معرض إلكترونيات المستهلكين يستعرض أهم النزعات التقنية لعام 2019

تلفزيونات بالدقة الخارقة وانتشار المساعدات الشخصية الذكية... وعودة الكومبيوترات المحمولة المبتكرة

سيارة «هيونداي إيليفيت» التي «تمشي»
سيارة «هيونداي إيليفيت» التي «تمشي»
TT

معرض إلكترونيات المستهلكين يستعرض أهم النزعات التقنية لعام 2019

سيارة «هيونداي إيليفيت» التي «تمشي»
سيارة «هيونداي إيليفيت» التي «تمشي»

تحرص شركات التقنية على استعراض ما بجعبتها من الابتكارات التي ستطلقها خلال العام، وذلك في معرض إلكترونيات المستهلكين Consumer Electronics Show CES 2019 الذي دارت فعالياته هذا العام في الفترة الممتدة بين 8 و11 يناير (كانون الثاني) في مدينة لاس فيغاس الأميركية.
وكان من اللافت وجود نزعة نحو إضافة المساعدات الشخصية الذكية إلى كل شيء، سواء كانت التلفزيونات الذكية أم الكومبيوترات المحمولة، مع تطويرها لتصبح أكثر ذكاء وتستطيع الترجمة بين اللغات وإضافة علامات الترقيم إلى الرسائل، بالإضافة إلى تطوير قطاع الكومبيوترات المحمولة بالكثير من الأجهزة والتقنيات المبتكرة.
وحصلت التلفزيونات الذكية على حصة الأسد في هذا المعرض، حيث عرضت الكثير من الشركات تلفزيونات تعرض الصورة بالدقة الخارقة 8K وشاشات بقطر كبير جدا.

التلفزيونات الذكية

وقد عرضت «سامسونغ» تقنية «مايكرو إل إي دي» MicroLED للتلفزيونات فائقة الدقة 4K، وهي تقنية ثورية في عالم التلفزيونات تسمح باستخدام وحدات عرض مصغرة دون إطار ووضعها إلى جانب بعضها البعض، لتتعرف الوحدات القديمة على الجديدة التي أضيفت إليها، وتعرض الصورة عليها. وتدعم هذه التقنية الدقة الفائقة 4K والخارقة 8K والمجال العالي الديناميكي HDR وأي نسبة عرض، وبجودة عرض تضاهي تلك التي تقدمها تقنية OLED، مع عملها لفترات أطول. وقدمت «سامسونغ» تلفزيون «الجدار» The Wall بقطر 219 بوصة بعد أن كشفت عن الإصدار السابق منه في العام الماضي بقطر 146 بوصة. كما كشفت الشركة أنها ستضيف تقنيات الذكاء الصناعي إلى تلفزيوناتها في عام 2019 لتطوير جودة الصورة والصوتيات والتفاعل مع المستخدم والمنازل الذكية.
وتحالفت «آبل» مع «سامسونغ» لإطلاق تطبيق «آيتونز» على تلفزيونات «سامسونغ» الجديدة لتقديم عروض الفيديو والمسلسلات الموجودة في «آيتونز» على تلفزيونات «سامسونغ». ورغم أن تلفزيونات «سامسونغ» الجديدة ستحصل على «آيتونز»، إلا أنها لن تحصل على دعم لتقنية AirPlay 2 وHomeKit من «آبل»، بل ستحصل عليها شركات أخرى مثل «إل جي» و«سوني» وفيزيو». ويستطيع مستخدمون «هومكيت» التفاعل مع الملحقات الذكية في منزلهم من خلال هذه التقنية، بينما تسمح تقنية «إيربلاي 2» بنقل الصوتيات إلى سماعات موجودة في عدة غرف.
وكشفت «باناسونيك» عن تلفزيون يحتوي على نظام «دولبي آتموس» لتجسيم الصوتيات داخله، من طراز GZ2000 الذي يدعم عرض الصورة بالدقة الفائقة 4K والمجال العالي الديناميكي HDR10+، بالإضافة إلى دعم مساعدي «أليكسا» و«غوغل أسيستانت» للتفاعل مع المستخدم صوتيا. وعرضت «سوني» تلفزيوني Z9G بقطري 85 و98 بوصة، وA9G بأقطار 55 و65 و77 بوصة، وهي تلفزيونات متقدمة تدعم عرض الصورة بالدقة الخارقة 8K. كما عرضت شركة Tablo جهاز تسجيل عروض التلفزيون ومعاودة مشاهدتها في وقت لاحق يتميز عن غيره بأنه يستطيع التعرف على الإعلانات التي تظهر خلال التسجيل، وينتقل بالعرض إلى ما بعد انتهاء الإعلان، ومن تلقاء نفسه.

