القراءة بين الإثراء المعرفي وقلق التأثر

ماذا علينا أن نقرأ في ظل قصر الحياة والغزارة اللامتناهية للكتب؟

محمود درويش - هارولد بلوم - هنري ميللر - ألبرتو مانغويل - بورخيس
محمود درويش - هارولد بلوم - هنري ميللر - ألبرتو مانغويل - بورخيس
TT

القراءة بين الإثراء المعرفي وقلق التأثر

محمود درويش - هارولد بلوم - هنري ميللر - ألبرتو مانغويل - بورخيس
محمود درويش - هارولد بلوم - هنري ميللر - ألبرتو مانغويل - بورخيس

لطالما كانت القراءة عبر التاريخ موضوعاً شائقاً وأثيراً تتناوله بالبحث والتحليل عشرات الأقلام، ويلهج بذكر فضائله ومزاياه الكثير من المفكرين والكتّاب، وتُحلّه الكتب السماوية في مكان الصدارة من سورها وفصولها وأسفارها. فالعهد القديم يستهل أسفاره المتلاحقة بعبارة «في البدء كان الكلمة»، في إشارة بالغة الدلالة إلى أن الكون برمته ما هو إلا كلمة الله التي تسبق التكوين وتضعه في خانة التحقق. وإذا كان الخالق قد علّم آدم الأسماء فليس لكي ينطقها فحسب، بل لكي يكتنه من خلالها آيات الوجود وأسراره ومعانيه. وليس أدل على تعظيم شأن القراءة في الإسلام من كون الوحي الإلهي قد استهل مخاطبته للرسول الأكرم بكلمة «اقرأْ» التي هي مفتاح فهم العالم وتبيُّن السبيل الحقيقي إلى تغييره وجعله مكاناً أفضل للعيش. كما يحيلنا الفعل الثلاثي «قرأ» في «لسان العرب» إلى معنى آخر يتعلق باللحمة والالتئام، حيث إن قراءة الشيء تعني جمْعه وضمّ بعضه إلى بعض. وقد سمي كتاب الله بهذا الاسم لأنه يجمع السور ويضمها في نسق أو سياق. وهو ما تؤكده الآية الكريمة «إن علينا جمْعه وقرآنه». لكن من اللافت أيضاً أن يتصل معنى القراءة بالولادة والإنجاب وبصناعة الحياة نفسها. فالقول عن امرأة حامل بأنها «ما قرأت جنيناً قط» يعني أن رحمها لم ينضمّ على ولد سوي إلا وأجهضه قبل أن يكتمل. هكذا يصبح للقراءة معنى الالتئام واكتمال الكينونة، ولغيابها معنى النقصان والتشوه وإجهاض الحياة. وثمة في لغة العرب ومعاجمهم، من جهة ثانية، ما ينأى بالقراءة عن الاطلاع والتصفح العابرين ليعطي القارئ معنى الناسك والقراءة معنى التنسك. وإذا كان لهذا الأمر من دلالة فهي أن القراءة في عمقها ليست مجرد تسلية أو تزجية للوقت، بقدر ما هي اختلاء بالآخر من خلال نصه ونتاجه الإبداعي. إنها تمثّلٌ وتفحّصٌ واستبطان ورياضة ذهنية وروحية وتمرينٌ ممتع وشاق على نشدان الحقيقة الأدبية والفنية. ولأن النص الإبداعي هو نص ملتبس وحمّال أوجه فهو يشي دائماً بنقصانه وينفتح على عشرات التفاسير والتأويلات، بما يتيح لقارئه أن يعيد اكتشافه من منظور مختلف وأن يصبح بالتالي شريكاً فاعلاً في كتابته.
