«الشرق الأوسط» ترصد فرار الآلاف من ليبيا في اتجاه حدود مصر الغربية

بينهم مصريون وعرب وأفارقة.. وسلطات السلوم وتطارد المتسللين..ومخاوف من دخول جهاديين

مدخل مدينة مرسى مطروح وجهة القادمين من الحدود الليبية
مدخل مدينة مرسى مطروح وجهة القادمين من الحدود الليبية
TT

«الشرق الأوسط» ترصد فرار الآلاف من ليبيا في اتجاه حدود مصر الغربية

مدخل مدينة مرسى مطروح وجهة القادمين من الحدود الليبية
مدخل مدينة مرسى مطروح وجهة القادمين من الحدود الليبية

رصدت «الشرق الأوسط» فرار الآلاف من ليبيا في اتجاه حدود مصر الغربية عبر المنفذ الرسمي في هضبة السلوم، وكذلك من خلال الدروب الجبلية لمن لا يحملون أوراقا ثبوتية، حيث تقوم سلطات حرس الحدود على الهضبة الحدودية بمطاردة المتسللين، وسط مخاوف من دخول جهاديين إلى داخل الأراضي المصرية. ويأتي هذا ضمن موجة من النزوح من هذا البلد الغني بالنفط الذي تضربه الفوضى منذ الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي في خريف 2011. وغادر البلاد الألوف من العرب والأجانب الذين كانوا يعملون في ليبيا، بالإضافة إلى بعثات دبلوماسية ورجال أعمال وغيرهم. وبعد تكدس الفارين من ليبيا على منفذ «رأس جدير» التونسي، ووقوع أعمال شغب هناك، بدأ الألوف، خاصة المصريين، في الاتجاه نحو منفذ «السلوم» على الحدود مع مصر.
وأكد العميد حسين المعبدي، نائب مدير ميناء السلوم البري، تزايد أعداد النازحين من ليبيا إلى مصر عبر الحدود الغربية خلال اليومين الماضيين. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المتوسط اليومي للعائدين كان يتراوح حول ألفي شخص، لكنه ارتفع خلال الـ24 ساعة الماضية إلى نحو خمسة آلاف يوميا، بينهم أجانب. وروى عدد من الفارين من الجحيم الليبي لـ«الشرق الأوسط» قصصا مأساوية لما لاقوه في أكبر مدينتين بالبلاد وهما بنغازي وطرابلس اللتان تتصارع فيهما الميليشيات والكتائب المسلحة للسيطرة على مقاليد الحكم بالقوة، رغم انتخاب برلمان جديد قبل أسبوع. وقال مسؤول حدودي مصري آخر، إن غالبية الفارين من جحيم الاقتتال الأهلي، مصريون وعرب وأفارقة، وإن هؤلاء بدأوا أخيرا الاتجاه إلى الحدود الشرقية لليبيا، بعد الصعوبات التي لاقوها حين حاولوا الفرار عبر الحدود الليبية - التونسية، خلال الأيام الماضية، مشيرا إلى أن آلاف المصريين غيروا وجهتهم من منفذ «رأس جدير» إلى منفذ «السلوم»، بعد أن ناشد المتحدث باسم الخارجية المصرية، السفير بدر عبد العاطي، قبل يومين، المصريين في ليبيا بالتوجه إلى أماكن أكثر أمانا و«إذا كانوا راغبين في العودة، فإن معبر السلوم هو الأقرب إليهم».
كما بدأت أنظار عدة دول لها رعايا داخل ليبيا، مثل الأردن، توجيه أنظارهم للتوجه إلى منفذ «السلوم» كبديل عن «رأس جدير». ومن جانبه، قال العميد المعبدي إن «عدد القادمين من ليبيا زاد خلال آخر يومين، أي الخميس والجمعة الماضيين، ووصل العدد إلى 9800 مصري، بينهم 366 من جنسيات غير مصرية»، مشيرا إلى أن المعدل اليومي للعائدين كان يتراوح بين أو 1500 أو 1700 أو 2500 كحد أقصى، لكن ومنذ يوم الخميس الماضي جاء 5100 ويوم الجمعة الماضي 4600.
