معركة «كسر عظم» بين رأسي السلطة في تونس

تساؤلات عن كيفية حسمها بعد انحياز حزب الرئيس إلى النقابات... ضد الحكومة

معركة «كسر عظم» بين رأسي السلطة في تونس
TT

معركة «كسر عظم» بين رأسي السلطة في تونس

معركة «كسر عظم» بين رأسي السلطة في تونس

«الشعب يريد إسقاط النظام»... «ارحل»... «خبز وحرية وكرامة وطنية»... هذه الشعارات التي رُفِعت بمناسبة «انتفاضة 2011» في تونس التي مهّدت لاندلاع انتفاضات ما عُرف بـ«الربيع العربي» عادت لتطفو على السطح في خضم المظاهرات والاضطرابات التي تشهدها تونس للمطالبة بالزيادات في الأجور والإطاحة بحكومة الائتلاف الوطني الجديدة التي شكلها يوسف الشاهد... رغم معارضة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي وحزبه الليبرالي... حزب «نداء تونس».
وفي أعقاب تلويح «المركزية النقابية» بإضراب عام جديد خلال شهر فبراير (شباط) المقبل وإعلان قيادات في حزب الرئيس دعمها لها أضحى المراقبون السياسيون في تونس يطرحون علامات استفهام حول ما إذا كانت الحكومة الحالية قادرةً على الصمود حتى تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في وقت لاحق من العام الحالي... أم ستنهار تحت وطأة معركة «كسر العظام» بين رأسي السلطة التنفيذية من جهة وبين أنصار يوسف الشاهد والمركزية النقابية من جهة ثانية.
إلى أين تسير تونس؟ وهل سيتوصل الأفرقاء إلى حل الأزمة الراهنة سياسياً وتهيئة ظروف انطلاق السباق الانتخابي في ظروف عادية؟ أم ستزداد أزمات البلاد تعقيداً وتؤجل الانتخابات أو تلغى... وبذا ينهار النظام السياسي والنموذج التونسي للديمقراطية والتعدّدية؟

رغم الدعوات التي توجّه بها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي لتجنيب البلاد المخاطر الأمنية والسياسية للإضرابات والإضرابات العامة، تتابع بلاغات حزبه «نداء تونس»، وتصريحات زعمائه إعلان انحيازها لمطالب النقابات وتحركاتها.
كذلك صعّد المقرّبون من الرئيس، مثل بوجمعة الرميلي ورضا بالحاج وعبد الرؤوف الخماسي، اتهاماتهم للحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد والغالبية البرلمانية الموالية له بزعامة حزب «حركة النهضة» الإسلامي، بانتهاج سياسة «ليبرالية متوحشة» والابتعاد عن النزعة الاجتماعية الشعبية التي نصّ عليها البرنامج الانتخابي لحزب «نداء تونس» في انتخابات 2014.
في الوقت نفسه، طالب قياديون في حزب الرئيس قائد السبسي، الذي يتزعمه حالياً نجله حافظ، بإقالة الحكومة وتغيير رئيسها، بعدما حمّلوها والأحزاب التي تشكِّل «حزامها» السياسي، مسؤولية فشل المفاوضات مع النقابات و«التسبّب» في حمّى الإضرابات، لا سيما في قطاعات التربية والتعليم والفوسفات. ثم في تنظيم إضرابٍ عامّ يوم 17 يناير (كانون الثاني) الحالي شل جميع المطارات والموانئ والإدارات والمؤسسات العمومية في أغلب المدن.

