فابريغاس ساحر خط الوسط الذي لم يحظ بالتقدير المستحق

أبدع مع آرسنال وبرشلونة وتشيلسي وكانت له بصمة في تتويج إسبانيا بلقبي كأس العالم وأمم أوروبا

فابريغاس يبدأ تحدياً جديداً في مسيرته مع فريق موناكو (إ.ب.أ)  -  فابريغاس حصد كأس العالم مع إسبانيا 2010
فابريغاس يبدأ تحدياً جديداً في مسيرته مع فريق موناكو (إ.ب.أ) - فابريغاس حصد كأس العالم مع إسبانيا 2010
TT

فابريغاس ساحر خط الوسط الذي لم يحظ بالتقدير المستحق

فابريغاس يبدأ تحدياً جديداً في مسيرته مع فريق موناكو (إ.ب.أ)  -  فابريغاس حصد كأس العالم مع إسبانيا 2010
فابريغاس يبدأ تحدياً جديداً في مسيرته مع فريق موناكو (إ.ب.أ) - فابريغاس حصد كأس العالم مع إسبانيا 2010

سواء كان يشارك في صفوف آرسنال أو تشيلسي أو برشلونة أو المنتخب الإسباني، في ذروة تألقه كان سيسك فابريغاس الملك المتوج بلا منازع على عرش فن المساعدة في تسجيل الأهداف.
وبعد أن ألقى فابريغاس كلمات الوداع الحارة لتشيلسي، ليلة الجمعة، سارع الفريق المسؤول عن التفاعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي داخل النادي إلى نشر مجموعة من أروع الأهداف التي عاون فابريغاس في إحرازها. واللافت أن معظم الأهداف جاءت من تمريرة أطلقها من مسافة تتراوح بين 40 و50 ياردة، من نصف الملعب الخاص به. وسواء أقدم فابريغاس على ركل الكرة سريعاً أو تأنى في ذلك، وسواء ركلها باتجاه الأعلى أو فضل تمريرها على الأرض، كان المذهل أنها دوماً كانت تجد طريقها إلى قدم زميل له بالفريق بدقة كبيرة، الأمر الذي كان يثير صيحات الدهشة والإعجاب من الجميع.
وأعتقد أن تلك هي الصورة التي سيتذكر بها الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الساحر الإسباني، والذي كان يحرص على التمركز في العمق واختراق صفوف دفاعات الخصم، في الوقت الذي أعاد صياغة تعريف فن المعاونة في تسجيل أهداف.
ومع هذا، فإنه خلال فترة ذروة تألقه، عندما كان في مطلع العشرينات من عمره، كانت مهارة فابريغاس أكبر عن ذلك بكثير، ذلك أنه لم يكن ساحراً فحسب، بل كان ضابط إيقاع داخل الملعب. في تلك الفترة الذهبية من مسيرته، تمتع فابريغاس بالقدرة على فرض سرعة وإيقاع اللعب داخل الملعب وتدفق المباراة، إضافة لقدرته على تغيير ذلك في لحظة. كما تميز فابريغاس بالقوة والجرأة لأن يصول في أرجاء الملعب ويقف في وجه لاعبي الخصم.
تبعاً للبيانات الصادرة عن مؤسسة «أوبتا» بين عامي 2006 - 2007 و2010 - 2011 لم يتمكن أي لاعب في صفوف الأندية الخمسة الكبرى على مستوى القارة الأوروبية من المعاونة في تسجيل عدد أكبر من الأهداف عن فابريغاس الذي بلغ رصيده 60 هدفاًـ أو خلق عدد فرص أكثر عنه برصيد بلغ 466 فرصة. ولا حتى ليونيل ميسي نفسه! ولا تشافي ولا مسعود أوزيل وفرنك لامبارد ولا ستيفين غيرارد، رغم أنهم جميعاً وصلوا لقائمة الـ10 الأوائل. أيضاً، حقق فابريغاس متوسط عدد فرص بلغ 3.5 فرصة لكل 90 دقيقة لعب خلالها، متفوقاً من جديد على جميع لاعبي أوروبا.
والسؤال: كم عدد الأهداف الإضافية التي ربما كان آرسنال ليسجلها إذا ما استمر تيري هنري وفابريغاس جنباً إلى جنب؟ بدلاً من ذلك، اضطر الإسباني للتعاون مع نيكلاس بينتنر، الذي يعتبر مهاجما ضعيفاً مقارنة بهنري الذي انتقل لبرشلونة، وكذلك أندريه أرشافين وإدواردو. ورغم ذلك، استمر فابريغاس في التألق، وأسهم بـ15 هدفاً وساعد في تسجيل 13 هدفا خلال 27 مباراة شارك فيها مع آرسنال بموسم 2009 - 2010 رغم الإصابات الكثيرة التي ألمت به.
ومثلما أوضح تيد نوتسون، رئيس شركة «ستاتسبوم» الاستشارية بمجال كرة القدم، والذي أجرى في وقت لاحق تحليلا إحصائيا لمزايا أداء فابريغاس في صفوف برشلونة، فإن «هذا الشاب كان أفضل لاعب خط وسط صاعد على مستوى العالم. كما أنه كان أفضل لاعب كرات عرضية في خط الهجوم على مدار تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز».
وعندما نتطلع نحو الخلف الآن، يبدو غريباً أن الاختيار وقع على فابريغاس مرتين فقط في تشكيل أفضل فريق في العام من جانب رابطة اللاعبين المحترفين. ومع هذا، فإن هذا الأمر لا يقتصر عليه، ذلك أننا نجد لاعباً في مستوى بول سكولز لم يجر اختياره سوى مرتين فحسب هو الآخر.
