ترجمة الشعر بنكهة أنثوية

مترجمات عربيات وجدن فيه مرآة للشغف بالحياة

ريم داوود - سماح جعفر - ضي رحمي - ناهد رحيل
ريم داوود - سماح جعفر - ضي رحمي - ناهد رحيل
TT

ترجمة الشعر بنكهة أنثوية

ريم داوود - سماح جعفر - ضي رحمي - ناهد رحيل
ريم داوود - سماح جعفر - ضي رحمي - ناهد رحيل

هل كانت فعلاً نكهة خاصة حين تترجم الشعر نساء؟ هل الأمر يتعلق بطبيعة وسيكولوجية المرأة عاطفياً وحساسيتها تجاه اللغة والعناصر والأشياء، ما يجعلها الأقرب للنفاذ لروح الشعر التي تنطوي على حساسية من نوع خاص، لأن «المترجمات إلى صور وأساليب معينة نابعة من نوعهن الجنسي وشعورهن بتطابق تجاربهن مع ما تقدمه كاتبة العمل في لغته الأصلية، ما يولد لديهن ردود فعل مشتركة تجاه النص الذي يتلقينه وبالتالي يترجمنه»؟ أم الأمر ليس كذلك، فالترجمة تحتاج إلى حساسية خاصة، سواء كان المترجم رجلاً أو امرأة، وليست لها علاقة بالجنس؟
هنا لقاء مع عدة مترجمات يتحدثن عن أسباب اختيارهن ترجمة الشعر، وتجاربهن الخاصة في هذا الميدان الصعب:
تقول المترجمة المصرية ضي رحمي: «قبل حبي للترجمة، كنت وما زلت أحب الشعر، تمنيت لو أنني أملك مهارة كتابته. دائماً ما يُقال إن ترجمة الشعر هي الأصعب، لكن لا أعتقد هذا، الترجمة هي الترجمة، أذكر أنني في طفولتي كنت أنفر من الروايات والأعمال المترجمة، أجد صعوبة في قراءتها وفهمها بشكل سلس. أعتقد أن أصعب ما في الترجمة بشكل عام هو الفهم، استيعاب مقصد الكاتب وبالتالي التمكن من نقل أفكاره ومشاعره بصورة واضحة وصحيحة. لكن هذا لا ينفي خصوصية ترجمة الشعر، نظراً للتكثيف والإيجاز والحرص على وحدة النص وإيقاعه ما يزيد من صعوبة الأمر قليلاً».
وكانت رحمي قد ترجمت كثيراً من شعر تشارلز بوكوفسكي وآن ساكستون وسيلفيا بلاث. لماذا هؤلاء بالذات؟ تقول: «الثلاثة من أشهر وأهم شعراء العصر. بوكوفسكي عُرف بوصفه شاعراً ماجناً وشخصية فظة كريهة، والحقيقة أنني أرى فيه فيلسوفاً نادر الطراز، يُمرر الحكمة بأسلوب ساخر أليم، وكان يسخر من نفسه قبل أي شيء. كان معادياً للنمط الاستهلاكي لإنسان العصر الحديث، ومن المجحف تناول تجربته من جانب واحد فقط، كما أني لا أعتقد أن هناك من تهتم بالشعر ولم تتأثر بكل من آن ساكستون وسيلفيا بلاث، فأنا كامرأة تأثرت بضعفهما وهشاشتهما، وبالتناول الصريح للأزمات النفسية التي تمر بها النساء في أدوارهن المتعددة، الإعلان عن المرض النفسي بشجاعة، الاعتراف بالضعف حد التفكير في الانتحار. صعب جداً، بل من المستحيل ألا تَجدي في أعمالهن ما يعبر عنك تماماً وبدقة».
وحول أثر سيكولوجية المرأة في ترجمة الشعر تقول رحمي: «لا أظن أن تلقي العمل وفهمه يختلف باختلاف جنسنا، لكن أظن أن النساء أقدر على تلقي واستيعاب ما تكتبه النساء وبالتالي ترجمته. رأيي كذلك أنه فيما يخص ترجمة النساء للنساء، فهناك موجة عالمية جديدة من الشاعرات الشابات، في أوروبا وأميركا، بعض منهن من أصول أفريقية وعربية وآسيوية، وإن كن نشأن في المهجر، فإن تجربتهن الشعرية متأثرة للغاية بوضعهن مهاجرات أو لاجئات وبأصولهن، وبالتمييز العنصري على أساس العرق أو النوع الاجتماعي، والمعاناة المضاعفة كونها امرأة، كلها أمور تتشارك فيها جميع النساء، وهذا ما يميز الترجمة على ما أعتقد».