- انفلات أمني وإعلامي
اليوم تخشى أوساط كثيرة في تونس من الانفلات الأمني والإعلامي في صورة تنفيذ قرار تنظيم الإضراب العام الجديد يومي 21 و22 فبراير المقبل، وتمديد الاضطرابات والصدامات بين الطلاب وعائلاتهم ورجال التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات، بسبب امتناع نقابة الأساتذة - ومنخرطيها المائتي ألف - عن تنظيم الامتحانات في ظروف عادية للعام الثالث على التوالي.
ولقد تبنّت أغلب قيادات الأحزاب والأطراف السياسية مطالب النقابات، بما في ذلك بعض أنصار رئيس الحكومة في البرلمان من اليساريين المعتدلين والليبراليين والإسلاميين، وذلك بعدما تبين أن الطبقة الوسطى فقدت أكثر من 40 في المائة من قدرتها الشرائية خلال السنوات القليلة الماضية. بيد أن البرلمانيين المنتمين إلى كتلة رئيس الحكومة بزعامة النقابي مصطفى بن أحمد، يحذّرون مع رئيس الكتلة البرلمانية لـ«حركة النهضة» الوزير السابق نور الدين البحيري وحلفائهم في حزب «مشروع تونس» اليساري من مخاطر التوظيف «السياسي والحزبي والانتخابي» للإضرابات من قبل بعض النقابيين والسياسيين الموالين لقائد السبسي و«نداء تونس» في معركتهم ضد الشاهد ومشروعه السياسي الانتخابي.

- تحذيرات من تأجيل الانتخابات
في هذه الأثناء، أعرب رئيس الحكومة وزعماء الأحزاب المتحالفة معه، وبينهم زعيم حزب «المبادرة» الوزير كمال مرجان، والوزير السابق محسن مرزوق، زعيم حزب «مشروع تونس» اليساري المعتدل، ورئيس حزب «حركة النهضة» راشد الغنوشي، عن إرادة لتجنب قطع شعرة معاوية مع الرئيس قائد السبسي ومؤسسة رئاسة الجمهورية «على الرغم من الاختلافات السياسية».
لكن هؤلاء الزعماء السياسيين حذّروا بحزم من محاولات خصومهم - المتحالفين مع رئاسة الجمهورية ومع قيادة حزب «النداء» - من مخاطر الضغط مجدّداً من أجل الإطاحة بالحكومة التي صادق عليها ثلثا أعضاء البرلمان قبل 3 أشهر فقط. ومن ثم، اعتبروا أن تغييرها الآن سيعني تهديداً للتوازنات العامة في البلاد وتوريطاً للطبقة السياسية في خلافات خطيرة. بل، أكثر من هذا، يفتح الباب أمام مزايدات قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقرّرة في الربع الأخير من العام الحالي أو إلغائها.
ومن جهته، أعرب يوسف الشاهد ووزراؤه عن استعدادهم للحوار والتفاوض مع النقابات والموافقة على «زيادات معقولة» في الأجور لا تؤدي إلى استفحال معضلة التضخم المالي، الذي تضاعف خلال السنوات الأربع الماضية، وارتفع من نحو 4 في المائة إلى نحو 5.7 في المائة. وكانت الزيادات الكبيرة في الأجور وخسائر البلاد - من جراء الإضرابات في قطاعات الفوسفات والمحروقات (الوقود) والنقل والخدمات - في طليعة العوامل التي أدت إلى مثل هذا التضخم، ما أسهم في ترفيع نسب الفقر والبطالة وفي تدهور مناخ الأعمال والاستثمار.

