أحمد طوغان: الحروب القادمة ستكون ثقافية وليست عسكرية

شيخ رسامي الكاريكاتير المصريين يرى أن المرحلة الحالية هي مرحلة اختبار للمثقفين

أحمد طوغان
أحمد طوغان
TT

أحمد طوغان: الحروب القادمة ستكون ثقافية وليست عسكرية

أحمد طوغان
أحمد طوغان

يعد فنان الكاريكاتير أحمد طوغان شيخ رسامي الكاريكاتير في مصر وأحد رواده في العالم العربي بحكم تاريخه الطويل الذي يتجاوز 60 سنة في ممارسة هذا الفن، وهي مسيرة حافلة بالإنجازات والإبداعات الصحافية والفنية الكبرى، نجح خلالها في خلق وظائف جديدة للكاريكاتير تتجاوز متعة الفكاهة والضحكة ليجعل منه احتجاجا ضد الفساد والظلم والانحراف من خلال تلميحات ريشته فيما بين الخطوط، وتقديرا لهذه الرحلة الإبداعية جرى تكريمه أخيرا بمنحه أرفع جائزة في مصر في مجال الفنون والعلوم الاجتماعية، وهي جائزة النيل. وبهذه المناسبة التقيت الفنان طوغان في بيته بحي المعادي بالقاهرة وأجريت معه هذا الحوار:
* رسمتَ مرسي جالسا على مكتبه وهو يدعو: «اللهم احمني من الإخوان والسلفيين، أما عكاشة ورفاقه فأنا كفيل بهم».
- من الكتب التي اعتز بها كتابي «قضايا الشعوب» في 1957، وفيه سجلت التاريخ بالرسومات وكانت مقدمته بقلم أنور السادات الذي كان وقتها رئيسا لمجلس الأمة.
* كمثقف، كيف كانت علاقتك بالأحداث المتسارعة التي مرت بها مصر؟
- المثقف يتأثر بالأحداث ولا يمكن أن يعيش في برج عاجي، وإن لم يرتبط المثقف بالناس فسيفقد دوره كمثقف، وصفته أيضا.
* هل انعكست تلك الأحداث على المشهد الثقافي المصري برأيك؟
- نعم مؤكد، فالمعركة ثقافية في المقام الأول، وللمثقف الدور الأول في تغيير الوضع، لأنه يمتلك الوعي لفهم ما يجري، ونظرته للأمور متقدمة وراقية، وأنا أعتقد أن الأمم تتجه للمنافسة في الفن والثقافة والرياضة وليس المنافسة في امتلاك الأسلحة؛ ولذلك فإن الحروب القادمة ستكون حروبا ثقافية.
* ولكن هناك من يرى أن المثقفين لم يقوموا بدورهم كما ينبغي؟
- من لا يقوم بدوره فسيرحل من المشهد، ولن يكون له مكان، نحن حاليا في فترة اختبار للمثقف وفي مرحلة فرز المثقف الحقيقي من غيره.
* هل ارتقت الأعمال الإبداعية لمستوى الثورتين المصريتين الأخيرتين مقارنة بالأعمال المعاصرة لثورة 1952؟
- لا بد أن نفهم أن الثقافة كالولادة تستغرق بعض الوقت، كما أن هناك فرقا بين ثورة يوليو (تموز) والثورتين الأخيرتين، فثورة يوليو كانت شبه انقلاب عسكري على الرغم من أنهم حاولوا تغيير بعض الأوضاع الاجتماعية للشعب، لكن ثورتي 25 يناير (كانون الثاني) و30 يونيو (حزيران) هما ثورتان شعبيتان، وهما أكثر عمقا في نفوس الناس وأكثر تأثيرا في ثقافتهم، ولكن المردود الثقافي سيظهر فيما بعد. وللعلم هناك كتب ورسومات في كل مكان وهى ظاهرة إيجابية، وحتى الآباء تغيرت نظرتهم لموضوع الرسم، ولم يعد مضيعة للوقت كما كانوا يرونه في الماضي، بل أصبحوا يشجعون أولادهم على الرسم والتعبير عن أنفسهم.
* هل حركتك إحدى هاتين الثورتين أو كلتيهما للتعبير عنها بريشتك؟
- طبعا تأثرت بهما ورسمت أعمالا كثيرا من وحيهما، فقضيتي طول عمري هي الناس، في عهد مبارك قمت بحملات هجوم ضد الحكومة بالكاريكاتير، وتناولت قضايا كثيرة مثل البطالة وقوارب الموت والفساد وسوء التعليم والرشوة، ولما جاء مرسى على كرسي الرئاسة رسمته وهو جالس على مكتبه وهو يدعو: «اللهم احمني من الإخوان والسلفيين أما عكاشة ورفاقه فأنا كفيل بهم»، في إشارة إلى التخوف من تدخل الإخوان وهو ما حدث للأسف فيما بعد.
* إلى أي مدى يحدث فن الكاريكاتير تأثيره؟
- له تأثير كبير، لأنه يحمل فكرا وتأملا وخلاصة عميقة ويحتاج إلى جهد كبير لتلخيص القضية بسرعة في خطوط وقد يحمل تنبؤا، فكاريكاتير مرسى، كنت أتنبأ فيه بما حدث وحمل تحذيرا، كما أنني تنبأت أيضا بمصير الاتحاد السوفياتي في أفغانستان بعد أن دخلوها، وأذكر أنني رسمت كاريكاتيرا بمناسبة دخول الروس أفغانستان تضمن رسما لعسكري روسي يهنئ زميله بدخول أفغانستان، فقال له زميله المهم: «تفتكر هنعرف نخرج!».
* بدأت ممارسة الكاريكاتير منذ سنوات طويلة فكيف كانت البداية؟ وهل واجهت صعوبات المنافسة في ظل ظهورك في عصر من العمالقة والرواد في فن الكاريكاتير؟
