هل تتحمل ثقافتنا أدب الاعتراف؟

جوهره يقوم على انتهاك ما هو مقموع أو سري أو محدود التداول

محمد شكري - نادية مراد - لويس عوض
محمد شكري - نادية مراد - لويس عوض
TT

هل تتحمل ثقافتنا أدب الاعتراف؟

محمد شكري - نادية مراد - لويس عوض
محمد شكري - نادية مراد - لويس عوض

من الصعب عزل سؤال الاعتراف عن الواقع، أو حتى وضعه داخل توريات اللغة، تخفّياً، أو تكتماً، إذ سيتحول عندئذ هذا السؤال إلى محاولة تبرير الحديث السري في الإشهار، وفي الفضح، وهو ما يعني تجاوزاً على مركزية فكرة «التابوه»، والذهاب إلى ما يمكن تسميته «سردية الاعتراف».
«أنا أعترف، إذن أنا موجود»، هذا ما يشبه مقولة ديكارت الشهيرة، في سياق وضع الاعتراف مقابل التفكير، وإعطاء الذات المُفكّرة وظيفة تجاوزية، وبما يجعل فعل الاعتراف كأنه نوعٌ من التفكير الفائق، ومن لعبة السرد كمجال لإضفاء كثيرٍ من الغرابة والدهشة والإثارة على كتابة الاعتراف، حتى ليبدو النص الاعترافي كأنه مواجهة فاضحة مع العالم، ومع الذات نفسها، وربما مع رغبةٍ حميمة لتعريتها من بعض قوتها وقسوتها وتعاليها، إذ لا يمكن للاعتراف أن يكون إلّا في لحظة ضعفٍ هي صنوٌ للحظة الانتشاء أو الخوف، وكلّ الاعترافات التي يكتبها الأقوياء هي تماهٍ مع لحظات ضعفهم، والادعاء بأنّ سردية الاعتراف هي تمثيل للقوة، أو محاولة لما يشبه لحظة التطهير المسيحية لا تعدو أنْ تكون نفاقاً، أو مغالبة، أو وربما هي إيهام بتلفيق تلك القوة المفترضة، لقضايا تتعلق بنزق الفردانية، أو بالغلو في التعبير عن الجانب الخطابي عبر سردنة الاعتراف.
المقارنة بين النصيات العربية والغربية في الأدب الاعترافي أمرٌ غير واقعي، رغم أنّ لحظة الاعتراف واحدة؛ لحظة غامرة بالإنسانية، وبالضعف، واللذة، وأحياناً بالتعبير عن اللاجدوى، لكن يبقى النص الاعترافي العربي قريباً من فكرة الفضيحة، ومن كسر تابو المُقدّس والعصاب، والقوة، وهي تعالقات خارج الذات وجوهر تمركزها، فلا علاقة لها بالذات التي تدعي القوة، والتعالي، بقدر علاقتها مع بما هو رمزي، الذي يجد في الاعتراف ممارسة خطابية إلى آخرٍ ما، له حضوره المفهومي والوجودي، وحتى التطهيري - إنْ افترضنا وجوده في جانبٍ من جوانبه. ولا أظنّ أننا نملك تراثاً له حدوده المعروفة في كتابة الأدب الاعترافي، حتى إن ذهب بعض الروائيين إلى محاولة سردنة هذا الاعتراف، أو كتابة السير الذاتية ذات الجرأة الرومانسية، أو الحسية، التي ترتبط بما هو جنسي أكثر مما هو اجتماعي وسياسي، رغم أنّ خطاب الاعتراف في الأدب السياسي يرتبط بفكرة «الخيانة» أو ما يُسمى «التسقيط السياسي»، وهو ما كانت تفرضه بعض السلطات الآيديولوجية على معارضيها كممارسة لإسقاطهم سياسياً، وفي نشر براءاتهم من أحزابهم السياسية، أو من انتماءاتهم العقائدية في وسائل الإعلام، أو في الكتب السيرية أو الشعرية والروائية.

