«العمل الدولية» تريد الإنسان لا «الروبوت» محور السياسات

طالبت مع اقتراب احتفالها بمئويتها الأولى بـ«إجراءات حاسمة» للتصدي لـ«انعدام المساواة»

رايدر ورامافوزا خلال إعلان التوصيات في جنيف أمس (الشرق الأوسط)
رايدر ورامافوزا خلال إعلان التوصيات في جنيف أمس (الشرق الأوسط)
TT

«العمل الدولية» تريد الإنسان لا «الروبوت» محور السياسات

رايدر ورامافوزا خلال إعلان التوصيات في جنيف أمس (الشرق الأوسط)
رايدر ورامافوزا خلال إعلان التوصيات في جنيف أمس (الشرق الأوسط)

حذّرت منظمة العمل الدولية، أمس، من انعكاسات التغييرات التي يشهدها قطاع العمل حول العالم، بما في ذلك التحوّل المتزايد نحو الاعتماد على «الروبوت» مكان الإنسان، على تماسك المجتمعات، معتبرة أنه «إذا لم تُتخذ إجراءات حاسمة، فإننا سنتجه نحو عالم من شأنه أن يُوسع نطاق الحالات القائمة لعدم المساواة وانعدام اليقين».
وأطلقت المنظمة، وهي إحدى وكالات الأمم المتحدة، هذا التحذير في مؤتمر صحافي عقدته في مقرها بجنيف، وقدّمت خلاله مجموعة توصيات خلصت إليها «اللجنة العالمية المعنية بمستقبل العمل» التي يرأسها رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا ورئيس حكومة السويد ستيفان لوفين. ومن المقرر تقديم هذه التوصيات إلى اجتماع للدول الـ187 المنضوية في إطار المنظمة لتبنيها في يونيو (حزيران) المقبل، بمناسبة مرور 100 عام على تأسيس المنظمة.
وأوضح رامافوزا، أن المهمة الأساسية التي عملت عليها اللجنة على مدى 15 شهراً، هي دراسة التحديات التي تواجه قطاع العمل وكيفية التعاطي معها. وأشار إلى أن «هناك عوامل تغيّر في طبيعة العمل في أنحاء العالم. هناك قوى تغيير وتطورات تمثل تحدياً، لكنها في الوقت ذاته توفر فرصاً (لخلق وظائف جديدة). إن التغيير يأتي مع تحديات، وهذا ما عملت اللجنة على التعاطي معه. إن مستقبل مجتمعاتنا يعتمد على طريقة تعاملنا مع قطاع العمل، وهذا يعني أن نضع برنامج عمل يركّز على الإنسان». وأضاف: «نقترح أن يكون الإنسان هو المحور وليس الآلة».
أما رئيس المنظمة غاي رايدر، فقال: إنها قررت عام 2017 أن تجعل مستقبل العمل محور الاحتفال بمئويتها، مضيفاً: «نعرف أن الناس تعيش متغيرات في عالم العمل. (السؤال هو) كيف يمكن التعامل مع هذه التحديات، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية؟».
ولفت إلى أن التوصيات التي قدمتها اللجنة تركز على «ضرورة الاستثمار في المقدرات البشرية، وضرورة تحقيق المساواة بين الجنسين، والتعامل مع طبيعة العمل وفق التكنولوجيات الجديدة. التحديات كبيرة جداً. والتوصيات طموحة أيضاً». وتابع: «سنعود إلى اجتماع في يونيو لتبني التوصيات وتقديم القرارات في الذكرى السنوية المائة لتأسيس المنظمة»، مشيراً إلى أن مؤسسي المنظمة تحدثوا عند قيامها قبل مائة عام عن أهمية تحقيق العدالة الاجتماعية لتفادي تعريض السلام والوئام الدوليين للخطر بسبب الظلم والحرمان الذي يلحق بأعداد كبيرة من الناس و«هذا يبقى هدفنا اليوم».
