان في غاية الوطنية، مما جعله يحظى بدعم كبير من طرف الشعب المالي}؛ قبل أن يضيف: {أتوقع أن يتم التعامل مع قضية الشمال بقدر كبير من الصرامة؛ ولكن الفخ الذي يجب على كيتا الحذر منه، هو أن لا يفاوض ويقرر بالنيابة عن الماليين فيما يتعلق بالتمرد، وأعتقد أنه إذا سلك ذلك الطريق فإنه يخاطر كثيرا}.
أما عضو المجلس الانتقالي الأزوادي عبد الرحمن أغ عمر، فقد اعتبر في تصريح لـ{الشرق الأوسط} أن {كيتا الذي انتخب رئيسا لمالي بعد أزيد من سنة ونصف من حكم العسكر، لن يستطيع الخروج قيد أنملة عن الخارطة السياسية والجيوسياسية التي تسير عليها المنطقة والمعدة سلفا في دهاليز باريس}.
وأشار أغ عمر إلى أن {كيتا كان موجودا في الحكومة المالية عندما تعرض العرب والطوارق لمذابح في تسعينات القرن الماضي، وبالتالي فهو إن لم يكن شريكا في تلك المذابح فإنه على الأقل كان شاهدا عليها}، قبل أن يضيف: {نحن نرجو أن يكون أكثر مرونة تجاه قضية أزواد، وأن يكون صادقا فيما وعد به، فجميع من حكموا مالي منذ الاستقلال وحتى الآن لم يلتزموا بوعودهم تجاه أزواد}.
غير أن المراقبين يرون أن كيتا كان يدرك التحديات التي تواجهه حين خاض حملته الانتخابية تحت شعار {مالي أولا}، وكان يردد عبارته الشهيرة في جميع خطاباته {من أجل كرامة مالي سأستعيد السلام والأمن، ومن أجل كرامة مالي سأعيد الحوار بين كافة أبناء أمتنا، وسألم شمل شعبنا}.
وفي هذه الأثناء يرى شاهانا تاقيو، أن تحديا آخر يواجه كيتا يتمثل في تمكنه من اختيار الفريق الذي سيحيط به خلال حكمه للبلاد، مع ترك مكان للمعارضة، مبديا تخوفه من إفراط كيتا في استخدام السلطة وشراسته عندما يواجه خصومه؛ وفي هذا السياق يرى الباحث الفرنسي فيليب هيغون أن {تلك المخاوف مبررة لأن الخطر موجود، ولكن في الوضعية الحالية لمالي فرجل قوي أفضل من رجل مسالم وضعيف}.



أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.


هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)
غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)
TT

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)
غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح» كان البند الأول في المنهاج الوزاري الذي نال الزيدي بموجبه الثقة من البرلمان العراقي، غير أن المفاجآت تظل متوقعة؛ سواءً على صعيد كيفية استكمال هذا الملف في ظل ضغوط داخلية وخارجية المعاكسة، أو ما ترتب على الكشف عن وجود مواقع وقواعد عسكرية سرّيّة إسرائيلية في العراق. وهذه تتصل، وفق توقعات مراقبين بالمواجهة المحتملة التالية بين إيران وإسرائيل، بعد طي الرئيس الأميركي دونالد ترمب ملف الحرب التي لا تزال مفتوحة بينه وبين إيران.

تكشف الضربات التي شنتها الولايات المتحدة على إيران إثر إقدام إيران على استهداف مروحية «أباتشي» أميركية، والرد الإيراني لكن على إسرائيل وعلى القطع البحرية الأميركية وعلى دول الخليج - وبالذات الكويت والبحرين – عن واقع خطر. وهو يكشف عن طبيعة الرد ورد الرد في وقت يبحث فيه كل من الطرفين الأميركي والإيراني عن صيغة مناسبة لإنهاء الحرب.

إيران تسعى عملياً إلى تحقيق مكاسب إضافية تقنع فيها الشارع الإيراني بما تدعي بأنه «انتصار»، سواءً على صعيد استمرار استخدام «مضيق هرمز» رهينة في هذه الحرب، بالإضافة إلى مطالبة إيران بالإفراج عن عشرات المليارات من أموالها المجمدة. وفي المقابل، يحرص الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الظفر بتنازل إيراني يتيح له إعلان النصر في هذه المواجهة لكي يقنع الشارع الأميركي بأن ما قام به من عمليات عسكرية ضد إيران حقق أهدافه في نهاية المطاف.

ساحتا العراق ولبنان

الواقع أنه بصرف النظر عمّا يمكن أن تؤول إليه هذه المواجهة، سواءً استمرت على شكل ضربات متبادلة - بصرف النظر عن إمكانية نجاح الوساطات، وبخاصة الوساطة الباكستانية - أو انتهت على شكل اتفاق أميركي - إيراني، فإن المواجهة الأخرى المحتملة والمؤجلة هي التي يمكن أن تندلع بين إيران وإسرائيل.