يصعب تبعاً لذلك أن نتصور شاعراً أو روائياً أو فناناً كبيراً لا يولي القراءة جلّ اهتمامه ولا يمحضها ما تتطلبه من عناية ودأب بالغين. فالموهبة مهما ارتفع منسوبها تظل عرضة للتآكل والنفاد ما لم يسندها قدْر وافر من المعرفة والاطلاع اللذين يمدان الكاتب بما يلزمه من لوازم الحيوية والتجدد وتلافي الدوران على الذات. لكن السؤال الذي لا يكف المرء عن طرحه على نفسه هو: ماذا علي أن أقرأ في ظل قصر الحياة والغزارة اللامتناهية للكتب؟ فإذا كانت القراءة أمراً بالغ الأهمية بالنسبة للكثيرين، حتى في ظل المنافسة غير المسبوقة لمحركات البحث وتكنولوجيا المعرفة الحديثة، فإنها تأخذ بالنسبة للمشتغلين بالكتابة والفن شكل الضرورة القصوى والممر الإلزامي الذي لا بد منه للولوج إلى عوالم الإبداع الغامضة والمعقدة. وإذا كان المشتغلون بالكتابة يجمعون على دور القراءة الهام في تطوير لغتهم وتجاربهم، فإنهم يبدون من جهة أخرى منقسمين حول أولويات قراءاتهم ومصادرهم المعرفية. فحيث بعض التشكيليين لا يقرأون شيئا يذكر خارج مجال التشكيل، يجهد البعض الآخر في إثراء المصادر المعرفية التي تسهم في إثراء لوحاته وأعماله البصرية عبر قراءة الشعر أو تتبع الأعمال السينمائية. وحيث بعض الشعراء لا يجدون أنفسهم معنيين بقراءة الرواية، التي يرون في لغتها الكثير من الحشو والمباشرة والترهل، يلح آخرون على قراءة الروايات بوصفها منجماً هائلاً للإلهام والتخيل وإثراء اللغة. وقد يكون محمود درويش، مثالاً لا حصراً، هو أحد أكثر الشعراء ابتعاداً عن القراءة التخصصية واهتماماً بالقراءات المتنوعة أو الشاملة. فهو يصرح في أحد حواراته الصحافية بأنه يقرأ كل شيء، بدءاً من التاريخ والفلسفة والفكر السياسي والرواية والفلك وعلوم الطبيعة، وصولاً إلى المعاجم والقواميس التي يعترف بأنه يجد متعة بالغة في تصفحها وتعقب اشتقاقاتها ووظائف مفرداتها.
على أن أكثر ما يلفت في هذا السياق هو تحول القراءة عند البعض، بما هي فكرة وإدمان وتجربة، إلى هاجس إبداعي ومحلاً للكتابة والتأليف. ولعل الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل هو التجسيد الأمثل لتحول الشغف بالقراءة إلى موضوع للتأمل والتمحيص والتأليف الأدبي عبر أعمال لافتة من مثل «فن القراءة» و«تاريخ القراءة» و«ذاكرة القراءة». ويعود هذا الاهتمام البالغ بالقراءة إلى كون صاحب «المكتبة في الليل» قد عمل قارئاً لبورخيس منذ كان في السادسة عشرة من عمره، بحيث أن ما اتخذه مهنة للعيش في مطالع حياته تحول عنده لاحقاً إلى مشروع حياة وإلى محل للافتتان والشغف الخالص. وفي كتابه «ذاكرة القراءة» يتحدث مانغويل عن اعتقاده بأن في كل كتاب نقرأه نوعاً من التواصل مع الآخرين الذين نحتاج إلى وجودهم للخروج من عزلاتنا المغلقة وبلورة هويتنا في العالم. وحيث كل كتابة تصون شيئا ما فإن «القراءة مطالبة باسترداد الحق في هذا الخلود الإنساني» الذي بدأه الكتّاب الموتى، أو من يطلق عليهم هوميروس تسمية «الأغلبية الصامتة»، وصولاً إلى يومنا هذا. أما الناقد الأميركي الشهير هارولد بلوم فيذهب في كتابه «فن قراءة الشعر» إلى القول بأن الهدف من القراءة هو إثراء الوعي المعرفي من جهة، والوقوف على الجمال الملغز للنصوص التي تمنحنا متعة اكتشافها من جهة أخرى. ويرى بلوم أنه لا يمكننا قراءة أي قصيدة دون تحديد علاقة الشاعر بأسلافه وكيف تتم عملية التأثر والتأثير