اليابان تتجه جنوباً لاحتواء التمدد الصيني

اعتمدت سياسة الشفافية والاستدامة الاقتصادية

رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي يتوسط وزراء اقتصاد الدول المطلة على المحيط الهادي في طوكيو أمس (أ.ب)
رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي يتوسط وزراء اقتصاد الدول المطلة على المحيط الهادي في طوكيو أمس (أ.ب)
TT

اليابان تتجه جنوباً لاحتواء التمدد الصيني

رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي يتوسط وزراء اقتصاد الدول المطلة على المحيط الهادي في طوكيو أمس (أ.ب)
رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي يتوسط وزراء اقتصاد الدول المطلة على المحيط الهادي في طوكيو أمس (أ.ب)

مع الاهتمام العالمي المنصب على التوسع الصيني، ومحاولات بكين تطويق الهند في منطقة المحيط الهندي، تبرز اليابان على اعتبارها ثالث أكبر قوة اقتصادية عالمياً لتمارس قدرها المعتبر من النفوذ في المنطقة. ومع ملاحظة الحقائق الجيوسياسية العالمية سريعة التغير، فإن واقع اليابان الراهن لا يشير إلى استعداد طوكيو للتراجع في منافسات بسط النفوذ أمام الصين، والانخراط المتزايد في المناوشات الاقتصادية والعسكرية والسياسية على مختلف الأصعدة.
ومع العلم بأن الهند تعتبر الشريك الاستراتيجي الأكبر لليابان في المنطقة، فإن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي يرى أهمية تطوير علاقات بلاده الثنائية كذلك مع كل من بنغلاديش وسريلانكا ونيبال وميانمار، وغيرها من البلدان المستهدفة في مخطط النفوذ الصيني.
وفي حين أن أغلب الأبصار متجهة نحو مراقبة الاستثمارات الصينية للموانئ في حوض المحيط الهندي، فإننا يمكننا القول إن مقدار استثمارات البنية التحتية يابانية التمويل في المنطقة يرقى إلى - وربما يتجاوز - مستوى الاستثمارات الصينية هناك.

- الهند كشريك رئيسي
تنظر المبادرة اليابانية إلى الهند من زاوية الشريك الرئيسي في مواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية. وفي عام 2017، أعلنت كل من اليابان والهند عن مبادرة «ممر التنمية الآسيوي الأفريقي» المشتركة التي تهدف إلى بناء الاتصالات وخطوط الربط بين المحيط الهادي والقارة الأفريقية.
وتطمح الحكومة اليابانية راهناً إلى الاضطلاع بدور أكبر، إلى جانب الهند، في تطوير وتوسيع ميناء «تشابهار» الإيراني ذي الأهمية الاستراتيجية البالغة، الذي من شأنه أن يكون رأس الحربة في مواجهة تطوير ميناء غوادار الباكستاني المدعوم من بكين. وتقول الباحثة دارشانا بارواه، من معهد «كارنيغي» في الهند: «نشأت الشراكة الاقتصادية العميقة بين الهند واليابان من رحم الاعتراف المشترك بالجهود المبذولة من جانب الصين لتعزيز تواجدها ونفوذها في المنطقة، من خلال التمويل السخي لمشروعات التنمية لدى دول الجوار».
وفي حين أن العلاقات بين اليابان والهند ترجع إلى قرون من التاريخ، فإنها قد شهدت تحسناً ملحوظاً في السنوات الأخيرة من عهد رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، ونظيره الهندي ناريندرا مودي، حتى بلغت مستوى الشراكة الاستراتيجية والعالمية الخاصة، اعتباراً من عام 2014. وتعتبر اليابان ثالث أكبر الدول المستثمرة في الهند حالياً. وتقوم الهند مقام حجر الزاوية بالنسبة إلى اليابان في منطقة جنوب آسيا، وتعمل طوكيو جاهدة على تعميق الروابط مع نيودلهي على جميع الأصعدة والمستويات الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية والعسكرية.
وكانت اليابان قد تعهدت باستثمار مليارات الدولارات في الشمال الشرقي الهندي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية من الناحية الجغرافية نظراً لأنها تشرف على تقاسم الخطوط الحدودية بين الصين وبنغلاديش وميانمار وبوتان. كما أنها تشكل ركناً رئيسياً من الممر الاقتصادي الهندي الياباني المشار إليه سلفاً، الذي يأتي في إطار ممر التنمية الأوسع نطاقاً بين القارتين الآسيوية والأفريقية.
وقال الخبير الاستراتيجي الهندي مانوج جوشي معلقاً: «تزداد أهمية منطقة المحيط الهادي والهندي بصورة بالغة مع البراعة الاقتصادية والعسكرية المتنامية لدى البلدان الآسيوية المعنية بالأمر، مع أن الصين التي لا تزال تتصدر الطريق في ذلك حتى الآن. وتستقر غالبية سكان العالم الحالي في هذه المنطقة مترامية الأطراف من القارة الآسيوية، كما أنها تساهم بأكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع ما يقرب من نصف حجم التجارة العالمية التي تمر من هذه المنطقة تقريباً.

