دول الساحل الأفريقي... أحلام كبيرة وسط الأشواك

في طليعة الأهداف إطلاق مسيرة التنمية ومحاربة الإرهاب

دول الساحل الأفريقي... أحلام كبيرة وسط الأشواك
TT

دول الساحل الأفريقي... أحلام كبيرة وسط الأشواك

دول الساحل الأفريقي... أحلام كبيرة وسط الأشواك

احتفلت «مجموعة دول الساحل الأفريقي» بمرور أربع سنوات على تأسيسها، ولكن هذا الاحتفال كان ناقصاً بسبب الهواجس التي نغصت على هذه الدول فرحتها، فالحصيلة التي خرجت بها المجموعة ما تزال في نظر البعض هزيلة، في ظل انتشار الجماعات الإرهابية التي يزداد نفوذها يوماً بعد يوم، مع تأخر كبير في إطلاق مشاريع تنموية تحسن من أوضاع السكان المحليين.
ولكن قادة دول المجموعة، التي تضم كلاً من موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، أكدوا أن حصيلتهم كانت «إيجابية».
وقال الرئيس الدوري للمجموعة، محمدو يوسفو، رئيس النيجر، إنهم خلال أربع سنوات حققوا «تقدماً معتبراً يدعو للفخر».
وأضاف يوسفو، في خطاب بمناسبة مرور أربع سنوات على تأسيس المجموعة، أن العمل الذي قاموا به «يأتي وفق استراتيجية أمنية وتنموية» صادقت عليها الدول الخمس عام 2016. وهي الاستراتيجية التي قال إنها «تُشكل الإطار المرجعي للحكم والتسيير في مجالنا الإقليمي». إلا أن هذه الاستراتيجية ما تزال تواجه تحديات كبيرة أولها العجز عن توفير التمويل، رغم الوعود الكبيرة التي تعطيها المجموعة الدولية.

أسست «مجموعة دول الساحل الأفريقي» الخمس خلال قمة استضافتها العاصمة الموريتانية نواكشوط، في شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2014. وهي عبارة عن تحالف إقليمي يسعى لتحقيق أهداف أمنية وتنموية. ويخوض هذا التحالف في سبيل ذلك حرباً شرسة ضد الجماعات الإرهابية وشبكات التهريب الناشطة في منطقة الساحل الأفريقي، كما يخوض حرباً أخرى أكثر شراسة ضد الفقر والجهل والمرض في واحدة من أفقر بقاع العالم.
يقول رئيس النيجر محمدو يوسفو، في حديثه عن الفكرة التي كانت وراء تأسيس المجموعة: «بلداننا بدأت قبل أربع سنوات عملاً شجاعاً لتبادل جهودها من أجل تحقيق التنمية والأمن، وذلك لتشجيع خلق نهضة تنموية شاملة، وازدهار مشترك في منطقة الساحل».
ويضيف يوسفو أنه فيما يتعلق بتحقيق الأمن شكلت دول الساحل قوة عسكرية مشتركة «تعزز قوتها بشكل تدريجي»، مشيراً إلى أنه رغم وجود هذه القوة التي ما تزال في طور التشكيل والنمو «تخوض جيوش دول الساحل (منفردة) حرباً للقضاء على المجموعات الإرهابية والناشطين في مجال الجريمة العابرة للحدود». ويؤكد رئيس النيجر أنهم، كقادة، راضون تماماً عن حصيلة عمل المجموعة، وخاصة ما حققوه العام الماضي (2018) الذي قال إنه «كان عاماً محورياً بالنسبة لمجموعتنا، لقد نجحنا خلاله في إضفاء المصداقية على العمل الذي نقوم، من خلال الحصول على ثقة المجموعة الدولية».
غير أن يوسفو، الذي هو المتحدث باسم مجلس قادة دول الساحل الخمس، ينظر إلى المستقبل بتفاؤل مشوب بقدر كبير من الحذر. وهذا، فيما يتعلق خاصة بالمحور التنموي والتعهدات الدولية بتمويلات كبيرة وصلت إلى أكثر من ملياري يورو، لتمويل أربعين مشروعاً تنموياً في منطقة الساحل، من المنتظر تنفيذها بداية من 2019. وهنا يقول يوسفو: «يجب علينا تحويل هذه الالتزامات المالية إلى شيء ملموس». ويتابع مشيراً إلى أن هيئات مجموعة دول الساحل الخمس تعمل على ذلك من خلال ما سماه «آليات خاصة». إلا أن رئيس النيجر يعتبر أن الأهم في البداية هو «تعزيز وتقوية الأمانة الدائمة لمجموعة دول الساحل الخمس لتكون أكثر فاعلية». والأمانة العامة هي العمود الفقري لعمل المجموعة، ومقرها في العاصمة الموريتانية نواكشوط، لكنها ما تزال تعاني من قصور كبير.
هنا، لا يخفي قادة دول الساحل قلقهم حيال حجم التحديات التي تواجه مشروعهم، وهذا ما يؤكده يوسفو حين يقول مخاطبا شعوب دول الساحل الخمس «أمام التحديات الكثيرة التي تواجه دولنا، نحن الرؤساء في حالة استنفار دائمة وندرك الحاجة الملحة والعاجلة للتحرك السريع نحو تحويل هذه الوعود إلى إنجازات ملموسة».