بين شعراء العصور المختلفة. وهو ما يتصادى مع مقولة بورخيس التي ترى في كل كتابة جديدة نوعاً من العمل الاستعادي لما سبقت كتابته، وصولاً إلى القول بأن كل واحد من الكتاب يخلق عبر الكتابة، وعن وعي أو غير وعي، أسلافه الخاصين به. أما هنري ميلر فيقف بالمقابل على الضفة المضادة للقراءة الاعتباطية أو العشوائية، معتبراً أنها لا تتجاوز الخمسين تلك الكتب الملهمة التي تساعدنا على تجاوز أنفسنا وتحريرها من البلادة أو الانعزال. ويعترف ميلر في كتابه الشيق «الكتب في حياتي» بأن معظم النتاج الأدبي في العالم مؤلف من أفكار مستهلكة وبائسة، حيث يظل من دون جواب ذلك السؤال المعلق حول تقليص الفائض من «العلف الرخيص» الذي يُقدّم لغالبية القراء المغفلين. وإذ يخلص الكاتب إلى الاستنتاج بأن الأميين ليسوا بالقطع الأقل ذكاء بيننا، يقرر جازماً بأن ما يجدر بالمرء أن يفعله هو التوجه إلى المنبع الحقيقي للمعرفة، الذي لا يجسده الكتَاب أو المعلم، بل الحياة ذاتها.
قد لا يكون علينا، أخيراً، أن نضع الحياة والقراءة في خانتين متضادتين، أو أن نختار إحداهما على حساب الأخرى بشكل قاطع لا يقبل اللبس. فإذا كانت المشكلة في أساسها ناجمة عن قصر الحياة وعدم اتساعها لكل هذا الكم اللامتناهي من الكتب، فإن ثمة مجالاً لرسم الحدود بين ما ينبغي أن نكتسبه عبر القراءة والتحصيل النظري والمعرفي، وما ينبغي أن نختبره عبر التجربة المحسوسة والانغماس في العيش. فالحياة ليست معادِلة للواقع المرئي فحسب، بل هي تجد قيمتها المضافة فوق أرض التخيل والدهشة وتقصي المجهول. والحياة لا تُتذوق بالحواس وحدها، بل بنشوة الروح وفرح الحدوس الذي تساعده الكلمات على التفتح والانبثاق. لكلٍ منا بالطبع أن يبحث عن الطريقة الأنجع لتلقف المعرفة، وأن ينتقي ما يوافق طباعه ومزاجه من الكتب والمؤلفات والوسائط المعرفية المستجدة، ولكن علينا ألا ننسى في غمرة انهماكاتنا المادية أن الكتب هي «عيادة الروح»، كما كتب المصريون القدماء على مدخل إحدى مكتباتهم الكبرى، وأن أفضل ما مُنحناه، نحن المتأخرين في القدوم إلى العالم، هو الاستمتاع بما قدمه لنا أسلافنا السابقون من ثمار عقولهم المستنيرة ومحاصيل مكابداتهم الشاقة مع اللغة والحياة.
أما خوف الكتّاب والشعراء من التأثر بمن يرون فيهم مُثُلهم ونماذجهم العليا، فلا يمكن أن يُتلافى بالعزوف عن القراءة والاحتكام إلى الفطرة، بل بمنازلة من نتأثر بهم فوق حلبة المغايرة والاختلاف والسجال الندي. كما أن الكاتب الحقيقي لا بد أن يتخلص من شبْهة ما يقرأه ويحوله إلى مادة أخرى مغايرة، كما تذيب الشجرة ما تتلقفه من التربة والسماد وتحوله إلى ثمار شهية. ولعل الناقد الفرنسي جان ليسكور قد استطاع بحذق بالغ أن يعبر عن العلاقة الإشكالية بين القراءة والكتابة بقوله: «يجب أن ترافق المعرفة قدرة موازية على نسيانها. ونسيان المعرفة ليس نوعاً من الجهل، بل هو تجاوز صعب لها. وهو الثمن الذي لا بد من دفعه لجعل الكتابة بداية خالصة، والذي يجعل من خلْقها تمريناً على الحرية».



عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
TT

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الـ76 التي اختتمت مؤخراً، وهو الفيلم الذي أنتج بتمويل جزائري - فلسطيني - فرنسي، وتحدث مخرجه في حفل الختام رافعاً العلم الفلسطيني عن معاناة أبناء وطنه تحت وطأة الحصار والاحتلال.

يقول الخطيب لـ«الشرق الأوسط»، إنه بصفته مخرجاً فلسطينياً - سورياً، كان يدرك أن الطريق لن يكون سهلاً، لكن إيمانه بالمشروع دفعه للاستمرار، موضحاً أن المشاركة في «برلين» كانت بالنسبة إليه خطوة طبيعية لأي صانع أفلام يؤمن بعمله، لأن المهرجانات الكبرى ليست ترفاً، بل جزء من منظومة صناعة السينما، خصوصاً في العالم العربي، حيث يشكل حضور الفيلم في مهرجان دولي بوابة أساسية لانتشاره.

وعن توقعاته قبل إعلان النتائج، قال إنه كان يتوقع أن يذهب الفيلم بعيداً في المنافسة، لأن المخرج، إذا لم يؤمن بعمله، فلن يُقنع به لجنة التحكيم ولا الجمهور، مؤكداً أنه تمنى الفوز بالجائزة الكبرى، ليس فقط لقيمتها المعنوية، بل أيضاً لما تمثله من دعم مادي مهم في ظل الظروف الإنتاجية الصعبة التي أحاطت بالفيلم.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

وفي حديثه عن العمل نفسه، أوضح الخطيب أن «وقائع زمن الحصار» يتناول فكرة الحصار بوصفها حالة إنسانية متكررة في التاريخ الفلسطيني، وليس حدثاً مرتبطاً بمكان واحد أو زمن محدد، مشيراً إلى أن التصوير تم في الجزائر والأردن وفرنسا، بسبب تعذر العمل في مناطق النزاع المباشر، سواء في سوريا أو غزة.

وأضاف أنه اختار مواقع قريبة بصرياً من بيئة المخيمات المحاصرة، حتى لو لم تكن القصة تدور صراحة في مخيم اليرموك، لأن جوهر الحكاية مستمد من تجربة شخصية عاشها هناك، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم صُوّر في أماكن داخلية، ما سهّل العملية نسبياً، فيما أُنجزت المشاهد الخارجية في الجزائر والأردن.

وعن اختيار الممثلين، قال الخطيب إن «الفيلم يقوم على خمس حكايات تتقاطع، ويضم عشرة ممثلين رئيسيين، والاعتبارات الإنتاجية لعبت دوراً حاسماً في الاختيار، لأن الفيلم أُنجز بميزانية محدودة جداً، مع اعتماد كبير على استثمار شخصي من المنتج، إضافة إلى دعم أصدقاء وفريق عمل آمنوا بالمشروع واشتغل بعضهم بشكل تطوعي أو بأجور رمزية».

وأضاف أن «فريق التمثيل ضم فنانين فلسطينيين وأردنيين وسوريين وجزائريين، وحاول، خصوصاً في الجزائر، العمل على اللغة واللهجة بحيث تبدو قريبة من (الفلسطينية)، لتخدم وحدة العالم الدرامي»، مؤكداً أن الاختيارات، رغم ظروفها، جاءت موفقة فنياً، لأن الممثلين لم يكونوا مجرد مؤدين، بل شركاء حقيقيون في بناء الشخصيات.

وتحدث الخطيب بصراحة عن صعوبة إنجاز فيلم روائي طويل بلا تمويل مسبق، مشيراً إلى أن كل مرحلة من مراحل التصوير شهدت فريقاً مختلفاً تقريباً، باستثناء مدير التصوير الذي بقي ثابتاً، لافتاً إلى أن اختلاف الطواقم بين بلد وآخر فرض تحديات تقنية في ما بعد الإنتاج، سواء على مستوى توحيد اللون أو الصوت أو الإيقاع العام، لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذا التنوع لم ينعكس سلباً على روح العمل، لأن الجميع اشتغل بحب وإيمان.