الشغف بالشعر
أما المترجمة العمانية ريم داود فتقول: «كنت أتشوّق لترجمة الشِعر، الذي أحبّه باللغتين العربية والإنجليزية، لكنني كنتُ أتخوّف دوماً من الإقدام على هذه الخطوة، خصوصاً أنني لست شاعرة في الأصل. مجرد متذوقة جيّدة له. تلقيتُ تشجيعاً كبيراً من عدد من الأصدقاء، وأخذت بنصيحتهم بضرورة تجربة هذا المجال».
وكانت ريم داود قد ترجمت الرواية والقصة، لكنها تؤكد خصوصية ترجمة الشعر بقولها: «لعل أصعب ما في ترجمة الشِعر هو محاولة الحفاظ على نوع من الإيقاع والموسيقى، عند نقل الكلمات للغة الأخرى. عليك أيضاً انتقاء كلمات تناسب روح النَص الأصلي. أعني إن كانت القصيدة عاطفية مثلاً، يجب أن تتميز الكلمات التي أختارها بالرقّة والعذوبة، ويجب أن يتمّ ذلك بحِرص شديد للحفاظ على المعنى والروح والموسيقى الداخلية، معاً، وهي أمور لا تحتاج كمترجم للقيام بها بكل تلك الدقّة في الترجمات الأدبية الأخرى».
وتعتبر داود أن مسألة التماس بين النص المراد ترجمته وهوية المترجمة النسائية لا تنعكس بالضرورة على نتاج الترجمة: «لا أعتقد أن ترجمة النَصّ الشِعري تختلف باختلاف جِنس المترجم (رجلاً كان أو امرأة). المرأة لا تُكسِب النَص رقّة إضافية مثلاً. المسألة تعتمد على قدرات وإمكانات المترجم، سواء كان رجلاً أو امرأة. تتوقف على حصيلته اللُغوية، ومدى فهمه للقصيدة. فلو أن امرأة ترجمت نصوصاً شعرية، وهي تفتقر لموهبة حقيقية، فلن تكون القصيدة سوى كلمات جوفاء متراصة جنباً إلى جنب. لن يُضفي كونها امرأة ميزةً للعمل. الحكاية، باختصار، تكمن في اجتماع الثقافة الحقيقية، والموهبة الأصيلة، والمعرفة اللغوية معاً في المترجم، أياً كان جنسه».