كومبيوترات محمولة ومعالجات

وقررت «هواوي» استهداف كومبيوتر «ماكبوك إير» من «آبل» بإطلاق إصدار مميزة من كومبيوترها MateBook 13 الذي يقدم تصميما أنيقا بمواصفات تقنية تناسب معظم احتياجات المستخدمين، وبسعر معتدل. ويبلغ قطر الشاشة 13.9 بوصة وتبلغ سماكة الجهاز 14.9 مليمتر ومعالج الجيل الثامن من «إنتل كور آي 7» و512 غيغابايت من السعة التخزينية المدمجة و8 غيغابايت من الذاكرة وبطاقة رسومات مدمجة من طراز nVidia MX150 ومنافذ «يو إس بي تايب - سي» ومستشعر بصمة إصبع المستخدم داخل زر التشغيل. وستطلق الشركة هذا الكومبيوتر في 29 يناير الحالي بأسعار تبدأ من 999 دولارا، وفقا للمواصفات المرغوبة.
وكشفت شركة «إنفيديا» عن تطويرها تقنية بطاقة الرسومات RTX 2080 لوضعها داخل أكثر من 40 كومبيوترا محمولا للحصول على قدرات متقدمة جدا في معالجة الرسومات لمهندسين ومحرري العروض فائقة الدقة واللاعبين. وتسمح هذه التقنية بمتابعة مسارات الإضاءة وتعديل شدتها وفقا لانعكاسها من على الأسطح المختلفة أو مرورها عبر الطبقات شبه الشفافة، ومحاكاة أثر ذلك داخل الصورة. وتؤكد الشركة أن هذه البطاقة ستقدم ضعف قدرات جهاز الألعاب «بلايستيشن 4 برو»، وستطلق الشركة هذه البطاقة في 29 يناير الحالي في كومبيوترات شركات Acer وAsus وDell وGigabyte وHP وLenovo Legion وMSI وRazer وSamsung. كما أعلنت الشركة بأنها ستطلق بطاقة الرسومات RTX 2060 التي تقدم مستويات أداء عالية للاعبين من خلال 6 غيغابايت من الذاكرة بتقنية GDDR6 وباستخدام 240 نواة وبسعر معتدل يبلغ 349 دولارا.
وكشفت «إتش بي» عن كومبيوتر Spectre x360 الذي يقدم شاشة بقطر 15 بوصة تدعم تقنية OLED والمجال العالي الديناميكي HDR وبمعالج «كور آي 7» من الجيل الثامن وبـ16 غيغابايت من الذاكرة و512 غيغابايت من السعة التخزينية SSD. وعرضت «أسوس» كومبيوترا محمولا من طراز ZenBook S13 يضع الكاميرا في منطقة أعلى الشاشة للسماح بتطوير شاشات منخفضة السماكة أكثر من السابق، وعرض المزيد من الصورة على الشاشة بنسبة تبلغ 97 في المائة.
واستعرضت «إنتل» تقنية Foveros 3D لتطوير المعالجات التي تستطيع وضع الدارات الإلكترونية فوق بعضها البعض داخل الشريحة، وبالتالي الحصول على لوحة رئيسية للكومبيوتر بمساحة أصغر بكثير مقارنة باللوحات الحالية، الأمر الذي يعني تقديم أجهزة صغيرة تتمتع بقدرات الكومبيوترات المكتبية المتقدمة، وبوزن منخفض. وعلى صعيد تطوير تقنيات الكومبيوترات، كشفت «إنتل» أيضا عما سمته «مشروع أثينا» الذي يهدف إلى إضافة تقنيات الذكاء الصناعي والاتصال بالإنترنت عبر شبكات الجيل الخامس إلى الكومبيوترات المحمولة. وستدعم الكثير من الشركات هذا المعيار، مثل Acer وAsus وDell وGoogle وHP وInnolux وLenovo وMicrosoft وSamsung وSharp، ويتوقع إطلاق أولى أجهزته خلال النصف الثاني من هذا العام. وكشفت الشركة كذلك عن أول جيل من معالجاتها الذي تمت صناعته بدقة 10 نانومتر باسم «آيس ليك» Ice Lake، بالإضافة إلى الكشف عن بطاقات رسوماتها المقبلة التي ستتنافس من خلالها مع شركتي «إنفيديا» و«إيه تي آي».
وقدمت Alienware أقل كومبيوتر في العالم وزنا وسماكة في فئة الشاشات بقطر 17 بوصة من طراز m17. حيث تبلغ سماكته 23 مليمترا ويبلغ وزنه 2.6 كيلوغرام. ويقدم الكومبيوتر معالجات الجيل الثامن من «إنتل كور آي9» المتفوقة ومعالج الرسومات RTX 2080 Max - Q و32 غيغابايت من الذاكرة وشاشة تعرض الصورة بالدقة الفائقة 4K بقطر 17.3 بوصة. وتبدأ أسعار الكومبيوتر من 1649 دولارا، وفقا للمواصفات المرغوبة، وسيطلق في 29 يناير الحالي.

شاشة مبتكرة

وإن كنت تبحث عن كومبيوتر محمول متحول 2 - في - 1 للألعاب الإلكترونية يقدم شاشة مبتكرة، فسيعجبك جهاز Acer Predator Triton 900 الذي يقدم شاشة بقطر 17 بوصة تدعم الدقة الفائقة 4K وترتكز على مفصلين جانبيين لتدور حول منصفها وفقا للزاوية التي تناسب المستخدم. كما يمكن «طي» الشاشة فوق لوحة المفاتيح بعد تدويرها إلى العكس ليتحول الكومبيوتر إلى جهاز لوحي. ويقدم الجهاز الجيل الثامن من معالجات «إنتل كور آي 7» و32 غيغابايت من الذاكرة وبطاقة الرسومات المتقدمة RTX 2080 مع دعم لاستخدام أداة التحكم اللاسلكية الخاصة بجهاز «إكس بوكس وان». وتبدأ أسعار الكومبيوتر من 4000 دولار، وفقا للمواصفات المرغوبة.
وشاركت «سامسونغ» مواصفات كومبيوترها المحمول المقبل Notebook Odyssey الذي يعتبر أقوى كومبيوتر ألعاب للشركة إلى الآن، حيث يستخدم الجيل الثامن من معالجات «إنتل كور آي 7» و16 غيغابايت من الذاكرة وبطاقة الرسومات المتقدمة RTX 2080 و256 غيغابايت من السعة التخزينية المدمجة بتقنية NVMe SSD فائقة السرعة وقرص صلب إضافي بسعة 1 تيرابايت. وستطلق الشركة هذا الكومبيوتر في الربع الأول من العام الحالي.
وأعلنت «أسوس» عن عزمها إطلاق مجموعة شاشات كومبيوتر تدعم تقنية المجال العالي الديناميكي HDR تستهدف اللاعبين بقطر 32 بوصة، و43 بوصة تدعم الدقة الفائقة 4K، وأخرى فائقة العرض بقطر 49 بوصة وأخيرا شاشة بقطر 31.5 بوصة. أما شركة Razer، فكشفت عن شاشة خاصة بها بقطر 27 بوصة بتصميم أنيق يستهدف اللاعبين بشريط ضوئي أسفلها مع إخفاء الأسلاك الخلفية. وشاركت «إل جي» هذه النزعة بالكشف عن شاشة كومبيوتر بقطر 27 بوصة يمكن حملها بسهولة، وتحصل على الصورة والطاقة من منفذ «يو إس بي تايب - سي» واحد. وأخيرا كشفت «إنفيديا» عن أول شاشة بقطر 65 بوصة تدعم عروض الصورة بالدقة الفائقة 4K والمجال العالي الديناميكي HDR، والتي تستهدف اللاعبين. وتحتوي هذه الشاشة على تقنية «إنفيديا شيلد» لعرض المحتوى من الإنترنت إلى جانب «مساعد غوغل». وستطلق هذه الشاشة في فبراير (شباط) المقبل بسعر 4999 دولارا.

