إلياس مرقص... نموذج المفكر النقدي

ما إن يمر عام على رحيل علم من أعلامنا حتى تبدأ ذكراه بالبهوت

إلياس مرقص... نموذج المفكر النقدي
TT

إلياس مرقص... نموذج المفكر النقدي

إلياس مرقص... نموذج المفكر النقدي

قد يكون النسيان أسهل طريقة للحياة، كما قال عبد الرحمن منيف. وقد يكون شكلاً ما للحرية، كما قال جبران خليل جبران، لكنه قد يكون جهلاً، كما سبق أفلاطون إلى القول. وفي مثل ما أنا بصدده من الحديث عن إلياس مرقص، قد يكون النكران هو النسيان، أو هو الوجه الآخر له، إذْ ما إن يحول الحَوْل على رحيل علم من أعلامنا، حتى تبدأ ذكراه بالبهوت، ثم سرعان ما نُصاب بالبَهْت إن أتى أحدهم على ذكر الراحل الذي قد نكون بلوناه أيضاً في حياته بالنكران، كما هو الحال مع إلياس مرقص.
فلأبدأ من برزخ الرحيل، مقلداً بعض أفانين الرواية، فبذلك أرى إلياس مرقص لآخر مرة في بيته مع أصدقاء، منهم الكاتبان الراحلان بوعلي ياسين ويوسف الجهماني.
كانت حرب الخليج الثانية تجلجل وتزلزل منذ أسبوع. وكان إلياس يغالب المرض، ويسأل عن وقائع الحرب. وما إنْ شرعنا نتسابق في استظهار آيات الحرب التلفزيونية حتى لخص إلياس لنا مقالاً للفيلسوف الفرنسي جان بودريار كان قد نشره عشية الحرب في الليبراسيون، وجزم فيه أن الحرب لن تقع. وفيما تابع إلياس من الحديث عن الحرب، بدا كمن قرأ ما سوف يكتبه بودريار بعد شهور، فإذا بالحرب التي وقعت كأنها لم تقع!
في اليوم التالي (26-1-1991) رحل إلياس مرقص عن أربعة وستين عاماً، وعن كنز من التأليف والترجمة، عنوانه الوحيد هو الفكر النقدي. وكان إلياس قد أُوفد في البعثة السورية الأولى عقب الاستقلال إلى جامعة «بروكسل الحرة»، حيث تعرف فيها على الشيوعية. وعاد عام 1952 يضيق بطموحاته التي سرعان ما ضاق بها الحزب الشيوعي السوري، فطرد هذا الذي يطالب بالديمقراطية وينتقد الماركسية السوفياتية.
ولم يكتف الحزب بالتشهير بإلياس مرقص عميلاً لـ«CIA»، بل اعتدى عليه بلطجية الحزب.
ومن المفاصل المهمة في حياة إلياس مرقص، لقاؤه بياسين الحافظ (1930 - 1978)، أثناء أدائهما الخدمة العسكرية الإلزامية، وهذا ما مضى بالحافظ إلى الماركسية، كما سيمضي بالرجلين إلى كثير؛ كثير منه المشروع الثقافي الكبير: «دار الحقيقة للنشر»، الذي سيتولاه إلياس بعد الرحيل المبكر للحافظ.
لقد عنون «النقد» عدداً من المؤلفات السجالية الكبرى لإلياس مرقص، كما شكّل النقد مضمون سائر مؤلفاته، سواء تعلق الأمر بالفكر أم بالسياسة، وبالشيوعية أم بالقومية أم بالفلسفة. وقد كان كتابه الضخم «الماركسية والشرق - 1968» أول ما قرأت له، فأسهم في تربيتي النقدية، بينما كنت أخرج من الوجودية وأطرق باب الماركسية على إيقاع هزيمة 1967. قبل ذلك التمع بخاصة كتاب إلياس «نقد الفكر القومي عند ساطع الحصري - 1966»، ومثله كتاب «نقد الفكر المقاوم: عفوية النظرية في العمل الفدائي - 1970». وفي هذا السياق جاءت المعارك الفكرية التي خاضها إلياس مرقص مع صادق جلال العظم وناجي علوش وبسام طيبي وآخرين. كما تأتي في هذا السياق المخطوطات التي تركها. وأذكر أنه حدثني غير مرة عن خمسة دفاتر مخطوطة له في الموسيقى. وقد كانت الترجمة له صنواً لحقل التأليف، خصوصاً أن ما كان يكتب من مقدمات للكتاب المترجم ومن هوامش، كان يضاهي الكتاب نفسه بالحجم والأهمية.. ومن كثير أشير إلى «فلسفة عصر النهضة» لإرنست بلوخ، و«المؤلفات السياسية الكبرى» لجان جاك شيفاليه، و«تحطيم العقل» لجورج لوكاش في أربعة أجزاء، ومختارات من هيغل في جزأين، و«جاذبية الإسلام» لمكسيم رودنسون. ومما يضيئ تراث إلياس مرقص ما نُشِر بعد رحيله من دراسات عنه أو حوارات معه، ومن أشملها وأهمها ما كتبه عبد الله تركماني وعبد الله هوشه ونضال درويش، كذلك «حوار العمر: أحاديث مع إلياس مرقص» لجاد الكريم جباعي و«إلياس مرقص: حوارات غير منشورة» لطلال نعمة.
