السلطات المصرية تتحفظ على أموال وشركات لـ«الإخوان»

مسؤول في وزارة العدل لـ «الشرق الأوسط»: القرار يشمل 572 قياديا في الجماعة

شوارع في منطقة خان الخليلي في العاصمة المصرية تبدو شبه خالية أمس قبيل ساعات من انتهاء عام 2013 (أ.ب)
شوارع في منطقة خان الخليلي في العاصمة المصرية تبدو شبه خالية أمس قبيل ساعات من انتهاء عام 2013 (أ.ب)
TT

السلطات المصرية تتحفظ على أموال وشركات لـ«الإخوان»

شوارع في منطقة خان الخليلي في العاصمة المصرية تبدو شبه خالية أمس قبيل ساعات من انتهاء عام 2013 (أ.ب)
شوارع في منطقة خان الخليلي في العاصمة المصرية تبدو شبه خالية أمس قبيل ساعات من انتهاء عام 2013 (أ.ب)

استمرت أمس حملة مصرية مشددة لتقليم أظافر جماعة الإخوان المسلمين في الداخل والخارج. وقالت مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات المختصة قررت التحفظ على أموال ضخمة في شركات كبرى يديرها مئات «الإخوان» للاشتباه في تمويلها الإرهاب، من بينها شركات سيارات وعقارات وصرافة وأدوية، وغيرها، تخص قياديين كبارا من الجماعة، بعضهم داخل السجن رهن التحقيق، والبعض الآخر فر خارج البلاد. وعقد مجلس الوزراء اجتماعا أمس، تضمن متابعة التحرك لدى الدول العربية بعد قرار الحكومة إعلان «الإخوان» «جماعة إرهابية»، بينما جرى القبض على عناصر إخوانية أخرى في القاهرة وعدة محافظات.
وقال الدكتور هشام كمال، القيادي في التحالف المناصر للرئيس السابق محمد مرسي، لـ«الشرق الأوسط»، إن تجميد أموال قيادات «الإخوان» والتحفظ على شركاتهم «يؤثر بالسلب على أوضاع هذه الشركات في البورصة»، ووصف الاتهامات الموجهة لـ«الإخوان» بـ«التلفيقية». وأضاف: «نتوقع مزيدا من مثل هذه الإجراءات القمعية»، ورد على الأنباء بشأن هروب جماعي لقيادات إخوانية خارج البلاد خلال اليومين الماضيين، بأنه «لا يوجد دليل عليها».
وتأتي هذه التطورات قبل نحو أسبوعين من خروج ملايين المصريين للاستفتاء على الدستور ضمن تنفيذ «خارطة المستقبل» التي أعلنها قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح السيسي، مع قيادات سياسية ودينية أخرى. وقالت المصادر الحكومية إن الشركات التي جرى تجميد أموالها أمس «ثبت أنها مملوكة بشكل جزئي أو كلي لقيادات في الجماعة، من بينهم أعضاء في مكتب الإرشاد المحتجزون على ذمة التحقيقات في عدد من السجون المصرية»، وإن «البعض الآخر ممن يملكون حصصا في هذه الشركات فروا إلى خارج البلاد، خاصة تركيا وقطر»، عقب الإطاحة بحكم مرسي.
ومنذ الأسبوع الماضي، جمدت السلطات المصرية أموال نحو 1055 جمعية خيرية يشتبه في استغلال جماعة الإخوان لها في العمل السياسي، كما تحفظت على أكثر من سبعين مدرسة تابعة للجماعة، بالإضافة إلى قرار أمس بمنع أكثر من خمسمائة من قيادات «الإخوان» من التصرف في أموالهم، بالتزامن مع أنباء عن هروب قيادات جديدة من «تحالف دعم الشرعية»، الذي يضم إخوانا وبعض السلفيين وإسلاميين آخرين، إلى خارج البلاد عبر حدود السودان وليبيا.
لكن الدكتور كمال، القيادي في هذا التحالف، وهو متحدث أيضا باسم «الجبهة السلفية»، قال: إن ما يتردد عن هروب قيادات في التحالف خارج مصر «لا يوجد عليه دليل، والبينة على من ادعى»، مشددا على «استمرار التحالف في دعوة أنصار مرسي للتظاهر» ضد الحكام الجدد. وقال إن تجميد أموال قيادات «الإخوان» والتحفظ على شركاتهم «يؤثر بالسلب على أوضاع الشركات في البورصة، ويؤثر بالسلب على الاقتصاد المصري، المتدهور أصلا». ورفض كمال الاتهامات الموجهة إلى أنصار الرئيس السابق، قائلا إنها تأتي في سياق «التصعيد لقمع جماعة الإخوان، ونرفض هذه الاتهامات جملة وتفصيلا لأنها تلفيقية».