ورداً على سؤال عن الاستخدام المتزايد لـ«الروبوت» محل الإنسان في قطاعات العمل، قال رايدر: إن «السؤال الذي يتكرر اليوم هو هل سأخسر عملي بسبب الروبوت؟ رأيي ورأي اللجنة العالمية، أن هذه ليست الطريقة المثلى للتعامل مع هذا التحدي. لن ندخل كمنظمة في تحديد عدد الوظائف التي ستتم خسارتها بسبب الروبوت. هناك تقديرات مختلفة في شأن هذه الأرقام. لكن مستقبل العمل لن يتحدد من خلال التقدم التكنولوجي فقط. هذا سيعتمد على السياسات التي سيتم اتخاذها. ومن المحتمل أن نخلق فرص عمل جديدة إذا أخذنا القرارات الصحيحة من خلال وضع الإنسان في المحور».
وعلى رغم تجنب رايدر تقديم أرقام عن الخسائر في الوظائف البشرية بسبب الاعتماد المتزايد على «الروبوت»، فإن تقرير «لجنة مستقبل العمل» أورد تقديرات مختلفة عن التحولات المستقبلية في سوق العمل. وبين هذه التقديرات «احتمال أن يُستعاض عن وظائف 47 في المائة من العمال في الولايات المتحدة بالآلات»، و«احتمال أن تتم أتمتة 56 في المائة من الوظائف على مدى السنوات العشرين المقبلة» في دول رابطة أمم جنوب شرقي آسيا. وتضمنت التقديرات أيضاً، أن «ثلثي الوظائف في العالم النامي قابلة للأتمتة»، وأن «قرابة 50 في المائة من الشركات تتوقع أن تؤدي الأتمتة إلى الحد بعض الشيء من قوتها العاملة بدوام كامل بحلول عام 2022».
وتحدث تقرير المنظمة بالتفصيل عن هذه التحديات، معتبراً أن «التطور التكنولوجي - الذكاء الاصطناعي والأتمتة والاعتماد على الإنسان الآلي - سيولّد وظائف جديدة، إلا أن الأشخاص الذين يفقدون وظائفهم في عملية الانتقال هذه قد يكونون أقل تأهباً لاغتنام فرص العمل الجديدة». وتابع: «لن تتلاءم مهارات اليوم مع وظائف الغد، وقد تصبح المهارات المكتسبة حديثاً غير قابلة للاستعمال خلال وقت قصير. ومن المرجح أن يوسع الاقتصاد الرقمي، إذا حافظ على مساره الحالي، الفجوات الإقليمية وبين الجنسين على حد سواء. ومن شأن مواقع العمل التشاركي والعمل الذي تديره التطبيقات، الذي يشكل اقتصاد المنصات، أن يُنعش ممارسات عمل القرن التاسع عشر، ويؤدي إلى ظهور أجيال من العمال الرقميين باليومية في المستقبل». ويشدد التقرير على أن «الانتقال إلى مستقبل عمل يحترم هذا الكوكب ويسعى إلى وقف تغير المناخ سيؤدي إلى إحداث المزيد من الخلل في أسواق العمل. ويُتوقع أن تسفر الزيادة في عدد الشباب في بعض المناطق عن تفاقم البطالة وضغوط الهجرة. ومن شأن تزايد شيخوخة السكان في مناطق أخرى أن يشكل ضغطاً إضافياً على نظم الضمان الاجتماعي والرعاية».