من الأفكار والأطروحات التي شغلت إلياس مرقص، وتتضاعف إليها الحاجة في زمن الزلزلة العربية الضاربة منذ عام 2011، ما قال في حاجة المثقف العربي إلى «كلمات - مخدات» يرتاح رأسه عليها، فينشئ قاموساً وثنياً شيئياً مانوياً، هو الأسوأ بين القواميس. فالمثقف يوثّن كلمات كبيرة ومتواترة في التداول، مثل: مادة، روح، قانون، شرع، ثورة، أصالة، حداثة، حزب، أمة، واقع، دين، تراث. ويمضي إلياس مرقص إلى أن «الأزمة» تكمن في المثقف العربي، وليس في الحزب الحاكم أو في النظام. وقد كان المجتمع المدني من شواغل إلياس مرقص الفكرية والسياسية، تأسيساً على أن تاريخ الإنسان، اليوم «يتخطى كثيراً مهمة تكوين وإتمام المجتمع المدني، أو بالأصح يتجاوزها بالمعنى الهيغيلي للكلمة: يبقيها ويحذفها ويتخطاها بآن». كما كتب في «المذهب الجدلي والمذهب الوضعي». وهو يذهب إلى أن المجتمع الغربي اليوم منتكس عن المجتمع المدني - اليورجوازي السابق. فالجانب التذرري والانخلاعي يغلب ويحمل توتاليتاريات جديدة وقديمة.
لهذا الحاضر الموّار ننادي من تراث إلياس مرقص ما قال في الثورة والحرية والليبرالية والديمقراطية والتقدم والتغيير والدين والجدل والمنطق واللغة: من قبله اشتقّ «ذوّت» من الذات، و«جوّن» من الجوّانية؟
من أسف أن علّتي النسيان والنكران تغيّبان صوته الذي طالما دوّى بسؤال الزلزلة الجوهري: «لماذا تخلّفتم بينما تقدم غيركم؟». ومن أسف أن هاتين العلتين تتعززان بافتقاد كتبه، فلا يبقى إلا مثل هذه اللحظة الشخصية، لكأني أمضي إلى حيث سُجّي في مقبرة الفاروس، في اللاذقية التي بلغ النكران بأوليائها أن بخلوا على إلياس مرقص بلوحة في رأس شارع أو واجهة مدرسة أو حديقة. ولكن ما همَّ، ما دامت اللحظة الشخصية تنبض في ذكرى الرحيل أو من دونها، بما يتجدد من حضور إلياس مرقص، وهو - مثلاً - يفتتح ليلة لا تنسى، كانت بصحبة الصديق حبيب عيسى في منزلي، فلا تفتر حماسة ولا ذاكرة، ولا دفقات إلياس مرقص حتى يصل السابعة مساءً بالسابعة صباحاً: اثنتا عشرة ساعة من نهر يتدفق في الفن والتربية - هو وأنا كنا نعمل مدرّسين - وما يعصف بسوريا آنئذٍ من الصراع المسلح بين «الإخوان المسلمين» والسلطة، وفي إفلاس التيارات - الأحزاب الشيوعية والماركسية والقومية والناصرية والبعثية والإخوانية وو.. وبعد تلك الليلة بقليل، أهلّ العام الدراسي الجديد (1-10-1979) بقانون «تبعيث» التربية، أي تنقية جحافل المعلمين والمدرسين من غير المنتسبين إلى حزب «البعث» الحاكم. وقد بدأ التطبيق بدور المعلمين والمعلمات، فَنُقِل إلياس مرقص من دار المعلمين في اللاذقية إلى التعليم الإعدادي في ثانوية جول جمال، ونُقِلْتُ من دار المعلمات إلى ثانوية للبنين، فقلت بعد أسبوع للمهنة التي أحببت وداعاً. وكابد إلياس مرقص إلى أن أشارت عليه زوجتي بالتقاعد الصحي، وهذا ما كان.
هذا ما كان من حياة ومن موت، أي مما لا يبلوه نسيان ولا نكران، ما دام المعني بالأمر هو المفكر النقدي إلياس مرقص.



لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
TT

لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)

تشير دراسة نفسية حديثة إلى أن طريقة استجابتنا للصدمات والأحداث القاسية لا تعتمد فقط على حجم التجربة نفسها، بل على المعتقدات الأساسية التي نحملها عن العالم مسبقاً. وتكشف النتائج عن أن الإيمان بأن العالم قابل للتحسين، وعادل، ويميل بطبيعته إلى التجدد قد يرتبط بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب عند مواجهة المرض أو العنف أو الخسارة، مما يسلّط الضوء على دور «المعتقدات الجوهرية» في تعزيز الصمود النفسي.

وفق تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، فإن علماء النفس لطالما ناقشوا أسباب هذه الفروق في التعامل مع الشدائد. ومن بين التفسيرات المطروحة ما تُعرف بـ«المعتقدات الأساسية عن العالم».

وتشير «المعتقدات الأساسية عن العالم» إلى التوقعات العميقة والعامة حول طبيعة العالم. وهي تشمل معتقدات مثل ما إذا كان العالم آمناً أم خطِراً، جميلاً أم قبيحاً، إضافةً إلى تصورات أخرى كثيرة.

ويميل كثيرون إلى افتراض أن المعتقدات السلبية عن العالم تنشأ نتيجة المرور بتجارب قاسية. بل إن نظرية نفسية كلاسيكية ظهرت في ثمانينات القرن الماضي تفترض أن الصدمات تُحطم المعتقدات الإيجابية عن العالم، وهو ما قد يزيد من القلق والاكتئاب.

غير أن مجموعة متزايدة من الأبحاث، بما في ذلك دراسة حديثة، تشير إلى احتمال مختلف: ربما لا تكون الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً، بل إن المعتقدات التي نحملها مسبقاً هي التي تحدد طريقة استجابتنا.

خلال السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الباحثين بفكرة أن هذه المعتقدات تعمل كمرشّحات نفسية تُشكل تفسيرنا للأحداث. فقد أظهرت دراسات سابقة أن الأشخاص الذين يرون العالم مكاناً خطِراً يبالغون في تقدير احتمال وقوع تهديدات كبرى، مقارنةً بمن يرونه آمناً. كما بيّنت دراسة أخرى أن من ينظرون إلى العالم نظرة أكثر سلبية، حتى ليوم واحد، يميلون إلى تفسير تصرفات شركائهم العاطفيين على أنها أقل دفئاً وكفاءة وأخلاقية.

لاختبار ما إذا كانت المعتقدات السابقة تُشكل الاستجابة للأحداث الصعبة -أم أن الأحداث الصعبة هي التي تُغير هذه المعتقدات- أُجريت دراستان تناولتا نوعين مختلفين جداً من الشدائد.

الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً (بكسلز)

في الدراسة الأولى:

شمل الاستطلاع 551 شخصاً يواجهون تحديات صحية كبيرة (مرضى سرطان، وناجون من السرطان، وأشخاص يعيشون مع التليف الكيسي)، وقورِنوا بـ501 شخص يتمتعون بصحة جيدة. وقدم المشاركون تقارير عن مستويات القلق والاكتئاب لديهم، إضافةً إلى معتقداتهم الأساسية عن العالم.

