الشعوبية في التراث الثقافي الإسلامي

كتاب يتابع جذورها الفكرية والعقائدية وأساليبها وأهدافها

الكاتب: سعدون المشهداني  -  الناشر: دار ورد للنشر والتوزيع عمان، 2018
الكاتب: سعدون المشهداني - الناشر: دار ورد للنشر والتوزيع عمان، 2018
TT

الشعوبية في التراث الثقافي الإسلامي

الكاتب: سعدون المشهداني  -  الناشر: دار ورد للنشر والتوزيع عمان، 2018
الكاتب: سعدون المشهداني - الناشر: دار ورد للنشر والتوزيع عمان، 2018

يواصل الباحث سعدون المشهداني، أبحاثه في التراث الثقافي الإسلامي، حيث أصدر عدة كتب منها: «الإسلام السياسي من الخوارج إلى المنطقة الخضراء»، و«الأسطورة والتراث في التاريخ الإسلامي»، و«الجنس في الأديان السماوية الثلاثة»، و«الشعوبية الجديدة: الجذور الفكرية والعقائدية»، الذي صدر أخيراً.
يتابع الباحث مصادر الشعوبية وأهدافها منذ نشأتها في التاريخ الإسلامي إلى ظروفنا المعاصرة. وبخصوص أسباب ظهورها يرى الباحث أنها نشأت كرد فعل مغالٍ لإحياء الدولة الأموية التعصب القبلي، حيث تعرض المسلمون غير العرب «الموالي» بفعل سياسة العودة إلى القبلية، خصوصاً في أواخر العصر الأموي، للتمييز، الأمر الذي أدى إلى مشاركتهم بأعداد كبيرة في نشاط حركات المعارضة ضد الحكم الأموي، والمطالبة بتطبيق مبادئ الدين الإسلامي في العدل والمساواة.
ويرى المؤلف أن نفوذ ونشاط المسلمين من غير العرب قد توسعا خلال الدولة العباسية التي قامت على نهج المساواة بين المسلمين من القوميات كافة، ففي الجانب الإداري كان كبار الوزراء وقادة الدولة في العصر العباسي من الفرس أو الترك وغيرهم، وفي الجانب الفكري والثقافي أدت ترجمة الإنتاج الثقافي للشعوب غير العربية إلى ازدهار الحضارة العربية الإسلامية التي وصلت إلى عصرها الذهبي وما نتج عن ذلك من ظهور مفاهيم جديدة للعلاقة بين الشعوب التي تعيش في أرض الخلافة باعتبارها أمة واحدة لا تقوم على أساس عنصر النسب. وعلى سبيل المثال، يرى الجاحظ أن «أساس تكوين الأمة يقوم على اللغة والطباع والسجايا والبيئة الجغرافية» كما يذكر عبد العزيز الدوري في «الجذور التاريخية للشعوبية».
وعلى الرغم من الاندماج الثقافي بين الشعوب الإسلامية، يرى الباحث أن الشعوبية بقيت حركة نشطة على مدى التاريخ الإسلامي لأسباب عديدة من أهمها:
1- اختلاط الشعوبية بالحركات والثورات المعارضة، من خلال انخراط كثرة من الموالي بنشاط هذه الحركات.
2- كثرة النشاط الثقافي والفكري للعناصر الشعوبية، خصوصاً أن حَمَلة العلم والثقافة في الإسلام أكثرهم من الموالي «العجم»، كما يقول ابن خلدون.
3- الفساد السياسي للسلطة الحاكمة الذي تبعه فساد مالي وسوء توزيع الثروة وابتعاد الحاكم عن أوامر الشرع الحنيف... مما خلق فجوة بين رجال الدولة وعامة الناس توسعت مع مرور الأيام، ونتجت عنها ثورات وحركات منها صحيحة، ومنها ما تم استغلالها لتقويض الإسلام، وكلها عوامل داخلية بحتة خلقت الشعوبية وساعدت على انتشارها.