أما بالنسبة لليبيين، فلم يتمكن ألوف الفارين من المعارك الجارية في بنغازي، بين قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر ومتشددين، من الدخول إلى مصر، من خلال منفذ السلوم، وتقطعت بهم السبل في مدينتي إمساعد وطبرق وغيرها من البلدات الصغيرة المجاورة مثل كمبوت والبردي. وقال مسؤول حدودي مصري إنه يجري السماح بالدخول للمصريين العائدين من ليبيا والسماح لليبيين ذوي الحالات الإنسانية مثل تلقي العلاج، إضافة إلى السماح لليبيين الذين يثبت أن لهم أقارب في مصر، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن السلطات تواجه أيضا مشكلة المتسللين عبر الدروب الجبلية، وتتخوف من دخول عناصر من المتشددين الإسلاميين لتنفيذ عمليات تخريبية داخل مصر.
ويتنوع العائدون، المصريون وغير المصريين، من ليبيا إلى نوعين.. الأول أولئك الذين يحملون أوراقا ثبوتية ودخلوا إلى ليبيا في الماضي بشكل رسمي وسليم قانونا، وهؤلاء، وهم بالآلاف، يتجهون مباشرة إلى منفذ السلوم لإنهاء إجراءات العودة إلى مصر وختم جوازات السفر بشكل طبيعي، أما النوع الثاني، وفقا للمسؤول الحدودي، فهم الذين دخلوا إلى ليبيا بشكل غير قانوني في أيام الفوضى التي شهدتها كل من مصر وليبيا في النصف الأول من عام 2011، مشيرا إلى أن عدد المقبوض عليهم من المتسللين خلال الأسبوعين الماضيين فقط بلغ عدة مئات من المتسللين، الذين كان من بينهم مهربو أسلحة و«ممنوعات أخرى». ويزيد من معاناة العائدين قلة عدد سيارات الأجرة في الداخل الليبي، حيث يخشى السائقون الليبيون الوقوع في الأكمنة التي ينصبها المتحاربون في البلاد، خاصة بين أكمنة «أنصار الشريعة» وأكمنة قوات حفتر، إضافة إلى الأكمنة التي ينصبها لصوص وقطاع طرق يتحركون بآليات عسكرية وأسلحة ثقيلة في هذا البلد الذي تضربه الفوضى منذ ثلاث سنوات. ويقول محمد عبد الباسط، وهو شاب في الثلاثينات من مدينة السادات المصرية، وكان يعمل في مدينة الخُمس القريبة من طرابلس، إنه رغم ظروف الحرب حول مطار طرابلس الدولي بين قوات مصراتة والزنتان، فإنه تمكن من الوصول إلى العاصمة، ومن هناك اضطر لسداد أربعمائة وخمسين دينارا ليبيا (أي أربعة أضعاف الأجرة الحقيقية التي كان معمولا بها قبل الأحداث الأخيرة)، لكي يصل للحدود المصرية.
وتعرض محمد وعشرة آخرون كانوا في حافلة ليبية صغيرة متجهين من طرابلس إلى حدود مصر الغربية، لقطاع طرق قرب مدينة سرت (وسط ليبيا)، نهبوا كل ما كان معهم من أموال وملابس وأجهزة كهربائية. ويقول إن كل هذا يهون بعد أن رأى الموت بعينيه عدة مرات. ويروي عائدون مصريون آخرون من طرابلس الغرب حكايات مأساوية، بعد أن تقطعت بهم السبل على منفذ «رأس جدير» لأكثر من أسبوع دون أي أموال، واضطروا أخيرا للعودة عبر أكثر من ألف وثلاثمائة كيلومترا على الطريق البري للوصول إلى «السلوم».
ويقول محمد زين العابدين، وهو طبيب سوداني كان يعمل في ضاحية التميمي ببنغازي، ولديه أقارب يريد أن يعود إليهم في مصر، إنه كان في عيادته يوم السابع والعشرين من الشهر الماضي، حين توقفت سيارة دفع رباعي ونزل منها ثلاثة مسلحين ملتحين، وطلبوا منه اصطحابهم لعلاج مجموعة من الجرحى في مزرعة تقع على مسافة قصيرة من استاد بنغازي الرياضي.. «وفي الطريق، اقتحموا صيدلية وجلبوا منها الصيدلي، وهو رجل سوري الجنسية، وجلبوا معه أيضا كميات من الأدوية والقطن والشاش وغيرها».
