«مجلس ثوار ليبيا» يهدد بعزل البرلمان بالقوة.. و«المجلس الوطني» يصارع للبقاء

مدن تغرق في الظلام ورئاسة الأركان تدعو لهدنة 48 ساعة في العاصمة.. وتركيا تعلق عمل سفارتها

طوابير السيارات في محطة للوقود الذي بدأ في النفاد نتيجة القتال الدائر بين المليشيات
طوابير السيارات في محطة للوقود الذي بدأ في النفاد نتيجة القتال الدائر بين المليشيات
TT

«مجلس ثوار ليبيا» يهدد بعزل البرلمان بالقوة.. و«المجلس الوطني» يصارع للبقاء

طوابير السيارات في محطة للوقود الذي بدأ في النفاد نتيجة القتال الدائر بين المليشيات
طوابير السيارات في محطة للوقود الذي بدأ في النفاد نتيجة القتال الدائر بين المليشيات

هدد المجلس الأعلى لثوار ليبيا الذي تهيمن عليه الميليشيات المتشددة بتدبير انقلاب عسكري وتحويل قرارات مجلس النواب الجديد إلى حبر على ورق، فيما غرقت معظم أنحاء المدن الليبية ليلة أمس في الظلام التام لبضع ساعات، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ البلاد، حيث انقطع التيار الكهربائي عن العاصمة طرابلس ومعظم مدن الجنوب والشرق والغرب بسبب الاشتباكات المسلحة المتواصلة، التي دخلت أمس أسبوعها الرابع من دون توقف.
وندد المجلس الأعلى للثوار بتجاهل البرلمان التعديل الدستوري الذي اعتمد مدينة بنغازي مقرا له عندما كانت غارقة في بحر من الفوضى وتمر بموجة من جرائم الاغتيال، معربا في بيان له عن استغرابه لما وصفه بهروب أعضاء مجلس النواب بعد توقف تلك الجرائم واستتباب الأمن إلى مدينة أخرى.
وأبدى مجلس الثوار أسفه لما أسماه بـ«العبث الصبياني الذي يجر البلاد للوراء»، وقال إنه لن يقبل أن يستمر طويلا، وتعهد بتحويل قرارات مجلس النواب، الغائب حاليا عن عاصمتي الدولة والثورة طرابلس وبنغازي، لمجرد «حبر على ورق»، وعزله في حال استمر في التخندق مع «انقلابي الكرامة»، في إشارة إلى «الجيش الوطني» الليبي الذي يخوض، بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، معارك منذ شهر مارس (آذار) الماضي ضد المتطرفين في مدينة بنغازي بشرق البلاد.
وطالب المجلس ثوار مدينتي طبرق والبيضاء ببيان موقفهم الصريح من الثورة المضادة التي يقودها «أزلام النظام السابق، الذين يستغلون هاتين المدينتين كقواعد للانقلاب على ثورة 17 فبراير». وشدد على أنه لا مكان في ليبيا الجديدة لـ«ثورات مضادة»، وأن الثورة لن تقبل لإصلاح حال البلاد والعباد سوى بثورات سلمية تصحح المسار وتسير في نهج ثورة السابع عشر من فبراير ولا تنقلب على أهدافها، وأنه لن يتواني عن استخدام القوة مع كل من شاركوا في حياكة المؤامرات الانقلابية التي مرت بها البلاد.
وبالتزامن مع هذا التهديد، بدأ أعضاء في المؤتمر الوطني العام (البرلمان)، المنتهية ولايته، مساعي قانونية للطعن في انعقاد جلسات مجلس النواب في مدينة طبرق بأقصى شرق البلاد.
وقدم عدد من أعضاء «المؤتمر» طعونا أمام المحكمة الليبية الدستورية العليا للمطالبة بانعقاد المجلس في مدينة بنغازي وفقا لنص القرار الذي اتخذه «المؤتمر الوطني» ووافقت عليه الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله الثني. لكن مصادر حكومية قالت في المقابل لـ«الشرق الأوسط»، إن المحكمة العليا التي قد تحكم بعدم اختصاصها لن تنعقد قريبا للبت في هذه الطعون، مشيرة إلى أن المحكمة في إجازة رسمية حتى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل.
وشهدت مدينة مصراتة (غرب البلاد)، مظاهرة حاشدة مساء أول من أمس تأييدا لـ«عملية فجر ليبيا»، حيث أعلن المتظاهرون المحسوبون على التيار المتشدد رفضهم انعقاد مجلس النواب بالمخالفة للإعلان الدستوري.
ووصف هؤلاء، في شعارات رفعوها، انعقاد المجلس في طبرق بالانقلاب على ثورة 17 فبراير وأهدافها، مؤكدين أن «(عملية فجر ليبيا) هي تصحيح لمسار الثورة وتصديا لبقايا فلول النظام المنهار».
كما يواجه عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب المنتخب حديثا، مخاطر تتعلق بإمكانية إقالته من منصبه على خلفية قانون «العزل السياسي»، الذي يمنع كل من تولى مناصب رسمية أو حكومية خلال فترة حكم العقيد الراحل معمر القذافي من تولي أي مناصب لاحقا في الدولة الليبية.