تقنيات متنوعة

تقنيات السيارات. عرضت شركة «نيسان» للسيارات تقنية المساعد الافتراضي المسماة Invisible - to - visible I2V لعرض ما الذي سيحدث أمام المستخدم بعد بضع دقائق من سيره، وذلك بالاعتماد على منظومة متكاملة من المستشعرات والكاميرات التي تحيط بالسيارات من كافة الجهات، بالإضافة إلى تواصل لحظي مباشر مع سحابة إلكترونية تضم بيانات من كافة السيارات الذكية الأُخرى في محيط المدينة من خلال اتصال دائم بالإنترنت عبر شبكات الجيل الخامس. وسيستطيع السائق معرفة أن دراجة ما ستغير مسارها بعد دقيقتين وستتقاطع مع مسار السيارة (وفقا للوجهة في نظام الملاحة الجغرافية لقائد الدراجة)، وبالتالي يجب خفض السرعة قبل الوصول إلى تلك المنطقة. وتستطيع هذه التقنية اقتراح طرق بديلة في حال وجود ازدحام يبعد قليلا عن الموقع الحالي للسيارة. كما تستطيع السيارة استخدام تقنيات الذكاء الصناعي والواقع المعزز في عرض شخصية تخيلية لتعليم قيادة تلك السيارات الذكية، وحتى تسليته والتحدث معه أثناء السفر لمسافات طويلة.
وكشفت «هيونداي» عن سيارة «تمشي» على أرجلها وتتحول إلى سيارة عادية بعد ذلك سمتها «إيليفيت» Elevate، تهدف إلى مساعدة الناس في حالات الطوارئ والحوادث، وحتى لمن لديهم تحديات جسدية. ومن جهتها كشفت «تويوتا» عن نظام ذكاء صناعي في سياراتها المقبلة يتعرف على المخاطر وينبه المستخدم فورا، ويستطيع تولي زمام الأمور لإبعاد المستخدم عن الخطر عند الحاجة. وأطلقت شركة «آنكر» ملحقا خاصا للسيارات اسمه Roav Bolt يتصل بمنفذ إشعال السجائر في السيارات ويتفاعل مع المستخدم صوتيا من خلال مساعد «غوغل أسيستانت» للإجابة على أسئلة المستخدم وتقديم الإرشادات الصوتية أثناء القيادة وتشغيل الموسيقى.
> ساعات وأجهزة منزلية. ومن الملحقات اللافتة للنظر ساعة Matrix PowerWatch 2 التي لا تحتاج إلى شحنها، ذلك أنها تستمد الطاقة من حرارة ساعد المستخدم والضوء (الشمسي والصناعي). وتقدم الشاشة الملونة التي يبلغ قطرها 1.2 بوصة بيانات الصحة والموقع الجغرافي للمستخدم ومعدل نبضات قلبه وبوصلة رقمية. وتتميز الساعة كذلك بأنها مقاومة للخدوش والمياه.
ويتوقع بدء إطلاق هذه الساعة في يونيو (حزيران) المقبل. هذا، وكشفت شركة «سانديسك» عن نموذج لأكبر وحدة تخزين بتقنية «فلاش» في العالم بسعة 4 تيرابايت يمكن وصلها بالأجهزة عبر منفذ «يو إس بي تايب - سي». وكشفت «ويرلبول» عن فرن يستطيع مراقبة الطعام داخله ونقل الصورة إلى تطبيق في هاتف المستخدم، مع القدرة على تحديد مدة الطهي ودرجة الحرارة المرغوبة عن بُعد. ويستطيع الفرن خبز الأطعمة وتحميصها وتسخينها وتنشيفها وقليها بالهواء والمحافظة على حرارتها، وغيرها من الوظائف الأخرى. وأطلقت الشركة اسم Smart Countertop Oven عليه، وسيباع بسعر 799 دولارا. وعرضت «سامسونغ» ثلاجة ذكية سترسل لك رسالة إن لم يغلق المستخدم بابها بالكامل، بالإضافة إلى وجود شاشة كبيرة في الجهة الأمامية للثلاجة تسمح للمستخدم الاتصال بها أثناء وجوده في السوق لمعرفة إن كان لديه صنف غذائي ما أم لا.



نظام يتيح للروبوتات رباعية الأرجل تفادي العوائق قبل الاصطدام

يعتمد النظام على دمج الإدراك الذاتي مع الرؤية الخارجية لمساعدة الروبوت على فهم العوائق قبل ملامستها (KAIST)
يعتمد النظام على دمج الإدراك الذاتي مع الرؤية الخارجية لمساعدة الروبوت على فهم العوائق قبل ملامستها (KAIST)
TT

نظام يتيح للروبوتات رباعية الأرجل تفادي العوائق قبل الاصطدام

يعتمد النظام على دمج الإدراك الذاتي مع الرؤية الخارجية لمساعدة الروبوت على فهم العوائق قبل ملامستها (KAIST)
يعتمد النظام على دمج الإدراك الذاتي مع الرؤية الخارجية لمساعدة الروبوت على فهم العوائق قبل ملامستها (KAIST)

طوّر باحثون من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا (KAIST) نظاماً جديداً للتحكم في الروبوتات رباعية الأرجل، حيث يهدف إلى جعل حركتها أقل اعتماداً على رد الفعل بعد الاصطدام بالعوائق، وأكثر قدرة على «رؤية» البيئة واتخاذ القرار أثناء الحركة. ويأتي هذا العمل تحت اسم «DreamWaQ++».

الفكرة ليس مجرد جعل الروبوت يمشي على تضاريس صعبة، بل تمكينه من الجمع بين نوعين من الإدراك في الوقت نفسه؛ الأول هو الإدراك الذاتي المرتبط بما يشعر به الروبوت من خلال مفاصله وحركته واتزانه، والثاني هو الإدراك الخارجي عبر الكاميرات و(LiDAR) «لايدار»، بحيث لا ينتظر الروبوت أن تلمس رجلاه العقبة كي يفهم ما أمامه، بل يحاول قراءتها مسبقاً، وتعديل طريقته في المشي وفقاً لذلك.

هذا تحديداً هو ما تعتبره الدراسة تجاوزاً لمحدودية كثير من الأنظمة السابقة، التي كانت تعتمد على الإحساس الداخلي فقط، أو تحتاج في المقابل إلى خرائط دقيقة ومعقدة للبيئة كي تستفيد من الرؤية الخارجية.