تأنيث اللغة
أما المترجمة السودانية سماح جعفر، وهي صاحبة مدونة متخصصة تفرد بها مساحات كبيرة لترجمات الشعر اسمها «الحركات»، فتقول: «تجربتي مع الترجمة بدأت برواية (الناقوس الزجاجي) لسيلفيا بلاث التي ترجمتها بالاشتراك مع مترجم زميل للهيئة القومية للترجمة (سلسلة الجوائز) وقد كانت تجربة مذهلة، ومنها جاءت فكرة المدونة كلها. من الشاعرات والشعراء المفضلين لدي: آنا أخماتوفا، وإدريان ريتش، وجويس منصور، وجان جينيه، ومولانا جلال الدين الرومي، ودامبودزو ماريشيرا وآخرون».
وتعتبر سماح جعفر أن ترجمة الشعر صعبة مثل كتابته: «فأنت تحاول دوماً مجاراة النص، تحاول ألا تحوله إلى شيء متخشب وبارد، عبر استخدام المفردة الأنسب والجملة الأدق من وجهة نظرك، ولكن كل هذا لن ينقذك إن افتقدت إلى الخيال، والرهافة والروح. هناك شاعرات وشعراء تعجز لغتك عن ترجمتهم، يحيرونك ويستفزون خيالك».
وتستشهد جعفر بمقولة لغلوريا إنزالدوا تقول فيها إن «الكتابة خطيرة لأننا نخاف مما تكشفه الكتابة: مخاوف، واستياءات، ونقاط قوة المرأة في ظل القمع الثلاثي أو الرباعي. ومع ذلك، في هذا الفعل تحديداً تكمن نجاتنا، لأن المرأة التي تكتب تملُك قوة. والمرأة القوية مهابة».
وترى سماح جعفر أننا «يجب أن نتعامل مع تجربة النساء مع الكتابة عموماً ومع الشعر خاصة باهتمام من جانبنا كمترجمات، لأن النساء، كما تقول غلوريا، تعرضن لقمع بمختلف أشكاله عبر الزمن، لكنهن استطعن إظهار قوتهن ونجون بنصوصهن، وشعرهن، ومقالاتهن، وروايتهن وعزمهن. إنني أحس بالحميمة والأخوة في النضال عندما أترجم لشاعرات نساء، فمعهن أعيد اكتشاف نفسي وأهدافي ومسؤوليتي، ومن خلالهن أتذكر وأقدر كل ما بذلته السابقات لنصل إلى هذه اللحظة».
وحول خصوصية ترجمة النصوص الشعرية بواسطة مترجمات نساء، تقول الدكتورة ناهد راحيل، مدرسة النقد والأدب المقارن: «أعتقد أن الأمر قد يكون مرهوناً بمضمون النص الشعري في لغته المصدر وبخطاب كاتبه، وكذلك قد يرتبط الأمر بالنوع الجنسي لكاتب النص، فإذا كان النص في الأصل مكتوباً بقلم نسائي فسيكون الخطاب النسوي حاضراً بقوة، وينتقل الحديث بالتبعية عن الترجمة النسوية».
وتتابع راحيل: «هنا فقط - في ظني - قد تختلف ترجمة المرأة للنص المصدر عن ترجمة الرجل، فكما نجد من يفرق بين كتابة الرجل وكتابة المرأة، مثل الناقدة النسوية إلين مور التي تعتقد بوجود طريقة خاصة للمرأة في انتقاء الصور والمجازات - مما يعرف بالتقليد النسائي في الكتابة -، فينسب للمرأة ميل غريزي فطري لصور تعبيرية وأشكال لغوية محددة وبالتالي قد يحيل الرجوع إلى صور معينة في كتابة المرأة إلى أمر بيولوجي. نجد أن الأمر نفسه ينطبق على الترجمة، فقد تميل المترجمات إلى صور وأساليب معينة نابعة من نوعهن الجنسي وشعورهن بتطابق تجاربهن مع ما تقدمه كاتبة العمل في لغته الأصلية، ما يولد لديهن ردود فعل مشتركة تجاه النص الذي يتلقينه وبالتالي يترجمنه».
وتخلص راحيل إلى قول الناقد الأميركي هارولد بلوم: «إنك تقرأ فقط ما يماثلك»، مؤكدة أنه «يمكن إسقاط تلك المقولة أيضاً على الترجمة بأنك تترجم فقط ما يماثلك، فعند الحديث عن نص نسوي يحمل صوت فئة مهمشة تكون المترجمة هي الأقرب، فتسعى إلى تسليط الضوء على الوجود الأنثوي في النص من خلال تأنيث اللغة - على سبيل المثال - بما يعكس وجود المرأة في النص؛ مؤلفة ومترجمة وذاتاً وقارئة».