وبينما يذكر زين العابدين كيف كان أهل بنغازي يهرولون لشراء السلع التموينية وتخزينها خوفا من الأيام المقبلة، يروي أيضا قصصا بطولية قام بها متطوعون من قطاعات مختلفة، لنقل الجثث ومساعدة الجرحى في مواقع الاقتتال وعبر الرصاص المتطاير في بنغازي. ويزيد هذا الطبيب وهو أصلا من العاصمة الخرطوم، موضحا مغامرات الحياة والموت في بنغازي، قائلا: «ونحن في السيارة، في شارع الشط، غطوا أعيننا بقماش أسود، وساروا بنا نحن الاثنين (أي هو والسوري) بسرعة كبيرة.. وللوهلة الأولى، لم أكن أدري أن هؤلاء المسلحين ينتمون إلى تنظيم أنصار الشريعة، إلى أن رأيت فيما بعد الشارة التي تعبر عنهم مطبوعة على ورقة ملصقة وسط مقود السيارة.
ويضيف الطبيب، البالغ من العمر 45 سنة، الذي يعمل في بنغازي منذ سبع سنوات: «كان جرحى (أنصار الشريعة) خمسة، بينهم اثنان يتحدثان بلهجة تشبه لهجة الجزائريين والتونسيين، والباقون ليبيون. وأثناء مداواتهم، عرفت من الحديث المتداول أنهم أصيبوا في هجوم لم يكتمل على معسكر تابع لقوات حفتر جنوب شرقي المدينة.. كان الهاجس أن يقوم هؤلاء المسلحون بقتلي أنا والصيدلي السوري، ولهذا كنت أتظاهر بأنني لا أعرف من هم ولا أين نحن. ومع ذلك، كنت أشعر من خلال تصرفاتهم ونظرات أعينهم بأنهم يفكرون جديا في قتلي أنا والسوري. أعمال الذبح البشعة تلك، وإطلاق النار على الرأس التي كنت أشاهدها على موقع (يوتيوب) بالإنترنت.. قلت إنها أصبحت من نصيبي الآن».
وتابع قائلا: «بعد نحو ساعة، شكرونا، في الحقيقة، على التعاون، لكنهم عادوا وغطوا عيني، وقالوا إنهم سيتوجهون بنا إلى منطقة أخرى لعلاج الجرحى، لكن السيارة تعرضت لإطلاق نار، وانحرفت ثم توقفت. وشعرت بالفوضى فنزعت القماش عن عيني وكان السائق منكفئا على المقود والدم يسيل من كتفه.. قفزت من السيارة لأجد نفسي في شارع عمر المختار، ولا أعرف ماذا حدث للسوري أو باقي المجموعة. ومنذ تلك الواقعة، قررت أن أرجع إلى مصر، لكن المشكلة كانت في خطورة الطرق الواصلة بين بنغازي ومنفذ السلوم، وبعد عدة محاولات تمكنت من الوصول سالما».
ووفرت السلطات المصرية حافلات إضافية وخيام إيواء وإسعاف لتوفير الخدمات للأعداد المتزايدة للمصريين وغيرهم من جنسيات أخرى، العائدين من ليبيا، بالإضافة إلى تشديد إجراءات الأمن على المنفذ وفحص جوازات السفر للقادمين، منعا لتسلل أي عناصر خطرة من المتشددين أو المتطرفين، خاصة أن المعلومات تقول إن الكثير من المصريين انخرطوا في صفوف المقاتلين الليبيين خلال الفترة الماضية. ويقول العائدون من جحيم الاقتتال إنهم اضطروا إلى ترك متعلقاتهم ومستحقاتهم المالية، بسبب سوء الأحوال هناك.
وفي منفذ السلوم أيضا، وقف رجل في العقد الرابع من العمر، يدعى عبد العال، من مدينة ديروط في صعيد مصر، في انتظار إنهاء إجراءات الدخول لبلده بعد 18 شهرا من العمل هناك، والحسرة تبدو على وجهه، بعد أن فقد مدخراته في ليبيا. ويوضح: «كنت أعمل لدى رجل يدعى الحاج صالح في بناء عمارة بمنطقة الليثي في بنغازي، مع خمسة عشر مصريا آخرين، إضافة إلى خمسة تونسيين وآخرين من الأردن والسودان، وفجأة بدأت مشكلة سقوط صواريخ الـ(غراد) في المنطقة. توقفنا عن العمل عدة أيام، وحين زادت وتيرة سقوط الصواريخ، حتى طالت المجمع السكني الذي نعيش فيه، قبل عيد الفطر بأسبوع، طلبنا من الحاج صالح أجرتنا وقلنا له إننا سنغادر، لكنه أخبرنا أنه من المستحيل أن يتمكن من توفير أي مبالغ مالية لنا في ظل ظروف الحرب التي تشهدها المدينة.. البنوك مغلقة والمتاجر مغلقة، والناس تفر بحثا عن ملجأ».