أظهرت الاختبارات تحسناً في معدلات النجاح مقارنة ببعض النماذج البصرية المرجعية في التعامل مع السلالم والعوائق غير المنتظمة (KAIST)

نحو حركة استباقية

أوضح فريق «KAIST» أن النسخة السابقة من النظام «DreamWaQ» كانت تتيح ما يشبه «المشي الأعمى»، أي القدرة على تقدير طبيعة الأرض من دون رؤية مباشرة، وهو ما يُفيد مثلاً في البيئات التي يصعب فيها الاعتماد على المعلومات البصرية، مثل الظلام أو الدخان. لكن هذا النهج كانت له حدود؛ حيث إن الروبوت كان يحتاج غالباً إلى ملامسة العائق أولاً قبل أن يعدّل حركته. أما «DreamWaQ++» فيحاول الانتقال من هذا النمط التفاعلي إلى نمط أكثر استباقية؛ حيث يتعرف الروبوت إلى العوائق قبل الوصول إليها، ويختار أسلوب الحركة المناسب في الزمن الحقيقي.

الدراسة تصف هذا الانتقال بوصفه دمجاً بين الإدراكين الداخلي والخارجي، عبر إطار تعلم تعزيزي متعدد الوسائط.

واستهدف الباحثون معالجة مشكلة معروفة في الروبوتات رباعية الأرجل؛ حيث تكون واعدة جداً للعمل في البيئات المزدحمة والمعقدة، لكنها تبقى حساسة لعدم اليقين في العالم الحقيقي، ما يجعل التحكم في حركتها تحدياً كبيراً. لذلك يقترح العمل الجديد طريقة تجعل الروبوت أكثر قدرة على اجتياز الأراضي الوعرة، والمنحدرات الحادة، والسلالم العالية، مع الحفاظ على درجة من الصمود حتى في الحالات الخارجة عن التوزيعات التي تدرب عليها.

بين الرؤية والإحساس

الأهمية هنا ليست أكاديمية فقط، فواحدة من المشكلات العملية في الروبوتات المتحركة هي أن الرؤية وحدها لا تكفي دائماً، والإحساس الذاتي وحده لا يكفي أيضاً. إذا اعتمد الروبوت على «الإحساس الداخلي» فقط، فقد يضطر إلى اختبار الأرض برجله أولاً، ما يبطئ الحركة، ويزيد خطر التعثر أو الاصطدام. وإذا اعتمد على الرؤية الخارجية وحدها، فقد يحتاج إلى نمذجة شديدة الدقة للبيئة، وهو أمر صعب في المواقع غير المنتظمة أو المتغيرة باستمرار. يحاول «DreamWaQ++» سد هذه الفجوة عبر المزج بين الحالتين، بحيث يتحرك الروبوت بناءً على ما «يراه» وما «يشعر به» معاً.

ومن المؤشرات اللافتة التي ظهرت في المادة المصاحبة للمشروع، أن النظام حقق في اختبارات المحاكاة على 1000 روبوت، معدلات نجاح أعلى بنحو 20 إلى 40 في المائة، مقارنة ببعض النماذج البصرية المرجعية عبر تكوينات مختلفة من السلالم. كما أشارت الصفحة التعريفية للمشروع إلى أن النظام يتعامل مع السلالم غير المتماثلة عبر تكييف حركة رفع الرجل وفق شكل العائق، وهي نقطة مهمة لأن كثيراً من البيئات الحقيقية لا تأتي في صورة سلالم أو حواف مثالية وثابتة.

يعكس هذا التطور اتجاهاً أوسع نحو جعل الروبوتات أكثر قدرة على الحركة الذكية في بيئات واقعية وغير مضمونة (KAIST)

تحسن في الأداء

هذا النوع من التقدم يعكس اتجاهاً أوسع في عالم الروبوتات يتعلق بالانتقال من الحركة المستقرة في بيئات مضبوطة إلى الحركة الذكية في بيئات غير مضمونة. فمن الناحية النظرية، يمكن أن يفتح ذلك المجال أمام استخدامات أكثر واقعية في مواقع الكوارث، والمناطق الصناعية، والبيئات المزدحمة أو غير المنتظمة؛ حيث لا تكون الأرضية مهيأة سلفاً، ولا يمكن افتراض أن الروبوت سيعمل دائماً في ظروف مثالية. ويرى الفريق إمكان توسيع هذه التقنية إلى منصات أخرى، مثل الروبوتات ذات العجلات والأرجل أو حتى الروبوتات الشبيهة بالبشر.

مع ذلك، لا يعني هذا أن الروبوت بات «يفكر» كما يفعل الإنسان بالمعنى الحرفي. ما يقدمه البحث هو تحسن في الإدراك الحركي، واتخاذ القرار أثناء التنقل وليس وعياً تاماً أو فهماً شاملاً للبيئة. لكنه يظل تقدماً مهماً؛ لأن الحركة في العالم الواقعي هي واحدة من أصعب المشكلات في الروبوتات: الأرض قد تكون غير مستقرة، والعقبات قد تكون غير منتظمة، والاستجابة يجب أن تكون سريعة بما يكفي لتجنب السقوط أو التوقف. وفي هذا السياق، فإن تمكين الروبوت من تعديل خطاه قبل الاصطدام، لا بعده، يُمثل فرقاً جوهرياً في فلسفة الحركة نفسها.


«إنفيديا» تطرح نموذج «إيزينغ» لتقريب الحوسبة الكمية من الاستخدام العملي

يركز «إيزينغ» على معالجة اثنتين من أصعب العقبات الهندسية التي تعوق الاستخدام العملي للأنظمة الكمية (غيتي)
يركز «إيزينغ» على معالجة اثنتين من أصعب العقبات الهندسية التي تعوق الاستخدام العملي للأنظمة الكمية (غيتي)
TT

«إنفيديا» تطرح نموذج «إيزينغ» لتقريب الحوسبة الكمية من الاستخدام العملي

يركز «إيزينغ» على معالجة اثنتين من أصعب العقبات الهندسية التي تعوق الاستخدام العملي للأنظمة الكمية (غيتي)
يركز «إيزينغ» على معالجة اثنتين من أصعب العقبات الهندسية التي تعوق الاستخدام العملي للأنظمة الكمية (غيتي)

تُحاول «إنفيديا» ترسيخ موقعها بعمق أكبر في سباق الحوسبة الكمية، لكن ليس عبر بناء معالج كمي جديد، بل من خلال طرح سؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن جعل الأجهزة الحالية الهشّة أكثر استقراراً، وأسهل في الإدارة، وأقرب إلى الاستخدام العملي؟

خلال حدث تقني مباشر لـ«إنفيديا» عبر الإنترنت، حضرته «الشرق الأوسط»، أعلنت الشركة، الثلاثاء، إطلاق «إيزينغ» (Ising) الذي تصفه بأنه أول عائلة نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر مصممة بشكل خاص للمساعدة في الحوسبة الكمية. ولا يتركز هذا التوجه على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستهلك أو على المساعدات العامة، بل على عقبتين تقنيتين مزمنتين لا تزالان تعرقلان تقدم هذا القطاع، وهما معايرة المعالجات، وتصحيح الأخطاء الكمية. وتقول «إنفيديا» إن «إيزينغ» صُمم لمساعدة الباحثين والمؤسسات على تحسين هذين الجانبين.