وعود وتحديات
التحديات التي تواجه منطقة الساحل الأفريقي كبيرة وخطيرة، بإجماع المراقبين والمهتمين بهذه المنطقة. ولكن في المقابل تبدو الوعود التي أطلقها قادة هذه الدول الخمس كبيرة جداً هي الأخرى، وهو ما أثار الشكوك حول جدية المشروع الذي يتحدثون عنه، خاصة حين تكون بعض هذه الدول مهددة في كيانها ووجودها، على غرار دولة مالي التي كادت تحتلها الجماعات الإرهابية قبل ست سنوات فقط، لولا التدخل العسكري الفرنسي، الذي أنقذ العاصمة باماكو من الوقوع في قبضة تنظيم «القاعدة». ولا تزال هذه الجماعات الإرهابية متغلغلة في شمال ووسط البلاد، وهي تملك قواعد شعبية وحاضنة اجتماعية قوية، ما يشكل خطراً حقيقياً على هذه الدولة الهشة.
تشير التقارير إلى أن منطقة الساحل الأفريقي تواجه تحديات مناخية وبيئية خطيرة، في ظل الظروف المناخية الصعبة التي تزداد صعوبة بسبب تسارع التغير المناخي وهشاشة البنية التحتية الأولية والعزلة التي تعاني منها المناطق الحدودية. وهي مناطق تعتمد في أغلبها على الزراعة والرعي، وبالتالي، فأي تغيير مناخي يضربها في الصميم ويؤثر على حياة السكان، ويزيد من احتمال تصاعد التوتر العرقي في هذه البلدان الهشة.
كل هذه التحديات الأمنية والبيئية والاجتماعية الخطيرة تجعل طموحات دول الساحل على المحك، خاصة تلك الطموحات التنموية. مع ذلك يقول رئيس النيجر بلهجة واثقة إن «السنوات المقبلة ستكون سنوات الإنجازات الملموسة من أجل تحقيق تحول إيجابي على وجه منطقة الساحل، ومنح غد أحسن لشعوبنا جميعاً من دون استثناء».
وتزداد قائمة الوعود التي يطلقها قادة دول الساحل كل عام. وفي العام الجديد (2019) أطلقوا برنامجاً تنموياً وصفوه بـ«العاجل»، تم وضعه بالتعاون مع «تحالف الساحل». وهو تحالف دولي يسعى لمساعدة دول الساحل على تحقيق التنمية والاستقرار، ويضم ألمانيا والدنمارك وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا ولوكسمبرغ وهولندا، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي والبنك الأفريقي للتنمية، والبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
البرنامج التنموي العاجل، الذي أعلن عنه قبل أسابيع فقط، يستهدف المناطق الحدودية الأكثر هشاشة في دول الساحل الخمس، ويقوم على أربعة محاور رئيسية هي: الأمن، والحكامة، والبنية التحتية، والصمود والتنمية البشرية. وهو جزء من «برنامج الاستثمارات ذات الأولوية»، الذي أعلن عنه في مؤتمر نواكشوط خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الذي يتطلب تنفيذه 2.4 مليار يورو، ما تزال تعهدات من المموّلين والشركاء، ما يثير إشكالية كبيرة تتعلق بمصادر التمويل.

