الائتلاف السوري يرفض المشاركة في مؤتمر يعيد الشرعية للأسد

مروة يرى أن الأجواء لا تعكس رغبة من المجتمع الدولي في عقد «جنيف 2» .. والمعلم يصف المعارضة بـ «واهمون»

عنصران من قوة نرويجية - دنماركية سوف تتولى نقل الأسلحة الكيماوية السورية لتدميرها في البحر (إ.ب.أ)
عنصران من قوة نرويجية - دنماركية سوف تتولى نقل الأسلحة الكيماوية السورية لتدميرها في البحر (إ.ب.أ)
TT

الائتلاف السوري يرفض المشاركة في مؤتمر يعيد الشرعية للأسد

عنصران من قوة نرويجية - دنماركية سوف تتولى نقل الأسلحة الكيماوية السورية لتدميرها في البحر (إ.ب.أ)
عنصران من قوة نرويجية - دنماركية سوف تتولى نقل الأسلحة الكيماوية السورية لتدميرها في البحر (إ.ب.أ)

سيكون على الائتلاف الوطني السوري وهيئاته المختلفة التي ستجتمع في إسطنبول نهاية الأسبوع الحالي أن تتخذ قرار «مصيريا» بشأن المشاركة في مؤتمر «جنيف2» في الوقت الذي تتعرض فيه لضغوط متعارضة بين من يحثها على المشاركة وبين الرافض لها. وقد أعلن الائتلاف أمس رفضه المشاركة في المؤتمر «إذا كان سيعيد الشرعية للرئيس السوري بشار الأسد ونظامه»، بينما قال نائب وزير الخارجية السوري وليد المعلم إن «من يعتقد من المعارضة أنه ذاهب إلى (جنيف2) لتسلم السلطة واهم، فنحن نذهب لنرى من يرفض من المعارضة التدخل في الشؤون الداخلية لسوريا ويرفض الإرهاب ويعمل من أجل صنع سوريا المستقبل».
ورأى هشام مروة، عضو الائتلاف الوطني، أن موضوع تسليم السلطة ليس واردا بالنسبة إلى النظام منذ اللحظة الأولى، وهذا ما سبق أن عبر عنه الرئيس الأسد وعدد من المسؤولين السوريين، إضافة إلى ممثلين روس وإيرانيين، وكان آخرها ما قاله وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف، حيال إمكانية أن ينتج عن «جنيف2» تشكيل حكومة موحدة من المعارضة والنظام. ولفت في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى الخلافات بين الدول الأساسية الراعية للمؤتمر، ولا سيما روسيا وأميركا، وهو الأمر الذي قد يؤخر موعد المؤتمر، في ظل محاولة النظام تحسين وضعه العسكري على الأرض.
وأوضح مروة أن كل الأجواء المحيطة بـ«جنيف2» لغاية الآن لا تعكس رغبة من المجتمع الدولي بعقد المؤتمر، مجددا تأكيده رفض المعارضة المشاركة في «جنيف2»، ما لم توفر الضمانات، المتعلقة بتنفيذ مقررات «جنيف2» وتحديد جدول زمني لذلك وجعلها مرتبطة بعقوبات جزائية إذا لم يجرِ الالتزام بها.
بدوره، أكد الأمين العام للائتلاف الوطني السوري المعارض بدر جاموس رفض المشاركة في «جنيف2» إذا كان سيعيد الشرعية المفقودة للأسد، لأنه عندها يكون غير قادر على تقديم أي فائدة للسوريين». وأشار جاموس إلى أن «السوريين يأملون، ويريدون من مؤتمر (جنيف2) الوصول إلى بداية النهاية والفصل الأخير لبشار الأسد ونظامه بعد كل هذه المجازر واستخدام السلاح الكيماوي ضد السوريين».
وفي لقاء مع مجموعة صحافية أمس، عرض سفير الائتلاف في باريس منذر ماخوس الوضع «الصعب» للمعارضة وشروطها للمشاركة انطلاقا من مبدأ أن ذهابها إلى «جنيف2» سيكون من أجل «تنفيذ خريطة الطريق المنصوص عليها في (جنيف1) وليس من أجل الموافقة على بقاء الأسد في السلطة بطريقة أو بأخرى». كذلك فإن ماخوس يرفض، باسم الائتلاف، قراءة النظام لموضوع تشكيل سلطة انتقالية وفق ما عبر عنه وزير الخارجية وليد المعلم أو رئيس الحكومة وائل الحلقي، فالأول دعا إلى إقامة «حكومة مشاركة»، بينما الثاني تحدث عن قيام «حكومة موسعة». وفي الحالتين، يعني ذلك بالنسبة للمعارضة بقاء هيمنة الأسد على السلطة والدولة واستمرار نظام الفساد والديكتاتورية، بينما المطلوب «سلطة انتقالية حقيقية يكون لها الإشراف على الجيش والأجهزة الأمنية وتتمتع بكل السلطات التنفيذية».