من السيرة إلى الكتابة العمومية

من أكثر الكتب العربية إثارة في سرديات الاعتراف كتب الروائي المغربي محمد شكري في «الخبز الحافي» وحتى في «الشطّار»، فضلاً عن اعترافات الكاتب لويس عوض، والسؤال الفاعل في هذا التوصيف يتعالق بمدى جدية هذه الكتب في أنْ تؤسس لشرعنة «أدب الاعتراف»، أم أنها ستظل في سياق «الإشاعة السردية»، وفيما تستدعيه من صخبٍ ثقافي يقوم على خلط الأوراق بين أدب السيرة و«أدب الاعتراف»، مع افتراض هذه التسمية، وأدب الفشل السياسي، وهي بمجملها سرديات لم يتم تأطيرها نقدياً، أو حتى وضعها في السياق التداولي لأدبية الاعتراف، أو شعريته كما يسميها ياكوبسن.
إنّ الخلط بين أدب السيرة وأدب الاعتراف يعكس مشكلة في النظر إلى النص السير ذاتي أولاً، وإلى تحميل «أدب الاعتراف» توصيفات أكبر من طاقته، التي تعمد إلى تشويه النص السير ذاتي ثانياً، وطبعاً فإنّ هذا الموضوع سينعكس على استراتيجيات القراءة، وعلى تلقي شفرات النص الاعترافي بحذر أو بخوف، أو بفضول، وهي عملية مربكة للقارئ ولمفهوم القراءة، وعلى وفق ما طرح آيزر حول إشكاليات القراءة والتلقي، حيث تتطلب هذه القراءة تفاعلاً، وتجاوباً، وكشفاً، وتقاطعاً، وتأويلاً، ولأنّ مثل هذا النص «لا يخضع لصاحبه فقط، بل يخضع لاستراتيجيات معقدة بين القارئ المؤول بما يمتلك من معرفة وخبرات جمالية من جهة، والنص من جهة أخرى، فينتج عن هذا التفاعل استجابات قرائية تكشف عن إمكانات وإجراءات مقروئية جديدة، تتجه نحو فهم الدلالة المغيبة، وفك رموزها».
كتابة السيرة قد تتضمن اعترافات كثيرة، لكنها مُقنّعة، أو مغالية، أو قد تسعى لترميم فجواتٍ ما في تاريخ كاتب السيرة، لأن خروجها من السيري إلى العمومي هو ما يُلقي ظلالاً حول تاريخيتها، ما سيُجردها من براءتها، أو يدفع بها لأن تكون كتابة مغامرة، وأكثر احتيالاً وتورية وتقنيعاً، إذ ستجد قارئاً ماكراً، يعرف أنّ النص السيري ليس بريئاً بالكامل، وأنّ نص الاعتراف هو لعبة سردية مفارقة، لها غاية، وقصدية، وإثارة، وقد تكون شخصياتها من ورق كما يسميها رولان بارت، يمكن التلاعب بمصائرها، لكنها، رغم ذلك تبقى على تماسٍ مع وقائع، أو أحداث، أو حتى تاريخ له بالمقابل رواة آخرون، قد يكتبون اعترافات ضدية، أو قد يجردون التاريخ ذاته من واقعيته، ومن رمزيته.
التقاطع بين الاعترافي والسيري والعمومي يكمن في لعبة الانتهاك، فالاعتراف ليس تطهيرياً بالضرورة، بل إنّ جوهره يقوم على انتهاك ما هو مقموع، أو سري، أو محدود التداول، وباتجاه جعله خاضعاً للسياق السردي، أو أن يكون جزءاً من سياق السيرة، أو جزءاً من اهتمام العموم، الذي سينظر إلى مثل هكذا اعترافات بوصفها جزءاً من «خطاب» الفضائح، كما هو موجود في عوالم نجوم السينما ونجوم الرياضة، حيث تقود اعترافاتهم الجنسية، أو تهرّبهم الضريبي إلى اهتمامات واسعة من قبل الجمهور النرجسي، ومن قبل الجهات الرقابية، أو حتى من قبل بعض الجهات الدينية.
أدب الاعتراف في هذا السياق هو تمثيل لبعض هواجس الحرية، تلك التي ترتبط بالإرادة والمسؤولية، لكنها - بالمقابل - تظل عنواناً عائماً لحرية المثقف القلقة، والبوهمية أحياناً على طريقة جان جينيه وهو يكتب اعترافاته، إذ تظل تلك الاعترافات كأنها نوع من النزق، وأنّ فاعليتها كأثرٍ ستكون بعيدة، ومن الصعب الحديث عن رسالتها، وعن قيمتها، سوى ما تحمله من نزعة احتجاجية على عالم رأسمالي مجنون، وعن جسدٍ تطحنه النزوات وسط عالم فاسد وإحباطي، وفاقد لشروط العدل والأمل والإشباع الروحي.
هذا الفقد هو نظير لسؤال الهوية في ثقافتنا العربية، فمن الصعب الحديث عن هوية عمومية وسط تشظي الهويات العصابية، ووسط عالم غائر في التابوهات وبالجماعات القاهرة والمقهورة، حدّ أنّ بعض الاعترافات قد تُعبّر عن نوع من القهر الاجتماعي، والاهتمام الرومانسي والحقوقي في العالم، وهو ما حدث مع نادية مراد الإيزيدية، التي تعرّضت إلى اغتصاب بشع من جماعات «داعش» الإرهابية، حيث قادها اعترافها بعمليات الاغتصاب الجماعي إلى الفوز بجائزة نوبل للسلام لسنة 2018، وإلى تحويل قضيتها الإثنية والجندرية إلى موضوع حقوقي وأخلاقي، تكشفت من خلاله محنة بعض الجماعات الإثنية المقهورة.