«زينة رمضان»... طقس تاريخي يلازم الشوارع والحارات المصرية

الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
TT

«زينة رمضان»... طقس تاريخي يلازم الشوارع والحارات المصرية

الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)

اعتاد المصريون أن يستقبلوا شهر رمضان كل عام بالزينة مختلفة الألوان والأشكال، حتى أصبح هذا الطقس ملازماً للشوارع والحواري خصوصاً في المناطق الشعبية، وباستخدام خامات بسيطة يتم توفيرها من تبرعات تضامنية بين الأهالي.

ورغم ارتفاع أسعار الزينة التي وصلت لما يزيد على 40 جنيهاً (الدولار يصل إلى نحو 47 جنيها) لحبل الورق الملون الذي لا يتجاوز طوله عشرة أمتار، في حين تتراوح قيمة متر حبل الإضاءة «الليد» ما بين 15 و20 جنيهاً، أما الفانوس المعلق فسعره بين 350 و1000 جنيه. إلا أن هذا لم يمنع المصريين من الاحتفال بقدوم شهر رمضان، وكان الطريق إلى ذلك من خلال جمع الأموال والإسهامات البسيطة من كل بيت، لكي لا يحرم أي مكان من الاحتفال، ولم تخل حارة أو شارع من الأعلام والأشرطة الملونة والفوانيس، فضلاً عن المصابيح مختلفة الألوان.

ولتجاوز عقبات الغلاء في مواد الزينة لجأ بعض الشباب إلى صنعها بأنفسهم، واشتروا -حسب سعد عبد الهادي «عشريني» في منطقة الطالبية بحي الهرم- الأفرخ الملونة من المكتبات، وراحوا يكوّنون فريقاً، منهم من حوّلها إلى قصاصات، ومنهم من لصقها بالصمغ في أحبال الخيط، وقال عبد الهادي لـ«الشرق الأوسط» كانت هذه حيلتنا لتجاوز ارتفاع سعر رابطة الزينة، المكونة من الأشرطة المصنوعة من «السلوفان»، لم نشتر شيئاً سوى الفانوس، لأننا لا نمتلك حرفية صناعته.

الزينة الرمضانية يعلقها الأهالي في الشوارع والحارات (الشرق الأوسط)

وبالقرب من شارع العروبة بالهرم لجأ عدد من أبناء السكان إلى حيلة متفردة، لخصها محمود حسين «ثلاثيني» ويعمل في صناعة الحلوى، في تأجير الزينة خلال الشهر، وردها بعد انقضائه، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «حين عرفنا أن ما نقوم به كل عام سوف يكلفنا الكثير فكرنا في الاكتتاب وتأجير أحبال المصابيح من محل قريب لمستلزمات الأفراح، بدلاً من شرائها، كما اتفقنا مع صاحب المحل على المشاركة معنا في تزيين الشارع احتفالاً بحلول الشهر الكريم». ولفت إلى أن البعض يعلق فانوساً كبيراً وسط الزينة، لكن «لأن سعره يبدأ من 400 جنيه اكتفينا بالزينة المضيئة وأحبال المصابيح (الليد) المؤجرة»، على حد تعبيره.

ولأن تجارة الزينة والأشرطة الملونة تلقى رواجاً كبيراً خلال شهر رمضان، راحت معظم محلات وأصحاب المتاجر يبيعونها بحثاً عن الأرباح، بدءاً من محلات الكهرباء، حتى أصحاب الدكاكين الصغيرة، والمكتبات، ومن بينهم سعيدة مرزوق التي تمتلك مكتبة في منطقة ترسا بحي الهرم، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إنها تنتهز فرصة حلول شهر رمضان وتذهب إلى منطقة تحت الربع بالقرب من العتبة لتشتري من التجار هناك أنواعاً مختلفة من الزينة، لتبيعها لجيرانها. وأضافت أن «الإقبال كبير على شرائها، فلم يبق منها إلا كمية قليلة، وضعتها في مقدمة المكتبة التي تتخصص في بيع الأقلام والملخصات والأدوات الكتابية، لتعلن قرب نفاد بضاعتها».

