طلاب الأزهر يؤدون الامتحانات تحت نيران المولوتوف وقنابل الغاز

عميدة «الدراسات الإسلامية» لـ «الشرق الأوسط»: نسبة الحضور طبيعية

طلاب كلية التجارة بالأزهر ينتظرون تحديد موعد امتحاناتهم بعد حرق مقر الكلية («الشرق الأوسط»)
طلاب كلية التجارة بالأزهر ينتظرون تحديد موعد امتحاناتهم بعد حرق مقر الكلية («الشرق الأوسط»)
TT

طلاب الأزهر يؤدون الامتحانات تحت نيران المولوتوف وقنابل الغاز

طلاب كلية التجارة بالأزهر ينتظرون تحديد موعد امتحاناتهم بعد حرق مقر الكلية («الشرق الأوسط»)
طلاب كلية التجارة بالأزهر ينتظرون تحديد موعد امتحاناتهم بعد حرق مقر الكلية («الشرق الأوسط»)

تحت نيران «المولوتوف» (الزجاجات الحارقة) ودخان قنابل الغاز المسيل للدموع الممزوج بطلقات الخرطوش، يلهث طلاب جامعة الأزهر لحضور امتحانات نصف العام الدراسي. تلك الامتحانات التي تجري حاليا وسط صراع عنيف بين جماعة الإخوان التي تصر على تعطيل الدراسة من أجل الزعم بـ«عجز» الدولة، وسلطة متمسكة باستمرار الدراسة لتأكيد «هيبتها». ويداوم الطلاب وسط ذلك الصراع، رغم خسائر الأرواح والمنشآت المتزايدة يوميا.
وقضت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، أمس، بحظر المظاهرات الطلابية داخل الجامعات المصرية إلا بإخطار رسمي من رئيس الجامعة. لكن، يبدو أن طلاب «الإخوان» بالأزهر لا يلتفتون كثيرا إلى مثل هذه القرارات، وقرروا الاستمرار في دعوات الإضراب ومحاولة منع الطلاب الآخرين عن أداء الامتحانات، مما أدخلهم في مواجهات يومية عنيفة مع قوات الأمن داخل الجامعة، خلفت عددا من القتلى، وجرى اعتقال المئات من الطلاب، وفصل أكثر من 60 طالبا. وينادي طلاب «الإخوان» بوقف الدراسة وتأجيل امتحانات نصف العام، التي بدأت السبت الماضي، لحين الإفراج عن زملائهم المعتقلين، والقصاص للقتلى، ومنع قوات الشرطة من الوجود داخل حرم الجامعة. وخلال الأيام الماضية، جرى إضرام النيران في كليات التجارة والزراعة والعلوم، بالإضافة للمبنى الإداري الرئيس، وجرى تحطيم الكثير من قاعات الدراسة لوقف الامتحانات. لكن دعوات الإضراب عن الدراسة هذه والاشتباكات المستمرة بين الشرطة وطلاب «الإخوان» فشلت حتى الآن في إثناء عشرات الآلاف من الطلاب عن التوجه لأداء امتحاناتهم رغم الصعوبات التي يواجهونها. يقول الدكتور أسامة العبد، رئيس الجامعة، لـ«الشرق الأوسط»: «الامتحانات مستمرة في المواعيد المخصصة لها دون توقف»، لحجب الفرصة عن من وصفهم بـ«مثيري الشغب»، لتعطيل العملية الدراسية، مبررا وجود قوات الشرطة الدائم بأنه «لحماية الطلاب من أي محاولة اعتداء». كما أكدت الدكتورة مهجة غالب، عميدة كلية الدراسات الإسلامية (بنات)، لـ«الشرق الأوسط»، أن «نسبة حضور الطلاب الامتحانات تأتي في معدلاتها الطبيعية، رغم ما نشهده من عنف ومحالات تخريب، ولم تلق دعوات (الإخوان) أي استجابة».
وتضيف: «منذ بداية الدراسة بالجامعة وهم (طلبة الإخوان) يحاولون بشتى الطرق تعطيلها بناء على مخطط وضعته الجماعة، لكن يجب أن يعلم الجميع أن الأزهر مؤسسة تعليمية لن ينجح تنظيم الإخوان في تسييسها لصالح صراعهم ولن نسمح بذلك.. الدراسة والامتحانات ستستمر وستفشل كل مخططاتهم لهدم الجامعة».
ويواجه الطلاب الراغبون في حضور الامتحانات إجراءات تفتيش صارمة من جانب الأمن، خوفا من دخول أسلحة. وفي جولة لـ«الشرق الأوسط» بالجامعة، عرض ضباط الأمن عددا من الأسلحة البدائية وقنابل المولوتوف التي جرى ضبطها بحوزة بعض الطلاب قبل استخدامها. ومن بين المضبوطات ألعاب نارية ومطاو وسنج (أسلحة بيضاء) وأدوات حادة صغيرة توضع على الأرض وتستخدم لعرقلة سير مدرعات الشرطة. وتوضح ياسمين صالح، طالبة بالفرقة الرابعة بكلية الدراسات الإسلامية، المعاناة التي تلقاها أثناء حضورها الامتحان، قائلة: «أنا لا أنتمي إلى أي فصيل سياسي، وغير مهتمة بهذا الصراع. لكن هذه الأجواء لا تصلح أبدا للدراسة، المظاهرات في كل مكان والشرطة تحاصر الطلاب لفضها، ونحن نذهب للجامعة لا نعلم إذا كان هناك امتحان سيجرى أم لا». وتضيف: «الطلاب الآن أصبحوا بين سندان (الإخوان) ومطرقة الحكومة، وأنا أعتقد أن هناك مبالغات من الطرفين». وتضيف إسراء محمود، الطالبة بالجامعة: «بسبب الخوف من الأذى لم أحضر الدراسة منذ بدايتها. لكنني مضطرة الآن لأن أذهب إلى الامتحان من أجل مستقبلي. ورغم أنني لست مع جماعة الإخوان، فإن اعتقال المتظاهرين أمر يستثير مشاعري وأتعاطف معه».