وأشار التقرير أيضاً إلى أن «معدلات البطالة تبقى مرتفعة بشكل غير مقبول وينخرط مليارات العمال في العمالة غير المنظمة. ويعيش 300 مليون عامل في فقر مدقع، وهذا عدد مذهل. ويعتبر الملايين من الرجال والنساء والأطفال من ضحايا الرق المعاصر... ولا تزال أجور النساء تقل عن أجور الرجال بنسبة 20 في المائة».
ولفت التقرير أيضاً إلى أن «190 مليون شخص عاطلون عن العمل (اليوم)، منهم 64.8 مليون من الشباب»، في حين أن «ملياري شخص يكسبون رزقهم في الاقتصاد غير المنظم». ورأى أنه «يتعيّن استحداث 344 مليون وظيفة بحلول عام 2030، إضافة إلى 190 مليون وظيفة لازمة للتصدي للبطالة اليوم». وتحدث عن الفجوة الرقمية في العالم، مشيراً إلى أن «53.6 في المائة فقط من الأسر لديها إمكانية الوصول إلى شبكة الإنترنت. وفي البلدان الناشئة، تصل هذه النسبة إلى 15 في المائة فقط».
وجاء في التقرير أيضاً، إن «هناك فرصاً لا حصر لها في المستقبل لتحسين نوعية الحياة المهنية وتوسيع نطاق الخيارات ورأب الفجوة القائمة بين الجنسين وإصلاح الأضرار الناجمة عن عدم المساواة على المستوى العالمي وأكثر من ذلك بكثير. ومع ذلك، فلن يحدث أي من ذلك من تلقاء نفسه. وإن لم تُتخذ إجراءات حاسمة، فإننا سنتجه نحو عالم من شأنه أن يوسع نطاق الحالات القائمة لعدم المساواة وانعدام اليقين».
وتابع: إن «تخضير اقتصاداتنا (التحوّل نحو اقتصاد غير ملوّث) سيولد ملايين الوظائف، بما أننا سنعتمد ممارسات مستدامة وتكنولوجيات نظيفة، لكن وظائف أخرى ستختفي ما دامت البلدان تحدّ من انبعاثاتها من الكربون والصناعات الكثيفة الموارد. والتغيّرات الديموغرافية ليست أقل أهمية. فقد يؤدي تزايد السكان الشباب في بعض مناطق العالم وتزايد شيخوخة السكان في مناطق أخرى إلى فرض ضغوط على أسواق العمل ونظم الضمان الاجتماعي... نحن في حاجة إلى اغتنام الفرص التي تتيحها هذه التغيرات التحويلية لتهيئة مستقبل أكثر إشراقاً، وتوفير الأمن الاقتصادي وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، وفي نهاية المطاف تعزيز نسيج مجتمعاتنا».
وقالت السيدة هيفاء الكيلاني، وهي العضو العربي الوحيد في لجنة المفوضين الـ27 الذين أعدوا التقرير الصادر أمس: إن التوصيات «تشدد على ضرورة الاستثمار في الإنسان من خلال دعم طاقات العنصر البشري». وأضافت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «لهذا السبب ركزنا في التقرير على موضوع التعليم. إننا نحقق مستوى تعليم جيداً في العالم العربي، لكن هناك ضرورة إلى بناء قدرات العمال للتكيف مع متطلبات العمل. التكنولوجيا الحديثة تأخذ وظائف من أسواقنا العربية، لكنها تخلق وظائف وفرصاً جديدة». وشددت على ضرورة «مشاركة المرأة العربية في الحياة العملية في المجالات كافة؛ فالمرأة نصف المجتمع ومطلوب أن تُعطى الفرص كافة التي تساعدها لتحقيق دورها»، مشيدة في هذا المجال بالسعودية والمساعدة التي تقدمها للنساء للعب أدوار في الحياة الاقتصادية في المملكة: «بما في ذلك إدارة مؤسسات تجارية كبيرة».