هذه المواجهة قد تحصل في مرحلة لاحقة بعد وقف الحرب الحالية؛ نظراً لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يرى أن وقف الحرب بين إيران والولايات المتحدة لن يصب في صالحه. وانطلاقاً من هذا الاعتبار، يؤمن كل من الإيرانيين والإسرائيليين بأن المواجهة بينهم هي «مسألة وقت»، لا غير، وبأن الساحتين المثاليتين لهذه المواجهة المحتملة هي لبنان والعراق.

وبالفعل، على صعيد المفاوضات الجارية، بوساطة باكستانية، بين إيران والولايات المتحدة والتي بدت للبعض على حساب الجانب الإسرائيلي، فإن طهران تمكنت إلى حد كبير من ربط الساحة اللبنانية بالساحة الإيرانية على صعيد وقف إطلاق النار الذي بقي هشاً بين إسرائيل ولبنان بسبب إصرار نتنياهو على كسر الهدنة بضربات مركزة على الجنوب اللبناني.

ومع استمرار هشاشة الوضع في لبنان، لا سيما مع المتغيّر المهم الذي أدى إلى المزيد من العزلة لـ«حزب الله» اللبناني بعد إقدام الدولة اللبنانية على إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، تبدو وضعية الساحة العراقية مختلفة إلى حد كبير. عن حال الساحة اللبنانية. وبالأخص، أن الحكومة العراقية باشرت إجراءات بدت حازمة لحصر سلاح الفصائل المسلحة بيدها.

وفي حين بدأ العديد من الفصائل المسلحة الاستجابة، أولاً لخطة الحكومة العراقية حصر السلاح بيدها، وثانياً للضغط الأميركي غير المسبوق، فإن أبرز فصيلين حليفين لإيران هما «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» أعلنا في بيانات رفضهما الصريح لنزع سلاحهما تحت مبرّرات سياسية وعقائدية.

على الرغم من هذا الموقف السلبي، لم تعلق الحكومة العراقية على بيانات الرفض ما يعني أن المواجهة مع هذه الفصائل ستكون مؤجلة حتى تكمل الحكومة إجراءات ما بات يُسمى «الدمج» و«فك الارتباط» بين الفصائل المسلحة و«الحشد الشعبي». ويُذكر أنه يراد لـ«الحشد» أن يكون مؤسسة وطنية نالت موافقة البرلمان، الأمر الذي يبعدها عن سائر الفصائل التي تحمل السلاح خارج السلطة المباشرة للدولة، سواء كانت تابعة لـ«الحشد» أو منفصلة عنه.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (آ ب)

بدء أول الخطوات الهادفة

إلى حصر السلاح

في يد الدولة

الزيدي يُلزم نفسه

من جهة ثانية، في حين أعلنت «سرايا السلام»، التابعة لزعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، أنها قرّرت التخلي عن سلاحها وتسليمه للحكومة - وهو ما تحقق بالفعل الأسبوع الماضي - فإن الفصيل الثاني من بين الفصائل الخمس التي أعلنت تسليم سلاحها، كان «كتائب الإمام علي» الذي فعل يوم الأربعاء الماضي.

الحكومة العراقية، من جانبها، شددت على أن «الموعد النهائي لحصر السلاح بيد الدولة سيكون خلال شهر سبتمبر (أيلول) المقبل». وأوضح الدكتور حيدر العبودي، الناطق الرسمي باسم الحكومة خلال مؤتمر صحافي أن «الحكومة استندت في إدارة ملفاتها إلى رؤية وطنية مدعومة بتفويض وثقة مجلس النواب». وأكد «عزمها على الالتزام بحصر السلاح تماماً بيد الدولة وفق الجداول الزمنية المحددة في المنهاج الوزاري، التي تنتهي في أيلول المقبل تزامناً مع إنهاء مهام التحالف الدولي».

وفي موازاة ما تقدّم، بدأت لجنة عسكرية عليا أول الخطوات التي تهدف إلى تطبيق أولى فقرات المنهاج الوزاري لحكومة علي الزيدي لجهة حصر السلاح بيد الدولة. وسيكون ذلك عبر تسلّم الملفات والبيانات الخاصة بمقاتلي «كتائب الإمام علي» وأسلحتها ومعداتها وعجلاتها، لتغدو بالتالي أول فصيل مسلح خارج الدولة يسلم ما لديه بعد «سرايا السلام».

واستطراداً، أفادت قيادة العمليات المشتركة، في بيان لها، بأن «اللجنة المشكّلة لفك الارتباط والاندماج تواصل أعمالها تنفيذاً للمنهاج الحكومي المصادق عليه من مجلس النواب».

وطبقاً للبيان، فإن «هذه الإجراءات تأتي تمهيداً لاستكمال مراحل الدمج وإعادة التنظيم، وإلغاء المُسميات والعناوين الأخرى الخاصة بهذه التشكيلات»، وأردف البيان أن «الخطوة تندرج ضمن جهود الحكومة الرامية إلى تعزيز الاستقرار وترسيخ سلطة القانون وحصر السلاح بيد الدولة ضمن المنظومة الأمنية الرسمية، بما يسهم في تعزيز أمن البلاد».