وبينما دعا مجلس النواب الليبي الجديد، في أولى جلساته التي عقدت في مدينة طبرق بأقصى شرقي البلاد، جميع الأطراف المتنازعة في طرابلس وبنغازي لوقف القتال فورا، قالت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، رافينا شامدازاني، إن المواجهات المستمرة في هاتين المدينتين، تسببت في وصول القصف العشوائي بين الجانبين لمناطق مكتظة بالسكان، وإن هذا يشكل جرائم حرب، خاصة أنها تقتل وتصيب المدنيين وتؤدي إلى تدهور الأوضاع المعيشية.
ومن مظاهر معاناة المصريين الذين ما زالوا يعيشون في ليبيا، «عمليات التحويل المالي العكسي». ويشرح منصور العميري، الذي يعمل في تحويل الأموال في نقطة إمساعد الليبية، هذه الظاهرة بقوله: «المصريون الذين يعملون في ليبيا يعتمدون في تحويل أموالهم إلى أسرهم في مصر، على القطاع الخاص، وليس على البنوك لأسباب تتعلق بالعلاقات المصرفية بين البلدين والقيمة الرسمية للعملة الليبية (الدينار). ويجري التحويل عن طريق القطاع الخاص عبر وكلاء موثوق بهم في الكثير من المدن الليبية، إلى ذوي العمال المصريين في المحافظات المصرية».
ويقول العميري إن كثيرا من أصحاب الأعمال الليبيين غير قادرين على تحصيل أموالهم لسداد أجور العاملين المصريين لديهم، ويطلبون منهم الاستمرار في العمل والانتظار إلى حين عودة الهدوء وعودة الحياة إلى طبيعتها، ولهذا فإن الكثير من العمال الذين يفضلون البقاء في ليبيا على أمل تحسن الأحوال، أصبحوا يطلبون من ذويهم في مصر تحويل أموال إليهم بالطريقة السابقة نفسه لكن بشكل عكسي، حتى يتمكنوا من مواصلة الحياة في ليبيا، وهذا ما أصبح يطلق عليه لدى وكلاء التحويلات في المدن الليبية والمصرية «التحويل المالي العكسي».
ومن بين العائدين أيضا، شاب من مدينة الإسكندرية يدعى جمال الدين النبوي، وكان يدير متجرا لبيع الملابس المستوردة في شارع الخليج العربي بمنطقة الماجوري في بنغازي منذ سنتين، واسم المتجر «الذوق العصري». ويقول: «كنا نستورد الملابس من تركيا ومن إيطاليا، ورغم ظروف ليبيا غير المستقرة فإنه كان يوجد بيع ويوجد إقبال على الشراء، لكن شحنات الملابس في الأيام الأولى للحرب بين قوات حفتر، والمتشددينـ، توقفت بعد توقف العمل في ميناء بنغازي».
ويضيف ابن الإسكندرية، البالغ من العمر 37 سنة: «كانت لنا طرود بضائع محتجزة على طريق سرت من جانب مسلحين يريدون إتاوات مالية قبل الإفراج عنها. كنت أظن أن المشكلة الأمنية ستنتهي وأن الأحوال ستتجه للاستقرار، لكن ومنذ بداية الشهر الماضي أخذت الأحداث تتصاعد، وبدأت أخشى على نفسي وعلى بضاعتي، وأخبرت شريكي الليبي بهذه المخاوف، لكنه طمأنني في البداية، وقال إنه طالما كانت هناك قوات لحفتر في المدينة، فلا تشغل بالك، فإن هذه النظرية لم تكن صحيحة. فجأة، اختفت قوات حفتر من الشوارع وأصبحنا تحت رحمة الميليشيات التي تقتل دون تحقيق».