زينة رمضان تأخذ أشكالاً متعددة (الشرق الأوسط)

اهتمام المصريين واحتفالاتهم بقدوم شهر رمضان -وفق قول الدكتور مسعود شومان، الباحث في الفنون الشعبية والتراث- مرتبطان بسعيهم الدائم للمزج بين المناسبات الدينية والسعادة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هم يرون المناسبات الدينية تقترن بالفرح والسرور، وفي كثير من البلدان حتى الآن يستقبلون رمضان بزفة يشارك فيها كل الطوائف وأصحاب المهن والحرفيين». وأشار شومان إلى أمثلة شعبية تصف رمضان وتعبر عن الفرحة به مثل «أوله مرق، ووسطه حلق، وآخره خلق» يقصدون اللحم، وصناعة الكعك، ثم الاحتفال بالعيد وارتداء الملابس الجديدة. كل أشكال الفرح هذه لا ينفصل عنها في رأي شومان تزيين الشوارع، موضحاً أن «المصريين يرون الشهر الكريم ضيفاً يجب استقباله بالأعلام والزينات، كأنه قريب طال غيابه، هنا تبدو (أنسنة رمضان) واضحة، يتعاملون معه على أنه مولود يتجلى في الهلال، وهنا تأتي الاحتفالات الطقسية بتزيين الشوارع، والأغنيات الشعبية لاستقباله، والموائد العامرة، يستمر هذا حتى يكبر الهلال ويختفي، ليبدأ دورة جديدة في رحلة عودة أبدية مرة أخرى».

ومع الزينات تظهر أغاني «يا أبو رمضان يا أبو صحن نحاس يا داير في بلاد الناس، سقت عليك أبو العباس لتبات عندنا الليلة»، و«يا رمضان يا عود كبريت يا مخوف كل العفاريت سقت عليك أهل البيت لتبات عندنا الليلة»، ويوضح هذا -حسب شومان- أنهم «يعدّونه ضيفاً، وكل منهم يسعى لاستضافته ليلة، ويجب هنا أن تكون الاستضافة بالزينات في الشوارع والأضواء في كل مكان، وهو عمل جماعي أساسه المشاركة والتعاون، وكل يُسهم بقدر استطاعته، القضية هنا لا دخل لها بالفقر وضيق ذات اليد، لكنها بالغنى الروحي الذي يتمتع به الناس في كل مكان»، على حد تعبيره.


«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

التقديرات الأولية لعدد المشاهدين الذين أمّوا مهرجان برلين السينمائي من بدايته وحتى 20 من الشهر الحالي، أي قبل يومين من نهاية الدورة الحالية، تجاوزت 250 ألف مُشاهد في نحو 20 صالة توزَّعت في أرجاء العاصمة الألمانية، لكن المُتوقَّع أن يتساوى عدد المشاهدين هذا العام مع عددهم في العام الماضي (نحو 330 ألف مُشاهد). وإن لم يحدث ذلك، فالسبب يعود إلى المطر والبرد اللذين لم تشهد المدينة مثلهما منذ سنوات.

الأفلام التي حشدها المهرجان حتى الآن شديدة التنوّع، ليس فقط بالنسبة إلى المستوى العام، بل أيضاً بالنسبة إلى الاهتمامات التي انطوت عليها. هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية. والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي. وبالنسبة إلى المصادر، توزَّعت كما كان منتظراً بين سينمات عربية وآسيوية وأفريقية وأوروبية وأميركية. ليس أنّ هذا الوضع غير موجود في المهرجانات الأخرى، وإنما الأضواء المُسلطة على هذه العناصر تبرزها بوضوح وتمنح المشاهدين أسباباً متنوّعة لحضور كل الأفلام (فيلم محمد حمّاد «لجوء آمن» عُرض 6 مرات في 6 صالات بيعت تذاكرها كاملة).

«سومسوم: ليلة النجوم»... عزلة على حافة الغفران (مهرجان برلين)

هذه الدورة، بإجماع عدد غير قليل من الحاضرين، هي أفضل دورات برلين في السنوات الخمس الماضية. وهناك ما يدعم هذا الرأي رغم وجود أفلام تجنح ضدّه.

