وضوح «جنرال الحديدة» يزعج الحوثيين ويعكر مراوغاتهم

قيادي في الصف الثاني يتهم كومارت بالسعي إلى إسقاط «استوكهولم»

صورة متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي لسيارات الأمم المتحدة التي كانت تقل الجنرال وقت إطلاق النار في الحديدة أول من أمس
صورة متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي لسيارات الأمم المتحدة التي كانت تقل الجنرال وقت إطلاق النار في الحديدة أول من أمس
TT

وضوح «جنرال الحديدة» يزعج الحوثيين ويعكر مراوغاتهم

صورة متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي لسيارات الأمم المتحدة التي كانت تقل الجنرال وقت إطلاق النار في الحديدة أول من أمس
صورة متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي لسيارات الأمم المتحدة التي كانت تقل الجنرال وقت إطلاق النار في الحديدة أول من أمس

اتفق مسؤولون ومحللون سياسيون يمنيون على أن وضوح الجنرال الهولندي باتريك كومارت رئيس لجنة إعادة الانتشار في الحديدة أزعج الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران، ودفعها إلى اعتباره «مشكلة» وإلى اتهامه بالسعي إلى إسقاط اتفاق استوكهولم، وعكر صفو المراوغات التي يتخذونها سبيلا في التعاطي مع المجتمع الدولي.
هذا الوضوح دفع قياديا في الصف الثاني بالجماعة أمس، إلى إعلان عدم قبول القرار الأممي رقم 2452 الذي يدعم خطة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للحديدة، في إشارة تمهيدية تعتقد الجماعة بأنها ستنجح بعد مزيد من التصعيد حولها إلى المساومة، لتكون المعادلة: قبول القرار=تغيير الجنرال. وتستخدم الجماعة عادة أسلوب التصعيد والتهديد على الأرض لتمهد لخطوات سياسية مقبلة، على غرار ما فعلت مع المبعوث الأممي السابق إسماعيل ولد الشيخ أحمد.
وغداة اتهام الحكومة اليمنية للميليشيات الحوثية باستهداف باتريك كومارت، صعّد القيادي في الصف الثاني بالجماعة من لغة التعاطي مع الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، متهما الجنرال الهولندي بالسعي لإسقاط اتفاقية «استوكهولم».
ونقلت «فرانس 24» على موقعها، إعلان عضو المجلس السياسي للحوثيين محمد البخيتي رفض الجماعة (المدعومة من إيران) توسيع البعثة الأممية، وقال البخيتي «لن نقبل الحوار حول زيادة عدد المراقبين الدوليين إلا بعد حل مشكلة باتريك كومارت لأنه قد سعى منذ اللحظة الأولى من تعيينه لإسقاط اتفاق استوكهولم حيث وصفه بأنه اتفاق غامض وسعى لاتفاق جديد».
وكان الجنرال قضى يوما عصيبا أول من أمس في الحديدة، بدأ بعرقلة تحركه تجاه وفد الشرعية المشارك في اللجنة، وانتهى باستهداف موكبه.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة إن الجنرال وأعضاء فريقه سالمون في الحديدة، في اليمن، بعد وقوع حادثة إطلاق نار (أول من أمس). ووفقا لما نشره موقع أخبار الأمم المتحدة بنسخته العربية، ذكر المتحدث ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمم المتحدة أن كومارت «كان في اجتماع مع ممثلي الحكومة اليمنية في لجنة التنسيق، وعند مغادرته مع فريقه تعرضت سيارة مصفحة عليها شارة الأمم المتحدة، لإطلاق نيران أسلحة صغيرة»، وأضاف أن الفريق عاد إلى قاعدته دون وقوع أي حوادث أخرى»، مشيرا إلى «عدم تلقي معلومات عن مصدر إطلاق النار».
واتصلت «الشرق الأوسط» أمس بالجنرال كومارت لمزيد من التفاصيل حول الحادثة، لكنه فضل عدم التعليق.
قراءة في استعداء كومارت