- حزب الرئيس والنقابات في المعارضة
من جهة ثانية، إذا كان السباق الانتخابي بين قصري الرئاسة في قرطاج والحكومة في القصبة وراء «معارك كسر العظام» بين رأسي السلطة التنفيذية منذ سنة كاملة، فإن مأزق تونس الجديد قد يتمثّل في تصدع التحالفات السياسية القديمة وبروز تحالفات جديدة، وصفها الفنان الكبير لطفي بوشناق وعدد من المثقفين التونسيين، بـ«الغريبة جداً».
فلقد تحوّل حزب الرئيس التونسي والمركزية النقابية إلى قطبٍ معارض لرئيس الحكومة يوسف الشاهد ومشروع الحزب الذي من المتوقَّع أن يؤسسه الشاهد، بعد أيام، تحت تسمية «أمل تونس» بالاشتراك مع مئات المنشقين عن حزب «النداء» وعن أحزاب ليبرالية ويسارية وسطية مثل الحزب الجمهوري.
ومن المفارقات أن قيادة «حركة النهضة»، التي توافقت منذ صيف 2013 مع الرئيس قائد السبسي وحزبه (النداء) وقبلت المشاركة معه في حكومات ما بعد انتخابات 2014، انحازت ضده منذ نصف سنة، واصطفت إلى جانب رئيس الحكومة الشاب (الشاهد)، رغم معارضة نخبة من زعمائها بينهم المستشار السياسي لرئيس الحركة الوزير السابق لطفي زيتون ورئيس المكتب السياسي نور الدين العرباوي. واللافت هنا، أن بعض زعماء «حركة النهضة»، مثل الوزير السابق للخارجية رفيق عبد السلام والبرلماني حسين الجزيري، أعلنوا ترحيبهم بتأسيس الشاهد حزباً جديداً، وأيدوا حقه في المشاركة بالسباق الانتخابي المقبل. غير أن الغنوشي، رئيس الحركة، وعدداً من المقرّبين منه، مثل رئيس الحكومة السابق علي العريّض، يرون أن الشاهد قد يضطر إلى مغادرة رئاسة الحكومة إذا ما اختار الترشح للانتخابات المقبلة أو توظيف أجهزة الدولة في معركته الانتخابية. وهكذا، اقترب الغنوشي ورفاقه مجدّداً من مواقع الرئيس قائد السبسي وقادة حزبه الذين حذّروا رئيس الحكومة ووزراءه من تأسيس حزب سيكون عملياً «حزب الدولة»، وبالتالي توظيف كوادر الحكومة الحالية للتأثير على الناخبين، بما في ذلك عبر تدشين مشاريع وإنجازات جديدة لفائدة الفئات الفقيرة والطبقات الوسطى والجهات الداخلية المحرومة لأغراض انتخابية.

- عودة شعارات «ارحل» و«إسقاط النظام»
في اتجاه موازٍ، رغم تنويه أمين عام نقابات العمال نور الدين الطبوبي ورئاسة الحكومة وزعيم «حركة النهضة» بأنه لم تُسجّل حوادث عنف وأعمال تخريب إبان الإضراب العام الذي وقع يوم 17 يناير، اندلعت مواجهات سياسية وكلامية خلال الاجتماعات النقابية والمظاهرات بين أنصار بعض الأحزاب اليسارية وحزب «نداء تونس» الموالي لرئاسة الجمهورية من جهة... وأنصار الحكومة و«حركة النهضة» من جهة ثانية.
وبلغت معركة «كسر العظام» ولعبة «خلط الأوراق» أوجها عندما تطوّرت الشعارات الأساسية قبالة رئاسة الحكومة وفي الشارع الرئيسي للعاصمة والتجمّعات الكبرى للنقابيين من المطالب الاجتماعية إلى شعارات سياسية «ثورية» من نوع «ارحل» و«حكومة الشاهد ديغاج» (أي «ارحلي!»).
أكثر من هذا، رفعت شعارات تتهم زعماء «حركة النهضة» - من جديد - بالضلوع في العنف والإرهاب وقتل المعارضين اليساريين والقوميين شكري بلعيد ومحمد الإبراهمي في عام 2013. والمُلاحَظ هنا، أن أمين عام اتحاد النقابات نور الدين الطبوبي - المعروف تاريخياً باعتداله ووسطيته - لم يتدخّل لمنع أو وقف مثل هذه الشعارات. وهو ما اعتبره المراقبون تزايد تأثير القياديين الموالين لأقصى اليسار النقابي داخل «المركزية النقابية» وقيادة بعض النقابات، مثل التعليم.
كذلك، لم يمنع الزعماء النقابيون مشاركة قياديين بارزين من «الجبهة الشعبية» اليسارية بزعامة حمّة الهمامي والبرلماني الجيلاني الهمامي، ومن حزب قائد السبسي في اجتماعاتهم، بينهم البرلمانية أنس الحطاب الناطقة الرسمية باسم الحزب. وانتقدت شخصيات علمانية، مثل الإعلامي والناشط السياسي زياد الهاني، انخراط حمه الهمامي المنسّق العام لـ«الجبهة الشعبية» اليسارية ورفاقه في المعارك بين رأسي السلطة التنفيذية، وفي مسار التهجّم على قيادات سياسية وحزبية، بينها محسن مرزوق زعيم حزب «مشروع تونس» اليساري المعتدل وسمير الطيب زعيم حزب «المسار» (الشيوعي سابقاً) وزعماء «حركة النهضة»... «من دون تقديم حجج وإثباتات».