«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
TT

«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)

كيف لقردٍ صغير في حديقة حيوانات في اليابان أن يأسر كل تلك القلوب حول العالم؟ كيف استطاع «بانش (Punch)» أن يسرق الأضواء والأرقام من نجوم المسلسلات وأخبار الحروب 5 أيامٍ على التوالي، في ظاهرةٍ احتلّت منصات التواصل الاجتماعي من دون سابق تخطيطٍ ولا حملة إعلامية منظّمة؟

إنها ببساطة المشاعر الإنسانية المشتاقة ربما للحظاتٍ من الصدق والنقاء، والتي استطاع «القرد بانش» أن يصنعها من دون تمثيلٍ ولا ادّعاء.

تحوّل القرد «بانش» إلى ظاهرة على وسائل التواصل الاجتماعي (أ.ف.ب)

«بانش» حبيب الملايين

بقصته المؤثّرة والزاخرة بالتفاصيل الحزينة، حرّك بانش تعاطف الملايين؛ فقردُ المكاك الياباني تخلّت عنه أمه عندما وُلد في 26 يوليو (تموز) الماضي، ثمّ نبذه رفاقه القِرَدة في حديقة إيشيكاوا ودفعوه أرضاً كلما حاول التقرّب منهم.

لم يبقَ له سنَدٌ في هذه الدنيا سوى دمية محشوّة على شكل قرد، يمسك بيدِها ويجرّها خلفه أينما ذهب. تلك الدمية التي أعطاه إياها عمّال الحديقة، هي أكبر منه حجماً وأثقل وزناً لكنه حريص على ألّا تفارقه لحظة. يساعدها في تسلّق الصخر معه، يحتضنها ويلعب معها، وإن غلبَه النعاس يغفو على صدرها.

لا يخطو «بانش» خطوة من دون أن يجرّ الدمية خلفه (رويترز)

بعد ساعات قليلة على نشر عمّال الحديقة مجموعة من الفيديوهات القصيرة التي توثّق يوميات بانش مع دميته الحبيبة، حتى انتشرت الحكاية وصارت حديث الملايين، ودفعت بالبعض إلى إنشاء حسابات لدعم بانش أو تبنّيه. كما ارتفعت أعداد زوّار حديقة إيشيكاوا الآتين للتعرّف عن قرب إلى القرد الصغير.

البطريق «غريب»

ليس بانش الحيوان الوحيد الذي ذاع صيتُه وتحوّل من مجرّد حيوانٍ في حديقة إلى حكاية يتناقلها البشر، وترويها الكتُب والأفلام.

تكثر القصص المؤثّرة والمُلهمة الآتية من خلف قضبان حدائق الحيوان. لعلّ البطريق «غريب كون (Grape-Kun)» هو الأشهر على الإطلاق من بين أبناء فصيلته. ولغريب حكاية حزينة كذلك، إذ هجرته شريكته بعد أن أنجبت فرخهما الأول الذي فصلته الحديقة عنهما. بعد خسارته ابنه وشريكته، رفضته البطاريق الأخرى فبات يقضي معظم وقته معزولاً ووحيداً.

إلى أن جاء ذلك اليوم من عام 2017 فوضعت حديقة حيوان «توبو» اليابانية حيث مقر إقامة غريب، 60 مجسّماً دعائياً لشخصيات من سلسلة رسوم متحركة يابانية شهيرة. وكان المجسّم الموضوع على صخرة عالية في قفص غريب عبارة عن بطريق من فصيلته. صار البطريق المنعزل يحدّق يومياً بجاره الجديد لساعات محاولاً الوصول إليه، وعندما انتهت الحملة الدعائية أُزيلت المجسّمات من الأقفاص كافة باستثناء «هولولو» صديق غريب. هذا الولع بالمجسّم أكسب البطريق شهرةً عالميةً وقاعدةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت، لكنه توفّي في السنة ذاتها، أي 2017.

