طرابلس تغيب عن القمة الاقتصادية وتنتقد تصرف بيروت

رفض لبناني رسمي و«انزعاج» عربي من إهانة العلم الليبي

جانب من مؤتمر صحافي في بيروت أمس للإعلان عن اكتمال استعدادات القمة الاقتصادية العربية (إ.ب.أ)
جانب من مؤتمر صحافي في بيروت أمس للإعلان عن اكتمال استعدادات القمة الاقتصادية العربية (إ.ب.أ)
TT

طرابلس تغيب عن القمة الاقتصادية وتنتقد تصرف بيروت

جانب من مؤتمر صحافي في بيروت أمس للإعلان عن اكتمال استعدادات القمة الاقتصادية العربية (إ.ب.أ)
جانب من مؤتمر صحافي في بيروت أمس للإعلان عن اكتمال استعدادات القمة الاقتصادية العربية (إ.ب.أ)

أعلنت ليبيا، أمس، أنها ستقاطع رسمياً القمة العربية الاقتصادية والاجتماعية المقررة في بيروت السبت المقبل، على خلفية تمزيق محسوبين على حركة «أمل» الشيعية اللبنانية علم الاستقلال الليبي. وأعربت اللجنة العليا للقمة عن أسفها لإحراق العلم، فيما شدد الرئيس اللبناني ميشال عون ووزير خارجيته جبران باسيل على أن ما جرى لا يعبر عن موقف بلدهما.
وأظهرت مقاطع مصوّرة متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، إنزال محتجين علم ليبيا من أعلى سارية في بيروت وإهانته بالتزامن مع مطالبة قياديين في حركة «أمل» بمنع ليبيا من المشاركة في القمة: «حتى تكشف مصير الإمام موسى الصدر» الذي اختفى بعد زيارة لليبيا بدعوة من الراحل معمر القذافي عام 1978.
وأعلن رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فائز السراج، أمس، أن بلاده قررت «مقاطعة» القمة الاقتصادية العربية، مبدياً أسفه لـ«أفعال سلبية» في الدولة المضيفة. وأكد السراج في بيان «مقاطعة هذا المؤتمر والامتناع عن المشاركة في أعماله بعدما تبين أن الدولة المضيفة لم توفر المناخ المناسب وفق التزاماتها والأعراف والتقاليد المتبعة لعقد مثل هذه القمم».
وكانت وزارة الخارجية الليبية قالت في بيان مقتضب، مساء أول من أمس، إنه تقرر رسمياً عدم المشاركة على أي مستوى في هذه القمة، لافتة إلى أن مقعد دولة ليبيا خلالها سيكون شاغرا. وأعربت الوزارة في بيان، أمس، عن «خيبة الأمل في تعاطي الدولة المضيفة مع رغبة ليبيا في فعاليات هذا اللقاء، وهو الأمر المخالف لأبسط الأعراف الدبلوماسية فضلاً عن مجافاته لأواصر الأخوة ومدى سلبية ما يترتب عن مثل هذه المواقف من نتائج».
وانتقدت «المساس بالعلم الليبي وإنزاله وتمزيقه تحت أنظار الجميع، ما يعد مساساً برمز مقدس لدولة ذات سيادة، إضافة إلى منع وفد رجال الأعمال الليبي من دخول الأراضي اللبنانية ورفض قبول مشاركته في اجتماع منتدى القطاع الخاص لاتحاد الغرف العربية» المنعقد على هامش القمة.
ونددت الوزارة بـ«الهجمة غير المبررة من أطراف لبنانية مسؤولة على مشاركة الدولة الليبية في أعمال القمة بحجج ومبررات تجافي المنطق، والتصريحات المتضاربة للمسؤولين اللبنانيين بشأن مشاركة الوفد الليبي». واستنكرت «غياب الجدية في وضع الترتيبات الأمنية اللازمة لضمان سلامة الوفد، فضلاً عن الغياب الكامل للترتيبات المراسمية المعتادة لاستقبال الوفد كإصدار التأشيرات وخلافه».
وطبقاً للبيان، طلبت حكومة السراج من لبنان توضيحا عاجلا لموقفه في هذا الشأن، ودعت الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط إلى توضيح موقف الجامعة.
وأعرب أبو الغيط عن «انزعاجه الشديد» إزاء واقعة حرق علم ليبيا في بيروت، مؤكداً أنه «من غير المقبول في أي حال من الأحوال أو تأسيساً على أي حجة أن يتم حرق علم أي دولة عربية، خصوصاً إذا ما حدث هذا الأمر على أرض عربية، وأخذاً في الاعتبار أن وجود اختلافات في الرؤى أو بواعث سياسية تاريخية معينة لا يبرر حرق علم عربي يمثل في حقيقة الأمر رمز الدولة وواجهتها والمعبر عن إرادة ووحدة شعبها». ودعا الأمين العام سلطات الدولة اللبنانية في تصريحات، أمس، إلى العمل على ضمان توافر الاحترام الكامل لوفود الدول الأعضاء في الجامعة التي ستشارك في اجتماعات القمة.
وعبّرت الرئاسة اللبنانية عن امتعاضها مما حصل في بيروت من حرق للأعلام الليبية، وفق ما قالت مصادرها لـ«الشرق الأوسط»، فيما أسف وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل لعدم مشاركة ليبيا في القمة.