- ميناء «ماتارباري» في بنغلاديش
تفوقت اليابان على الصين في سباقهما نحو تشييد أول موانئ المياه العميقة في بنغلاديش، المعروف باسم ميناء «ماتارباري»، إلى جانب محطة لتوليد الطاقة بإجمالي استثمارات بلغت 3.7 مليار دولار.
وتحظى اليابان بصورة إيجابية إلى حد كبير لدى بنغلاديش، بسبب الاستثمارات المباشرة، وتواجد المئات من الرعايا اليابانيين الذين يقيمون في بنغلاديش لخدمة مختلف المشاريع. وحتى الوقت الحاضر، تصدرت اليابان قائمة أكثر الدول المانحة في بنغلاديش، بما يقارب 1.8 مليار دولار من القروض المدعومة حتى عام 2018 الماضي.
ويقول البروفسور صامويل بيرهيت، الأستاذ في جامعة «شيف ناغار» الهندية، موضحاً: «منذ أن أماطت الحكومة الصينية اللثام عن مشروعها الاستراتيجي الضخم، المعروف باسم مبادرة طريق الحرير، قبل 5 سنوات، ازداد التنافس الياباني الصيني من أجل الوصول إلى مختلف الموانئ المتناثرة عبر المحيط الهندي. وإلى جانب كونها ممرات مهمة لنقل معظم تجارة النفط في العالم، فإن البحار توفر أيضاً إمكانية الوصول إلى عدد من أكبر بلدان العالم، من حيث الكثافة السكانية والأسواق الكبيرة سريعة النمو».