ويقول النبوي إنه أغلق المتجر وترك المفاتيح مع شريكه الليبي، لكن المشكلة كانت في البحث عن طريق آمن يمكن أن يسلكه ليعود إلى مصر بدلا من منفذ «رأس جدير». ويضيف: «مطار بنينة في بنغازي مغلق، وطريق الطيران الوحيد موجود في تونس، ولكي أصل إلى هناك مع عائلتي (زوجة وثلاثة أطفال)، لا بد أن أمر عبر طرابلس، وهي الأخرى منطقة غير آمنة، ناهيك بأن الطريق من بنغازي إلى سرت، غربا، محفوف بالمخاطر هو الآخر. وكان لا بد بعد ذلك من عبور الطرق المتجهة شرقا، وأخطرها الطريق الساحلي الذي يمر عبر كل من مدينتي البيضاء ودرنة، بسبب تنظيم أنصار الشريعة، أما الطريقان الآخران فهما الأكثر أمنا مع أنهما الأسوأ والأبعد من بنغازي إلى الحدود المصرية. ولم تستوقف السيارة الأجرة التي كان يستقلها النبوي وأسرته إلا بوابتان تابعتان لقوات حفتر في منطقتي الأبيار وكمبوت، قبل أن يصل إلى منفذ السلوم ويتنفس الصعداء.
وتمنع السلطات المصرية دخول الليبيين إلى الداخل المصري إلا في الحالات الضرورية ومع بعض الاستثناءات، مثل أن يكون هدف القادم إلى مصر العلاج أو الدراسة أو العبور إلى دولة ثالثة. ويقول مسؤول في المنفذ البري المصري، إنه يتطلب للسماح لليبي بدخول مصر، أن يكون له أقارب مصريون من الدرجة الأولى مثل الأم أو الأب أو الأخ أو الأخت. كما يمكن استثناء بعض الحالات التي لها أقارب من الدرجة الثانية في مدن قريبة من الحدود مثل السلوم أو براني أو مرسى مطروح، بشرط أن تكون هناك ضمانة لهذا من وجهاء المنطقة الموثوق بهم.
ويقول علي عبد الله، وهو شاب ليبي الجنسية يبلغ من العمر 25 سنة، ويحمل حقيبة صغيرة على كتفه في الجانب الليبي من الحدود، إن والدته ليبية لكنها من أب مصري، وتقيم بمصر منذ عدة أشهر، وأراد اللحاق بها بعد تدهور الوضع الأمني في بنغازي، مشيرا إلى أن السلطات المصرية لم تسمح له بالدخول إلى أراضيها، واشترطت عليه أن تأتي والدته التي تقيم بمرسى مطروح على بعد نحو 220 كيلومترا من منفذ السلوم، لكي تتسلمه. وأضاف أن مصر تسمح بدخول الليبيين إلى أراضيها، لكن عبر مطار القاهرة الدولي، والمشكلة أنه لا يوجد طيران بين البلدين في الوقت الحالي، بعد تعطل العمل في مطاري طرابلس الدولي في العاصمة، ومطار بنينة في بنغازي.
وبينما يعمل موظفو الجوازات ومكاتب الأمن في السلوم على مراجعة أوراق الفارين من ليبيا، الذين بلغ عددهم منذ أواخر شهر يوليو (تموز) حتى الآن نحو ثلاثين ألفا، تقوم دوريات تابعة لقوات حرس الحدود بسد المنافذ الهشة التي يمكن أن يلجأ إليها من لا يحملون أوراقا ثبوتية أو مهربون أو جهاديون. ويقول مسؤول أمني في السلوم، إن قوات حرس الحدود التابعة للجيش تمكنت من ضبط ما لا يقل عن 500 حاولوا التسلل عبر الدروب الجبلية والوديان الوعرة جنوب منفذ السلوم، غالبيتهم مصريون، ومن بينهم أيضا نحو 30 سودانيا وسبعة فلسطينيين وخمسة سوريين وثلاثة من مواطني دولة بنغلاديش.
ويضيف المسؤول الحدودي أن المقبوض عليهم تتراوح أعمارهم بين 23 سنة و37 سنة وجرى توقفهم، بعد أن تسللوا إلى داخل البلاد، في عدة نقاط منها السلوم وبراني ومرسى مطروح ورأس الحكمة، وجرى إحالة المشتبه في علاقتهم بـ«تهريب الأسلحة» أو علاقتهم بـ«الإرهابيين» إلى النيابة العسكرية المختصة، والتحفظ على سيارات الدفع الرباعي التي جرى ضبطها بحوزتهم.
وتمكن ثلاثة شبان ليبيين من دخول مصر بعد معاناة وانتظار لأكثر من أسبوعين في مدينة إمساعد الحدودية. ويقول جبريل، البالغ من العمر 26 سنة ويعمل موظفا في مطار بنينة، إن باقي أقاربه، وعددهم 25 من الرجال والسيدات والأطفال، ما زالوا ينتظرون في إمساعد، لأن السلطات المصرية ترفض دخولهم، وتطلب منهم العودة لليبيا مرة أخرى.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.