وقالت مصادر منظّمي القمة في بيروت لـ«الشرق الأوسط» إن «خيار مشاركة أي دولة هو قرار سيادي مع تأكيدنا على اتخاذ كامل الإجراءات الأمنية اللازمة لتأمين سلامة الوفود المشاركة».
وأتى الموقف الليبي بعد تصعيد «حركة أمل» ومناصريها رفضاً لدعوة طرابلس إلى القمة عبر نزع أعلامها المرفوعة إلى جانب أعلام الدول العربية المشاركة في القمة واستبدالها من خلال أعلام الحركة، ما استدعى ردة فعل في ليبيا عبر قيام شبان بإزالة اللوحة الخاصة بالسفارة اللبنانية في العاصمة ووضع علم بلادهم مكانها.
وفي رسالة إلى نظيره الليبي، عبّر باسيل عن «الرفض المطلق للأمور والأعمال التي طالت دولة ليبيا ومشاركتها والتي لا تعبر عن موقفي وموقف لبنان». كما أكد حرصه على العلاقات بين البلدين «وضرورة وضعها على السكة الصحيحة من دون أن يتخلى لبنان إطلاقاً عن واجبه الوطني بمعرفة مصير الإمام المغيب موسى الصدر ورفيقيه وحل هذه المسألة التي عكرت العلاقات بين البلدين لأكثر من أربعة عقود».
وفي حين استمر «حزب الله» في اتباع سياسة الصمت حيال الخلاف بين حليفيه «التيار الوطني الحر» بزعامة الرئيس عون و«حركة أمل» برئاسة رئيس البرلمان نبيه بري فيما يتعلّق بدعوة ليبيا إلى القمة، جدّد النائب هاني قبيسي عن كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها بري، موقف «حركة أمل»، قائلاً إن «موقفنا من دعوة ليبيا إلى المؤتمر الاقتصادي العربي ليس عبثاً، فالحكومة الليبية الحالية تعاملت مع الوفد الرسمي الذي كلف بمتابعة ملف التحقيق بقضية الإمام السيد الصدر في ليبيا كمعاملة العبيد... اعترضنا على حضور هذا الوفد لأن حكومته لم تحترم القضية التي نحمل ولم تساعد الوفد اللبناني في التحقيق لجلاء قضية الإمام الصدر، بل كانوا أكثر سلبية من نظام القذافي... لن نرضى ولن نقبل أن تطأ أقدامهم أرضنا مهما حصل».
وعلى وقع اشتداد الخلاف على أكثر من صعيد في لبنان، دعا وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة تصريف الأعمال النائب بيار بوعاصي، إلى «الفصل بين القمة الاقتصادية العربية وقضية الإمام موسى الصدر والتوتر على خلفية تشكيل الحكومة». وشدد في حديث إذاعي على أن «الانعكاسات السلبية للتشكيل غير مرتبطة بالقمة، ومن السيئ الانعزال عن الدول العربية»، معتبراً أن «لبنان من حيث تكوينه هو جسر عبور نحو الآخرين، وحزب القوات اللبنانية مع انعقاد القمة في لبنان والتي تعود مهمة الدعوة إليها إلى الجامعة العربية».
وأكدت مصادر لبنانية رسمية على صلة باللجنة التنظيمية لاستضافة القمة الاقتصادية العربية أن مسؤولي دائرة الأمن العام اللبناني في مطار رفيق الحريري الدولي امتنعوا عن السماح لخمسة من رجال الأعمال الليبيين بالدخول إلى بيروت للمشاركة في المنتدى الاقتصادي العربي لرجال الأعمال الذي يُعقد على هامش القمة.
وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن المسؤولين في هذه الدائرة رفضوا منحهم سمة الدخول التي تجيز لهم مغادرة المطار إلى مقر إقامتهم في أحد فنادق بيروت مع أن الترتيبات المتخذة تسمح لهم بالحصول على سمات الدخول فور وصولهم إلى المطار من دون أن يستحصلوا عليها من إحدى السفارات اللبنانية. ولم تعطِ سلطات المطار، بحسب المصادر، أي تفسيرات لرجال الأعمال الليبيين الخمسة ما اضطرهم إلى المغادرة. وفي هذا السياق، تخوّفت مصادر لبنانية أخرى من أن يكون التحرك لمنع الوفد الليبي من الاشتراك في القمة الاقتصادية العربية مقدمة لقطع الطريق على تلبية لبنان الدعوة الأميركية لحضور المؤتمر الدولي - العربي الذي يُعقد في النصف الأول من الشهر المقبل في بولندا، تحت عنوان إقامة أكبر حشد دولي وإقليمي لمواجهة المشروع الإيراني الهادف إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة.
ولفتت هذه المصادر إلى أن الاعتراض على حضور ليبيا القمة الاقتصادية «قد يكون عيّنة على طريق التحضير لتحرّك أوسع لا يقتصر كما هو حاصل اليوم على حركة أمل... وإنما قد تنضم إليه قوى أخرى تنتمي إلى محور الممانعة، مع أن لبنان قد لا يشارك في مؤتمر بولندا لينأى بنفسه عن الارتدادات السلبية المترتبة على مشاركته التي من شأنها أن تؤدي إلى اهتزاز الاستقرار فيه».