وربما لم يحظ فابريغاس بالتقدير الذي يستحقه لأنه، مثلما الحال مع لاعبين آخرين مثل واين روني ومايك تايسون، كان منحنى تطور أدائه حاداً ومذهلاً للغاية في وقت مبكر جداً من مسيرته بدرجة جعلت سنوات التألق تلك خلف ظهره اليوم. ولا يجب أن نغفل أنه كان اللاعب الأصغر في تاريخ الفريق الأول لآرسنال على الإطلاق، فقد شارك في أول مباراة له مع الفريق في عمر الـ16 و177 يوماً. وكان من بين الكثير من الوجوه الجديدة التي شاركت في الفوز على روزرام في إطار بطولة كأس كارلينغ في أكتوبر (تشرين الأول) 2003. وبعد شهرين، أصبح أصغر لاعب يسجل هدفاً في تاريخ النادي. وجاء ذلك الهدف في مباراة انتهت بفوز آرسنال أمام وولفرهامبتون وندررز بنتيجة 5 - 1. وبعد المباراة، كتب جون برودكين مشيداً بأداء فابريغاس وقال: «كانت تلك مواجهة بين فريق من الرجال وآخر من الصبية، وكان الرجال الطرف الأضعف».
في اليوم التالي، تحدث برودكين إلى رئيس قطاع تنمية الناشئين داخل آرسنال، ليام برادي والذي نبه إلى أن اللاعبين المبتدئين في صفوف آرسنال سيكونون في الـ«20 أو 21» من أعمارهم قبل أن يتمكنوا من «التعامل بكفاءة مع الجانب الجسماني» من مواجهات الدوري الممتاز.
ومع هذا، بحلول أغسطس (آب) 2004 عندما كان فابريغاس في سن الـ17 عاما، تمكن اللاعب من شق طريقه داخل صفوف آرسنال الذي لا يقهر والذي خاض مواجهات الدوري الممتاز دونما هزيمة واحدة. بعد ذلك، بفترة قصيرة، تمكن فابريغاس في تقديم واحدة من أروع مساعداته على الإطلاق في تسجيل هدف، وذلك عندما مرر الكرة عكس اتجاهها دونما أن ينظر باتجاه فريدي ليونغبرغ على نحو أذهل الجميع، وذلك في إطار مباراة مثيرة انتهت بفوز آرسنال بنتيجة 5 - 4 على توتنهام هوتسبير. وأعقب ذلك الكثير من المباريات المتألقة من جانب فابريغاس.
ورغم ذلك، فإن الفترة التي قضاها في صفوف برشلونة دائماً ما تقف ضده، ذلك أن فابريغاس بدا دوماً غير متوافق مع اللعب في مركز المهاجم الثاني صاحب القميص رقم 9 خلف رأس الحربة. وخلال السنوات الثلاث التي قضاها داخل كامب نو، استمر فابريغاس واحداً من أفضل ستة لاعبين على مستوى أوروبا من حيث المعاونة في إحراز أهداف، ولم يتقدم عليه سوى ميسي وأوزيل وأنخيل دي ماريا وفرنك ريبيري وإيدن هازارد، رغم الإصابات المتكررة التي مني بها. ومثلما قال جوسيب غوارديولا، فإنه: «عندما يستحوذ سيسك على الكرة، يتحول في ثانية إلى اللاعب الأكثر تميزاً على مستوى العالم».
واللافت هذه الأيام أن ثمة تحيزا نحو الفترة الأحدث لدى التعرض لمهمة تقييم مسيرة فابريغاس. في خلال العامين الماضيين، أصبح فابريغاس أبطأ في استخدام ذهنه وقدمه، الأمر الذي أدى حتماً إلى تقليص فاعلية أدائه في الملعب. ومع هذا، فإنه لم يكن حدثاً في الماضي البعيد عندما عاون أندريس أنيستا على إحراز هدف الفوز في نهائي بطولة كأس العالم عام 2010، وعندما مرر الكرة إلى ديفيد سيلفا ليحرز الهدف الأول في المواجهة التي سحقت خلالها إسبانيا المنتخب الإيطالي بأربعة أهداف دون مقابل في نهائي بطولة «يورو 2012»، أو عندما عاون في تسجيل 18 هدفاً في صفوف تشيلسي خلال موسم 2014 - 2015 الذي فاز فيه الفريق ببطولة الدوري (أعلى ثاني معدل مكرر على مستوى أوروبا بعد كيفين دي بروين).
من ناحية أخرى، فإنه ليس هناك بين لاعبي الدوري الممتاز من مرر الكرة أكثر من جورجينيو فاينالدوم لاعب ليفربول هذا الموسم، لكنه لم يساعد في تسجيل هدف واحد. كما أن أربعة من مدافعي تشيلسي من بين أكبر 10 لاعبين من حيث عدد التمريرات، الأمر الذي يسلط الضوء على حقيقة ـ مثلما أوضح جيرمان جيناس خلال برنامج «ماتش أوف ذي داي» ـ أن الفريق الذي يتولى الإيطالي ماوريسيو ساري تدريبه يبالغ في اللعب في الخلف ولا يدفع الكرة نحو الأمام بسرعة كافية.
في الواقع، هذا اتهام لا يمكن على الإطلاق توجيهه إلى فابريغاس. ومن غير العجيب أن نجد أن تيري هنري يأمل في أن يتمكن الإسباني، الذي أمده بالكثير للغاية من المساعدات في تسجيل أهداف خلال الفترة التي لعبا خلالها معاً في صفوف آرسنال، من معاونته مرة أخرى في إخراج موناكو من منطقة الهبوط. ولا تتعجبوا إذا أثبت الساحر الإسباني البالغ 31 عاماً من جديد قدرته على فك طلاسم أعتى الدفاعات.


مقالات ذات صلة

غوستاف لاغربييلك... من طبقة النبلاء إلى ملاعب كأس العالم

رياضة عالمية أشارت تقارير ببعض وسائل الإعلام البريطانية إلى أن لاغربييلك يحتل المرتبة الـ254 في ترتيب وراثة العرش السويدي (أ.ب)

غوستاف لاغربييلك... من طبقة النبلاء إلى ملاعب كأس العالم

يوجد ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو ضمن نخبة نجوم كرة القدم المشاركين في كأس العالم المقامة في أميركا الشمالية.

«الشرق الأوسط» (مونتيري (المكسيك))
رياضة سعودية علي عبد الرؤوف (نادي الخليج)

الخليج يجدد عقد الشاب علي عبد الرؤوف حتى 2028

جددت إدارة نادي الخليج المنافس في الدوري السعودي لكرة القدم عقد لاعب الوسط الشاب علي عبد الرؤوف حتى 2028 ليستمر في صفوف الفريق.

علي القطان (الدمام)
رياضة عالمية صبري لموشي (رويترز)

«منشور محذوف» ومواقف غريبة... قصة يوم جنوني أطاح بلموشي من تدريب تونس

عاشت بعثة المنتخب التونسي واحدة من أكثر الساعات فوضوية في تاريخ كأس العالم، بعدما تحولت الهزيمة القاسية أمام السويد 1 - 5 إلى أزمة إدارية.

«الشرق الأوسط»
رياضة عالمية تينو ليفرامينتو (رويترز)

ضربة لإنجلترا قبل البداية... إصابة ليفرامينتو تُنهي حلمه المونديالي

تلقّى المنتخب الإنجليزي ضربة مُوجعة قبل ساعات من مباراته الافتتاحية أمام كرواتيا في «كأس العالم 2026»، بعدما بات الظهير تينو ليفرامينتو خارج حسابات البطولة.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
رياضة عالمية تصدر اسم العويس عناوين الصحف والمواقع الرياضية العالمية (أ.ب)

«البطل» و«الجدار» و«جلاد ميسي»... صحافة العالم تحتفي بملحمة العويس أمام الأوروغواي

تحول الحارس السعودي محمد العويس إلى أحد أبرز نجوم الجولة الأولى من كأس العالم 2026 بعدما قاد المنتخب السعودي لانتزاع تعادل ثمين بنتيجة 1 - 1 أمام الأوروغواي

فاتن أبي فرج (بيروت)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.