وقالت الكيلاني، وهي الرئيسة المؤسسة للمنتدى العربي الدولي للمرأة: إن «التكنولوجيا تأخذ فعلا فرص عمل مكان البشر، لكنها تخلق وظائف أيضاً. ومن هذا المنطلق، التنمية والاستقرار يتطلبان أن يكون الإنسان هو من يتحكم بالآلة وليس العكس».
وشدد التقرير على ضرورة «اغتنام اللحظة لإنعاش العقد الاجتماعي»، مشيرا إلى أن «إرساء هذا المسار الجديد يتطلب أن تتخذ الحكومات، وكذلك منظمات أصحاب العمل ومنظمات العمال، إجراءات ملزمة. ويتعين عليها أن تنعش العقد الاجتماعي الذي يمنح الأشخاص العاملين حصة عادلة من التقدم الاقتصادي والاحترام لحقوقهم والحماية من المخاطر مقابل إسهامهم المستمر في الاقتصاد».
واقترح «اعتماد برنامج عمل يركز على الإنسان من أجل مستقبل العمل، حيث يعزز العقد الاجتماعي من خلال جعل الناس والعمل الذي يضطلعون به في صميم السياسة الاقتصادية والاجتماعية وممارسة الأعمال». ويقوم برنامج العمل هذا على ثلاث دعامات من شأنها، كما قال معدو التقرير، «أن تحقق مجتمعة النمو والإنصاف والاستدامة لأجيال الحاضر والمستقبل». ومن هذه الدعامات «الحق الشامل في التعلم المتواصل الذي يمكّن الناس من اكتساب المهارات وتجديدها والارتقاء بها. ويشمل التعلم الرسمي وغير الرسمي من مرحلة الطفولة المبكرة والتعليم الأساسي إلى تعليم البالغين. وتقع على عاتق الحكومات والعمال وأصحاب العمل، فضلاً عن المؤسسات التعليمية، مسؤوليات تكميلية في بناء نظام فعال وممول تمويلاً مناسباً للتعلم المتواصل».
ومنها أيضاً ضرورة «زيادة الاستثمارات في المؤسسات والسياسات والاستراتيجيات التي من شأنها أن تدعم الناس خلال عمليات الانتقال المتصلة بمستقبل العمل. سيحتاج الشباب إلى المساعدة للتعامل مع عملية الانتقال الصعبة أكثر فأكثر من المدرسة إلى العمل. كما سيحتاج العمال المسنون إلى خيارات موسعة تمكنهم من البقاء نشطين اقتصادياً طالما يختارون ذلك».
وتشدد هذه الدعامات على ضرورة «تنفيذ برنامج عمل تحويلي وقابل للقياس من أجل المساواة بين الجنسين. يبدأ عالم العمل داخل الأسرة. ويتعين على السياسات العامة، ابتداءً من إجازة الأبوة وانتهاء بالاستثمار في خدمات الرعاية العامة، أن تعزز تقاسم أعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر في المنزل لتحقيق تكافؤ حقيقي في الفرص في مكان العمل. ويشكل تعزيز صوت المرأة وريادتها والقضاء على العنف والتحرش في العمل، وتنفيذ سياسة شفافة في مجال الأجور شروطاً مسبقة للمساواة بين الجنسين. كما يلزم اتخاذ تدابير محددة لمعالجة المساواة بين الجنسين في وظائف الغد الممكنة تكنولوجياً».
وأكدت التوصيات ضرورة «توفير الحماية الاجتماعية الشاملة من الميلاد إلى الشيخوخة... وزيادة الاستثمار في العمل اللائق والمستدام تمشيا مع برنامج التنمية المستدامة لعام 2030».