وعود التمويل
تعتمد «مجموعة دول الساحل» في تنفيذ خططها مشاريعها على المنح والتبرعات التي تحصل عليها من المجموعة الدولية ويعد الاتحاد الأوروبي والمملكة العربية السعودية أكبر مموّلين لمشاريع وخطط المجموعة، في إطار دعمهما للحرب على الإرهاب في هذه المنطقة من العالم.
وكانت فرنسا قد رمت بثقلها عندما حاولت أن تدفع مجلس الأمن الدولي إلى وضع القوة العسكرية المشتركة لدول الساحل تحت البند السابع للأمم المتحدة، وأن تكون مموّلة من طرف المنظمة الأممية، إلا أن الولايات المتحدة وبريطانيا وقفتا في وجه المشروع الفرنسي ورفضتاه بقوة بحجة أن الأمم المتحدة تعاني من «أزمة تمويل»، في ظل تزايد مصاريفها.
ومنذ ذلك الوقت تفاقمت أزمة التمويل التي تعاني منها المجموعة، التي عاشت تجربة صعبة العام الماضي. وهي تلاحق تعهدات بتمويل قوتها العسكرية المشتركة بقيمة 420 مليون يورو، ما يوحي بأن مهمتها ستكون صعبة، مع الإشارة إلى أن الممولين تعهدوا بمبلغ 2.4 مليار يورو خلال مؤتمر نواكشوط. ومن ثم، يتساءل العديد من المراقبين حيال الآلية التي ستعتمدها دول الساحل من أجل الحصول على هذه التمويلات وتحويلها إلى مشاريع ملموسة.
مسؤول رفيع في الأمانة الدائمة لدول الساحل الخمس، قال في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن قادة دول الساحل حاولوا استغلال العامل الزمني للضغط على الممولين، وذلك من خلال وضع استراتيجية يجري تنفيذ المرحلة الأولى منها على مدى ثلاث سنوات فقط. وهي تبدأ عام 2019 وتنتهي 2021. وبالتالي «لا وقت يمكن تضييعه في مطاردة الوعود»، كما يقول المسؤول الأفريقي.
ويضيف المسؤول أن الأمانة الدائمة لمجموعة دول الساحل «حاولت في خطتها المستقبلية الرفع من مستوى متابعة التمويلات عبر لجان مشتركة بين المجموعة وحكومات دول الساحل الخمس. وبدل أن تسعى كل حكومة منفردة للبحث عن تمويلات، فإن الدول الخمس ستتحرك ككتلة واحدة للضغط على أصحاب التعهدات حتى الوفاء بها». ويوضح المسؤول قائلاً إن دول الساحل «قدمت مشاريع واضحة ومبسطة ومدروسة للممولين، وهم تعهدوا بتمويل هذه المشاريع الجاهزة، وبالتالي فإن توجيه التمويلات لم يعد مشكلة مطروحة»، وفق تعبيره.
من جهة أخرى، يرى الخبير الاقتصادي الفرنسي ألين فوجاس أن دول الساحل قد تنجح هذه المرة في حشد التعهدات التي حصلت عليها، وذلك لأن «المشاريع التي قدمت للممولين كانت منطقية جداً، وأكثر واقعية من مشاريعها السابقة، التي كانت تتطلب حشد 15 مليار يورو. وهذا رقم فلكي بالمقارنة مع ميزانية المشاريع الحالية، التي هي 2 مليار يورو ستخصص لتمويل 40 مشروعاً من ضمنها تشييد سكة حديد تربط عواصم دول الساحل الخمس، وإنشاء شركة طيران موحدة، بالإضافة إلى مشاريع تستهدف سكان المناطق الحدودية كالطرق والتعليم والزراعة ومحاربة الفقر والتطرف والغلو».
ويضيف الخبير الاقتصادي الفرنسي أن دول الساحل حين طلبت هذه التمويلات أعلنت أنها ستساهم فيها بنسبة 13 في المائة، كما أن جزءاً كبيراً من التمويلات التي تعهد بها «تحالف الساحل»، تم رصدها بالفعل، وهذا يثير الحماس لدى بقية الممولين للوفاء بالتزاماتهم، وفق تعبير فوجاس.
ثم إن الأمانة الدائمة للمجموعة أكدت أن المشاريع التي تعمل عليها هي مشاريع «صغيرة الحجم»، أي أنها «قابلة للإنجاز» في الحيز الزمني المعلن عنه، وذلك تماشيا مع الدروس التي استخلصوها من مشاريعهم السابقة التي كانت كبيرة الحجم وصعبة التنفيذ. وبالتالي، دوماً تجد صعوبات في تمويلها وتنفيذها على أرض الواقع. كذلك تقول الأمانة الدائمة للمجموعة إن المشاريع التي سيصار إلى تنفيذها خلال العام الجاري مشاريع «سريعة التأثير». أي أنها في ظرف سنوات قليلة ستغير من حياة السكان المحليين، على غرار توفير المياه وتشييد شبكات طرق والتغطية بالهاتف والإنترنت وخلق فرص العمل، بالإضافة إلى توفير الأمن والاستقرار.