بعد فيلم الافتتاح، «لا رجال صالحون»، المموَّل من سويسرا والمعروض على أنه أول اشتراك من أفغانستان، والذي هو تجربة شخصية حُوِّلت إلى دراما ساخنة الموضوع باهتة التأثير، لوحظ أنّ معظم ما عُرض حتى الآن من أفلام دار حول تجارب أشخاص في أتون الحياة الاجتماعية لكلّ منهم. والخيط الجامع لها هو أنها دراما فردية أو اجتماعية تعبّر عن تجارب خاصة. هذا ما ساعد المهرجان على تحاشي اللجوء إلى أفلام تتعامل مع موضوعات وشخصيات سياسية، كما كانت الحال في السنوات القليلة الماضية.

ميثولوجيا أفريقية

«سومسوم: ليلة النجوم» للمخرج التشادي محمد صالح هارون عُرض داخل المسابقة الرسمية، وقد عُرِّف عنه على أنه إضافة إلى اشتراك أفريقي ملحوظ عدداً في هذه الدورة (فيلمان آخران في عداد ما عُرض هنا، واحد من السنغال والثاني من الكونغو). «سومسوم» هو أيضاً أحد الأفلام المعنية بسرد حكاية تقودها شخصية واحدة. بطلته فتاة شابة اسمها «كالو» (ميمونة ميواما) تعيش في قرية صغيرة في بعض النواحي الصحراوية. ماتت والدتها حين وضعتها، وحملت في وجدانها الشعور بأنها هي السبب في الوفاة. لكن امرأة أكبر سناً منها اسمها «آية» تخبرها عكس ذلك. ومن ناحية ثانية، هي على علاقة حبّ مع شاب يبادلها الشعور، لكنّ والده يعارض هذا الارتباط على أساس أنّ عائلة «كالو» مهاجرة من قرية أخرى. كذلك تعارض القرية دفن «آية» في مقابرها لأنها بدورها لاجئة ولم تكن محبوبة.

تضع «كالو»، بسبب صداقتها لـ«آية»، جثمانها فوق عربة، وتتوجّه بها بعيداً صوب صخور ترابية. تدخل مغارة لتسير بين جدرانها، ثم تعود إلى الجثمان فتحفر لها وتدفنها. فجأة تنهض «آية» من تحت التراب لتؤكد لـ«كالو» مجدداً أنها باتت حرّة. الغرابة لا تدعم الفيلم، بل تتركه هائماً، والمزج بين ما هو متخيَّل وبين ما هو حقيقي يمرّ بلا تأثير فعلي.

شخصيات الفيلم التي تعيش في تلك القرية (وتتحدَّث الفرنسية من دون مبرّر) تتصرَّف كلّها وفق إدارة المخرج، وليس تبعاً لجهد نابع منها. هذا ينطبق على بطلة الفيلم التي تمر بمواقف كثيرة، لكنها تبقى بعيدة عن أن تترك تأثيراً لدى الجمهور. هذه أيضاً حال الفيلم الذي ينشط في اتجاهات شتّى ليقول القليل.

وحدة عاشق البلوز

يتحدَّث «سومسوم: ليلة النجوم» في بعض جوانبه عن وحدة بطلته وسط بيئتها الرافضة لها، لكن «الرجل الأكثر وحدة في المدينة» هو الفيلم الذي يقبض على روح تلك الوحدة وبلا جهد يُذكر. فيلم ألماني من إخراج تيزا كوفي وراينر فريمل عن رجل تجاوز عامه الخمسين بلا أهل ولا عائلة ولا معارف. «أصدقائي الوحيدون هم مغنّو دلتا البلوز»، يقول في أحد المَشاهد. والفيلم يبدأ به يستمع إلى أساطير هذا اللون الغنائي، مثل صن هاوس، وروبرت جونسون، وبيسي سميث، وبلايند، وويلي جونسون، في منزله.