وأضاف أن الفيلم مثال عملي على ما يسمى بـ«السينما المستقلة»، لكنه انتقد في الوقت ذاته المفهوم الشائع للاستقلالية، موضحاً أن «كثيراً من المخرجين يكتبون نصوصهم وهم يفكرون مسبقاً في شروط صناديق الدعم، ما يحدّ من حريتهم الإبداعية. أما في حالته، فقد بدأ التصوير من دون أي تمويل، ولم يتقدم إلى الصناديق إلا بعد انتهاء التصوير، حين كان قد سيطر بالكامل على السرد والشكل النهائي للفيلم».

وعن عملية الكتابة، قال إنه لا يميل إلى النصوص المغلقة، بل يترك مساحة واسعة للتطور أثناء التصوير، موضحاً أن الحوارات وبعض التفاصيل بُنيت في موقع التصوير، لأن اعتماده على تجربة شخصية مع الحصار منحه مرونة لتعديل الأحداث وفق المعطيات المتاحة في كل بلد، من دون المساس بروح القصة.

وأكد الخطيب أن الممثلين أضافوا إلى الشخصيات أكثر مما كان يتوقع، وأن الفيلم نتاج عمل جماعي حقيقي، شارك فيه الجميع، من مدير التصوير إلى المنتج الذي لم يكتف بدوره الإداري، بل كان حاضراً في الموقع، يساهم في تجهيز الديكورات والملابس وحتى التفاصيل التقنية، بسبب محدودية الميزانية.

وفيما يتعلق بعلاقته بالمهرجانات، قال إن الحديث عن عدم الاكتراث بها ليس دقيقاً، لأن المهرجانات الكبرى تشكل منصة أساسية للعرض والتوزيع، مشيراً إلى أن كثيراً من المهرجانات العربية تختار أفلامها بناء على مشاركاتها الدولية، ما يجعل الوجود في مهرجانات مثل «برلين» خطوة استراتيجية لأي فيلم عربي مستقل.

Your Premium trial has ended


الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى والثانية.

وكانت الدورات السابقة من البينالي قد نجحت في خلق ظاهرة فنية عالمية مدعومةً بعدد من الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات ثقافية سعودية، من بينها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). وقد أسهمت هذه الشراكات في تقديم قطع أثرية وأعمال فنية للجمهور للمرة الأولى، أبرزها عرض كسوة الكعبة المشرفة كاملةً في الدورة الثانية عام 2025، فيما يؤكد التزام المؤسسة بإتاحة الأعمال النادرة ذات الأهمية الثقافية الاستثنائية للجميع.

جائزة المصلى تعود مع الدورة الجديدة لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

جائزة المصلى

كما شكّل البينالي منصةً لإطلاق مبادرات طموحة، من أبرزها جائزة المصلى، المسابقة المعمارية الدولية التي أطلقتها المؤسسة عام 2024، بهدف تطوير مقاربات مبتكرة في مجال تصميم أماكن العبادة، تعيد تصوّر مستقبل هذه الأماكن كمساحات مؤقتة ومتنقلة، قابلة للتفكيك وإعادة التركيب بسهولة، وقادرة على تجاوز حدود التصميم والتقنيات المستدامة.

المدار... منصة عالمية

ويحتل «المدار» أهمية محورية في هذا التوسّع، وهو مبادرة رائدة ابتكرتها مؤسسة بينالي الدرعية لتحويل البينالي من معرض دوري إلى منصة عالمية مستدامة للفنون الإسلامية، وتجسّد التزام المملكة بالتعاون الثقافي على المستوى الدولي وعبر مختلف التخصصات. أُطلق «المدار» مع الدورة الأولى للبينالي، ويعكس فهماً للتراث الإسلامي باعتباره مجالاً حياً ومتجدداً، حيث يعيد تصوّر آليات جمع كنوز الحضارة الإسلامية من مختلف العصور والجغرافيات ودراستها وتقديمها للجمهور للتفاعل معها.