4- اشتداد الصراع بين الخلفاء العباسيين والوزراء الذين كان أغلبهم من غير الغرب، خصوصاً الفرس، ساعد على تنامي الميول الشعوبية في التاريخ الإسلامي.
وبخصوص الأساليب التي اتخذتها الشعوبية لتحقيق أهدافها، يشير الباحث إلى أنها ارتكزت على:
- تشويه العقائد الإسلامية والتشكيك في صدقيتها. وفي هذا المجال يعطي الباحث أهمية خاصة للمعتزلة من خلال إشارته إلى دورهم في تطوير الفكر الإسلامي الذي يرتكز على النظرة العقلية لفهم مبادئ الدين، بعيداً عن النظرة اللا عقلية التي تغيّب العقل في فهم العلاقة بين الدين والإنسان والخالق. وبهذا الموقف حاربت المعتزلة الحركات الشعوبية التي عادت العرب من خلال الخلط بين سلوك الحكام الذي ميّز بين المسلمين على أساس عرقي، عنصري، ومبادئ الدين الإسلامي التي ترفض التمييز بين المسلمين على أساس القومية والعرق واللون وفق مبدأ «أكرمكم عند الله أتقاكم».
- عملت الشعوبية على التفريق بين العرب باعتبارهم حاملين راية الإسلام، والحضارة الإسلامية باعتبارها تزاوجاً بين مختلف الثقافات بعد انتشار الإسلام خارج نطاق الجزيرة العربية، وفي نفس الوقت مجّدت دور الثقافات غير العربية وأنكرت دور العرب في الحضارة العربية الإسلامية تحت ذريعة أن العرب قبل الإسلام كانوا مجتمعاً جاهلياً بربرياً، بمعنى أن الشعوبي يصغّر شأن العرب ولا يرى لهم فضلاً على غيرهم، كما أن الشعوبية تشجّع الغلوّ في الشعائر الدينية التي تستند في بعضها إلى عادات الشعوب قبل الإسلام كالمجوسية وغيرها.
وبخصوص الشعوبية المعاصرة وأهدافها، يشير الباحث إلى تنوع هذه المصادر ويرى أنها لا تقتصر على المصادر الخارجية فقط، التي تمثلها الحركات والمنظمات التي تعلن صراحة معاداة العرب والإسلام، مشيراً إلى أن الشعوبية الداخلية أكثر خطورة. وفي هذا الصدد يشير الباحث إلى وجود كثرة من أطراف تيار الإسلام السياسي تقوم بنشر الشعوبية من خلال رفضها كل تاريخ العرب قبل الإسلام، باعتباره جاهلياً، وقد امتد موقفها الشعوبي على المجتمعات العربية المعاصرة، حيث تنظر هذه الحركات إلى المجتمعات العربية - الإسلامية باعتبارها جاهلية لأنها لا «تحكم بما أنزل الله»، حسب زعمها.
كذلك يتمثل الموقف الشعوبي لحركات الإسلام السياسي التي تنتمي إلى الأقليات القومية غير العربية (الكردية والتركمانية والفارسية). فعلى سبيل المثال تتناغم سياسة هذه الحركات مع طروحات تركيا وإيران تجاه الدول العربية وتدخلها في شؤونها الداخلية (ص 38).
هناك بعض الأفكار المهمة التي يطرحها الباحث، بخصوص نقد الشعوبية، منها، عدم الدفاع عن العرب كعنصر بل كثقافة ارتبط تطورها بظهور الإسلام وانتشاره بين الأقوام غير العربية. فعلى سبيل المثال يشير الباحث في الفصل الرابع إلى أن دولة المدينة التي أسسها الرسول محمد «صلى الله عليه وسلم» قامت على مفهوم المواطنة الذي ساوى بين سكان المدينة من مختلف الأديان والأقوام، ومنها ما يتعلق بالخلط بين الدين والتاريخ، وهو الخلط الذي سار عليه تيار الإسلام السياسي عندما ينظر إلى تاريخ العرب قبل الإسلام على أنه لا قيمة له، ويتعمق هذا الخلط، بين الدين والتاريخ، لدى القسم المتطرف من تيار الإسلام السياسي من خلال تعميم مفهوم الجاهلية على المجتمعات الإسلامية المعاصرة، وهذا ما قام به سيد قطب في كثرة من كتاباته. من خلال الاطلاع على الكتاب، أشير إلى أن الباحث توصل إلى مبادئ مهمة تفيد الكتاب والباحثين الذين يتصدون لدراسة ظاهرة الشعوبية في التاريخ العربي - الإسلامي، منها:
1- أهمية التفريق بين الحركات الاجتماعية والفكرية التي دعت إلى مساواة المسلمين من غير العرب بالإدارة والحكم وبين الحركات التي قامت على نهج العداء للعرب باعتبارهم حَمَلة راية الثقافة العربية الإسلامية.
2 - التفريق بين الأقوام والجماعات التي كان لها مجد وثقافة قبل الإسلام وأرادت الافتخار بهذا المجد وإيجاد مكانة لها في المجتمع الجديد وبين الأقوام التي تحاول إعادة مجدها بالانتقاص من العرب والثقافة العربية - الإسلامية التي تطورت بعد انتشار الإسلام وتكوُّن الخلافة الإسلامية. وهنا يدعو الباحث إلى عدم الخلط بين الشعوبية كحركة معادية للعرب وبين الأفكار التي تمجد إنجازات الحضارة الفارسية قبل الإسلام على سبيل المثال.
3- التمييز بين الثورات السياسية - الاجتماعية التي قامت من أجل إعادة مجد الدولة الفارسية «الساسانية» كثورة ابن المقفع (159 - 163 هـ) وثورة بابك الخرمي (201 - 233 هـ) بادعائها أنها إسلامية في الظاهر ولكنّ هدفها السري هو القضاء على سلطة العرب والحضارة العربية الإسلامية.
الكتاب مفيد للباحث في التاريخ والثقافة والأدب والفكر والاجتماع الإسلامي، وكذلك لا يستغني عنه القارئ العادي، حيث يحتوي الكتاب على سفر ممتع يتنقل بين كثرة الحوادث والروايات والعادات لدى العرب والمسلمين بشكل عام، ويتنقل بين تاريخ العرب قبل الإسلام مروراً بكثرة من الدول والدويلات والحركات الفكرية والسياسية التي ظهرت في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، وانتهاءً بالغزو الاستعماري الذي تنوعت مبررات الغزاة له، فتارةً باسم التمدن والتحديث وتارةً أخرى بمزاعم نشر الديمقراطية والدفاع المزعوم عن حقوق الإنسان، مثلما يجري في ظروفنا المعاصرة، بينما الواقع فضح كل محاولات الغزو، القديمة والمعاصرة، فلا التمدن ولا التحديث تحقق، أما الديمقراطية المزعومة فشواهدها مدن مدمَّرة، وخراب اجتماعي واقتصادي، ومهاجرون بالملايين، وبلدان تعالَج من أجل البقاء على الحياة، كما يشير الباحث كخلاصة لبحثه الذي يتكون من جزأين، وعدد صفحات تقترب من 1000 صفحة.
وأخيراً، لا بد أن أشير إلى أن الباحث، في بعض الأحيان، ينزع البعد الاجتماعي عن الحركات المعارضة التي ظهرت في التاريخ الإسلامي، خصوصاً تلك التي قادتها عناصر غير عربية، باعتبارها حركات طبقية اجتماعية طرحت مفهوم المساواة بين العرب والمسلمين من غير العرب، تهدف إلى مقاومة الانحراف عن مبادئ الدين الإسلامي الذي كان يرتكبه كثرة من الحكام المسلمين، وليست حركات معادية للعرب، كما يقول أحمد أمين.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).