أما الدراسة الثانية:

فتناولت طلاباً في جامعة فيرجينيا الأميركية كانوا يشاركون في دراسة أخرى عندما وقع إطلاق نار داخل الحرم الجامعي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، مما أدى إلى مقتل ثلاثة طلاب وإصابة آخرين، وتعليق الدراسة لفترة. وتم تحليل إجابات الطلاب الذين كانوا يقيمون في الحرم الجامعي قبل الحادثة وبعدها.

النتيجة الأولى: المعتقدات الأساسية بالكاد تغيّرت

من أبرز النتائج أن معتقدات الطلاب عن العالم بقيت مستقرة إلى حد كبير، حتى بعد حادثة إطلاق النار. وبالمثل، لم تختلف معتقدات المصابين بالتليف الكيسي عن مجموعة الأصحاء. أما الأشخاص الذين كانوا يعانون من سرطان نشط فقد أبدوا معتقدات أكثر سلبية قليلاً، لكن هذه التغيرات لم تستمر لدى من دخلوا مرحلة التعافي.

تشير هذه النتائج إلى أن الأثر العاطفي للشدائد لا يبدو معتمداً على تغيّر المعتقدات الأساسية عن العالم.

النتيجة الثانية: المعتقدات السابقة تنبأت بمستوى الضيق النفسي

في كلتا الدراستين، ارتبطت المعتقدات الأساسية التي يحملها الأفراد مسبقاً ارتباطاً قوياً بمقدار الضيق الذي شعروا به. ولم يكن الأمر متعلقاً فقط بالإيمان العام بأن العالم «جيد» أو «سيئ»، بل كان أكثر تحديداً.

برزت ثلاثة معتقدات في الدراسة الأولى على وجه الخصوص:

- أن العالم قابل للتحسين (أي يمكن تغييره بجهود الإنسان).

- أن العالم عادل (أي إن الجزاء من جنس العمل).

- أن العالم يميل بطبيعته إلى التجدد والشفاء، لا إلى التدهور والانحلال.

الأشخاص الذين تبنّوا هذه المعتقدات الثلاثة أظهروا مستويات أقل بكثير من القلق والاكتئاب عند مواجهة مرض خطير، مقارنةً بمعتقدات أخرى مثل كون العالم آمناً أو جميلاً أو ذا معنى.

بل إن بعضهم لم يبدُ أكثر ضيقاً من أشخاص لم يمروا بمرض أصلاً.

وفي دراسة الحرم الجامعي، لم تتوافر بيانات عن جميع هذه المعتقدات، لكن الاعتقاد بأن العالم آمن برز بوصفه عاملاً حاسماً. فالطلاب الذين كانت ثقتهم بأمان العالم منخفضة أظهروا ارتفاعاً واضحاً في مستويات التوتر بعد الحادثة، فيما لم يُسجل من يؤمنون بأن العالم آمن تغيّراً يُذكر في مستويات الضيق.

في البداية، افترض الباحثون أن التفاؤل العام قد يفسر النتائج، لكن تبين أن التأثير الوقائي كان أكثر تحديداً من مجرد نظرة متفائلة عامة.

لماذا هذه المعتقدات تحديداً؟

اقترحت الدراسة أن هناك ثلاث طرق محتملة لتحسين الوضع عند وقوع حدث مدمر:

- أن يقوم الشخص نفسه أو غيره بإصلاح الوضع (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى قابلاً للتحسين).

- أن تتدخل قوة عليا أو عدالة كونية (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى عادلاً).

- أن يتحسن الوضع طبيعياً بمرور الوقت (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى ميالاً إلى التجدد).

هل يمكن تغيير هذه المعتقدات؟

رغم أن المعتقدات الأساسية لا تتغير كثيراً في الحياة اليومية، تشير الأبحاث إلى أنها قد تتبدل في ظروف معينة، مثل التدخلات العلاجية النفسية. ويطرح ذلك احتمال أن تنمية بعض هذه المعتقدات قد تعزز الصمود النفسي، إلا أن هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من البحث.

بالنتيجة، المرض والخوف والخسارة والصدمات المفاجئة جزء من الحياة. وتشير النتائج إلى طريقة جديدة للاستعداد لها: النظر إلى العالم على أنه قابل للتحسين، وعادل، وميال بطبيعته إلى التجدد.


مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».


حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».