- معارك بورقيبة مع خصومه
على صعيد متصل، شهد السباق والصراع بين الأفرقاء السياسيين الليبيراليين واليساريين بصورة متزايدة محاولة لاستخدام «ورقة التاريخ»، وبالذات، إرث الزعيم المؤسس للدولة التونسية الحديثة الحبيب بورقيبة في معاركه مع بعض مشايخ جامع الزيتونة. وفي هذا الاتجاه، أعلن محمود البارودي ومقرّبون من رئيس الحكومة أن الشاهد وأنصاره، بزعامة الوزير مدير الديوان الرئاسي السابق سليم العزابي، سيجتمعون بعد أيام في موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة، للكشف عن مشروعهم السياسي والانتخابي، وليعلنوا تأسيس حزب «أمل تونس» الذي «سيكون وفياً لسياسات بورقيبة الحداثية والعلمانية ومعارضاً للتيارات الإسلامية المحافظة».
وبالتزامن مع هذا التطوّر، أكد حافظ قائد السبسي نجل الرئيس التونسي والمقرّبون منه، مثل رجل الأعمال بوجمعة الرميلي وسلمى اللومي الوزيرة مديرة الديوان الرئاسي الجديدة، أن حزب الرئيس (بدوره) سيعقد مؤتمره الانتخابي مطلع شهر مارس (آذار) المقبل في مدينة قصر هلال، الواقعة في ضواحي مدينة المنستير، مسقط رأس الحبيب بورقيبة. كذلك، صعّد محسن مرزوق، زعيم «مشروع تونس» حالياً والأمين العام السابق لحزب «النداء»، نسّق تحرّكاته وطنياً وجهوياً دعماً لحزبه الذي يعتبره الأجدر بوراثة حزب قائد السبسي والتراث التحديثي لبورقيبة.
وهكذا يتضح أن الصراعات بين «الإخوة الأعداء» قد تطوّر ليشمل حتى بعض حلفاء الشاهد و«حركة النهضة». ويبدو التنافس على أشده بين العلمانيين حول كسب ثقة ثلثي الناخبين ممن تصنفهم استطلاعات الرأي بالمناهضين لكل مشاريع «الإسلام السياسي» و«التيارات الإسلامية المحافظة».

- أوراق جديدة
لكن من مفاجآت المعارك السياسية الجديدة بين النقابات والحكومة من جهة، و«رأسي» السلطة التنفيذية من جهة أخرى، استخدام بعض اللاعبين أوراقاً جديدة، من بينها تلويح زعماء نقابيين وحقوقيين بالترشح للرئاسة، والمشاركة بقوة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة والتأثير فيها، رغم اعتراضات زعماء تاريخيين من اليسار النقابي، مثل عبيد البريكي.
وحقاً، بمجرد إعلان زعيم «حركة النهضة» راشد الغنوشي عزوفه عن الترشح، وأن حركته ستدعم أحد المتنافسين للرئاسة «في الوقت المناسب»، تعاقبت الإعلانات عن نيات الترشح. وفتحت عدة أطراف سياسية خطوط تفاوض جديدة مع قيادة الحركة وحلفائها، بما في ذلك بعض أنصار الرئيس قائد السبسي الذي سبق أن أعلن في سبتمبر (أيلول) الماضي القطيعة معهم، بسبب انحيازها لرئيس الحكومة الشاهد ضده.
ومن المتوقَّع، وفق كثيرين، أن يتعقد المشهد أكثر خلال الأسابيع القليلة المقبلة في صورة فشل الوسطاء بوقف الأزمة المستفحلة بين أجنحة «نداء تونس» الذي فاز في انتخابات 2014.
وبالفعل، يخشى زعماء التيارات العلمانية الليبيرالية واليسارية أن تفرز الانتخابات في ظل هذا الانقسام والتشرذم فوز مرشحي «حركة النهضة» بالغالية البرلمانية، ما سيمكّنها من التحكم في البرلمان والحكومة خلال السنوات الخمس المقبلة.