وأعلنت وزارة العدل أمس، على لسان المستشار عزت خميس رئيس اللجنة الوزارية المشكلة لحصر أموال جماعة الإخوان، أن اللجنة أصدرت قرارا بمنع 572 قيادة إخوانية من التصرف في أموالهم العقارية والمنقولة والسائلة، والتحفظ على 87 مدرسة تتبع الجماعة. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر في الحكومة أنه جرى حصر عشرات الشركات الكبرى «المعروف معظمها في السوق المصرية» والتحفظ على أموالها، مشيرة إلى أن قيادات إخوانية تدير هذه الشركات ويشتبه في تمويلها أنشطة الجماعة، المصنفة على أنها «جماعة إرهابية».
وعن حجم الأموال في هذه الشركات، قالت المصادر إن الجهات المختصة لم تحصر هذه الأموال، «لكن، يمكن أن يطلق عليها أنها أموال ضخمة» في ثلاث شركات على الأقل لتجارة السيارات، و«سبع شركات عقارات لبعض مشروعات بمدن القاهرة والسادس من أكتوبر وضاحية التجمع الخامس شرق العاصمة»، وكذلك «نحو تسع شركات صرافة وشركتي أدوية، و17 شركة أخرى تعمل في مجال الاستيراد والتصدير والتعهيد (إقامة المشروعات للغير)».
بينما أفادت مصادر مسؤولة في الوزارة بأنها أرسلت إلى السلطات القطرية أمس مذكرة تتضمن طلبا بشأن «اتخاذ ما يلزم» نحو إلقاء القبض على المصري عاصم عبد الماجد، القيادي في «تحالف دعم الشرعية» الموالي للرئيس السابق محمد مرسي، الذي يعتقد أنه اختفى من مصر بعد فض اعتصامين للموالين لمرسي في أغسطس (آب) الماضي.
وأكد السفير بدر عبد العاطي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، اتخاذ هذا الإجراء بشأن مطالبة قطر بتسليم عبد الماجد في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» أمس، قائلا إنه «إجراء روتيني». ومن جانبها، قالت مصادر وزارة العدل إن الحكومة لديها معلومات عن وجود عبد الماجد في قطر، وأنه مطلوب لـ«المحاكمة الجنائية بمصر بشأن ارتكابه عددا من الجرائم، من بينها التحريض على العنف»، مشيرة إلى أنه يجري حاليا متابعة نتائج إرسال وزارة الخارجية طلب التسليم، الموجه للسلطات القطرية. ورفض مصدر بسفارة قطر في القاهرة التعليق.
وأضاف المستشار عزت خميس، الذي يشغل أيضا موقع مساعد أول وزير العدل، أن سير العملية التعليمية في المدارس المتحفظ عليها (التابعة لـ«الإخوان») سوف يستمر دون إلحاق أي أضرار بالطلاب أو بالمدرسين أو بالعملية التعليمية، وأن وزارة التعليم سوف تقوم بمهمة الإشراف المالي والإداري على تلك المدارس والتأكد من إنهاء المخالفات التي كانت محل شكوى من الطلاب وأولياء أمورهم.
وتابع المستشار خميس قائلا في بيان أمس، إن اللجنة المختصة (بشأن التحفظ على أموال الجمعيات الخيرية المشار إليها) تقوم بإجراء مراجعة دورية على كشوف تلك الجمعيات، وإنها قامت بالفعل برفع اسم ثلاث جمعيات من تلك الكشوف عقب مراجعة بياناتهم هي: «بنك الطعام»، و«جمعية لمسة أمل»، و«جمعية جوهرة الحمد». وأضاف أن اللجنة تأكد لها انتفاء صلة تلك الجمعيات بجماعة الإخوان.
ومن جانبه، وحول مصير الجمعيات الخيرية المشتبه في صلتها بـ«الإخوان»، أكد المتحدث باسم الحكومة المصرية، السفير هاني صلاح، لـ«الشرق الأوسط»، أن وزارة التضامن الاجتماعي «تعمل وتشرف على هذا الملف بحيث لا يضار أي مستفيد من هذه الجمعيات».
واستعرضت الحكومة في اجتماعها أمس برئاسة الدكتور حازم الببلاوي، تقريرا حول ما قامت به وزارة الخارجية لإبلاغ جامعة الدول العربية قرار مجلس الوزراء الصادر في 25 الشهر الماضي، بشأن اعتبار «الإخوان» «جماعة إرهابية». وشددت المصادر الحكومية على القول إن هذا التحرك يأتي متوافقا مع أحكام اتفاقية مكافحة الإرهاب الموقع عليها من الدول العربية.
وصرح محمد بن نخيرة الظاهري، سفير دولة الإمارات في القاهرة ومندوبها الدائم لدى الجامعة العربية، بأنه تسلم قرار الحكومة المصرية الموجه للجامعة بإعلان «الإخوان» «جماعة إرهابية». ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية عن سفير الإمارات قوله إن «قيادة وحكومة وشعب دولة الإمارات العربية المتحدة يؤكدون دعمهم للجهود التي تقوم بها الحكومة المصرية لترسيخ الاستقرار وتعزيز التنمية والأمن والسير قدما في المسار السياسي الذي تجسده خارطة الطريق في مصر».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.