كان البطريق «غريب كون» يمضي ساعات في تأمّل المجسّم (إكس)

الدب «كنوت»... من اليُتم إلى الهوَس

مثل القرد بانش، كان الدب القطبي «كنوت (Knut)» يتيماً بعد أن رفضته أمه عند ولادته. تولّى حرّاس حديقة الحيوان في برلين تربيته وذاع صيتُه؛ بسبب تلك القصة المؤثّرة. إلا أنّ شهرته الفعليّة نالها بفعلِ حملةٍ عالمية معترضة على إبقائه في الأَسر. وقد تحوّل كنوت عام 2007 إلى ظاهرة إعلامية جماهيريّة أقرب إلى الهوَس الجماعي، ألهمَت ألعاباً إلكترونية وبرامج تلفزيونية وكُتُباً كلها من بطولة الدب القطبي الصغير. كما كان له الفضل في زيادة إيرادات حديقة برلين بنحو 5 ملايين يورو. إلا أنّ الحكاية انتهت بشكل دراماتيكي، إذ نفق كنوت بشكل مفاجئ عن عمر 4 سنوات بعد سقوطه في حوض السباحة داخل قفصه.

الدب القطبي «كنوت» الذي حظي بمتابعة الملايين حول العالم (رويترز)

الباندا «هوا هوا»... شكل غير مألوف وشخصية أليفة

إنها الباندا التي اضطرّت محميّة «تشنغدو» في الصين إلى تقييد دخول الزوّار، بسبب تدفّقهم لزيارتها. ليس اسمُ «هوا هوا (Hua Hua)» فقط العلامة الفارقة فيها، فكل ما في الباندا الصغيرة فريد؛ من عينَيها الشبيهتَين بشكل دمعة، إلى إلى أرجلها القصيرة للغاية، وجسمها الممتلئ الصغير، وفرائها الأبيض الكثيف. يكتمل المشهد بشخصيتها اللطيفة رغم قَدَمها الخلفيّة المقوّسة التي تعيق سرعتها وقدرتها على تسلّق الأشجار.

«هوا هوا» هي أشهر باندا في الصين على الإطلاق؛ بسبب مظهرها الفريد وشخصيتها الأليفة. كما أنّها تمتلك قوةً خارقةً وهي فهمُها اللهجة العامية في محافظة سيشوان الصينية. وما يميّز «هوا هوا» تعاملُها مع رفاقها بمحبة، إلى درجة أنها تسمح لباندا أخرى في المحمية بسرقة طعامها. أكسبَتها تلك الصفات مجتمعةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت ومنصات التواصل. على سبيل المثال لا الحصر، حصدت مقاطع الفيديو الخاصة بها على «تيك توك» 2.6 مليون مشاهدة.

الدلفين المُلهمة

لـ«وينتر (Winter)» قصة مؤثّرة، فالدلفين الأنثى كانت في شهرها الثاني عندما علقت في مصيدة داخل المياه الساحلية لفلوريدا عام 2005. رغم جهود الإنقاذ كانت إصاباتها بالغة، ما أدّى إلى بتر جزء من ذيلها وتشويه زعانفها.

منذ ذلك الحين صارت تسبح بطريقة غير طبيعية، لكن بمساعدة فريق العناية وشركة متخصصة في الأطراف الصناعية، مُنحت «وينتر» ذيلاً صناعياً، وهو كان الأول الذي يجري تركيبه لدلفين، ما سمح لها بالسباحة بمرونة وسرعة دلفين ذي ذيل طبيعي.

تابع كثيرون حكاية وينتر التي صارَ يُنظَر إليها بوصفها مصدر إلهام لذوي الاحتياجات الخاصة، كما نُشرت كتب وصُمّمت ألعاب فيديو عنها. وفي 2011، صدر فيلم «حكاية دلفين» حيث جسّدت وينتر شخصيتها، معيدةً تمثيل عملية الإنقاذ، وأثبتت ريادتها في استخدام ذيلها الاصطناعي.

«فيونا» فرس النهر

وُلدت «فيونا (Fiona)»، وهى أنثى فرس النهر في حديقة حيوان سينسيناتي الأميركية عام 2017، وذلك قبل موعد ولادتها بـ6 أسابيع. كان وزنها 13 كيلوغراماً فقط، وهو أقل بكثير من المعدل الطبيعي لأفراس النهر. ولأنها لم تكن قادرةً على الوقوف ولا الرضاعة بمفردها، اضطر القائمون على رعاية الحيوانات إلى التدخل وتقديم رعاية مكثفة لها، شملت إطعامها وتدفئتها على مدار الساعة.