- «السيناريو الأخطر» و«الورقة الدولية»
تصريحات بعض الزعماء النقابيين والسياسيين في وسائل الإعلام التونسية والدولية، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي القياديين في اتحاد الشغل، تعبر راهناً عن الحرص على إشراك «الاتحاد التونسي للشغل» في المعركة الانتخابية المقبلة. كذلك تراهن شخصيات قيادية في «نداء تونس» مثل رضا بالحاج وسليم الرياحي وأنس الحطاب وبوجمعة الرميلي، على أن يحصل «القطب الحداثي - النقابي الاجتماعي السياسي» على دعم أكبر من قبل رجال الأعمال في تونس، ومن العواصم العربية والدولية المناوئة لـ«الإسلام السياسي».
وفي المقابل، حذرت شخصيات سياسية وإعلامية كثيرة من «السيناريو الأخطر» ألا وهو توافق عدد من كبار صنّاع القرار في تونس من أجل «تأجيل» الانتخابات أو إلغائها. وحول هذه النقطة سرّبت وسائل إعلام تونسية ودولية كثيرة قريبة من قياديين في الحزب الحاكم، وأيضاً من المعارضة النقابية واليسارية، أن رئاسة الجمهورية «قد تضطر» إلى إعلان خطوات في هذا الاتجاه تحت حجة «تعرض البلاد إلى خطر داهم».
ويمكن اعتبار الاضطرابات الاجتماعية ومعركة «كسر العظام» داخل مؤسسات الدولة السيادية من بين مؤشرات هذا «الخطر الداهم». وفي هذه الحالة قد تضرب رئاسة الجمهورية والقوى الحليفة لها عدة عصافير بحجر واحد:
- تمديد فترة بقاء قائد السبسي لمدة سنة أو سنتين.
- إسقاط الحكومة السياسية الحالية وتعويضها بحكومة «تكنوقراطية» تضم مستقلين عن كل الأحزاب.
- إجهاض مشروع تأسيس حزب يوسف الشاهد.
- إبعاد «حركة النهضة» وحلفائها عن مؤسسات الدولة.
ولكن النتيجة ستكون واقعياً إسقاط النظام السياسي التعددي والتوافقي المعتمد منذ انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2011.

- هل تنقذ القمة العربية حكام تونس أم تعمّق أزمتهم؟
> بعد فشل القمة الاقتصادية والتنموية العربية، التي عُقِدت أخيراً في العاصمة اللبنانية بيروت، فتح جدل داخل الطبقة السياسية التونسية وصناع القرار حول القمة العربية العادية المقرّر عقدها في تونس خلال مارس المقبل، إذ ثمة من يرى أنه ينبغي تأجيلها والاعتذار عن استضافتها كي لا تعمّق الصراعات بين «رأسي» السلطة التنفيذية والأحزاب المشاركة في الحكومة؟
جدير بالذكر أن القوى التونسية المؤيدة لاستضافة هذه القمة تتوقع حصول تونس على دعم مالي يساعدها على تلبية مطالب النقابات وتغطية حاجاتها المالية الملحّة، وبينها نحو 10 مليارات دولار أميركي لتسديد ديونها الخارجية.
وفي المقابل يتوقع معارضو استضافتها أن تكون فاشلة، على غرار قمة بيروت، بسبب التغيب المتوقع لمعظم الملوك والرؤساء العرب. كذلك، يتخوّف هؤلاء من أن يعمّق فشل القمة الصراعات الداخلية داخل السلطات التونسية والأحزاب المشاركة في الحكومة بسبب حدة الانقسامات داخل تونس. ومن جهة أخرى، يخشون أيضاً تسبّبها في توتير العلاقات مع بعض العواصم العربية فيما يتعلق ببعض المواضيع الحارقة، مثل مستقبل العلاقة مع إيران، والملف السوري وملف السلطة الفلسطينية وحركة حماس، وملف «القوى» الليبية المتصارعة، وملفات الخلافات الخليجية، والخليجية – التركية، والجزائرية - المغربية.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.