«ألويس كوخ» ليس شخصية خيالية. هو في الواقع رجل نمساوي أحبَّ البلوز منذ صباه، وأخذ يعرفه ويغنّيه في بعض الملاهي. الآن لا يزال متيّماً بهذا النوع من الأغنيات (بلوز دلتا المسيسيبي يختلف عن أنواع بلوز أخرى تكاثرت في شيكاغو ولويزيانا، ثم في الغرب الأميركي وصولاً إلى سان فرانسيسكو وجوارها). لم يتعلّم «كوخ» اللغة الإنجليزية إلا من أغنيات ألفيس بريسلي (الذي كان بدوره «ملك الروك» متأثّراً بالبلوز). لكن الفيلم ليس تسجيلياً، بل يمنح المخرجان «كوخ» حكاية يؤدّي بطولتها وتتحدَّث عنه.

خلال ساعة ونصف الساعة، نراه وحيداً في حياته باستثناء ما يختار سماعه وترداده. الحكاية المختارة بسيطة: «كوخ» يعيش في عمارة هجرها باقي سكانها وبقي فيها وحده. المالكون يريدون هدمها. يمانع في مغادرة منزله لارتباطه بمحتوياته (ألبومات قديمة، أجهزة استماع موسيقية، بيانو... إلخ)، لكنه يذعن في النهاية. ببراعة، نراه مرّتين يتوقّف عند بناية قريبة يراقب هدمها. بذلك ربط الفيلم بين حالته وحالة ماضٍ كبير يُهدَم أيضاً. يشتري «كوخ» تذكرة إلى أميركا ليزور «أصدقاءه» (هؤلاء كلّهم رحلوا عن الدنيا، لكونهم انطلقوا في عشرينات القرن الماضي وثلاثيناته) وليعيش في الدلتا. اللقطة الأخيرة توجز الفيلم بأسره. يستمع إلى بيرثا «تشِبي» هيل تغنّي، ثم يقفل جهاز الأسطوانات وتسود الشاشة السوداء. الفيلم، إذ يحكي قصة محورها قديم، يعمد إلى أسلوب محافظ وكلاسيكي، لا تلعب الكاميرا فيه دور البطولة ولا تركض لاهثة وراء شخصياته. إنها بدورها جزء من عالم انتهى أو يكاد.


مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
TT

مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري، مصطفى غريب، إن مشاركته في الدراما الرمضانية بمسلسل «هي كيميا» جاءت في اللحظات الأخيرة، وبعدما كاد أن يغيب عن هذا العام، لعدم وجود فكرة أو تجربة مناسبة للدراما.

وأضاف غريب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل جاء بالمصادفة بعد لقاء مع المؤلف مهند طارق، الذي أخبره بأن لديه مشروع مسلسل مكتوب منه ما يقرب من نصف عدد الحلقات، وطلب منه الاطلاع عليه، وبعد قراءة الحلقات اتصل بالمنتج، وناقشوا الأمر معاً، وتحمسوا لتقديم المشروع لطرافة فكرته، وانطلقت التحضيرات بالتزامن مع كتابة الحلقات.

ويصف مصطفى غريب قرار الموافقة على المسلسل بأنه كان من أسرع القرارات في مسيرته، «لكنه لم يكن قراراً متسرعاً، فالبحث عن نص مكتوب بشكل شبه مكتمل كان بالنسبة لي عاملاً حاسماً، خصوصاً في ظل طبيعة الإنتاج التلفزيوني، التي قد تنطوي أحياناً على مخاطرة عندما يُبنى المشروع على حلقة أو حلقتين فقط».