- ميناء «ترينكومالي» في سريلانكا
بدأت تعمل اليابان في الآونة الراهنة على تطوير وتوسيع ميناء «ترينكومالي»، الواقع على الطرف الشمالي الشرقي من سريلانكا، حتى تتمكن البلاد من استقبال والتعامل مع السفن والحاويات الكبيرة. وكانت حاملة المروحيات اليابانية «كاجا»، وهي أكبر سفن الأسطول الحربي الياباني، قد أبحرت إلى ميناء «كولومبو»، في سريلانكا، في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، مما يعد من أبرز الخطوات التي اتخذتها اليابان في معركتها مع الصين، في ظل سعيهما الحثيث للسيطرة على طول الممرات البحرية التجارية الحيوية في المنطقة، رغم قيام الغريمين الكبيرين بعد ذلك بتنظيم المناورات الحربية المشتركة سوياً.
وكان الهدف من زيارة الحاملة البحرية اليابانية هو طمأنة سريلانكا بأن اليابان لديها المقدرة، وهي على استعداد لإرسال أقوى القطع العسكرية في الترسانة البحرية إلى المنطقة التي تشهد تنامي النفوذ الصيني.
ويقول المحلل الأمني كانوال سيبال معلقاً: «كان من المفترض أن يمثل وصول الحاملة (كاغا) إشارة مهمة إلى سريلانكا، بأن اليابان على استعداد لنشر أصولها العسكرية الكبيرة في المنطقة التي ينمو فيها النفوذ الصيني يوماً بعد يوم. ويعتبر الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسريلانكا ذا أهمية بالغة بالنسبة لليابان. وفي كل عام، تبحر أكثر من 60 ألف سفينة عبر الممرات البحرية الحيوية التي تبعد مسافة 100 ميل بحري على سواحل سريلانكا، وهي تحمل ثلثي نفط العالم، ونصف شحنات الحاويات التجارية العالمية. وبما أن اليابان تعتمد في تأمين موارد الطاقة المحلية على 90 في المائة من الواردات الخارجية، فإن تصاعد مستوى التهديدات التي تشكلها الصين في تلك المنطقة يضع اليابان في موضع لا تُحسد عليه».
وتشهد العلاقات الثنائية بين اليابان وسريلانكا تطوراً مطرداً على المستويات كافة. ويعتبر شينزو آبي أول رئيس لوزراء اليابان يقوم بزيارة رسمية إلى سريلانكا منذ 24 عاماً، وذلك في عام 2014، لتعقبها زيارة من رئيس وزراء سريلانكا إلى طوكيو خلال العام الماضي.
وكانت اليابان قد تبرعت في الآونة الأخيرة بزورقين حربيين للدوريات الساحلية إلى قوات حرس السواحل في سريلانكا، وتبلغ قيمة الزورق الواحد 11 مليون دولار. وتعتزم اليابان كذلك تصدير طائرات الدوريات البحرية من طراز «بي 3 سي» إلى سريلانكا. وفي الآونة الأخيرة، وصلت سفينة قوات الدفاع الذاتي اليابانية «إيكازوشي» إلى ميناء «هامبانتوتا» في سريلانكا، في زيارة ودية حديثة.
منطقة اقتصادية خاصة تربط ميانمار بتايلاند واليابان
تخطط اليابان وميانمار وتايلاند لإنشاء ميناء جديد ومنطقة اقتصادية خاصة في داوي، وتقدر تكلفة المشروع المبدئية بنحو 1.83 مليار دولار. وإلى جانب ذلك، سوف يتم تشييد طريق سريع يربط بين بانكوك وداوي، الأمر الذي قد يسفر عن تشكيل تكتل اقتصادي جديد. وقال الصحافي الهندي سي. راجاموهان معلقاً على الأمر: «من الواضح أن هذه المشاريع تسلط الأضواء على شواغل اليابان، بشأن تزايد الوجود الصيني في المنطقة. ويرى اليابانيون أنفسهم في حالة مواجهة تنافسية واضحة مع قرنائهم في الصين، وتحتل السيطرة على الموانئ الأهمية البالغة في ذلك. وأرى أن اليابان تساورها حالة من السرور الكبير لأجل ذلك الأمر».
غير أن اليابان تقول إن تنامي وجودها في المحيط الهندي يختلف من حيث النوع، وهو وجود يركز على الشفافية، والاستدامة الاقتصادية، والنظام القائم على احترام القواعد، الذي ينبغي أن يصير جزءاً من المعايير الإقليمية المعمول بها. ونادراً ما يتم الترويج للأنشطة الاقتصادية اليابانية في المحيط الهندي. ونتيجة لذلك، فإن المشاريع اليابانية لا تلفت الكثير من الأنظار على أي حال، بيد أن هذا المفهوم يحجب حقيقة مفادها أن اليابان انخرطت في أنشطة محمومة لتنفيذ مشروعات البنية التحتية والاتصالات في أرجاء المنطقة كافة.

- نيبال
تعتبر اليابان من أهم الشركاء التجاريين بالنسبة إلى نيبال، وتحتل طوكيو مساحة معتبرة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البلاد. وفي قمة الاستثمار المنعقدة في العاصمة كتمندو لعام 2017، حدد المستثمرون من اليابان ونيبال أهدافهم الاستثمارية بأرقام بلغت نحو مليار دولار أميركي. وهناك أكثر من 60 ألف مواطن من رعايا نيبال يقيمون في اليابان، ومن المنتظر لذلك الرقم أن يرتفع مع زيادة أعداد الطلاب الوافدين من نيبال إلى اليابان للحصول على درجات الدراسات العليا من الجامعات اليابانية. كما أنشئت علاقات المدن الشقيقة بين كوياسان في اليابان ولومبيني في نيبال مؤخراً.
ومن المؤكد أن تزايد النفوذ الياباني في نيبال سيسفر عن حالة إرباك واضحة للخطط التوسعية الصينية، لا سيما مع الوضع في الاعتبار تقاسم نيبال لحدود مشتركة مع إقليم التبت الصيني. كما تسعى باكستان سعياً حثيثاً لتأمين نصيبها من الاستثمارات مع الحكومة اليابانية، في محاولة لجذب المستثمرين اليابانيين إلى البلاد، خصوصاً في قطاع تكنولوجيا المعلومات. ورغم ذلك، فإن البيئة الأمنية غير المستقرة التي تعاني منها باكستان قد أسفرت عن تحول الاهتمام الياباني بالاستثمار في باكستان، بينما لا تزال الصين تلعب دور الأخ الكبير بالنسبة لإسلام أباد، في استغلال واضح لتلك الأجواء الراهنة.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended