الأكراد... حقائق التاريخ والجغرافيا

كتاب في جزأين يتتبع أصولهم ونشأتهم وثوراتهم عبر التاريخ

جانب من مدينة أربيل عاصمة كردستان العراق
جانب من مدينة أربيل عاصمة كردستان العراق
TT

الأكراد... حقائق التاريخ والجغرافيا

جانب من مدينة أربيل عاصمة كردستان العراق
جانب من مدينة أربيل عاصمة كردستان العراق

صدر في بيروت عن الدار العربية للعلوم (ناشرون) «الأكراد في العالم: تاريخهم ومستقبلهم» بجزأيه الأول والثاني للدكتورة عايدة سري الدين، الطبعة الأولى أكتوبر (تشرين الأول) 2018. وتلخص الكاتبة في هذا الكتاب واقع الكرد عبر التاريخ، والتحديات الجسيمة الراهنة التي تواجههم من جانب الدول الكبرى، وبعض القوى الإقليمية النافذة، كما تبحث في دور قياداتهم وأحزابهم، وتأثير الأوضاع الإقليمية عليهم. لكن مضمون الكتاب يتخطى عنوانه؛ إذ تنتقل المؤلفة إلى الحديث عن الوضع السوري الراهن والعراقي والتركي، بعيداً عن الحالة الكردية التي هي موضوع هذا الكتاب.
- ديار الكرد
تعني كردستان بالمفهوم الواسع ديار الكرد بوصفهم مجتمعاً ذا وحدة متجانسة، وهذه المنطقة لا حدود سياسية لها، وهي مجزّأة بين تركيا والعراق وإيران، فضلاً عن نتوءات داخلة في سوريا (ص59). وقد أدّى هذا الواقع الجغرافي إلى قيام الإمارات الكردية الكثيرة التي عرفها التاريخ والتي كانت تعتمد على ضعف وانحطاط المراكز الحضارية المجاورة، أو اشتداد الصراعات فيما بينها (ص60). أمّا المرة الأولى التي تمّ فيها استخدام مصطلح «كردستان» فكان في زمن السلاجقة التركمان في العصر العباسي (1157م). حيث كوّن السلاجقة مقاطعة بهذا الاسم مركزها «بهار» في شمال غربي همادان ومحاذية لأذربيجان، هذه المقاطعة كانت تمثل الجزء الشمالي من جبال زاغروس، أي عموم «منطقة شهرروز» التي كانت تشمل «مقاطعة كردستان» الإيرانية الحالية ومحافظة «السليمانية» الحالية في العراق. وأصبحت كردستان مطمحاً للإمبراطوريات المجاورة الفارسية والعثمانية، وهدفاً للغزاة والفاتحين عبر التاريخ، كما أصبحت مسرحاً للاضطرابات والفتن، وكثيراً ما كان حكامها الأكراد يدخلون صراعات جانبية فيما بينهم... والذي يُهزم منهم يفرّ إلى فارس يميناً أو تركيا يساراً لاجئاً. ورغم ذلك فقد صان الأكراد معاقلهم الجبلية من غزوات العالم الخارجي ومؤثراته.
وحسب الكتاب، يُعلق الأكراد أهمية كبيرة جداً على اعتقادهم بأنهم أوروبيون أصلاً، بعكس الترك والعرب الشرقيين، ويعترفون بقرابتهم بالإيرانيين الذين يعتقد أنهم من أرومة «هندو أوروبية»، ويؤكد معظم الإثنولوجيين بأن أسلاف الكرد في أزمان ما قبل التاريخ نزحوا من أوروبا عن طريق القفقاس إلى شمال العراق، ومن هناك تسربوا إلى جبال زاكروس غرباً، وإلى جبال طوروس وإلى الوديان والسهول الخصيبة، كما هو اليوم في شمال العراق وجنوب شرقي تركيا. فعندما توفي الإسكندر الأول وهو في سن الثانية والثلاثين، عمد أحد قواده إلى قتل زوجته الكردية وتم تقسيم إمبراطوريته، وفي القرون المضطربة الملأ بالفوضى التي عقبت ذلك اندمجت القبائل الكردية بأرض الميديين وممالك كوتيوم والقسيين «الكاشيين» وهو شعب يتصل اتصالاً وثيقاً بـ«الكوتي» القادمين من جبال زاكروس، التي اندمجت في إمبراطوريات السلوقيين (331-129ق.م) والبارثيين (247-226بـم) والساسانيين الفرس والإمبراطورية العربية (638-1258م).
وينقسم المجتمع الكردي إلى قبائل وعشائر متعددة ما زالت تتمتع بنفوذ وقوة وحضور، ويتمتع زعماء العشائر بسلطة ملحوظة في وسطهم الاجتماعي، حيث تصل درجات التحكم بمصير أتباعهم والسير بهم كيفما يريدون، وغالباً ما كان الزعيم القبلي زعيماً دينياً في الآن نفسه، إلا أن الزعامات القبلية غالباً ما كانت تدخل في صراعات ضارية في وجه بعضها بعضاً. ويلاحظ تعدد اللهجات بالنسبة للغة الكردية، حيث تنقسم اللهجات الكردية الحالية إلى أربع لهجات رئيسية هي: الكرمانجية، والجوزانية، والكلهرية، والسورانية، كما توجد لهجة الزازا ما بين ديار بكر وأذربيجان (ص61).لقد قسمت اتفاقية سايكس - بيكو (1916)، الكرد على مستوى الجغرافية والتاريخ.
- الثورات الموءودة
كانت أول جمعية سياسية كردية أُنشئت في آستانة سنة 1908، وقد كان من مؤسسيها البارزين: الأمير أمين عالي بدرخان، والفريق شريف باشا، والسيد عبد القادر نجل الشيخ عبيد الله النهري، والداماد أحمد ذو الكفل باشا، واثنان من الأمراء البابانيين من السليمانية. وأدى فشل الحركات والثورات الكردية في القرن التاسع عشر إلى اهتمام الأكراد بالتنظيمات السياسية والتشكيلات الحزبية، وإلى إدراك ضرورة التخطيط لكل حركة وأهمية القوى الشعبية فيها (ص21). وقد تمّ تأسيس أول منظمة سريّة في مهاباد الإيرانية سُميت «كومه لي» ومعناها «الجمعية»، حيث كانت مراسم الانتماء تحتّم أداء قَسَم على القرآن الكريم أمام أعضاء ثلاثة، حيث كان العضو المرشّح للقبول يرشِّح نفسه بالاغتسال ثم في جلسة سرية يُقَسَم على اليمين... وكذلك تم تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) برئاسة القاضي محمد، الذي أسّس جمهورية مهاباد في إيران بتاريخ 22 يناير (كانون الثاني) 1946، التي استمرت لمدة أحد عشر شهراً؛ فقد تم إعدام قاضي محمد وعدد من معاونيه من قادة الجمهورية في مارس (آذار) 1947. وفي العراق أُسِسّتْ أحزاب سياسية كردية كانت آيديولوجيتها بين اليمين واليسار، من الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الملا مصطفى البرزاني، على غرار الديموقراطي في إيران، إلى الاتحاد الوطني الكردستاني الذي انشق عن الديمقراطي الكردستاني (العراقي) برئاسة الراحل جلال طالباني، إلى الأحزاب الصغيرة الدائرة في فلك الحزبين الرئيسيين. وفي تركيا تعرّض الأكراد إلى نكران للوعود التي قطعتها لهم تركيا بمجرد نجاحهم في التخلص من الاحتلال اليوناني وعقد معاهدة لوزان في 24 يوليو (تموز) عام 1923، حيث بدأوا باتخاذ إجراءات معادية للأكراد، فقد أطلقوا على الأكراد «أتراك الجبال»، وعلى خلفية تلك الأحداث تشكلت في تركيا أحزاب سياسية كردية، منها الحزب الديموقراطي الكردستناني (كوك)، عام 1965، وحزب عمال كردستان تركيا عام 1971، الحزب الاشتراكي الكردستاني، حزب «العمال الكردستاني PKK - آبوجي»، وهو حزب يساري سُمي «آبوجي = العم» نسبة إلى أمينه العام «عبد الله أوجلان» المعتقل في تركيا منذ فبراير (شباط) 1999. وهناك أحزاب أخرى على الخريطة السياسية التركية.
- أصدقاء الجبال
لقد أثرت البيئة الجبلية على الأكراد وقد جعلت الشخصية الكردية كأنها قطعة من هذه الجبال في عنادها وإصرارها، فلو سألت مؤرخاً تركياً لأجابك: إن «الأكراد أتراك جبليون نسوا أصلهم»، وراحوا يرطنون بلغة أخرى، ولو انتقلت إلى إيران لقالوا عن الأكراد إن اللغة الكردية هي لهجة «فارسية عوجاء»، أَمَّا في العراق فإن الأكراد هم «عُصَاة». كل ذلك ينبع من المصالح الدولية في منطقة الشرق الأوسط التي هي ساحة للصراع الطائفي والقومي لتتمكن القوى الدولية من تحقيق مصالحها في تلك المنطقة وقد نجحت في تثبيت مصالحها نجاحاً ساحقاً.
يخلص قارئ كتاب «الأكراد في العالم» إلى أن هذا الكتاب يندرج ضمن الكتب التي تعتمد على الأسلوب الصحافي الذي يكتفي بتقديم المعلومة السريعة دون الغوص في تفاصيلها وخلفياتها واستتباعاتها، حيث تترك القارئ على ظمأ، وبالتالي فإن تلك المعلومات سرعان ما تسقط من ذهن القارئ لكثرة ما يتداول مثلها من معلومات في وسائل الإعلام المختلفة، وهي تشبه الوجبات السريعة... في طريقة إعدادها وتناولها.
- صحافي وكاتب سوري


مقالات ذات صلة

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

ثقافة وفنون لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

تعرَّف القارئ العربي على عوالم الكاتبة الكورية لي سو يون عبر روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم الأكثر مبيعاً، وصدرت ترجمتها إلى العربية

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تتناول الباحثة الأردنية الدكتورة هبة مرزوق الهباهبة، في كتابها «فصل السلطات بين الفلسفة والقانون»، المنعكسات المعاصرة لنظرية الفصل بين السلطات

«الشرق الأوسط» (عمَّان)
ثقافة وفنون جناح السعودية في المعرض (واس)

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

يشهد «الصالون الدولي للكتاب بالجزائر»، المقام بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، إقبالاً كبيراً منذ افتتاحه، بمشاركة مميزة للمملكة العربية السعودية ضيفَ شرف.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
ثقافة وفنون هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).