وتشمل الخطط الجديدة تحويل «المدار» إلى مبادرة فاعلة على مدار العام، ترتكز على 4 محاور رئيسية، هي: «معرض المدار»، الذي يُقام في كل دورة من بينالي الفنون الإسلامية، وتصاحبه برامج ثقافية عامة، و«منصة المدار الرقمية»، التي توظف أحدث التقنيات في أعمال البحث والتبادل الثقافي وصياغة السرديات المتعلّقة بالفنون والثقافة الإسلامية، و«مبادرات المدار»، التي تُعنى بتنظيم الندوات وجلسات الحوار وورش عمل تدعم البحث وتطوير الممارسة الإبداعية، و«مجتمع المدار»، وهو شبكة متخصصة تجمع أهم المؤسسات الدولية بهدف تعزيز تبادل المعرفة وبحث فرص التعاون المشترك.

جانب من قسم «المدار» في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

الفريق الفني

وقد تم اختيار فريق تقييم فني دولي ليقود بينالي الفنون الإسلامية 2027 بعد عملية اختيار دقيقة، بدأتها المؤسسة بطرح دعوة مفتوحة لتقديم المقترحات، تلتها مراحل تقييم واختيار نهائي من قبل لجنة مختصة. وسيضم فريق القيمين الفنيين كلاً من البروفيسورة أزرا أكشاميا، وندى رضا، وويليام روبنسون بصفته القيّم الفني الرئيسي، ويجمع هذا الفريق خبرات تجمع بين الممارسات الفنية المعاصرة، والأبحاث التاريخية، والقيادة المؤسسية، ما يعزّز دور المؤسسة الريادي في حفظ ودراسة وعرض التراث الثقافي الإسلامي على المستوى الدولي.

جانب من جناح المدينة المنورة في الدورة الثانية لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

ومن المقرّر أن تقام الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، والدورات المقبلة من بينالي الدرعية للفن المعاصر في نهاية كل عام، ما يتيح للمؤسسة التركيز على تعميق الشراكات المؤسسية ومواءمة البيناليات مع التقويم الثقافي الأوسع للمملكة. وسيبني بينالي الفنون الإسلامية في نسخته المقبلة على ما حقّقته الدورتان الأولى والثانية من نجاح، نتج عنه عرض ما يزيد عن 500 قطعة أثرية من أكثر من 40 مؤسسة، تمثل أكثر من 20 دولة، حيث ضاعفت الدورة الثانية عدد المؤسسات المشاركة 3 مرات مقارنةً بالدورة الأولى.


«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»، الذي يتخذ اسمه من أحد أحياء العاصمة الرياض، حيث يتقدّم الماضي بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر، وتتقاطع مصائر الشخصيات على إيقاع ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب.

تتناول قصة العمل عودة رجل كبير بالسن (إبراهيم الحساوي) إلى الحي بعد سنوات طويلة، محملاً بشعور متراكم من الظلم وذاكرة تحتفظ بتفاصيل قاسية، وتتحوّل هذه العودة إلى مشروع انتقام من أهل الحي الذين يرى أنهم كانوا سبباً فيما آل إليه مصيره، وذلك بتنفيذ مباشر من ابنه (محمد القس)، وتعاونه في خططه أخته (نيرمين محسن).

إبراهيم الحساوي ومحمد القس في مشهد يجمع الأب وابنه لتنفيذ خطط الانتقام (شاهد)

خيار التحوّل الفني

وفي قلب المكان المليء بالمكائد، والخطط الإجرامية، تبرز شخصية «منيرة» التي تؤديها الممثلة نيرمين محسن بوصفها الابنة الصغرى للأب المظلوم، في دور يمثّل محطة مهمة في مسار نيرمين التي قدّمت خلال السنوات الماضية أدواراً تميل إلى الكوميديا، والأعمال الخفيفة، قبل أن تختار مؤخراً الانتقال إلى مساحة درامية أكثر كثافة، وتعقيداً.

وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تعبّر نيرمين عن سعادتها بهذه التجربة، وترى أن «حي الجرادية» منحها فرصة حقيقية لإظهار جانب آخر من أدواتها التمثيلية. وتوضح أن بداياتها في الكوميديا، وأعمال التقليد جعلت معظم العروض التي تصلها تدور في الإطار نفسه، وهو ما جعلها تنتظر النص الدرامي الذي يفتح أمامها خطاً مختلفاً في مسارها الفني.