مصر تدعم تفعيل دور الجامعة العربية مع تغيير الأمين العام

السيسي يؤكد دعم مصر الكامل لترشيح نبيل فهمي لمنصب أمين جامعة الدول العربية (الرئاسة المصرية)
السيسي يؤكد دعم مصر الكامل لترشيح نبيل فهمي لمنصب أمين جامعة الدول العربية (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تدعم تفعيل دور الجامعة العربية مع تغيير الأمين العام

السيسي يؤكد دعم مصر الكامل لترشيح نبيل فهمي لمنصب أمين جامعة الدول العربية (الرئاسة المصرية)
السيسي يؤكد دعم مصر الكامل لترشيح نبيل فهمي لمنصب أمين جامعة الدول العربية (الرئاسة المصرية)

شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على ضرورة تعزيز منظومة العمل العربي المشترك وتفعيل دور الجامعة العربية باعتبارها «المظلة الأساسية والإطار الجامع للدفاع عن مصالح الدول والشعوب العربية»، وذلك خلال استقباله، الأحد، كلاً من نبيل فهمي المرشح لمنصب أمين عام الجامعة، وأحمد أبو الغيط الأمين العام الحالي، الذي تنتهي ولايته آخر الشهر الجاري.

ومن المنتظر أن يتولى الدبلوماسي المصري المخضرم نبيل فهمي منصبه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، أول يوليو (تموز)، بعد أن أقر مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية بالإجماع، نهاية مارس (آذار) الماضي ترشيحه، ورفع توصية إلى القمة العربية المقبلة لاعتمادها.

وسبق وصرحت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط»، بأن الأمين العام الجديد «بدأ بالفعل الاستعداد لتولي مهام منصبه، وعقد لقاءات للتعرف على طاقم العمل، تناولت تعزيز دور الجامعة في دعم قضايا العمل العربي المشترك، كما عرض رؤيته للجامعة العربية وتطوير آليات العمل المشترك».

وقالت المصادر إن فهمي في طريقه للتثبيت أميناً عاماً للجامعة من خلال تصديق القادة العرب على قرار وزراء الخارجية عبر عدة احتمالات، من بينها إتمام التصديق عبر اجتماع افتراضي، أو داخلياً، وإعلان ذلك عند تسلمه منصبه.

السيسي يشكر أبو الغيط قبل أيام من انتهاء ولايته (الرئاسة المصرية)

وخلال استقباله فهمي، أكد السيسي دعم مصر الكامل لترشيحه للمنصب، مشدداً على ما تشهده المنطقة في المرحلة الراهنة من تحديات غير مسبوقة تستوجب تعزيز منظومة العمل العربي المشترك، وتفعيل دور جامعة الدول العربية باعتبارها المظلة الأساسية والإطار الجامع للدفاع عن مصالح الدول والشعوب العربية، وفق بيان للرئاسة المصرية، كما استقبل أبو الغيط معرباً عن «تقديره البالغ للدور الذي اضطلع به خلال فترة توليه المنصب».

وعن ترشيح فهمي للمنصب، قال عضو مجلس النواب المصري عماد الدين حسين لـ«الشرق الأوسط»: «فهمي شخصية دبلوماسية من العيار الثقيل، وله خبرة طويلة، حيث كان سفيراً لمصر في أكثر من عاصمة أهمها واشنطن، وتولى منصب وزير خارجية مصر في فترة بالغة الدقة والحساسية بعد أحداث 30 يونيو (حزيران) 2013، وهو أستاذ جامعي مرموق في الجامعة الأميركية بالقاهرة، كما أنه كاتب ومفكر مهموم بالعمل الدبلوماسي العربي والعالمي».

ويرى الباحث والمحلل السياسي اللبناني وجدي العريضي أن فهمي «يمتلك خبرة واسعة وقدرة على إحداث تغيير دبلوماسي قد يقود لتحقيق الإجماع العربي داخل الجامعة، ومتوقع بالطبع أن يحصد المنصب».

وخلال لقائه مع السيسي، أكد فهمي «تطلعه إلى العمل على تطوير أداء جامعة الدول العربية وصياغة رؤية استراتيجية متقدمة وفاعلة تتناسب مع حجم التحديات الماثلة أمام الأمن القومي العربي»، كما شدد على «قناعته بأهمية تعزيز دور الجامعة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، بما يسهم في تحقيق الدور المنشود لها»، بحسب بيان الرئاسة المصرية.

فيما أكد السيسي «الرؤية المصرية الحريصة على الاضطلاع بأدوار بنّاءة تعزز الحلول السلمية لأزمات المنطقة»، لافتاً إلى «تزايد بؤر الصراع وتصاعد انتهاكات القانون الدولي، وهو ما يفرض تبعات جسيمة على الأمن القومي العربي بمفهومه الشامل، ويضاعف من مسؤوليات جامعة الدول العربية، خاصة فيما يتصل بضرورة تطوير أدواتها للتعامل مع التحولات الإقليمية وصياغة مواقف عربية جماعية أكثر فاعلية وشمولاً».

وحسب عماد الدين حسين، فإن «فهمي نظرياً لديه كل المؤهلات التي تجعله ينجح في مهمته، لكن يبقى السؤال الأهم وهو: هل الظروف الحالية في المنطقة تساعد في نجاح الجامعة العربية أن تعود لدورها المنشود؟».

ويتفق العريضي في الرأي، قائلاً: «منذ فترة طويلة لم تعد الجامعة حاضرة كما كانت، وذلك لأن الشعوب العربية ترى أوطانها تتمزق في لبنان وغزة والسودان وليبيا والجامعة عاجزة عن وقف هذا التمزق».

لكنه أضاف: «يظل هناك أمل كبير في أن يستعيد فهمي دورها المنشود».

 

 

 

 

 


مصر تقترح «إطاراً مؤسسياً» للآلية التشاورية مع السعودية وتركيا وباكستان

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل وزراء خارجية السعودية وباكستان وتركيا بحضور الوزير المصري بدر عبد العاطي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل وزراء خارجية السعودية وباكستان وتركيا بحضور الوزير المصري بدر عبد العاطي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تقترح «إطاراً مؤسسياً» للآلية التشاورية مع السعودية وتركيا وباكستان

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل وزراء خارجية السعودية وباكستان وتركيا بحضور الوزير المصري بدر عبد العاطي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل وزراء خارجية السعودية وباكستان وتركيا بحضور الوزير المصري بدر عبد العاطي (الرئاسة المصرية)

دعا الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الأحد، إلى إطار مؤسسي للآلية التشاورية مع السعودية وتركيا وباكستان، التي حققت منذ انطلاقها بعد 3 أسابيع من حرب إيران نهاية فبراير (شباط)، دوراً في جهود التهدئة التي تشهدها المنطقة حالياً.

ورحب السيسي خلال استقبال وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان، بحضور نظيرهم المصري بدر عبد العاطي، بانعقاد الاجتماع الرابع لوزراء خارجية المجموعة الرباعية في القاهرة.

تلك الخطوة التي اقترحها السيسي خلال لقاء عُقد بالقاهرة بحضور وزراء الخارجية: السعودي الأمير فيصل بن فرحان، والتركي هاكان فيدان، والباكستاني محمد إسحاق دار، والمصري بدر عبد العاطي، يراها خبراء بالشؤون العربية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»: «ضمن التشاور والتنسيق المستمرين بالفعل بين الدول الأربع»، مشيرين إلى أن «التحول لإطار مؤسسي مسألة لها أبعاد متعددة، ويحتاج ذلك إلى دراسة دقيقة في العواصم المعنية».

وكان أول اجتماع بين وزراء الدول الأربع في العاصمة السعودية الرياض في 20 مارس (آذار) 2026، ثم عُقد اجتماع ثانٍ في العاصمة الباكستانية إسلام آباد في 29 من الشهر ذاته، ثم اجتماع ثالث في أنطاليا التركية في 17 أبريل (نيسان).

السيسي يتحدث إلى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان وبجواره وزراء خارجية مصر وتركيا وباكستان (الرئاسة المصرية)

وقال الرئيس المصري إن «التطورات الإقليمية الأخيرة أبرزت محورية هذه الدول بوصفها ركائز أساسية للاستقرار والأمن الإقليميين، بما يعزز أهمية استمرار هذه الآلية التشاورية وتطويرها لتصبح إطاراً مؤسسياً فاعلاً قادراً على صياغة حلول شاملة ومستدامة لأزمات المنطقة».

وأكد حرص مصر على مواصلة العمل مع السعودية وباكستان وتركيا وجميع الدول العربية والإقليمية لدعم تنفيذ مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية وإنجاح المسار التفاوضي بين الجانبين، مشيراً إلى أن الاتفاق النهائي يجب أن يضمن أمن دول مجلس التعاون الخليجي وكل الدول العربية، ويراعي شواغلها، وفق بيان للرئاسة المصرية.

ماذا يعني «الإطار المؤسسي؟»

يرى المفكر السياسي المصري عمرو الشوبكي أن «المقترح بشأن انتقال الآلية التشاورية إلى العمل المؤسسي خطوة إيجابية، خصوصاً أن هذه الدول أثبتت دورها الرئيسي والتفاعل الإيجابي في ملفات حيوية مرتبطة بغزة وإيران»، مشدداً على أن «التحول لإطار مؤسسي مسألة لها أبعاد متعددة، ويحتاج ذلك إلى دراسة دقيقة في العواصم المعنية».

وأضاف أن «مَأسسة العمل التشاوري تتطلب تحديد أهداف دقيقة وخطة عمل للتعامل مع الأزمات والتحديات في المنطقة، خصوصاً وأن لكل دولة من هذه الدول روابط مؤسسية قوية مع كيانات ومنظمات دولية أخرى».

وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا خلال اجتماع رباعي في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

ويرى أستاذ العلوم السياسية طارق فهمي أن المقترح المصري بتحويل الآلية التشاورية إلى إطار مؤسسي فاعل يعني «الانتقال من مجرد اجتماعات ولقاءات دورية إلى عمل مؤسسي دائم قد يكون هيئة مشتركة أو مجلساً مشتركاً أو تحالفاً له مقر دائم، وإطار استراتيجي، وأهداف محددة، وعضوية واضحة».

وأضاف: «هذا المقترح يستهدف استباق أي ترتيبات أمنية إقليمية قد تُفرض من أطراف خارجية، خصوصاً في ظل تربص من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو».