وعن أسباب حماسه لـ«هي كيميا»، يوضح مصطفى أنه لا يتعامل مع العمل بمنطق المنافسة أو الرهانات، ولا يشغله تصنيف نفسه أو غيره داخل قوالب جاهزة، فبالنسبة له، المسألة الأساسية هي أن يخرج العمل في صورة جيدة، وأن يكون صادقاً مع نفسه ومع الجمهور، مؤكداً أنه لا يدخل أي تجربة وهو يفكر في السباق الرمضاني، أو في مقارنة نفسه بأعمال أخرى، بقدر ما يركز على سؤال واحد، هل المسلسل سيقدم شيئاً حقيقياً للناس أم لا؟

وفي ما يتعلق بتحضيره للشخصية، يوضح غريب: «طريقتي لا تختلف كثيراً من عمل إلى آخر، فأنا أبدأ دائماً بقراءة السيناريو بهدوء، محاولاً فهم ملامح الشخصية، كما كُتبت على الورق، ثم البحث عما يمكن إضافته إليها من تفاصيل، سواء على مستوى السلوك أو الشكل أو الإيقاع، وذلك بالتعاون مع المخرج والمؤلف»، مؤكداً أن بناء الشخصية لا يعتمد فقط على ما هو مكتوب، بل أيضاً على ما يمكن استنباطه «بين السطور».

الملصق الترويجي للمسلسل (حسابه على فيسبوك)

وحول الكوميديا والارتجال، يوضح مصطفى غريب أن العمل الكوميدي بطبيعته يفتح المجال للاجتهاد والتجريب، لكن ذلك لا يحدث بشكل عشوائي، فهناك دائماً أساس مكتوب يُبنى عليه، ثم تأتي اللمسات الإضافية خلال القراءة أو في أثناء التصوير، أو حتى في الأيام التي لا يكون فيها تصوير، حين يعود الممثل إلى الورق ليقترح أفكاراً أو بدائل، مؤكداً أن بعض اللحظات تولد في لحظتها أمام الكاميرا، بينما تحتاج لحظات أخرى إلى تفكير مسبق، وكل ذلك يمر في النهاية عبر رؤية المخرج.

ويثني الممثل المصري على التعاون مع المخرج إسلام خيري، الذي وصفه بأنه «يتمتع بنظرة شاملة للعمل من الخارج، ما يسمح له برؤية المشهد من زاوية أوسع، فلا يتردد في تعديل المشهد، أو حذف أفكار اتُفق عليها مسبقاً إذا شعر بأن هناك خياراً أفضل، وهو ما حدث بالفعل في بعض المشاهد، حتى في المشهد الأول من المسلسل، الذي شهد تغييرات جذرية قبل تصويره، في محاولة للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة».

ويشدد مصطفى غريب على أن النجاح الحقيقي بالنسبة له لا يُقاس بـ«التريند» أو بالأرقام المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بردود الفعل المباشرة من الناس، فاللحظات التي يشعر فيها بقيمة ما قدمه هي تلك التي يلتقي فيها بجمهور حقيقي في الشارع، أو يتلقى رسالة صادقة من شخص يقول له إنه أعجبه العمل، لافتاً إلى أنه لم يسعَ يوماً لصناعة نجاح مصطنع، ولم يدفع مقابل دعاية زائفة، لقناعته أن هذه الأمور لا تصنع قيمة حقيقية.

وعن النجاح الذي حققه في السابق، يعترف مصطفى غريب بأنه أمر يحمل قدراً من القلق، ليس فقط في مجال التمثيل، بل في أي مجال؛ فالنجاح، في رأيه، يفرض مسؤولية أكبر، ويجعل سقف التوقعات أعلى، وهو ما قد يكون أكثر صعوبة من الفشل نفسه، لكنه في الوقت نفسه يرى أن أي شخص يتقاضى أجراً مقابل عمله عليه مسؤولية أن يؤديه بأقصى قدر من الإخلاص.

ويختتم مصطفى غريب حديثه بالتأكيد على أن طموحه الأساسي يظل ثابتاً في أن يشارك في أعمال صادقة، وأن ينجح في إدخال البهجة على قلوب الناس، معتبراً أن «القدرة على إضحاك الجمهور، خصوصاً في ظل الضغوط اليومية التي يعيشها، هي واحدة من أصعب وأهم المهام التي يمكن أن ينجح فيها أي فنان»، على حد تعبيره.