«فيونا» فرس النهر وهي تلعب مع أمها في حديقة حيوان سينسيناتي (أ.ب)

وثّقت حديقة الحيوان الأشهر الأولى من حياتها على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث شاركت تحديثات يومية حصدت ملايين المشاهدات، وأصبحت قصتها رمزاً للصمود والأمل. كما غطّت وسائل إعلام مهمة من بينها صحيفة «نيويورك تايمز» ومنصّة «ناشيونال جيوغرافيك»، رحلة فيونا، وسرعان ما أصبحت من أشهر حيوانات حدائق الحيوان على الإنترنت.

نمَت «فيونا» لتصبح أنثى فرس نهر بالغة، وهي لا تزال تُبهج مُحبيها بشخصيتها المرحة، وبتفاعلها مع الزوار.


آية البكري: أريد أن يكون الفن والثقافة جزءاً لا يتجزأ من كل ما نقوم به

آية البكري الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية» (المؤسسة)
آية البكري الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية» (المؤسسة)
TT

آية البكري: أريد أن يكون الفن والثقافة جزءاً لا يتجزأ من كل ما نقوم به

آية البكري الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية» (المؤسسة)
آية البكري الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية» (المؤسسة)

احتفت مؤسسة «بينالي الدرعية» بإطلاق الدورة الجديدة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» في الرياض الشهر الماضي، وهو ما يمكن اعتباره محطة مهمة للمؤسسة، فهو خامس نسخة من البينالي بنسختيه للفن المعاصر والفن الإسلامي، والتي سجّلت دوراته السابقة نجاحاً قوياً رسّخ أقدامه في المشهد الفني المحلي والعالمي.

ولا يتحدث المسؤولون عن البينالي كثيراً عن إنجازاتهم، ويتركون الحكم للزوّار والجمهور الذي سجل أرقاماً قياسية، سواء في «بينالي الدرعية للفن المعاصر» في الرياض أو «بينالي الفنون الإسلامية» بجدة.

وسنحت لنا فرصة الحديث مع الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية»، آية البكري، على هامش افتتاح «بينالي الفن المعاصر»؛ حيث أجرت معها «الشرق الأوسط» حواراً تناول الإنجازات والتحديات والطموحات المستقبلية.

جانب من الدورة الحالية لـ«بينالي الدرعية للفن المعاصر» (تصوير: تركي العقيلي)

البداية

بدأ حديثي مع آية البكري بالعودة إلى عام 2020، حين أُطلقت الدورة الأولى من البينالي في وقت كان فيه وباء «كوفيد-19» يجتاح العالم ويتسبب في توقف معظم الأنشطة. وتقول: «قبل الجائحة كنا نعمل على فكرة إقامة بينالي للفن المعاصر، وبدأنا نقاشاتنا مع القيّم الفني فيليب تيناري، الذي كان يقيم في الصين آنذاك. وبينما كنا نبلور الفكرة ومحاور البينالي، اجتاح الوباء العالم فتوقفت الحياة، لكن ذلك منحنا وقتاً إضافياً للتحضير».

وتوضح أن العمل استمر رغم القيود، وانتقل إلى الفضاء الافتراضي؛ حيث أُجريت زيارات الاستوديوهات واللقاءات مع الفنانين عبر تطبيق «زووم». ولم تمنع الجائحة المناقشات المستمرة والخطط التي كانت تُرسم وقتها، بل امتدت للتخطيط لـ«بينالي الفن الإسلامي»، واختيار صالة الحجاج الغربية مقراً له «أثناء المناقشات لـ(بينالي للفنون الإسلامية) بدت مدينة جدة هي المكان المناسب، وكذلك أعدنا تهيئة صالة الحجاج الغربية بما لها من مكانة خاصة لاحتضان دوراته. ونجحنا في تحقيق ذلك الحلم تحت قيادة وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وراكان الطوق مساعد وزير الثقافة، ونائبه حامد فايز».

حي جاكس في الدرعية من المستودعات إلى حي الإبداع (مؤسسة «بينالي الدرعية»)

حي جاكس... حيث ينمو الإبداع

عند الحديث عن المؤسسة و«بينالي الفن المعاصر»، يتجه الاهتمام إلى حي جاكس الإبداعي؛ إذ لم يعد مجرد مقرّ لفعاليات البينالي، بل تحوّل من مستودعات صناعية إلى منطقة ثقافية نابضة بالإبداع والحياة. تضيف آية البكري: «إن التفكير في إطلاق البينالي كان سبباً في ظهور حي جاكس الثقافي»، مشيرةً إلى أن النمو في المنطقة كان سريعاً ومتواصلاً، إذ يضم اليوم عدداً من استوديوهات الفنانين المعروفين، إلى جانب صالات عرض للفنانين الناشئين. وتضيف: «لدينا أيضاً فنانون شباب لا يزالون في طور استكشاف هوياتهم الفنية، ومن مشروعاتنا المستقبلية تخصيص مساحة للإقامات الفنية هنا».