ورجّح أن تلعب هذه الدول دوراً محورياً في استضافة مفاوضات دولية كبرى، مما يؤسس لمرحلة جديدة يتحول فيها التنسيق الرباعي لدور أكبر في صياغة مستقبل المنطقة؛ متوقعاً تحفظاً أميركياً تجاه أي تحالفات عربية إقليمية قوية، وتقبلاً نسبياً من طهران. واستدرك: «لكن هذا يحتاج إلى عودة الوزراء لعواصمهم لحسم ذلك الخيار».

استمرار التنسيق الرباعي

وعقب اجتماع القاهرة، أصدر وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان بياناً مشتركاً أكدوا فيه أنه «أتاح فرصة لتبادل وجهات النظر بشكل معمق حول التطورات الإقليمية والدولية، وأعاد التأكيد على أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين الدول الأربع دعماً للسلام والأمن والاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط والمنطقة ككل».

وأفاد البيان بأنه «تم التأكيد بشكل خاص على أهمية التوصل السريع والناجح إلى ختام المرحلة اللاحقة من المفاوضات، التي تهدف إلى الوصول إلى حل دائم وقابل للتحقق ومقبول من جميع الأطراف بشأن القضايا العالقة».

جانب من اجتماع وزراء خارجية الأطراف الإقليمية الأربعة السعودية ومصر وباكستان وتركيا (الخارجية المصرية)

وشدّد الوزراء على أن «هذه الجهود ينبغي أن تأخذ في الاعتبار شواغل دول المنطقة، ولا سيما فيما يتعلق بأمن واستقرار الدول العربية الخليجية، وكذلك منطقة المشرق العربي، بما يسهم في تعزيز الأمن الجماعي وترسيخ الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل».

وأكد فهمي أن التنسيق الرباعي لعب دوراً واضحاً في تهدئة التوترات عقب اندلاع حرب إيران، ويمكن البناء عليه الفترة المقبلة، ويتفق معه الشوبكي في أهمية استمرار هذا التنسيق الرباعي الذي نجح في وقف حرب إيران، مشدداً على أن قوة هذا التنسيق تكمن في امتلاك دوله علاقات قوية ومتوازنة مع مختلف الأطراف الفاعلة على الساحة الدولية، بما يمنحه قدرة أكبر على المناورة والتأثير إذا ما تبنى رؤية واضحة ومحددة مع مختلف التحديات.


التفاهمات الأميركية - الإيرانية تختبر مصير النفوذ الحوثي

التفاهمات الأميركية - الإيرانية لا تزال غامضة في شأن مصير نفوذ طهران بالمنطقة (رويترز)
التفاهمات الأميركية - الإيرانية لا تزال غامضة في شأن مصير نفوذ طهران بالمنطقة (رويترز)
TT

التفاهمات الأميركية - الإيرانية تختبر مصير النفوذ الحوثي

التفاهمات الأميركية - الإيرانية لا تزال غامضة في شأن مصير نفوذ طهران بالمنطقة (رويترز)
التفاهمات الأميركية - الإيرانية لا تزال غامضة في شأن مصير نفوذ طهران بالمنطقة (رويترز)

فتحت التفاهمات الأميركية - الإيرانية الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمة ذلك الجماعة الحوثية في اليمن التي تمثل آخر أوراق طهران القوية في العالم العربي بعد الضربات وتضييق الخناق على حلفائها في ساحات أخرى.

ومثلت الجماعة الحوثية طوال السنوات الماضية إحدى أهم أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، غير أن مساعي طهران لتثبيت تفاهمات طويلة الأمد مع واشنطن وتخفيف الضغوط الاقتصادية والعسكرية، قد يلزمها بوقف أشكال الدعم العسكري أو ضبط سلوك الجماعة، خصوصاً في البحر الأحمر.

ولم تعد الجماعة الحوثية مجرد وكيل إيراني تقليدي، بل تحولت إلى قوة تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية واقتصادية خاصة بها داخل اليمن، ما يمنحها هامشاً كبيراً من الاستقلالية، حتى وإن تأثرت قدراتها العسكرية النوعية.