النفط يقفز مع دخول الحوثيين خط المواجهة... وبرنت يقترب من 117 دولاراً

ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)
ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)
TT

النفط يقفز مع دخول الحوثيين خط المواجهة... وبرنت يقترب من 117 دولاراً

ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)
ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً، يوم الاثنين، مع تصاعد الأزمة في الشرق الأوسط ودخول المتمردين الحوثيين في اليمن خط المواجهة المباشرة، وسط مخاوف متزايدة من تدخل بري أميركي قد يستهدف المنشآت الحيوية للطاقة في إيران.

ومع دخول الصراع أسبوعه الخامس، أعلن الحوثيون استهداف مواقع استراتيجية في إسرائيل بصواريخ كروز وطائرات مسيرّة، مما أثار قلقاً دولياً من اتساع رقعة الحرب لتشمل البحر الأحمر؛ الممر الذي أعادت السعودية توجيه جزء كبير من صادراتها النفطية إليه لتجنب مضيق هرمز الذي أغلقته طهران فعلياً.

قفزة في العقود الآجلة

دفعت هذه التطورات أسعار الخام إلى أعلى مستوياتها منذ بدء الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. وقفزت العقود الرئيسية بأكثر من 3 في المائة، حيث اقترب سعر خام برنت من 117 دولاراً للبرميل (تحديداً 116.15 دولار)، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 3 في المائة ليصل إلى 102.61 دولار للبرميل.

تهديدات ترمب وجزيرة خرج

وما زاد من قلق الأسواق هي تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب لصحيفة «فاينانشال تايمز»، التي أبدى فيها رغبته في «السيطرة على النفط في إيران»، ملوّحاً بإمكانية الاستيلاء على جزيرة خرج، وهي محطة تصدير النفط الحيوية لإيران. وقال ترمب: «ربما نسيطر على جزيرة خرج وربما لا، لدينا خيارات كثيرة.. لكن هذا سيعني بقاءنا هناك لفترة».

مخاوف الإمدادات وتكاليف التأمين

ويرى محللون أن قدرة الحوثيين على تعطيل الملاحة عبر مضيق باب المندب، الذي يمر عبره نحو 12 في المائة من التجارة العالمية، تمثل المخاطر الأبرز حالياً. وأشار كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في مجموعة «بيبرستون» المالية، إلى أن الخلل في الإمدادات مقترناً بارتفاع حاد في تكاليف التأمين قد يدفع أسعار النفط لمستويات أعلى، خاصة وأن الصدمة الحالية لم تعد تقتصر على النفط وحده، بل تمتد لتشمل البتروكيميائيات والأسمدة.

ويأتي هذا التصعيد بعد فترة من الهدوء النسبي الأسبوع الماضي، عقب قرار ترمب تأجيل الهجوم على البنية التحتية للطاقة في إيران لمنح فرصة للمفاوضات، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة أعادت ملف «أمن الإمدادات» إلى الواجهة من جديد.


الدولار يتماسك مع ترقب الأسواق لحرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط

 أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)
TT

الدولار يتماسك مع ترقب الأسواق لحرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط

 أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)

استقر الدولار الأميركي بشكل عام يوم الاثنين، متجهاً نحو تحقيق أقوى مكاسبه الشهرية منذ يوليو (تموز)، وسط مخاوف المستثمرين من تداعيات حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط، مما أدى إلى انخفاض الين إلى ما دون مستوى 160 ينًا الحرج، وإثارة مخاوف من التدخلات الاقتصادية.

وقد شهدت الأسواق اضطراباً هذا الشهر بعد أن أدى الصراع فعلياً إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لنحو خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية، مما دفع خام برنت نحو أكبر ارتفاع شهري له، وأثار شكوكاً حول توقعات أسعار الفائدة.

امتدت الحرب، التي اندلعت إثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، إلى مختلف أنحاء الشرق الأوسط، مع تزايد المخاوف من هجوم بري ودخول الحوثيين الموالين لإيران إلى اليمن يوم السبت، مما زاد من حدة التوتر.

من جهتها، أعلنت باكستان استعدادها لاستضافة «محادثات جادة» لإنهاء الصراع في الأيام المقبلة، رغم تأكيد طهران استعدادها للرد في حال شنت الولايات المتحدة عملية برية.

لم تتأثر آراء المستثمرين بشكل كبير بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن واشنطن أجرت محادثات «مباشرة وغير مباشرة» مع إيران، وأن قادتها الجدد كانوا "معقولين للغاية".