خطر الفساد
في المقابل، رغم الصورة الوردية التي يرسمها المسؤولون عن المستقبل الواعد لمنطقة الساحل الأفريقي، فإن خلف الألوان الزاهية الكثير من العيوب. ويشير الخبراء إلى أن أكبر عيب يمكن أن يفسد جميع الخطط التي وضعتها مجموعة الساحل للمستقبل هو الفساد، الذي تشير التقارير الدولية إلى أنه منتشر بقوة داخل دول الساحل الأفريقي، ويعيق عمل حكوماتها. وهذا يعني أنه سيشكل «خطراً حقيقياً» على جميع المشاريع والخطط التي أعلنت عنها المجموعة.
وعلى سبيل المثال، في موريتانيا – التي تعد البلد الأكثر تطوراً في مجال محاربة الفساد بالمقارنة مع بقية دول الساحل - أعلن الرئيس محمد ولد عبد العزيز منذ وصوله إلى السلطة عام 2008 حرباً على الفساد. ولكن رغم مرور أكثر من عشر سنوات على هذه الحرب، ما تزال التقارير تتحدث عن انتشار الفساد في البلاد. ولا تمر أشهر من دون اعتقال مسؤول أو رجل أعمال بتهمة الفساد.
ولكن، رغم انتشار المخاوف من أن تذهب هذه التمويلات إلى جيوب المفسدين، يشير مسؤول في الأمانة الدائمة لمجموعة دول الساحل إلى أن هناك «آليات» تم اعتمادها من أجل الحد من الفساد، وضمان توجيه هذه التمويلات إلى المشاريع المخصصة لها، وتنفيذها وفق المعايير والنظم المعتمدة دولياً. ويقول الخبير في البنية التحتية في مجموعة دول الساحل الخمس، ميكايلو سيديبي، إن المشاريع «سيشارك في تنفيذها مختلف الفاعلين على المستوى المحلي والإقليمي والوطني، وذلك من أجل ضمان التنفيذ الجيد والجودة العالية للمشاريع التي ستقام لصالح السكان».

