عشرات القتلى والجرحى بهجوم انتحاري على قاعدة عسكرية وسط أفغانستان

الطيران الحربي يقصف مواقع لطالبان في ولاية أروزغان

آثار التفجير والخراب على المقر الرئيسي بالقاعدة العسكرية بولاية ميدان وردك غرب العاصمة كابل عقب التفجير الانتحاري أمس (إ.ب.أ)
آثار التفجير والخراب على المقر الرئيسي بالقاعدة العسكرية بولاية ميدان وردك غرب العاصمة كابل عقب التفجير الانتحاري أمس (إ.ب.أ)
TT

عشرات القتلى والجرحى بهجوم انتحاري على قاعدة عسكرية وسط أفغانستان

آثار التفجير والخراب على المقر الرئيسي بالقاعدة العسكرية بولاية ميدان وردك غرب العاصمة كابل عقب التفجير الانتحاري أمس (إ.ب.أ)
آثار التفجير والخراب على المقر الرئيسي بالقاعدة العسكرية بولاية ميدان وردك غرب العاصمة كابل عقب التفجير الانتحاري أمس (إ.ب.أ)

تصاعد مطرد في عمليات طالبان بعدد من الولايات الأفغانية مع التركيز على الاقتحامات والعمليات الانتحارية لاستهداف قادة ومسؤولين في الحكومة والقوات الأفغانية، ترافق ذلك مع انسداد الأفق في عملية السلام في أفغانستان بين طالبان والمبعوث الأميركي لأفغانستان زلماي خليل زاد. فقد لقي العشرات مصرعهم وجرح 30 آخرون في عملية منسقة لقوات طالبان على قاعدة عسكرية ومركز تدريب للقوات الخاصة الأفغانية في السابعة والنصف من صباح أمس الاثنين في ولاية ميدان وردك غرب العاصمة كابل. وقال موقع شبكة القوات المسلحة الأميركية إن معظم القتلى والجرحى في الحادث من أفراد الجيش الأفغاني، كما اعترف بذلك مدير الصحة في الولاية سليم أصغر خيل. ونقل أصحاب الإصابات الحرجة إلى العاصمة كابل لتلقي العلاج، فيما قال نصرت رحيمي، الناطق باسم الداخلية الأفغانية إن سيارة مفخخة هاجمت معسكرا للقوات الأفغانية وانفجرت داخله فيما تبع ذلك هجوم لمسحلي طالبان على القاعدة العسكرية، وإن اثنين من مقاتلي طالبان على الأقل قتلا بواسطة القوات الأفغانية.
ونقلت وكالة «باجهواك» الأفغانية عن محب الله شريفزي، الناطق باسم الحكومة الأفغانية، قوله إن سيارتين مفخختين أخريين كانتا في المنطقة وتمكنت القوات الأفغانية من منع تفجير إحداهما بينما فجرت القوات الأفغانية السيارة الثالثة مانعة وقوع إصابات أكثر في القاعدة. وقال محمد سالم أصغر خيل، مدير القطاع الصحي بالإقليم، إن 28 من مسؤولي الأمن أصيبوا ونقلوا إلى المستشفى. وأضاف لـ«رويترز»: «بالنظر إلى حجم الأضرار، فإن عدد الضحايا قد يزيد، ولا يزال فريقنا الطبي يبحث عن ضحايا». وقال أختر محمد طاهري، رئيس مجلس ولاية وردك، لوكالة الصحافة الفرنسية: «حتى الآن تظهر تقاريرنا أن 12 شخصا قتلوا و20 جرحوا، معظمهم من قوات الأمن الأفغانية». وأضاف أن «طالبان استخدمت عربة (هامفي) لاستهداف المجمع».
وقال مسؤول كبير من وزارة الدفاع الأفغانية إن أكثر من مائة من أفراد الأمن الأفغان قُتلوا عندما هاجم مسلحون من حركة طالبان مجمعاً عسكرياً في إقليم ميدان وردك بوسط أفغانستان أمس. وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم نشر اسمه: «لدينا معلومات بأن 126 شخصاً قتلوا في الانفجار داخل مركز التدريب العسكري». وقال مسؤول إقليمي أيضاً إن عدد القتلى أكثر من مائة. ورفض متحدث باسم الحكومة التعليق. وكانت الحكومة قالت في وقت سابق إن 12 شخصاً قُتلوا. وأعلنت حركة طالبان مسؤوليتها عن الهجوم.