ويصف رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، التفاهمات الجارية بين واشنطن وطهران بـ«الاتفاقات الهشة» التي تقتصر على إدارة الأزمات لا حلها المستدام، محذراً من تجاوز ملف أذرع إيران العابرة للحدود وفي مقدمتها جماعة الحوثي، كما نقلت عنه وسائل الإعلام الحكومية.

سعي حوثي من أجل الحصول على اعتراف بالجماعة دون التنازل عن سيطرتها وسلاحها (رويترز)

ويرى، إسلام المنسي، الباحث المصري في الشأن الإيراني أن من الصعب على إيران أن تتخلى عن أي ساحة من ساحات نفوذها أو أحد وكلائها في المنطقة، ولديها وسائل للتلاعب بشكل علاقتها معهم، وإعادة صياغة أدوارهم، مثل التظاهر بتحولهم إلى أحزاب سياسية، بما في ذلك الجماعة الحوثية.

ويشير المنسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن التفاهم الأميركي الإيراني لم يتضمن مصير نفوذ طهران الإقليمي وأذرعها العسكرية؛ لإصرار طهران على تركيز المفاوضات حول مضيق هرمز، وتأجيل الملفات النووية والصاروخية والوكلاء إلى فترة الستين يوماً، المحددة بوصفها مهلة للتوصل إلى اتفاق سلام، ورغم عدم حسم خلاف الملاحة تماماً، ستصطدم واشنطن برغبة إيران في تمديد التفاهمات دون المساس بملف وكلائها.

وتبعاً لذلك، ستقاتل إيران تفاوضياً للحفاظ على حد أدنى من نفوذ أذرعها، مفضلةً تجميد أدوارها مؤقتاً بدل حلها، ويتضح ذلك من إلزام فصائل العراق بالانحناء للعاصفة وتحجيم أنشطتها، وتوجيه الحوثيين للتهدئة، مع التمسك بـ«حزب الله» اللبناني.

الجماعة الحوثية مستمرة في حشد وتجنيد المقاتلين في مناطق سيطرتها (رويترز)

وحول نفوذها في اليمن، حيث دائماً ما ينفي كل من إيران والحوثيين، وجود علاقة عضوية بينهما، سيجري التلاعب بشكل الدعم والعلاقة ومصادر التمويل، الذي لا يتم أساساً بالطرق الرسمية التي يمكن مراقبتها.

تمسك إيراني بالحوثي

كان العليمي نبّه إلى أن اليمنيين ينظرون إلى التحدي الإيراني من زاوية أوسع من الملف النووي، وإلى أن احتواء الأزمات دون معالجة مسبباتها ينتج حلولاً هشة وغير قادرة على تحقيق سلام مستدام، لأن الاستقرار يبدأ باحترام سيادة الدول.

ويتوقع فارس البيل، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، أن إيران حصلت على مكسب مهم حتى الآن، يتمثل بعدم حسم ملف نفوذها وأذرعها في المنطقة، ما يعني استمرارها في تقديم الدعم لها، خصوصاً الجماعة الحوثية، التي ترى فيها أفضل تعويض عن خسائر نفوذها في لبنان بعد استهداف «حزب الله»، وتضييق الخناق على الوكلاء في العراق.

وحسب حديث البيل لـ«الشرق الأوسط»، فإن الجماعة الحوثية تتمتع بميزات كثيرة عن غيرها من الأذرع، مثل المساحة الجغرافية الواسعة التي تسيطر عليها، والتسليح النوعي الذي تمتلكه، والقدرة الكبيرة على المناورة وكسب الوقت، وعدم وقوعها تحت ضغط عسكري كبير، ما يجعل الرهان الإيراني عليها كبيراً إلى درجة دفعها للعب دور شبيه بدور «حزب الله» اللبناني سابقاً.

رغم ضجيجهم المرتفع تجنب الحوثيون الانخراط العسكري الواسع إلى جانب إيران (رويترز)

ويتوقع أن تراهن الجماعة الحوثية على أن التفاهمات الأميركية الإيرانية توفر لها الحماية من أي استهداف سياسي أو عسكري، ويمنحها بالتالي رغبة أكبر في التعنت ورفض تقديم التنازلات، خصوصاً وأنه لم يجرِ استهدافها خلال فترة الحرب الأخيرة.