وأكثر من ذلك، طالب ماخوس بإيجاد «آلية دولية» عبر قرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع يلزم الأطراف بتنفيذ الاتفاق. وفي أي حال، يريد الائتلاف رفع سقف مطالبه من خلال الإصرار على إقامة منطقة حظر جوي كلي أو جزئي لوقف مجزرة البراميل المتفجرة فوق رؤوس السوريين، وبإقامة ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية، بيد أنه في الوضع الراهن واستمرار النظام وحلفائه في التمسك بمواقفهم المتشددة، لا يبدو في الأفق بصيص نور يمكن للائتلاف أن يتمسك به ليبرر مشاركته في المؤتمر الموعود. ولذا يتحدث ماخوس عن وجود «تيار» داخل الائتلاف يدعو إلى رفض المشاركة والتركيز بدل ذلك على إقامة حلف واسع سياسيا وعسكريا يضم ميدانيا الجبهة الإسلامية والجيش السوري الحر وضباط سوريا الأحرار وجبهة ثوار سوريا الجديدة التي تضم، وفق ما يؤكده، 16 تنظيما. وبرأيه فإن هذه الجبهة قادرة، إذا حصلت على الدعم اللازم، أن تغير ميزان القوى ميدانيا، وهو ما يرفض الأميركيون النظر فيه، بل إنهم يضغطون على المعارضة للذهاب إلى جنيف من غير ضمانات ومن غير أفق سياسي حقيقي.
ويرفض سفير المعارضة رفضا مطلقا التوجه الروسي الذي أخذ يؤكد أن غرض جنيف هو محاربة الإرهاب، ما يعني إعلان حرب بين المعارضة «المعتدلة» وفصائلها المقاتلة من جهة، وبين جبهة النصرة وداعش من جهة أخرى، مؤكدا أن الهدف الأوحد اليوم هو التخلص من نظام الأسد، وسيترك للسوريين بعد سقوطه أن يقرروا شكل النظام الذي يريدونه.
ويلقي ماخوس باللوم على الولايات المتحدة الأميركية التي يتهمها بالتوصل إلى تفاهم مع روسيا يقوم على بقاء الأسد في السلطة مقابل تخليه عن السلاح الكيماوي، بيد أنه يسارع إلى القول إنه «لا يملك دليلا» على ما يقول، بل هو تحليل للمؤشرات المتوافرة.
ويرى ماخوس أن «لا أمل من (جنيف2)» في ظل الظروف الراهنة، ولا فائدة من القيام بذلك إذا كان الأسد سيفرض شروطه، لكنه ينبه في الوقت عينه إلى تكتيك النظام السياسي الذي يريد دفع المعارضة للامتناع عن المشاركة لتحميلها مسؤولية الفشل. وفي أي حال، بدأت تسمع أصوات تدعو إلى تأجيل الاجتماع لشهر فبراير (شباط) القادم.
في المقابل، أعلن وزير الخارجية والمغتربين السوري وليد المعلم أن سوريا تسعى لعقد مؤتمر «جنيف2» لأن لديها «رؤية واضحة تنطلق من تطلعات الشعب السوري وتلتزم بتوجيهات الرئيس الأسد وتسعى لإنجاح هذا المؤتمر».
ونقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عنه القول إنه «في حال لم يعقد مؤتمر (جنيف2) في موعده فيجب سؤال الولايات المتحدة عن عدم تشكيلها وفدا من المعارضة وفشلها في ذلك»، مضيفا: «نحن في جنيف لن نقبل عقد صفقات مع أحد، وسيكون الحوار سوريا سوريا وبقيادة سورية».
وعن خطط الحكومة السورية في حال فشل مؤتمر جنيف، قال المعلم: «لدينا برنامج سياسي ومؤتمر الحوار الوطني الذي سيكون تحت السماء السورية بالتوازي مع مواصلة الجيش العربي السوري القيام بواجبه الدستوري في الدفاع عن الشعب السوري والقضاء على الإرهاب». وبينما أكد المعلم تمسك سوريا بمشاركة إيران في المؤتمر، قائلا: «من غير المنطقي والمعقول استبعاد إيران من المشاركة لأسباب سياسية من الولايات المتحدة وممن يسمون أنفسهم معارضة»، رأى أن «الجامعة العربية بوضعها الراهن لا تشرف أي مواطن عربي، لذلك نحن فخورون بأننا لسنا أعضاء فيها».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.