ما أهمية الخطوة؟

على مدار سنوات، طُرحت الحوسبة الكمية بوصفها تقنية قادرة على إحداث تحول جذري في مجالات مثل علوم المواد والكيمياء ومعالجة المشكلات المعقدة بكفاءة عالية. ومع ذلك، لا تزال الفجوة واسعة بين هذا الوعد والتطبيق العملي الفعلي. فالمعالجات الكمية شديدة الحساسية، وسهلة التأثر بالضوضاء، وقد يتدهور أداؤها بمرور الوقت، كما أنها ترتكب أخطاء بمعدلات تفوق بكثير تلك الخاصة بالحواسيب التقليدية. لذلك، فإن الوصول إلى أنظمة كمية مفيدة لا يقتصر على تطوير «كيوبتات» أفضل فحسب، بل يتطلب أيضاً تحسين أساليب مراقبة هذه الأجهزة وضبطها وتصحيح أخطائها أثناء التشغيل. وفي هذا السياق تحديداً، تسعى «إنفيديا» إلى ترسيخ موقعها.

تحاول «إنفيديا» تقديم الذكاء الاصطناعي بوصفه جزءاً من البنية التشغيلية للحوسبة الكمية لا مجرد تطبيق فوقها (إنفيديا)

الذكاء لضبط الكم

تضم عائلة «إيزينغ» مكونين رئيسيين، الأول هو «إيزينغ كالِبرايشن» (Ising Calibration)، وتصفه الشركة بأنه نموذج بصري - لغوي قادر على تفسير القياسات الصادرة من المعالجات الكمية والمساعدة في أتمتة عملية المعايرة، أي الضبط المتكرر الذي تحتاج إليه هذه الأنظمة كي تظل تعمل ضمن حدود مقبولة. أما الثاني فهو «إيزينغ ديكودينغ» (Ising Decoding)، ويستهدف تصحيح الأخطاء الكمية؛ حيث يتمثل التحدي في رصد الإشارات المشوشة وتفسيرها في الزمن الحقيقي، بحيث يستطيع النظام استنتاج نوع الخطأ الذي حدث، وكيفية التعامل معه. وتُعدّ «إنفيديا» أن نماذجها في هذا المجال يمكن أن تعمل بسرعة تصل إلى 2.5 مرة أعلى مع دقة تفوق الأساليب التقليدية بثلاث مرات.

قد تبدو هذه الأرقام طموحة، لكن الأهمية الأوسع لهذا الإعلان تكمن في مكان آخر. تحاول «إنفيديا» عملياً القول إن الذكاء الاصطناعي قد يُصبح جزءاً من البنية التشغيلية الأساسية للحوسبة الكمية، وليس مجرد تطبيق يعمل فوقها. وضمن هذا التصور، لا يُستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة النصوص أو توليد الصور، بل للمساعدة في تشغيل الآلة نفسها بوصفها قراءة المخرجات وتفسير الحالات المعقدة وإدارة دورات المعايرة ودعم تصحيح الأخطاء بسرعة كافية لجعل الأنظمة الكمية أكثر قابلية للتوسع.

وهذه حجة أكثر واقعية من كثير من الخطابات الواسعة التي أحاطت بكل من الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية في السنوات الأخيرة، فكثيراً ما وجد قطاع الحوسبة الكمية نفسه عالقاً بين التقدم العلمي والضجيج التسويقي، مع إعلانات تُركّز على اختراقات مستقبلية من دون أن تحل التحديات الهندسية التي ما زالت تحدُّ من الانتشار الفعلي. وما يُميز خطوة «إنفيديا» هنا أنها تُركز على إحدى هذه الطبقات غير اللامعة، ولكنها حاسمة، أي أنظمة الحوسبة التقليدية والبرمجيات اللازمة لجعل العتاد الكمي قابلاً للاستخدام.

الشبكة الكمومية الجديدة تعمل بدرجة حرارة الغرفة وباستخدام الألياف البصرية الحالية ما يجعلها قابلة للتطبيق العملي اليوم (غيتي)

سبب اختيار «إيزينغ»

الحوسبة الكمية لا تزال مجالاً متشعباً؛ حيث تتبع الشركات والمختبرات مسارات مختلفة في بناء العتاد، من «الكيوبتات» فائقة التوصيل إلى الأيونات المحصورة والذرات المتعادلة. وبالتالي فإن نظاماً مغلقاً مصمماً وفق افتراضات ضيقة ستكون قيمته محدودة. أما النهج المفتوح المصدر، فيمنح الباحثين مساحة أكبر لتكييف النماذج مع أجهزتهم وبيئاتهم وبياناتهم الخاصة. وتشير «إنفيديا» إلى أن الحزمة تشمل نماذج قابلة للتخصيص، وأدوات وبيانات تدريب ودعماً للنشر، مع إتاحة تشغيل النماذج محلياً لحماية المعلومات الحساسة أو الملكية.

وقد يكون هذا الجانب المتعلق بالتشغيل المحلي مهماً بشكل خاص للمؤسسات البحثية والشركات. فعملية تطوير الحوسبة الكمية غالباً ما تعتمد على بيانات معايرة شديدة التخصص، ومعايير تشغيل مرتبطة بكل جهاز، وسير عمل خاص بكل جهة. وإذا كان الذكاء الاصطناعي سيلعب دوراً في تشغيل هذه الأنظمة، فمن الطبيعي أن ترغب كثير من المؤسسات في الاحتفاظ بسيطرة مشددة على أماكن وجود البيانات، وكيفية تدريب النماذج أو تخصيصها. ويبدو أن «إنفيديا» تُحاول الاستجابة لهذه المسألة مباشرة عبر تقديم «إيزينغ» ليس فقط بوصفه قوياً، بل أيضاً قابلاً للتكييف وملائماً للبنية التحتية القائمة.

رهان على التبني

استغلت الشركة الإعلان لتؤكد أن لديها بالفعل دعماً مبكراً من أطراف داخل المنظومة. فقد ذكرت عدداً من الشركات والجامعات والمختبرات الوطنية التي تتبنى أجزاء من «إيزينغ»، من بينها «أكاديميا سينيكا»، و«فيرميلاب»، وكلية «جون إيه بولسون» للهندسة والعلوم التطبيقية في جامعة هارفارد، و«آي كيو إم كوانتوم كومبيوترز»، و«مختبر لورنس بيركلي الوطني» عبر «منصة الاختبار الكمية المتقدمة»، و«المختبر الوطني الفيزيائي» في المملكة المتحدة. وفي جانب فك التشفير أو «الديكودينغ»، أشارت «إنفيديا» إلى مستخدمين، مثل جامعة كورنيل، ومختبر سانديا الوطني، وجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، وجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، وجامعة شيكاغو، وجامعة يونسي.

وتكتسب هذه الأسماء أهميتها؛ لأنها توحي بأن «إنفيديا» لا تطرح هذه النماذج فقط على أنها منصة مستقبلية تنتظر نضوج السوق، بل تحاول إدخال «إيزينغ» في قلب سير العمل الحالي داخل قطاع البحث والتطوير الكمي. وهذا لا يعني أن النماذج أثبتت بالفعل، وعلى نطاق واسع، قدرتها على حل كبرى مشكلات القطاع. لكنه يُشير إلى أن الشركة تسعى إلى تثبيت حضورها الآن، في وقت لا يزال فيه المجال يُحدد أي الأدوات والتقنيات ستصبح معياراً مستقبلياً.

تستهدف الشركة عبر هذا الطرح تعزيز استقرار الأنظمة الكمية وقابليتها للتوسع والاعتماد العملي (شاتر ستوك)

الاستراتيجية الأوسع لـ«إنفيديا»

أمضت «إنفيديا» السنوات الأخيرة في ترسيخ موقعها ليس فقط مورداً لرقائق الذكاء الاصطناعي، بل مزود لمنظومات حوسبة متكاملة. وفي السياق الكمي، يعني ذلك ربط «إيزينغ» بمنظومتها القائمة من البرمجيات والعتاد، بما في ذلك «كودا-كيو» (CUDA-Q) للحوسبة الهجينة بين الأنظمة الكمية والتقليدية، و«إن في كيو لينك» (NVQLink) لربط وحدات المعالجة الكمية بوحدات معالجة الرسومات من أجل التحكم اللحظي وتصحيح الأخطاء.

وعند النظر إلى هذه الخطوة بهذا الشكل، فإن «إيزينغ» لا يبدو إطلاقاً منفصلاً، بل هو جزء من محاولة لجعل «إنفيديا» طرفاً لا يمكن الاستغناء عنه في مستقبل تتكامل فيه الأنظمة الكمية والتقليدية بشكل متزايد، وبدلاً من منافسة شركات العتاد الكمي مباشرة على مستوى «الكيوبتات»، تُحاول الشركة أن تصبح الطبقة التي تُساعد تلك الأنظمة على العمل والتوسع والاندماج مع الحوسبة التقليدية المتسارعة.

ولهذا تحديداً يكتسب الإعلان أهميته، فهو ينقل النقاش من السؤال المعتاد: مَن يملك المعالج الكمي الأكثر تقدماً؟ إلى سؤال أصعب: ما الذي سيكون مطلوباً فعلاً لجعل الأجهزة الكمية مفيدة خارج العروض التجريبية المحدودة؟

ومن غير المرجح أن تكمن الإجابة في العتاد وحده، فالمعايرة وتصحيح الأخطاء وأدوات البرمجيات وتصميم الأنظمة الهجينة، أصبحت كلها عناصر مركزية في المرحلة المقبلة من تطور هذا القطاع.

ومن هذا المنظور، لا يبدو إعلان «إنفيديا» محاولة لإعلان اختراق حاسم بقدر ما يبدو تحديداً لمواضع العمل الحقيقي التي لا تزال قائمة. فصناعة الحوسبة الكمية لا تحتاج فقط إلى معالجات أفضل، بل إلى وسائل أفضل للتحكم فيها، وتفسير أدائها، والحفاظ على موثوقيتها بالقدر الذي يسمح لها بإنجاز شيء ذي معنى.


«إريكسون» لـ«الشرق الأوسط»: جودة الشبكة المضمونة تحسم 53 % من قرار الاشتراك

يشير استعداد المستخدمين للدفع مقابل أداء أفضل إلى فرصة إيرادية قد تضيف للمشغلين ما يصل إلى شهرين إضافيين من متوسط العائد السنوي لكل مستخدم (شاترستوك)
يشير استعداد المستخدمين للدفع مقابل أداء أفضل إلى فرصة إيرادية قد تضيف للمشغلين ما يصل إلى شهرين إضافيين من متوسط العائد السنوي لكل مستخدم (شاترستوك)
TT

«إريكسون» لـ«الشرق الأوسط»: جودة الشبكة المضمونة تحسم 53 % من قرار الاشتراك

يشير استعداد المستخدمين للدفع مقابل أداء أفضل إلى فرصة إيرادية قد تضيف للمشغلين ما يصل إلى شهرين إضافيين من متوسط العائد السنوي لكل مستخدم (شاترستوك)
يشير استعداد المستخدمين للدفع مقابل أداء أفضل إلى فرصة إيرادية قد تضيف للمشغلين ما يصل إلى شهرين إضافيين من متوسط العائد السنوي لكل مستخدم (شاترستوك)

لم تعد المنافسة في سوق الاتصالات السعودية تُقاس فقط بسرعة الشبكة أو اتساع التغطية، بل بقدرة المشغل على تقديم أداء مضمون في اللحظات التي تهم المستخدم فعلاً. وهذه هي الفكرة الأساسية التي تكشفها نتائج دراسة «ConsumerLab» الخاصة بـ«إريكسون» في السعودية، والتي تشير إلى أن نصف المستهلكين السعوديين يفضّلون الحصول على أداء شبكة مضمون في اللحظات المهمة، بينما باتت جودة الشبكة المضمونة تمثل 53 في المائة من قرار الاشتراك.

هذه الأرقام توحي بأن تعريف الاتصال نفسه يتغير. فالمستخدم لم يعد يقارن فقط بين من يقدِّم أسرع باقة أو أكبر عدد من المزايا الإضافية، بل صار ينظر إلى سؤال أكثر مباشرة: «هل تعمل الشبكة كما ينبغي عندما أحتاجها؟»

في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، يرى هكان سيرفيل، رئيس «إريكسون» السعودية أن «توقعات المستهلكين تتطور، مع بروز الاتصال المتمايز كرافعة استراتيجية في سوق تنافسية». والمقصود هنا هو تصميم أداء الشبكة بما يتناسب مع متطلبات التطبيق أو الحالة الاستخدامية، بدلاً من الاكتفاء بنموذج واحد للجميع.

هكان سيرفيل رئيس «إريكسون» السعودية متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (إريكسون)

عائد الأداء المضمون

تأتي أهمية هذا التحول من كونه لا يرتبط فقط بتجربة المستخدم، بل أيضاً بالنموذج التجاري نفسه. فبحسب تقديرات «إريكسون»، فإن التقاط هذه الرغبة المتزايدة في الدفع مقابل أداء أفضل يمكن أن يحقق للمشغلين ما يصل إلى شهرين إضافيين من متوسط العائد لكل مستخدم سنوياً (ARPU).

وفي سوق سعودية شديدة التنافس، وصفها سيرفيل بأنها تواجه «إيرادات مسطحة»، لا تبدو هذه الزيادة هامشية. بل تمثل، بحسب تعبيره، «حافزاً مالياً كبيراً» يبرر الاستثمار في عروض اتصال متمايز، خصوصاً إذا كانت هذه الإيرادات الجديدة ما زالت «موجودة على الطاولة» ولم تُلتقط بعد.

الأهم أن هذا التحول لا يظهر فقط في الاستعداد للدفع، بل أيضاً في كيفية تقييم المستهلكين لشركات الاتصالات. فوفقاً لسيرفيل، أصبحت جودة الشبكة المضمونة، بما يشمل تعزيزات الشبكة والباقات المحسَّنة، أكثر أهمية بـ1.5 مرة من المزايا الإضافية والمحتوى المجمَّع على المستوى العالمي. وهذا يعني أن عناصر كانت تُستخدم تقليدياً لتمييز العروض، مثل المحتوى الترفيهي أو الامتيازات المضافة، لم تعد كافية وحدها لكسب المستهلك أو الحفاظ عليه. وفي هذا السياق، يشير سيرفيل إلى أن على المشغلين التأكد من أن «التقنيات وأدوات البرمجيات لديهم في مكانها الصحيح» وأن يكونوا قادرين على إثبات أن المستهلك يحصل فعلاً على ما يدفع مقابله.

نضج الطلب على الأداء

تكشف دراسة «إريكسون» عن أن نحو ثلثي مستخدمي الجيل الخامس في السعودية يقولون إنهم يفضلون دفع مبلغ أكبر مقابل جودة شبكة أفضل بدلاً من اختيار باقات منخفضة التكلفة قائمة على أفضل جهد متاح. وهذه إشارة واضحة إلى أن السوق السعودية قد تكون بالفعل بصدد دخول مرحلة جديدة من الجيل الخامس، مرحلة لا يكون فيها السعر وحده العنصر الحاسم، بل الأداء القابل للملاحظة والقياس. ويصف سيرفيل هذا التحول بأنه يعكس «ظهور قاعدة مستخدمين أكثر نضجاً، تقدّر التحسينات الملموسة في الأداء أكثر من الأسعار المنخفضة».

هذا النضج يظهر أيضاً في العوامل التي باتت تشكل رضا المستخدم عن الشبكة. فمقارنة بعام 2023، تذكر «إريكسون» أن أداء الألعاب واستجابة تطبيقات الذكاء الاصطناعي وعمر البطارية والتغطية داخل المنزل واتساق الشبكة، أصبحت كلها أكثر أهمية في تشكيل الرضا العام عن الخدمة. وبذلك، لم يعد المستخدم يحكم على الشبكة فقط وفق اختبار سرعة أو وعد تسويقي، بل وفق ما إذا كان الأداء يبقى مستقراً حين تزدحم الشبكة أو حين يعتمد على الخدمة في لحظة حساسة. لهذا يلفت سيرفيل إلى أن المستهلكين السعوديين «يحكمون الآن على الشبكات المحمولة بناءً على ما إذا كان الأداء موثوقاً عندما يهم الأمر أكثر».

وهذا يفتح الباب أمام نماذج تجارية جديدة. فمن الأمثلة التي يطرحها سيرفيل، أن يتمكن المشغل من تعزيز الاتصال لمنشئي البث المباشر في الحفلات أو المباريات الرياضية، أو أن يوفر مستويات أداء مضمونة للتنفيذيين في مراكز النقل المزدحمة. الفكرة هنا أن الأداء لم يعد مجرد خاصية عامة للشبكة، بل يمكن أن يتحول إلى خدمة مرتبطة بالسياق والمكان ونوع الاستخدام.

توقع أن يتحول الأداء المضمون تدريجياً من ميزة تمييزية إلى توقع أساسي مع توسع استخدامات الذكاء الاصطناعي وتعدد الأجهزة بحلول 2030 (شاترستوك)

منصة الأداء المضمون

هذا التحول يزداد وضوحاً مع نتيجة أخرى في الدراسة تشير إلى أن أكثر من ربع المستهلكين يفضلون أن يكون الأداء المضمون مدمجاً مباشرة داخل التطبيقات نفسها. هذه النقطة لا تعني فقط تحسين تجربة المستخدم النهائي، بل تلمّح إلى نموذج أعمال مختلف، يقوم على المنصات وواجهات البرمجة أكثر مما يقوم على بيع البيانات المحمولة بصيغتها التقليدية. سيرفيل يرى في ذلك فرصة للمشغلين كي «ينتقلوا تدريجياً من عروض النطاق العريض المحمول الحالية إلى نماذج أعمال قائمة على المنصات» وأن يعيدوا تعريف دورهم في سلسلة القيمة. ومن خلال كشف قدرات الشبكة عبر واجهات «API» يمكن للمشغلين أن يتيحوا لمطوري التطبيقات تصميم وبيع تجارب عالية الأداء، بما يخلق تدفقات إيرادات جديدة من نموذج «B2B2C» ويعزز التعاون داخل المنظومة الرقمية.