وبالتزامن مع هذه الإجراءات، التي تهدف في جانب منها، إلى محاصرة الفصائل المسلحة الرافضة حتى الآن لخطة الحكومة لتسليم سلاحها - انسجاماً مع أوامر إيرانية - فإن رئيس الوزراء العراقي الزيدي أكد مضيه قدماً في إجراءات ضبط السلاح.

إيران... وأزمة الثقة مع واشنطن

المراقبون السياسيون في بغداد يرون أن إيران، نظراً لأنها لا تثق بوعود واشنطن، ترفض أن تتخلى عن كل نفوذها في المنطقة. ولهذا فهي تصر على إبقاء ملفات كملفات جنوب لبنان وسلاح «حزب الله» اللبناني وسلاح الفصائل العراقية المرتبطة بطهران عقائدياً أمراً غير قابل للنقاش مهما استمرت الضغوط الأميركية على إيران.

في المقابل، يواصل رئيس الوزراء الزيدي، من جانبه، انخراط حكومته بعملية حصر السلاح بيد الدولة. وفي بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء في مناسبة ذكرى دخول تنظيم «داعش» خلال شهر يونيو (حزيران) 2014 إلى مدينة الموصل، في أكبر نكسة واجهها الجيش العراقي، قال الزيدي إن «الحكومة ماضية بثبات في ترسيخ الأمن والاستقرار، وتعزيز سيادة العراق وحماية قراره الوطني المستقل، وحصر السلاح بيد الدولة، ومواصلة مسيرة البناء والإعمار والإصلاح والتنمية الشاملة، بما يحقق تطلعات أبناء شعبنا في دولة قوية مقتدرة، توفر الحياة الكريمة والفرص الواعدة لمواطنيها».

أيضاً، أعرب رئيس الوزراء عن «تقديره للمواقف الوطنية للقوى السياسية الداعمة لمسار الاستقرار والإصلاح والتنمية، بما يعزّز وحدة الصف وقوة القرار الوطني، ويسهم في ترسيخ أسس الدولة وبناء مستقبل العراق».

تأتي تعهّدات الزيدي هذه في وقت تنقسم فيه الفصائل المسلحة بشأن خطته الهادفة إلى حصر السلاح بيد الدولة طبقاً للمنهاج الوزاري. وللعلم، أكد العديد من الفصائل المسلحة، بمن فيها تلك التي لديها تمثيل برلماني مثل «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي»، نيتها «فك ارتباطها وإعادة دمجها». وهذه العبارة فتحت حقاً باب التأويل حول المعنى الفعلي لعملية حصر السلاح، وحسم وضع العناصر المسلحة التابعة للفصائل وتأتمر بأوامرها، ومدى ارتباطها بهيئة «الحشد الشعبي»، لكن من دون تسمية معلنة لوضع هذه الكتلة أو تلك.

ومن هنا، تجدر الإشارة إلى أنه، تحت الضغط والتهديد الأميركيين، فوّض «الإطار التنسيقي» الشيعي رئيس الوزراء باتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن مشروع حصر السلاح بيد الدولة وفك ارتباط هيئة «الحشد الشعبي» بالأطر السياسية والحزبية والاجتماعية.

من السماء إلى الأرض

إلى ذلك، وفي ظل استمرار المواجهات بين القوات المسلحة الإيرانية من جهة، والقوات الأميركية والإسرائيلية من جهة أخرى، صارت الأجواء العراقية - عملياً - ممراً للطائرات والصواريخ بين الأطراف المتحاربة.

غير أن الأبرز، في هذا السياق، هو كشف التقارير الصحافية عن بناء إسرائيل أكثر من قاعدة متقدمة لها داخل الأراضي العراقية، وبالذات في الصحراء الغربية من البلاد، وهذه مناطق شاسعة مترامية الأطراف تجمع بين ثلاث محافظات هي الأنبار وكربلاء والنجف.

ومع أن الحكومة العراقية نفت وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية «ثابتة» في غرب البلاد، فإنها أقرّت بتمركز قوة إسرائيلية بين محافظتَي النجف وكربلاء لمدة 48 ساعة في مطلع مارس (آذار) الماضي. ولقد كانت صحيفة الـ«وول ستريت جورنال» الأميركية هي التي كشفت عن إنشاء إسرائيل موقعاً عسكرياً سرّيّاً في الصحراء العراقية بين محافظتي كربلاء والنجف خلال مارس الماضي «لدعم حربها التي شنتها ضد إيران في 28 فبراير (شباط) 2026». وبالتالي، أثيرت أسئلة كثيرة تتعلق بمدى قدرة السلطات العراقية على فرض السيادة على أرضها ومنع الاختراقات الأجنبية، وفق معلقين سياسيين من توجهات مختلفة.من ناحية أخرى، أكدت الرواية صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية أيضاً، بل زادت الأخيرة أن إسرائيل أمضت أكثر من سنة في تجهيز مواقع سرّيّة في محافظة الأنبار، بأقصى غرب العراق، لاستخدامها في عمليات الدعم الجوي والتزوّد بالوقود والعلاج الطبي خلال المواجهة مع إيران.