من المسرح الجاد إلى الشاشة

تشير نيرمين إلى أنها اشتغلت على هذا النوع من الأداء سابقاً في المسرح الروائي الجاد، وحقّقت فيه حضوراً لافتاً، وكانت تتطلع إلى نقل هذه التجربة إلى الدراما التلفزيونية عبر نص يمنحها مساحة أوسع للتعبير. وتضيف أنها في موسم دراما رمضان قدّمت شخصيتين مختلفتين درامياً، «منيرة» في «حي الجرادية» و«عهود» في مسلسل «أنا ولا أنا»، وهو ما تعتبره خطوة مهمّة في مسيرتها، لأنه يوسّع خياراتها، ويضعها أمام تحديات تمثيلية جديدة.

وبالسؤال عن انجذابها إلى شخصية منيرة، توضّح أن ما لفتها هو طبيعة هذا التكوين النفسي المركّب، مبينة أن الشخصية تقوم على فكرة «شرّ مخفي» يظهر عبر التفاصيل الدقيقة أكثر مما يظهر عبر الملامح، أو السلوك المباشر، وينبع هذا الشر من صدمة طفولة، ومن رغبة دفينة في الانتقام، بينما تحافظ الشخصية في الظاهر على صورة هادئة، ومترددة. وتشرح أنها قرأت الشخصية أكثر من مرة، وحاولت أن تتعرّف عليها بعمق، وأن تفهم ردود فعلها، وأن تقترب منها بوصفها إنسانة تحمل صراعاً داخلياً بين جانب طيب حاضر في تكوينها، ودافع داخلي يدفعها إلى خيارات قاسية.

نيرمين محسن من قلب تصوير المسلسل (انستغرام الممثلة)

بناء المسار النفسي

كما تؤكد نيرمين أن التحضير للشخصية جاء ضمن عمل جماعي عبر بروفات الطاولة التي جمعت فريق العمل تحت إشراف المخرج منير الزعبي. وفي هذه الجلسات، جرى النقاش حول أبعاد الشخصية، وتفاصيلها النفسية، ومسارها داخل الحكاية، وهو ما ساعد على تثبيت ملامحها الداخلية، وضبط إيقاعها النفسي.

وعن أكثر الجوانب التي شكّلت تحدياً لها في تجسيد منيرة، توضّح نيرمين أن طبيعة الدوافع والانفعالات تمثّل المحور الأساسي لهذا التحدي، فالشخصية تعتمد في حركتها الدرامية على ما يجري في الداخل أكثر مما يظهر في الخارج، وذلك من خلال لغة جسد هادئة، ونبرة محسوبة، بينما الداخل مزدحم بالصراعات، والذكريات التي تواصل تأثيرها في قراراتها.

وينسجم حديث نيرمين محسن مع طبيعة «حي الجرادية»، إذ يقوم العمل على بناء توتّر تدريجي يتكشّف عبر الزمن، وتظهر الشخصيات طبقة بعد أخرى، لتتحوّل العلاقات اليومية إلى مساحات مشحونة بالقلق، والخوف، ما بين عالم تجّار المخدرات، وجرائم القتل، والابتزاز، دون أن يكون هناك حد رادع لهوس الانتقام، والرغبة في تدمير سكان الحي.

وبالسؤال عن التفاعل الجماهيري، تقول نيرمين إن الأصداء التي وصلتها تحمل طابعاً مشجّعاً، وتعبّر عن سعادتها برؤية هذا التفاعل مع العمل، ومع الشخصيات. وترى أن الجمهور السعودي اليوم يتمتّع بوعي فني، ونضج في تلقّي الأعمال الدرامية، ويقدّر الجهد حين يُقدَّم بصورة احترافية، وفي ختام حديثها، وجّهت حديثها للمشاهدين بالقول: «إن الأحداث المقبلة تحمل تصاعداً أكبر بكثير».