يقرأ حمزة الكمالي وهو وكيل وزارة الشباب والرياضة اليمني تصريحات البخيتي بالقول: «التصعيد الإعلامي الحوثي هو سياسة الحوثيين في التعاطي مع الأمم المتحدة خلال هذه الفترة، وهي سياسة موجهة لإفشال جهود المنظمة الدولية للسلام في اليمن»، وبسؤاله خلال اتصال هاتفي أمس «لماذا الجنرال وليس المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث مثلا»، قال الوكيل «لأنهم يشعرون بأن الجنرال يطبق القرار بحذافيره ولا يجيد التلاعب والالتفاف وليس لديه هامش سياسي كما يوجد لدى المبعوث».
ويتفق نجيب غلاب رئيس مركز الجزيرة العربية للدراسات مع الكمالي في مسألة الوضوح. لكنه يقرأ المسألة من عدة زوايا. ويقول غلاب الذي ألف كتابا عن «الإسلامويين في اليمن»: كومارت قدم تفسيرا واضحا لاتفاق استوكهولم مستندا على القرارات الأممية، ومن الواضح أنه بعد اللقاءات المتعددة التي جرت في الحديدة مع الحوثيين في اللجنة المشتركة لإعادة الانتشار وجدت الحوثية أن أطروحات الجنرال أكثر وضوحا، وهذه لجنة تقاريرها ترفع إلى الأمين العام وهي أكثر قربا إلى مجلس الأمن، وتفسيراتها التي تقدمها هي الأقرب إلى روح ونصوص اتفاقية استوكهولم إلى مجلس الأمن، هذا شكل صدمة للحوثيين لأن تعامل المبعوثين الناعم أوحى لهم بأن تفسيراتهم يمكن تمريرها لكن اتضح لهم من خلال الاجتماعات مع كومارت أن هناك اتجاها واضحا لإخراجهم من الميناء والاتفاقية واضحة مثل إزالة كافة العوائق كالمشرفين الذين يديرون بالفعل أعمال الحوثيين في مناطق سيطرتهم.
«الجنرال عسكري ولديه خبرة سابقة في التعامل مع المقررات الأممية وهو تنفيذي أكثر من أنه سياسي» يضيف غلاب: «لقد رفض المسرحية الحوثية في ميناء الحديدة وكان أكثر التزاما بنصوص الاتفاق والمقررات الأممية ولذلك وجدنا أن الحوثية لجأت إلى المبعوث وطالبته بإخراج باتريك رغم أنه لا يملك هذا الحق».
ويشدد رئيس مركز الجزيرة العربية للدراسات أن المسألة تأخذ اتجاهين، الأول صنع صراع بين مكتب المبعوث والمراقبين، وهذه طريقة ساذجة لأن الحوثية هنا تتعامل مع الأطراف الدولية وكأنها تتعامل مع قبيلة من طوق صنعاء. أما الثاني فهي تريد إعاقة تنفيذ الاتفاق وتدرك بأن ذلك سيقود إلى ضغط من مجلس الأمن وبالتالي وصاية دولية بمظلة أممية وإن حدث ذلك فإن هذه الوصاية ستصل إلى صنعاء.
ويتوسع غلاب في قراءة الصراعات داخل الحركة، بقوله «إن الجناح المتطرف داخل الحركة والمرتبط بإيران يقود إلى هدم الاتفاقات كلها حتى تستمر ورقة أمن البحر الأحمر وتهديد الملاحة الدولية بيد طهران وبالتالي لن تفقد هذه الورقة في حال المصالحة، وهي توجه وكيلها الحوثي إلى إعاقة الحل».
كما يذهب إلى أن «اتفاق استوكهولم كان الهدف الإنساني منه حل المسألة الإنسانية أولا وأيضا تسهيل مرور المساعدات والإغاثة والسلع التجارية، وكان هذا الملف من أقوى الملفات التي توظفها الحوثية وبعض الدول والمنظمات الدولية ضد التحالف والشرعية، واتضح أن هذا الملف والكثير من المشاكل سببها الحوثي، وكانت تقارير الغذاء العالمي ومنظمات أخرى مؤشرا واضحا، وبالتالي تشعر الحوثية بخسارة كاملة هي وإيران، وبالذات الجناح المتطرف داخلها»، مكملا: «هناك جناح معتدل لا يمانع وصاية دولية حتى على صنعاء نفسها لأن لديهم قناعة كاملة أن الحوثية أصبحت ضعيفة وأن انتصار اليمنيين عليها مسألة وقت وبالتالي يريدون جعل الوصاية الدولية جزءا من صالحهم، وهذا التيار تستغله بعض القوى الغربية (...) لكن هذه الاتجاهات داخل الحركة لن تقود إلى حلول سياسية بل إلى فوضى وأزمات مركبة». وزاد غلاب: «لو كانت الحوثية فعلا مراهنة على المصالح الوطنية وعلى مصالح الناس والحل السياسي لقبلت بتسليم الموانئ والمدينة لليمنيين والقوى المحلية رغم أن الشرعية لا تسيطر عليها بل هي قوى محلية موجودة من قبل الشرعية وتمارس عملها بكل أريحية، لكن من الواضح أن الحوثية معادية ضد كل اليمنيين ويتعاملون كعصابة لا يعتبر اليمن بالنسبة لهم حتى آخر الهموم».