وقال المتحدث باسم حاكم الولاية عبد الرحمن منقل إن الانفجار الكبير دمر القاعدة جزئيا.
ويأتي الهجوم غداة هجوم انتحاري استهدف موكب حاكم ولاية لوغر وأدى إلى مقتل 7 من حراس الأمن. وتتكثف المعارك بين قوات الأمن ومقاتلي طالبان في أنحاء البلاد خلال الشتاء القارس الذي عادة ما يشهد تراجع حدة القتال. وقال عضو مجلس الإقليم محمد ساردار باختياري والمتحدث باسم حاكم الإقليم عبد الرحمن مانجال، إنهما يخشيان وقوع خسائر بشرية، وإنه لم يتحدد بعد عدد القتلى أو المصابين. وقال باختياري إن الانفجار وقع في نحو الساعة السابعة والنصف صباحا بالتوقيت المحلي (03.00 بتوقيت غرينيتش) في مدينة ميدان شهر، عاصمة الإقليم، كما سُمع دوى طلقات نارية في المنطقة. وأضاف أن القاعدة تضم وحدة خاصة لوكالة الاستخبارات تتألف من نحو 150 رجلا.
وأعلن ذبيح الله مجاهد، الناطق باسم طالبان، مسؤولية قوات الحركة عن الهجوم عبر بيان وزعه على وسائل الإعلام. وأضاف ذبيح الله أن عددا من قوات طالبان تمكنوا من دخول القاعدة العسكرية بعد تفجير السيارة المفخخة واشتبكوا مع القوات الأفغانية فيها وتمكنوا من قتل كثير من الجنود الموجودين في القاعدة.
ويتمتع إقليم ميدان وردك بموقع استراتيجي على الطريق التي تربط كابل بالجنوب، ويعد ساحة انطلاق للتفجيرات الانتحارية التي ينفذها المتشددون في العاصمة. وتسيطر طالبان على القرى الجبلية القريبة من الإقليم. ويأتي الهجوم ضمن هجمات يومية تشنها قوات طالبان في معظم أنحاء أفغانستان، بعد انسداد الأفق أمام جهود المبعوث الأميركي لأفغانستان زلماي خليل زاد وفشله في إقناع طالبان بالموافقة على التفاوض مع الحكومة الأفغانية الحالية. وقد زادت حدة الهجمات التي تشنها طالبان، كما زادت الحكومة الأفغانية وقواتها من الهجمات لاستهداف مواقع وقيادات من طالبان بدعم من الطيران الأميركي في أفغانستان الذي بات يقصف يوميا مواقع مختلفة لطالبان في عدد من الولايات.
وتعمل حاليا وحدة من القوات البريطانية لتأمين الشخصيات المدنية المرافقة لقوات حلف الأطلسي في كابل، كما تعمل على تدريب القوات الأفغانية على أمور الحماية. ويصل تعداد الوحدة البريطانية الخاصة بالحماية إلى مائتي شخص وصلوا إلى أفغانستان في سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث ترابط قوات بريطانية يزيد عددها على ألف جندي وضابط.
، كما أعلنت الحكومة البريطانية سابقا عزمها زيادة عدد القوات البريطانية في أفغانستان بـ440 جنديا. وكان سلاح الجو الأفغاني أعلن قصفه مواقع لقوات طالبان في ولاية أروزغان وأن 30 من مقاتلي طالبان على الأقل لقوا مصرعهم في الغارات الجوية.
وحسب مصادر عسكرية، فإن طائرات من نوع A29 تابعة لسلاح الجو الأفغاني أغارت على مواقع طالبان في منطقة خاص أروزغان في الليل لمنع قوات طالبان من التصدي لها أو الحركة ليلا، مما سهل على الطيران الحربي الأفغاني استهدافهم. وتشهد ولاية أروزغان معارك ومواجهات يومية بين قوات طالبان والقوات الحكومية الأفغانية مدعومة من قوات حلف الأطلسي التي توفر لها الدعم والتوجيه إضافة إلى الغطاء الجوي، وتسيطر قوات طالبان على معظم أنحاء الولاية كما تسيطر على الطرق المؤدية إلى مدينة ترينكوت مركز الولاية.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...