- من حسن حظي أني بدأت ممارسة فن الكاريكاتير مع أستاذي الرسام الكبير رخا، وهو أول رسام كاريكاتير مصري، وبعدها فتح الباب أمام المصريين، وأعترف أنه أثر فيّ كثيرا لقيمته الفنية والإنسانية. أما بالنسبة للمنافسة في عصر الرواد، فهي لم تكن موجودة، لأن عددنا كان قليلا، وكانت الرسومات محدودة أيضا وقاصرة على المجلات، كنت أول فنان كاريكاتير يرسم في جريدة يومية هي الأخبار عندما كنت أعمل مع الأخوين على ومصطفى أمين.
* وما تقييمك لحركة فن الكاريكاتير الآن؟
- طبعا عدد الفنانين زاد كثيرا، ولكن الصحف أيضا انتشرت وتنوعت وأتاحت فرصا أكبر للنشر أمام فناني الكاريكاتير، ولكنني أنتقد فيهم إحساسهم الزائد بأنفسهم، فمعظمهم للأسف مغرورون.
* إلى جانب ممارستك للرسومات الصحافية كانت لك تجارب في تأليف الكتب من واقع رحلاتك في المناطق الثورية بالعالم، فكيف تقيم هذه المرحلة؟
- بالفعل كانت لي تجارب في تأليف الكتب التي تندرج تحت مسمى «أدب الرحلات»، لأنها خلاصة لتجارب ذاتية ومشاهدات شخصية للدول التي زرتها وعاصرت أحداثها الساخنة، ومنها كتاب «أيام المجد في وهران» في الخمسينات من القرن الـ20، وتتعلق بمعايشتي للثورة الجزائرية، وكتبت أيضا عن اليمن وفلسطين، ومن الكتب التي أعتز بها كتابي «قضايا الشعوب» في 1957، وفيه سجلت التاريخ بالرسومات وكانت مقدمته بقلم أنور السادات الذي كان وقتها رئيسا لمجلس الأمة.
* على ذكر الرئيس السادات، كيف بدأت صداقتك به؟
- السادات من الشخصيات الفريدة التي تعرفت عليها في حياتي، فهو مثقف جدا ويجيد الإنجليزية والفرنسية والفارسية، وكان أحسن من سمعته يقرأ الشعر، لكنه كان متواضعا، وأذكر أول لقاء بيننا في منزل الفنان الشعبي زكريا الحجاوي، وذلك عام 1946 عقب خروجه مباشرة من السجن في قضية مقتل أمين عثمان، وتوالت لقاءاتنا خلال فترة فصله من الجيش، وكنا نلتقي في «مقهى محمد عبد الله» في أحد المناطق الشعبية مع يوسف إدريس، والحجاوي، وكان معنا صلاح جاهين، ومحمود السعدني، وأنور المعداوي.
* ما انطباعك عن السادات من واقع علاقتك الوطيدة به؟
- كان مثقفا ومهموما بقضايا الوطن، ولكنه كان كتوما لدرجة أنه بعد فترة من علاقتنا به اختفى عنا، ثم فوجئنا به بيننا بعد خمسة أشهر وهو بملابسه العسكرية بعد عودته للجيش، ثم عاد واختفى من جديد لفترة، حتى فوجئنا به يلقي بيان ثورة يوليو الأول من الإذاعة المصرية عام 1952، ودهشنا عندما عرفناه من صوته! ولكن من المواقف الغريبة في حياة السادات أنه عمل خلال فترة من حياته في مجال حمل الحجارة والرمال على كتفه، وشاء القدر أن يحمل على كتفه الحجارة من أسوان لنقلها إلى منطقة الهرم لبناء استراحة للملك فاروق، لتدور الأيام ويكون السادات هو من ألقى خطاب الثورة على هذا الملك!
* قدمت أعمالك في معارض كثيرة فما أقربها لقلبك خلال مسيرتك الإبداعية؟
- كل عمل من أعمالي له رسالة وهدف، وقد حرصت فيها جميعا أن تعبر عن قضايا الأمة وأحداث الساعة، وبعضها سبب لي مشكلات سياسية واتهمت بمعاداة السامية من قبل إسرائيل، بسبب رسومات عن العراق بعد سقوط بغداد، كما قدمت معارض عن القضية الفلسطينية من واقع زيارتي لفلسطين في الستينات من القرن الماضي، أحدثت أصداء عالمية واسعة.
* إلى جانب ممارستك للكاريكاتير.. هل مارست الفن التشكيلي؟
- بالفعل، فالفنان لا يعجز عن رسم شيء، المهم الفكرة التي تحركه. وكانت لي تجربة قبل ثلاثة أعوام تقريبا قدمت فيها معرضا كبيرا عن القاهرة في مرحلة الأربعينات، تلك المرحلة المقربة لقلبي، التي لم تعد ملامحها موجودة حاليا، وكانت حافلة بالرسوم المتنوعة لشخوص تلك الفترة ومفرداتها الحياتية البدائية مقارنة بالعصر الذي نعيشه.
* إذن ما الذي يشغلك الآن؟
- أنا حاليا مشغول بالانتهاء من طباعة مذكراتي التي تنشرها الدار المصرية اللبنانية، وتتضمن الكثير من الرؤى لما عشته وعاصرته من أحداث كثيرة عبر زمن طويل، وقد كتبتها بصفتي شخصا عاديا، وبكل حياد دونما تحيز لأي أحد.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».