الخطة الأمنية
الخطة الأمنية لدول الساحل الخمس خلال الفترة المقبلة تبدو واضحة الأهداف، ولكن تغيب وسائل محددة وخطط محكمة لتحقيق هذه الأهداف. ويقول في هذا السياق مسؤول أمني في «مجموعة دول الساحل» إن الأهداف الأمنية هي «ضرب المجموعات الإرهابية في الصميم، وتفكيك مسالك الإمداد التي تستفيد منها، وهي مسالك تنتشر عبر الحدود وتستغل غياب الدولة في مناطق واسعة من الساحل». ويضيف هذا المسؤول الأمني أن الهدف الأهم هو «طمأنة السكان المحليين في المناطق المتضررة. إنه عمل شاق وصعب، لكنه ضروري وسنستمر فيه من دون تردد ولا تقاعس».
وحقاً، السكان المحليون فقدوا الثقة في «مجموعة دول الساحل» وفي دولهم. ويقول العديد منهم إن المجموعة الدولية وهيئات التمويل الدولية ضخّت أموالاً طائلة في المنطقة ولكن هذه الأموال لم تنعكس على الأمن والاستقرار والتنمية، يقولون إنها ذهبت إلى جيوب المسؤولين الفاسدين، وبالتالي لا جدوى من حشد تمويلات جديدة.
ثم إن السكان المحليين باتوا يخافون جنود القوة العسكرية المشتركة لدول الساحل، وبقية القوات المنتشرة في شمال مالي، لأنها في نظرهم أهداف للمجموعات الإرهابية، وبالتالي، فإنها تعرِّضهم لخطر الإرهاب بدل أن تحميهم منه. وهذا تناقض أفرزته الأوضاع الأمنية الصعبة في المنطقة.
ومن جهة أخرى، تثير العديد من المجتمعات المحلية الشكوك حول مدى التزام هذه القوات بالقانون وانضباطها، خاصة فيما يتعلق بتعاملها مع السكان المحليين من عرقيات الفلان والطوارق والعرب. إذ يتعامل أغلب هؤلاء الجنود معهم على أنهم «إرهابيون محتملون»، ويضعونهم دوماً محل شبهة، وربما يطلقون عليهم النار في أول لحظة شك. ولكن، مع وجود هذه التحديات، تحاول القوة العسكرية المشتركة أن تضع خططاً عسكرية بقيادة الجنرال الموريتاني حننا ولد سيدي، الذي تولى قيادتها منتصف العام الماضي، وما تزال تحاصره المشاكل الفنية واللوجيستية، في ظل تأخر تمويل هذه القوة العسكرية المشتركة التي يراهن عليها لخوض الحرب الأهم لتحقيق الرفاه في الساحل، الحرب ضد الإرهاب.

محطات مهمة في مسيرة «المجموعة»

- أسست «مجموعة دول الساحل الأفريقي» في شهر فبراير (شباط) 2014. ولكن التوقيع على اتفاقية تشكيلها بشكل رسمي لم يتحقق سوى في 19 ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه في العاصمة الموريتانية نواكشوط.
- أطلقت «مجموعة دول الساحل» الخمس «قوة عسكرية مشتركة» في شهر يوليو (تموز) 2017. وجرى تشكيلها من أجل ثلاثة أهداف، هي: محاربة الإرهاب، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومكافحة تهريب البشر.
- «القوة العسكرية المشتركة» تتكون من 5 آلاف جندي، يتوزعون على 7 فرق عسكرية. وهي تنتشر في ثلاث مناطق رئيسية (الشرق، والوسط، والغرب).
- أول عملية ميدانية نفذتها هذه «القوة العسكرية» كانت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، بالتنسيق مع جيوش مالي والنيجر وبوركينا فاسو، على الحدود بين البلدان الثلاث.
- خلال مؤتمر انعقد في العاصمة البلجيكية والأوروبية بروكسل، خلال شهر فبراير 2018. تعهد المموّلون والشركاء برصد 414 مليون يورو لصالح هذه القوة كي تكون فعالة.
- خلال مؤتمر انعقد بالعاصمة الموريتانية نواكشوط، خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) 2018، تعهد الممولون والشركاء برصد 2.4 مليار يورو لصالح مشاريع تنموية ستنفذ خلال ثلاث سنوات في منطقة الساحل الأفريقي.


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع ميلونشون (رويترز)

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة


«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.