وإلى جانب ذلك، انضمت إلى جاكس شركات مختلفة مثل «آتريوم» المخصصة لفكرة الاقتناء؛ حيث تباع الأعمال الفنية وهي مغلفة ليكتشف المشتري لاحقاً ما هو العمل الذي اقتناه.

بشكل ما تتناغم المواقع المختلفة التي تعمل في حي جاكس مع المفهوم الأساسي الذي تعمل المؤسسة على دعمه. وتعلق آية البكري قائلة: «بالنسبة لنا، الفن والابتكار والثقافة هي مفاهيم أساسية».

حي جاكس في الدرعية من المستودعات إلى حي الإبداع (مؤسسة «بينالي الدرعية»)

لمكان مثل حي جاكس يبقى إقبال الجمهور هو المعيار الأهم لنجاحه، فكيف كانت ردود الفعل؟

تجيب البكري: «كانت ردود الفعل مذهلة، وهناك إقبال كبير على الحضور والعمل في الحي. نحرص على الحفاظ على هويته الإبداعية، ليس في مجال الفن فقط، بل في التصميم والموسيقى والسينما أيضاً». وتُشير إلى أن هيئة الأفلام أعلنت افتتاح «استوديوهات جاكس» للأفلام، كما افتتحت شركة «سناب شات» مقراً لها في الحي، إلى جانب وجود مكاتب لشركة «ميدل بيست».

وتوضح آية البكري أن إدارة حي جاكس تقوم على مبدأ النقاش والتعاون، قائلة: «لا نرغب في إدارة كل صغيرة وكبيرة أو التدقيق في التفاصيل، بل نسعى لأن نكون جزءاً من فريق يعمل مع الفنانين والمصممين وغيرهم، وأن نتيح للمشروعات التي اختارت الوجود في الحي أن تنمو تدريجياً». وتضرب مثالاً بشركة تقدّمت للحصول على موقع داخل الحي، فكان سؤال الإدارة لها: ماذا ستضيفون إلى جاكس؟ فافتتحت الشركة مقهى باسم «Off Brief»، تحوّل إلى نقطة جذب للعاملين والزوار، حيث يرتادونه لاحتساء القهوة والعمل في أجواء مريحة. كما ينظم المقهى ماراثوناً أسبوعياً كل يوم سبت، ينطلق المشاركون فيه من الحي باتجاه وادي حنيفة المجاور.

وتضيف: «نريد أن تكون الرياضة والممارسات الصحية جزءاً من هوية جاكس، ونحن سعداء بالشركات التي تتبنى هذا التوجه، لأنه يعكس ما نطمح إليه للحي».

المهرجان السعودي للتصميم في جي جاكس الدرعية (وزارة الثقافة)

خطط المستقبل

وعن خطط وأحلام مستقبل حي جاكس المتوسع، تقول آية البكري: «نريد أن يصبح المكان مساحة فنية متعددة الممارسات، ملهمة للزوار ويستمد منها الزوار أفكاراً خلاقة. أن يجد الزائر هنا ما يشغله، سواء بزيارة معرض، أو الاستماع للموسيقى، أو التوجه إلى مقهى، أو العمل في مساحة مناسبة، أو لقاء أشخاص رائعين، أو حتى تناول طعام شهي». ويشير الحديث إلى الطعام بوصفه أحدث مبادرات المؤسسة: «أطلقنا مشروعاً بعنوان (نكهات جاكس) لجذب المطاعم والطهاة الناشئين لتجربة وصفات مبتكرة كما يشاؤون». وتضيف آية البكري: «قدمت فتاتان فكرة إقامة مقهى للماتشا، ووافقنا، وتم افتتاح المقهى حيث تُعد الفتاتان القهوة وتقدمانها، وحقق المشروع نجاحاً مذهلاً».

حي جاكس في الدرعية (مؤسسة «بينالي الدرعية»)

«المدار» وأرشفة الفن الإسلامي

نعود للبينالي، فعند سؤالها عن إنجازات البينالي بعد دورتين للفنون الإسلامية وثلاث للفن المعاصر، تقول آية البكري: «مع كل دورة نشعر بأننا حققنا الكثير». وتشير إلى نمو أقسام «بينالي الفنون الإسلامية»، مثل «المدار» و«المقتني» و«جائزة المصلى»، مؤكدة أن هذه الأقسام ستستمر في نشاطها طوال العام. وتضرب مثالاً بقسم «المدار» الذي يتعاون مع متاحف مختلفة في جهود الترميم، لافتة إلى أن التعاون سيستمر خارج أوقات البينالي، وسيعود «المدار» بمعرض خاص خلال انعقاد الدورة المقبلة.

7 أعمدة أثرية من الحرم المكي تعرض في «بينالي الفنون الإسلامية» بجدة (الشرق الأوسط)

وعن المشروعات القائمة، تشير إلى إنشاء موقع إلكتروني لـ«المدار» لأرشفة القطع التي عرضت في الدورات السابقة، وهو ما سيكون مرجعاً مهماً للمؤسسات الفنية. ومن الأمثلة تتحدث عن عمود الكعبة الذي وضعه عبد الله بن الزبير في عام 65 هجرية بعد عملية إعادة بناء الكعبة المشرفة، وعرض في الدورة الأولى لـ«بينالي الفنون الإسلامية»: «لم يكن هناك الكثير من الأبحاث حوله، وقام فريق البينالي بالبحث والمراجعة، وسيتوفر كل ذلك في الأرشيف الذي يعد حالياً».

الأبحاث التي يعتمد عليها «بينالي الفنون الإسلامية» ستصبح مرجعاً للباحثين حول العالم، وهو ما يعني التعاون المشترك وتبادل المعرفة، «سيتعلمون من الأرشيف والأبحاث التي قام بها الباحثون والخبراء لدينا كما نتعلم منهم... أعتقد أنها لحظة فارقة ستغير العلاقة بيننا وبين العالم، وستبرز قصصنا وتاريخنا بشكل كبير، لهذا أشعر بالفخر أننا جزء من هذا التحول، وننتظر بفارغ الصبر إطلاق موقع (Al Madar Digital)، الذي سيكون علامة بارزة في إنجازات المؤسسة».

وفي ختام لقائي مع آية البكري سألتها عن طموحاتها الشخصية، فأجابت: «أنا متحمسة لرؤية التطور والازدهار في بلدنا، وأن نكون جزءاً من تاريخ المملكة العربية السعودية الفني والثقافي. ممتنة للقيادة، وللأمير بدر ومستشاريه، ولكل ما يحدث من تطور. طموحي كبير، وأرغب في العمل أكثر مع الطلاب والجامعات، لضمان أن يكون الفن والثقافة جزءاً لا يتجزأ من كل ما نقوم به».


«زينة رمضان»... طقس تاريخي يلازم الشوارع والحارات المصرية

الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
TT

«زينة رمضان»... طقس تاريخي يلازم الشوارع والحارات المصرية

الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)
الأضواء الملونة ضمن زينة رمضان (الشرق الأوسط)

اعتاد المصريون أن يستقبلوا شهر رمضان كل عام بالزينة مختلفة الألوان والأشكال، حتى أصبح هذا الطقس ملازماً للشوارع والحواري خصوصاً في المناطق الشعبية، وباستخدام خامات بسيطة يتم توفيرها من تبرعات تضامنية بين الأهالي.

ورغم ارتفاع أسعار الزينة التي وصلت لما يزيد على 40 جنيهاً (الدولار يصل إلى نحو 47 جنيها) لحبل الورق الملون الذي لا يتجاوز طوله عشرة أمتار، في حين تتراوح قيمة متر حبل الإضاءة «الليد» ما بين 15 و20 جنيهاً، أما الفانوس المعلق فسعره بين 350 و1000 جنيه. إلا أن هذا لم يمنع المصريين من الاحتفال بقدوم شهر رمضان، وكان الطريق إلى ذلك من خلال جمع الأموال والإسهامات البسيطة من كل بيت، لكي لا يحرم أي مكان من الاحتفال، ولم تخل حارة أو شارع من الأعلام والأشرطة الملونة والفوانيس، فضلاً عن المصابيح مختلفة الألوان.

ولتجاوز عقبات الغلاء في مواد الزينة لجأ بعض الشباب إلى صنعها بأنفسهم، واشتروا -حسب سعد عبد الهادي «عشريني» في منطقة الطالبية بحي الهرم- الأفرخ الملونة من المكتبات، وراحوا يكوّنون فريقاً، منهم من حوّلها إلى قصاصات، ومنهم من لصقها بالصمغ في أحبال الخيط، وقال عبد الهادي لـ«الشرق الأوسط» كانت هذه حيلتنا لتجاوز ارتفاع سعر رابطة الزينة، المكونة من الأشرطة المصنوعة من «السلوفان»، لم نشتر شيئاً سوى الفانوس، لأننا لا نمتلك حرفية صناعته.

الزينة الرمضانية يعلقها الأهالي في الشوارع والحارات (الشرق الأوسط)

وبالقرب من شارع العروبة بالهرم لجأ عدد من أبناء السكان إلى حيلة متفردة، لخصها محمود حسين «ثلاثيني» ويعمل في صناعة الحلوى، في تأجير الزينة خلال الشهر، وردها بعد انقضائه، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «حين عرفنا أن ما نقوم به كل عام سوف يكلفنا الكثير فكرنا في الاكتتاب وتأجير أحبال المصابيح من محل قريب لمستلزمات الأفراح، بدلاً من شرائها، كما اتفقنا مع صاحب المحل على المشاركة معنا في تزيين الشارع احتفالاً بحلول الشهر الكريم». ولفت إلى أن البعض يعلق فانوساً كبيراً وسط الزينة، لكن «لأن سعره يبدأ من 400 جنيه اكتفينا بالزينة المضيئة وأحبال المصابيح (الليد) المؤجرة»، على حد تعبيره.

ولأن تجارة الزينة والأشرطة الملونة تلقى رواجاً كبيراً خلال شهر رمضان، راحت معظم محلات وأصحاب المتاجر يبيعونها بحثاً عن الأرباح، بدءاً من محلات الكهرباء، حتى أصحاب الدكاكين الصغيرة، والمكتبات، ومن بينهم سعيدة مرزوق التي تمتلك مكتبة في منطقة ترسا بحي الهرم، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إنها تنتهز فرصة حلول شهر رمضان وتذهب إلى منطقة تحت الربع بالقرب من العتبة لتشتري من التجار هناك أنواعاً مختلفة من الزينة، لتبيعها لجيرانها. وأضافت أن «الإقبال كبير على شرائها، فلم يبق منها إلا كمية قليلة، وضعتها في مقدمة المكتبة التي تتخصص في بيع الأقلام والملخصات والأدوات الكتابية، لتعلن قرب نفاد بضاعتها».

زينة رمضان تأخذ أشكالاً متعددة (الشرق الأوسط)

اهتمام المصريين واحتفالاتهم بقدوم شهر رمضان -وفق قول الدكتور مسعود شومان، الباحث في الفنون الشعبية والتراث- مرتبطان بسعيهم الدائم للمزج بين المناسبات الدينية والسعادة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هم يرون المناسبات الدينية تقترن بالفرح والسرور، وفي كثير من البلدان حتى الآن يستقبلون رمضان بزفة يشارك فيها كل الطوائف وأصحاب المهن والحرفيين». وأشار شومان إلى أمثلة شعبية تصف رمضان وتعبر عن الفرحة به مثل «أوله مرق، ووسطه حلق، وآخره خلق» يقصدون اللحم، وصناعة الكعك، ثم الاحتفال بالعيد وارتداء الملابس الجديدة. كل أشكال الفرح هذه لا ينفصل عنها في رأي شومان تزيين الشوارع، موضحاً أن «المصريين يرون الشهر الكريم ضيفاً يجب استقباله بالأعلام والزينات، كأنه قريب طال غيابه، هنا تبدو (أنسنة رمضان) واضحة، يتعاملون معه على أنه مولود يتجلى في الهلال، وهنا تأتي الاحتفالات الطقسية بتزيين الشوارع، والأغنيات الشعبية لاستقباله، والموائد العامرة، يستمر هذا حتى يكبر الهلال ويختفي، ليبدأ دورة جديدة في رحلة عودة أبدية مرة أخرى».

ومع الزينات تظهر أغاني «يا أبو رمضان يا أبو صحن نحاس يا داير في بلاد الناس، سقت عليك أبو العباس لتبات عندنا الليلة»، و«يا رمضان يا عود كبريت يا مخوف كل العفاريت سقت عليك أهل البيت لتبات عندنا الليلة»، ويوضح هذا -حسب شومان- أنهم «يعدّونه ضيفاً، وكل منهم يسعى لاستضافته ليلة، ويجب هنا أن تكون الاستضافة بالزينات في الشوارع والأضواء في كل مكان، وهو عمل جماعي أساسه المشاركة والتعاون، وكل يُسهم بقدر استطاعته، القضية هنا لا دخل لها بالفقر وضيق ذات اليد، لكنها بالغنى الروحي الذي يتمتع به الناس في كل مكان»، على حد تعبيره.