- إدانة لاستهداف الأمم المتحدة
ووجد الهجوم على الجنرال الهولندي رد فعل غاضبا لدى الحكومة اليمنية والتحالف، إذ قال رئيس الوزراء اليمني الدكتور معين عبد الملك إن الحادثة لا تستهدفه كشخص «بل تستهدف مساعي السلام التي خرجت بها مشاورات استوكهولم وجهود المجتمع الدولي».
وفي تعليقه على استهداف الجنرال أول من أمس، أعلن الأمير خالد بن سلمان السفير السعودي لدى الولايات المتحدة إدانة بلاده للهجوم الذي استهدف موكب الأمم المتحدة من قبل الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران. وأكد السفير في تغريدة على حسابه في «تويتر» أن الحوثيين «الذين انتهكوا التزاماتهم الموقعة في استوكهولم يستمرون في انتهاك القانون الدولي ويصعدون عدوانهم على الشعب اليمني».
بدوره، قال وزير الإعلام اليمني معمر الإيرياني إن «مجلس الأمن والمبعوث الخاص لليمن مطالبان بموقف صارم مع ميليشيا الحوثي التي أكدت بتصعيدها الأخير والخطير ما أكدنا عليه مرارا أن الميليشيا عائق أمام السلام في اليمن وأنها مجرد أداة إيرانية لنشر الفوضى وزعزعة أمن واستقرار المنطقة وتهديد دول الجوار وأمن الممرات الدولية في البحر الأحمر»، مضيفا في سلسلة تغريدات عبر حسابه في «تويتر»: «إصرار الميليشيات الحوثية على إفشال اتفاق استوكهولم تجاوز رفضها تنفيذ بنوده الملزمة بالانسحاب من موانئ ومدينة الحديدة وفتح الطرق للإمدادات الغذائية وعرقلة التئام اللجنة المشتركة والاستمرار في خرق وقف إطلاق النار ليصل حد الاعتداء على موكب فريق الرقابة الأممية».

- تهديدات سابقة
لم يكن جديدا تصعيد الحوثيين ضد الأمم المتحدة وممثليها. فمنذ مطلع يناير (كانون الثاني) الحالي، هاجمت لجنة اقتصادية حوثية الأمم المتحدة، فقد سبق وأن دعا القيادي البارز في الجماعة ووزيرها في حكومة الانقلاب للشباب والرياضة حسن زيد، إلى طرد رئيس المراقبين في الحديدة وإشعال القتال مجدداً، معتبراً في منشور له على «فيسبوك» أن كومارت يحاول تسليم المدينة وموانئها لأعداء الجماعة من الأميركيين والبريطانيين والسعوديين والإماراتيين، على حد زعمه.
وقال القيادي الحوثي حسن زيد مخاطبا جماعته: «احذروا الهولندي، وتباً له وللترتيبات الممهدة للاحتلال» على حد زعمه. مشيراً إلى أن القوات الحكومية والتحالف الداعم لها عجزت عن أخذ المدينة والموانئ بالقوة وهو ما لا يمكن منحه للهولندي كومارت. ودعا زيد وهو من المطلوبين للتحالف الداعم للشرعية ضمن قائمة الأربعين، إلى طرد رئيس المراقبين الأمميين من الحديدة، وقال: «فليرحل من اليمن ولندافع عن كل شبر حتى آخر قطرة من دمائنا».
وفي أعقاب الفضيحة الأممية التي ألمت بالجماعة، اتهمت اللجنة الاقتصادية الحوثية الأمم المتحدة «بالتقاعس والبرود إزاء الملف الاقتصادي للشعب اليمني، وانخفاض صوتها الذي كان مناديا بضرورة وسرعة صرف رواتب موظفي الخدمة المدنية في عموم اليمن باعتبار ذلك المدخل العملي والأكثر أهمية لوقف التداعيات الإنسانية».


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.