وأمام أبواب الجامعة التي تحتل مساحة شاسعة من حي مدينة نصر (شرق القاهرة)، يقف عشرات الآباء والأمهات في انتظار خروج أبنائهم من الامتحانات: «في مشهد نراه فقط أمام المدارس الابتدائية»، كما تقول فاطمة محمد، وهي والدة إحدى الطالبات. وتضيف السيدة: «ابنتي أصرت على حضور الامتحان رغم اعتراضي خوفا على حياتها بسبب عنف المظاهرات، فرفضت أن تحضر إلا وأنا معها حتى يطمئن قلبي».
ويتابع محمود رضا، الجالس بجوارها في انتظار ابنته أيضا: «لا أعلم إلى متى ستستمر هذه الأمور، نحن لسنا مع الحكومة ولا مع (الإخوان). أرسلنا أبناءنا لكي يتلقوا العلم، لا كي يدخلون في مواجهات مسلحة». ويحاول طلاب «الإخوان» إيقاف الامتحانات بشتى الطرق، ومن بين تلك الطرق الاعتصام داخل مباني الكلية، وحرق أوراق الإجابات، وغلق أبواب اللجان بالجنازير. وبينما يقومون بذلك يرفعون شعارات تقول إنهم لن يدخلوا الامتحانات إلا إذا جرى الإفراج عن زملائهم. وعلى أسوار الجامعة الممتدة على مساحة عشرات الأفدنة، تنتشر دعوات المقاطعة والتنديد بالحكومة، وكذلك مطالبات بإقالة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب وكذلك رئيس جامعة الأزهر. وأمام المدينة الجامعية المجاورة للجامعة، هناك صراع ليلي مستمر بين الطلاب وقوات الأمن المرابطة بالخارج. حيث يرشق الطلاب الأمن بالحجارة والألعاب النارية، وترد عليهم الأخيرة بقنابل الغاز وطلقات الخرطوش. وهو الأمر الذي أثار سكان الحي فانضموا إلى الشرطة في مواجهة شغب طلاب «الإخوان».
ورغم تعاطف بعض طلاب الجامعة مع زملائهم المعتقلين، فإنهم يرفضون فكرة مقاطعة الامتحانات. ويقول الطالب محمود سالم، بالفرقة الثالثة في كلية التربية: «أعتقد أن الشرطة كان يمكنها تجنب كل هذه الخسائر. لكن من الصعب أن أستجيب لدعوات مقاطعة الامتحانات، فهذا يعني رسوبي وفقدان سنة من عمري. أنا قادم من مدينة أسوان (جنوب البلاد) وأنتظر تخرجي بفارغ الصبر من أجل الانخراط في سوق العمل».
واعتاد طلاب «الإخوان» في جامعة الأزهر التظاهر يوميا منذ بدء الدراسة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، للمطالبة بعودة الرئيس المعزول محمد مرسي ورفض السلطة الحالية. وفي الشهر الماضي، أمرت محكمة بسجن 12 من هؤلاء الطلاب لمدة 17 سنة بتهمة ارتكاب أعمال عنف. وشدد المجلس الأعلى للجامعات الجمعة الماضية على أن قرار مجلس الوزراء بشأن جماعة الإخوان المسلمين، وإعلانها جماعة إرهابية، سوف يجري تطبيقه على مظاهرات طلاب الجماعة داخل الجامعات، وأنه سيجري السماح لقوات الشرطة بالوجود داخل الحرم الجامعي خلال فترة الامتحانات.
وكانت جامعة الأزهر أعلنت تأجيل بعض الامتحانات بكليتي التجارة والإعلام. وأمام مبنى كلية التجارة المحترق، يقف مئات الطلاب على أمل إجراء الامتحان. لكن طالبا في الفرقة الأولى في كلية التجارة يدعى وحيد، وهو من المنتمين لـ«الإخوان»، يقول: «لن تقام الامتحانات إلا على جثثنا.. على هؤلاء الطلاب أن يفكروا في زملائهم». إلا أن الدكتور جاد الرب أمين، عميد كلية الدراسات الإسلامية (بنين)، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الجامعة وفرت للطلاب المحبوسين لجانا خاصة لأداء الامتحانات بالتنسيق مع الجهات الأمنية»، مشيرا إلى أن الجامعة «تحمي الطلاب وأكثر حرصا على مستقبلهم التعليمي».
ويدرس بالجامعة مئات الوافدين من جميع الدول الإسلامية. عبد الله، وهو طالب بكلية الدعوة من إندونيسيا، يقول: «نحن كطلاب وافدين لا نشترك في السياسة المصرية، وجئنا فقط لندرس تعاليم الإسلام واللغة العربية في أكبر جامعة إسلامية بالعالم. وأتمنى أن تبتعد الصراعات والاشتباكات من هنا كي نستطيع أن نحصل دروسنا».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.