وأدى ذلك إلى ارتفاع الدولار مع لجوء المستثمرين إلى الملاذات الآمنة هذا الشهر. وبلغ سعر اليورو 1.1512 دولار، متجهاً نحو انخفاض بنسبة 2.5 في المائة في مارس (آذار)، وهو أضعف انخفاض شهري له منذ يوليو.

وبلغ سعر الجنيه الإسترليني 1.32585 دولار، دون تغيير يُذكر خلال اليوم، ولكنه يتجه نحو انخفاض بنسبة 1.7 في المائة هذا الشهر. بلغ مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمة العملة الأميركية مقابل ست عملات أخرى، 100.14 في بداية التداولات.

وصرّح كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في شركة «بيبرستون»، بأن «اللافت للنظر هو سرعة تغير الاحتمالات. فقبل أسبوعين فقط، كان يُنظر إلى إرسال قوات أميركية برية إلى إيران على أنه احتمال ضعيف. لكن هذا الوضع تغيّر بشكل واضح، مما يُعزز ضرورة أن تبقى الأسواق منفتحة على جميع الاحتمالات. وتتمثل الاستراتيجية في بيع الأسهم عند ارتفاع أسعار المخاطر والحفاظ على تحوّطات ضد التقلبات».

التركيز على النفط

في الوقت الراهن، ينصبّ تركيز السوق بشكل أساسي على أسعار النفط، حيث استقرت العقود الآجلة لخام برنت عند 114.6 دولار للبرميل، بزيادة قدرها 58 في المائة تقريباً في مارس، مسجلةً بذلك أقوى ارتفاع شهري لها على الإطلاق.

وقال براشان نيوناها، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في شركة «تي دي» للأوراق المالية، «إن اتجاه الدولار من الآن فصاعدًا يعتمد ببساطة على أسعار النفط. فمع اتجاه أسعار النفط، يتجه الدولار».

أدت أسعار النفط المرتفعة إلى تجدد المخاوف من التضخم، ما دفع العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأميركية إلى البدء في تسعير مخاطر رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام، وهو تحول حاد عن بداية هذا العام عندما كان المتداولون يراهنون على خفضين محتملين لأسعار الفائدة في عام 2026.

في الوقت نفسه، يُولي المستثمرون اهتماماً متزايداً للتداعيات الاقتصادية طويلة الأجل لحرب مطولة.

وقال مارك تشاندلر، كبير استراتيجيي السوق في «بانوكبيرن كابيتال ماركتس»: «تجد البنوك المركزية نفسها في موقف بالغ الصعوبة: إذ تواجه أسعاراً تُشير إلى تشديد السياسة النقدية، بينما تُشير مؤشرات النمو إلى ضرورة توخي الحذر. إنها علامة فارقة للركود التضخمي، وقد ظهرت قبل أن يكون معظم المستثمرين مستعدين لها».

عودة الين الضعيف إلى دائرة الضوء

ارتفع الين الياباني إلى 159.77 ين للدولار بعد أن سجل 160.47 ين في وقت سابق من الجلسة، وهو أضعف مستوى له منذ يوليو (تموز) 2024 عندما تدخلت طوكيو آخر مرة في أسواق العملات.

وقد جاء هذا التراجع في ظل تصعيد اليابان لتهديدها بالتدخل في سوق الين، وإشارتها إلى أن المزيد من الانخفاضات في قيمة العملة قد يبرر رفع أسعار الفائدة على المدى القريب. وقد انخفض الين بأكثر من 2 في المائة في مارس وسط مخاوف من ارتفاع أسعار النفط.

وقال كبير مسؤولي السياسة النقدية في اليابان، أتسوكي ميمورا، إن السلطات قد تضطر إلى اتخاذ خطوات حاسمة إذا استمرت المضاربات في سوق العملات. بينما صرّح محافظ بنك اليابان، كازو أويدا، بأن البنك المركزي سيراقب عن كثب تحركات الين وتأثيرها على الاقتصاد والأسعار.