لكن هذا التصور التجاري لا يمكن فصله عن البنية التقنية. فمن وجهة نظر سيرفيل، يعد الجيل الخامس المستقل (5G Standalone) عنصراً أساسياً لتمكين الاتصال المتمايز، لأنه يتيح تجزئة الشبكة (network slicing). وبدلاً من نموذج الشبكة الواحدة التي تخدم جميع الاستخدامات بالطريقة نفسها، يصبح ممكناً تخصيص «شرائح» مختلفة من الشبكة لاحتياجات مختلفة. ويصف سيرفيل ذلك بأنه «خطوة مهمة» للمشغلين الذين يسعون إلى تقديم خدمات غامرة وذكية سياقياً، وتلبية المتطلبات المتنوعة والمتشددة لتطبيقات الجيل القادم المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

ضغط الذكاء الاصطناعي

يدخل الذكاء الاصطناعي هنا بوصفه محركاً رئيسياً لتغير توقعات الأداء. فبحسب الدراسة، من المتوقع أن يتضاعف تقريباً تبني الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط بين المستهلكين السعوديين بحلول 2030، من 19 في المائة إلى 36 في المائة. هذا لا يعني فقط زيادة عدد المستخدمين، بل تغير نوعية التفاعل نفسه. فبدلاً من الاكتفاء بالأسئلة النصية، يتجه الاستخدام نحو نمط أكثر تكاملاً، يجمع بين النص والصوت والصورة والفيديو. ويفيد سيرفيل بأن هذا التحول يعكس توجهاً أوسع نحو «نمط أكثر تكاملاً وأكثر شبهاً بالتفاعل البشري مع الذكاء الاصطناعي»، مما يتطلب أنظمة قادرة على فهم السياق، بما يشمل ليس فقط الموقع الجغرافي للمستخدم، بل أيضاً نشاطه ونيته وحتى حالته العاطفية.

ومع انتقال استخدامات الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد إلى خارج المنزل، تزداد الضغوط على بنية الشبكات المحمولة. فالشبكات لن تحتاج فقط إلى سرعات أعلى، بل إلى زمن استجابة شديد الانخفاض وعرض نطاق مضمون وأمن معزز وتحليلات في الزمن الحقيقي وكفاءة أفضل بشكل عام.

ويضيف سيرفيل نقطة تقنية مهمة حين يشير إلى أن «الرفع» (uplink) قد يكتسب أهمية أكبر مستقبلاً، لا مجرد التنزيل، مع نضوج المنظومة الجديدة من التطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

يفضّل نحو ثلثي مستخدمي الجيل الخامس في السعودية دفع مبلغ أكبر مقابل جودة شبكة أفضل بدلاً من الاكتفاء بباقات منخفضة التكلفة (شاترستوك)

بين العلامة والشمول

لا يبدو الحديث عن الاتصال المضمون مجرد أداة تسعير قصيرة الأجل. صحيح أن الدراسة تشير إلى مكاسب إيرادية ممكنة، لكن سيرفيل يصفه بوضوح بأنه «استراتيجية علامة تجارية طويلة الأمد». وتدعم هذا الطرح بيانات عالمية أخرى تشير إلى أن المستخدمين المشتركين في باقات الأداء المحسّن يسجلون تحسناً بنسبة 46 في المائة في نظرتهم إلى العلامة التجارية، وارتفاعاً بنسبة 18 في المائة في مستوى الرضا. وهذه أرقام لافتة لأنها تنقل النقاش من مجرد بيع باقات أغلى إلى بناء ولاء وثقة وحماية من المنافسة السعرية المنخفضة.

ومع ذلك، يظل هناك سؤال سياسي وتنموي لا يمكن تجاهله يتعلق بمدى قدرة هذا النوع من الاتصال المتدرج حسب الأداء إلى توسيع الفجوة الرقمية. إجابة سيرفيل تحاول وضع المسألة في إطار مختلف. فهو يعد إن النموذج لا يقوم على إزالة الحد الأدنى من الخدمة، بل على إضافة طبقات اختيارية مدفوعة لمن يريدها. وهذا مهم، لأن الدراسة نفسها تشير إلى أن 36 في المائة من المستخدمين ما زالوا يختارون باقات الجيل الخامس القائمة على أفضل جهد متاح، مما يدل على استمرار وجود سوق للاتصال الأساسي منخفض التكلفة. ومن هنا يطرح سيرفيل تصوراً أكثر توازناً، يرى فيه أن عائدات الطبقات المتميزة يمكن أن تُستخدم في تمويل توسيع الشبكة الأساسية وتحسينها، بما قد يدعم أهداف الشمول الوطني بدلاً من تقويضها.

من التميُّز إلى الأساس

لكن ربما تكون النقطة الأهم في حديث سيرفيل هي أنه لا يرى الاتصال المضمون سيبقى امتيازاً نخبوياً لفترة طويلة.

بل يتوقع أن «يصبح توقعاً أساسياً» و«عنصراً جوهرياً» في عروض مزودي الخدمة، خاصة مع تصاعد متطلبات التطبيقات الجديدة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي. ويضيف أن المستهلكين حول العالم باتوا بالفعل يعتبرون استجابة الذكاء الاصطناعي عاملاً رئيسياً في رضاهم عن الشبكة، وأنهم «يلقون اللوم غالباً على مزودي الخدمة» عند حدوث تأخر، حتى حين لا يكون الخطأ ناتجاً عن الشبكة بالكامل.

وفي السعودية تحديداً، يتوقع المستهلكون أن تصبح تجارب الذكاء الاصطناعي أكثر سلاسة عبر الأجهزة والواجهات المختلفة. وتشير الدراسة إلى أنه بحلول 2030، يتوقع 33 في المائة من المستهلكين استخدام الذكاء الاصطناعي عبر أجهزة متعددة، وهو ما يجعل الأداء المضمون، بحسب سيرفيل، «أمراً لا بد منه». في ضوء ذلك، قد لا يكون السؤال الأساسي في المرحلة المقبلة هو من يقدم أسرع شبكة على الورق، بل من يستطيع أن يحول الأداء الموثوق والقابل للقياس إلى تجربة يومية يشعر بها المستخدم بوضوح.