وبعد أن كانت الجماعة بدأت بتقديم إشارات على استعدادها للانخراط في مفاوضات للسلام، ومن مؤشرات ذلك الوصول إلى اتفاقات مع الحكومة الشرعية في ملفات مثل ملف الأسرى، فإنها الآن تمتلك الفرصة للعودة إلى المربع السابق.

شكل الدولة على المحك

لا يبدي الحوثيون أي نوايا لإنهاء سيطرتهم العسكرية والأمنية أو تسليم السلاح، وتتركز طلباتهم في الاعتراف بسلطتهم كأمر واقع وشريك رئيسي في الحكم، وهو ما يضع أي مفاوضات سلام أمام تساؤل جوهري: هل تقدِّم الدولة تنازلاً للقبول بالجماعة كجزء منها أم يعاد صياغة شكلها؟

أنصار الحوثيين في تجمع لهم وسط صنعاء لمساندة إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل (أ.ب)

ووفقاً للكاتب والمحلل السياسي اليمني، أحمد عباس، فإن الملف اليمني يظل بمثابة مساحة غامضة في التفاهمات الأميركية الإيرانية، رغم أنه يمثل أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً جراء تشابك أبعاده الإقليمية بالتناقضات المحلية شديدة التعقيد.

ويذهب عباس في تحليل أفضى به لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه لا يمكن عزل مستقبل الجماعة الحوثية عن رغبة الأطراف الدولية والإقليمية في تثبيت مسار سياسي مستدام، فالسيناريو الأقرب يتمثل بدفعها نحو التأقلم وإجبارها على متطلبات الاستقرار الإقليمي الجديد، وتنشيط العملية السياسية في اليمن برعاية أممية.

وينوه إلى أن السياسة الإيرانية التي قامت على البراغماتية، ترى في الحوثيين ورقة ضغط استراتيجية ذات تكلفة منخفضة وعوائد سياسية عالية، مستبعداً تخليها عن هذا النفوذ، إلا إذا كان الاتفاق يفرض عليها بالضرورة وقف تزويدهم بالتقنيات العسكرية المتقدمة، وتخفيف حدة التصعيد على جبهات البحر الأحمر وباب المندب.

ويحذر عباس من سلوك قد تلجأ إليه الجماعة في الداخل اليمني بتجميد الجبهات العسكرية الخارجية والحفاظ على حالة اللاحرب واللاسلم مع الحكومة الشرعية، والتركيز على استثمار مكاسب الاتفاق الاقتصادية.

مخاوف يمنية من تفاهمات مع الحوثيين لوقف هجماتهم الخارجية والاعتراف لهم بدور داخلي (أ.ف.ب)

ولا تختلف طبيعة الجماعة الحوثية عن كثير من الحركات المسلحة التي قد تدخل في العملية السياسية دون التخلي الكامل عن قوتها العسكرية، ما يضع اليمنيين في حالة خوف وشكّ من احتمال تكرار هذا الأمر مع الحوثيين.

وتتراوح خيارات التفاهمات الأميركية الإيرانية بشأن نفوذ طهران الإقليمي، حسب تحليل أورده فياض النعمان، وكيل وزارة الإعلام اليمنية، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، بين أربعة سيناريوهات رئيسية، يطرح الأول تقليص دعم الميليشيات لتحويلها إلى قوى سياسية محلية، بينما يقترح الثاني وقف الهجمات ضد المصالح الأميركية والملاحة الدولية مع الإبقاء على هيكلية النفوذ القائم.

وبينما يبدو تفكيك واشنطن للشبكة العسكرية الإيرانية تدريجياً مقابل ضمانات اقتصادية، هو السيناريو الثالث الأكثر تعقيداً؛ لعدّ «الحرس الثوري» هذه الأذرع خط دفاعه الأول، فإن السيناريو الرابع، يتمثل برفض حكومات المنطقة وواشنطن لأي اتفاق يُبقي على السلاح والأذرع، مما يجعل تقليص النفوذ شرطاً أساسياً لنجاح أي تفاهم طويل الأمد، وإلا تحول الاتفاق إلى مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار إقليمياً.

وكان زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، تحدث قبل أيام عن الجاهزية للتعامل مع أي تطورات أو تصعيد عسكري قد تشهده المنطقة أو محاولات لاستهداف أي ساحة من ساحات ما سماه «محور المقاومة» بقيادة إيران.