وفيما يتعلق بالعملات الأخرى، انخفض الدولار الأسترالي بنسبة 0.3 في المائة ليصل إلى 0.6851 دولار أميركي، متجهاً نحو تسجيل انخفاض شهري بنسبة 3.8 في المائة، وهو أكبر انخفاض له منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024. كما انخفض الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.4 في المائة ليصل إلى 0.57275 دولار أميركي، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 4.4 في المائة في مارس.


الذهب يسجل أكبر انخفاض شهري منذ 2008 نتيجة قوة الدولار وتضخم الطاقة

امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)
امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)
TT

الذهب يسجل أكبر انخفاض شهري منذ 2008 نتيجة قوة الدولار وتضخم الطاقة

امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)
امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار الذهب، يوم الاثنين، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى تأجيج المخاوف من التضخم وتراجع التوقعات بخفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام.

انخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 0.6 في المائة إلى 4466.99 دولار للأونصة بحلول الساعة 02:38 بتوقيت غرينتش. كما تراجعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 0.6 في المائة إلى 4496.30 دولار.

وقد خسر الذهب أكثر من 15 في المائة هذا الشهر، مسجلاً أكبر انخفاض شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008، مع ارتفاع قيمة الدولار الأميركي. وارتفعت قيمة العملة بأكثر من 2 في المائة منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وقال نيكولاس فرابيل، الرئيس العالمي للأسواق المؤسسية في شركة «إي بي سي»: «يكمن السبب الرئيسي وراء ضعف أداء الذهب في التحول الكبير في توقعات أسعار الفائدة... وقد تأثر الدولار الأميركي بذلك، وبما أن توقعات الذهب كانت مرتبطة أيضاً بأسعار الفائدة، مع توقعات بانخفاض سعر الفائدة في ظل رئيس جديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، فقد كان لذلك أثر سلبي على الذهب«.

ويرى المتداولون الآن أن فرص خفض سعر الفائدة الأميركي هذا العام ضئيلة، حيث تهدد أسعار الطاقة المرتفعة بتغذية التضخم العام والحد من نطاق التيسير النقدي. ويتناقض هذا مع التوقعات بخفض سعر الفائدة مرتين قبل بدء النزاع.

وبينما يعزز التضخم عادةً جاذبية الذهب كأداة تحوط، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يؤثر سلباً على الطلب على هذا المعدن الذي لا يدرّ عائداً. وارتفع سعر خام برنت فوق 115 دولاراً للبرميل بعد أن شن الحوثيون اليمنيون هجمات على إسرائيل خلال عطلة نهاية الأسبوع، مما وسّع نطاق الحرب الدائرة وزاد من حدة التضخم. وكان العقد قد ارتفع بنسبة 60 في المائة في مارس، مسجلاً بذلك ارتفاعاً شهرياً قياسياً.

وصرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مقابلة مع صحيفة «فاينانشال تايمز» نُشرت يوم الأحد، بأنه يريد «السيطرة على النفط في إيران» وقد يستولي على مركز التصدير في جزيرة خرج.

وقال فرابيل: «أشارت تحركات أسعار الذهب الأسبوع الماضي إلى رد فعل على عمليات البيع المفرط، واحتمال انعكاس الانخفاضات الأخيرة. ومع ذلك، يحتاج هذا إلى تأكيد من خلال تحركات الأسعار هذا الأسبوع. ونظرًا للتدفق السريع للأخبار، فمن الأسهل توقع تقلبات في الأسعار».

وانخفض سعر الفضة الفوري بنسبة 1.3 في المائة إلى 68.67 دولار للأونصة. وارتفع سعر البلاتين الفوري بنسبة 0.3 في المائة إلى 1868.11 دولار، وارتفع سعر البلاديوم بنسبة 1 في المائة إلى 1391 دولاراً.