وكان محمد المقريف، رئيس البرلمان الأسبق، قد اضطر إلى الاستقالة من منصبه وتقاعد عن العمل السياسي بعد موافقة البرلمان على قانون العزل السياسي الذي تبنته الجماعات المتحالفة مع «الإخوان» لحرمان الدكتور محمود جبريل، رئيس «تحالف القوى الوطنية»، من تولي منصب رئيس الحكومة أو الترشح لانتخابات الرئاسة المقبلة.
وتقلد عقيلة عدة مناصب قضائية في عهد القذافي، من بينها رئيس نيابة الجبل الأخضر وإدارة التفتيش القضائي في محكمة استئناف درنة.
ويصف الكثيرون المستشار عقيلة بأنه شخصية قضائية مرموقة، علما بأن المجلس الانتقالي السابق اختاره عضوا في اللجنة القضائية للتحقيق في قضايا فساد عهد القذافي.
وينتمي عقيلة إلى قبيلة العبيدات من بلدة القبة بشرق ليبيا، التي انتخب عضوا عنها بمجلس النواب خلال الانتخابات البرلمانية التي جرت في شهر يونيو (حزيران) الماضي.
في المقابل، تجاهل مجلس النواب هذا الجدل وبدأ مناقشة كيفية وقف إطلاق النار في العاصمة الليبية (طرابلس) بين الميلشيات المتناحرة للسيطرة حول مطار طرابلس الدولي.
واقترح بعض الأعضاء طلب المساعدة الدولية لإجبار هذه الميلشيات على الاستجابة الفورية لإبرام هدنة والتوصل إلى حل سياسي يمنع اندلاع الاشتباكات العنيفة مجددا.
وصوت غالبية أعضاء مجلس النواب أمس بعد جلسة مغلقة ومطولة، دامت حتى الساعات الأولى من صباح أمس، على تعديل الإعلان الدستوري بشأن الصلاحيات السيادية للبرلمان ورئيس الوزراء إلى حيان انتخاب الرئيس الجديد للبلاد، ولتمكين البرلمان من إصدار قرارات مهمة.
وأضاف المجلس فقرة جديدة إلى التعديل الدستوري، نصت على أنه: «وإلى حين انتخاب رئيس الدولة المؤقت، يمارس مجلس النواب الاختصاصات كافة الواردة أعلاه، باستثناء الاختصاصين المنصوص عليهما في الفقرتين الأولى والتاسعة من المادة المشار إليها، التي تسند إلى رئيس مجلس الوزراء. وفي جميع الأحوال، يجوز لمجلس النواب أن يفوض مكتب رئاسة المجلس في جميع أو بعض الاختصاصات المسندة إلى هذا المجلس بمقتضي هذا التعديل».
وقال أعضاء في المجلس، إن عدد من صوتوا على هذا التعديل 151 عضوا، مما يعني أن مجلس النواب بات أعلى هيئة سياسية ودستورية في ليبيا.
بموازاة ذلك، أعلنت رئاسة الأركان العامة للجيش الليبي دعمها المبادرة الصادرة عن «مجلس أعيان ليبيا» التي تدعو إلى الوقف الفوري للأعمال القتالية بطرابلس وبنغازي، والدخول في هدنة لمدة 48 ساعة قابلة للتمديد، ووقف التصريحات الإعلامية المؤججة للصراع، والدعوة إلى الجلوس للحوار بالكيفية التي تعرضها المبـادرة.
ودعت الرئاسة، في بيان بثته وكالة الأنباء الرسمية، الأطراف المتقاتلة إلى الوقف الفوري للأعمال القتالية، وأمر العناصر التابعة لها والمشارِكة في هذا الاقتتال بالتوقف الفوري عن القتال، والسماح لعناصر الدفاع المدني وفرق الإطفاء بأداء واجباتهم لإخماد النيران المشتعلة في خزانات الوقود بطريق المطار.
وأكدت الرئاسة أنها ستقوم بكل ما يطلب منها لتنفيذ بنود المبادرة الصادرة عن «مجلس أعيان ليبيا»، لافتة إلى أنها أمرت آمر منطقة طرابلس العسكرية وآمر غرفة تأمين العاصمة، بتسلم المواقع وتأمينها بعد توقف القتال.
من جهة أخرى، قالت وزارة الكهرباء الليبية، في بيان لها، إن خروج وحدات التوليد تسبب في إطفاء عام على معظم المدن الليبية؛ منها المنطقة الغربية والوسطى بالكامل، والجنوبية سبها والواحات بالكامل، بالإضافة إلى المنطقة الشرقية، مما حدث ظلام تام بهذه المناطق لأسباب فـنـية.
وتعطلت معظم شبكات ومحطات الكهرباء وباتت فعليا خارج الخدمة نتيجة إصابتها بصواريخ عشوائية خلال الاشتباكات الدامية التي تشهدها العاصمة طرابلس ومدينة بنغازي.
وأعلنت الشركة العامة للكهرباء، أمس، تشكيل لجنة لمتابعة أزمة الشبكة والمحافظة على استقرارها، مشيرة إلى أن العمل جار للتنسيق مع الجهات ذات العلاقة لتأمين وصول فرق الصيانة للأماكن المتضررة نتيجة الاشتباكات.
ونقلت وكالة الأنباء المحلية عن مصادر بالشركة أن تردي الوضع العام بشبكة الكهرباء يرجع إلى إصابة الكثير من دوائر نقل الطاقة الرئيسة، مشيرة إلى أن إمدادات الكهرباء، ما زالت معرضة لمثل هذه الحالات من الانقطاع والإطفاء الكامل ما لم تجر صيانة دوائر نقل الطاقة الرئيسة الواقعة بمنطقة الاشتباكات في أقرب الأوقات.
ولاحظت وكالة الأنباء المحلية أن انقطاع الكهرباء ساعات طويلة، تتجاوز في كثير من الأحيان عشر ساعات في اليوم، يزيد من معاناة المواطنين في المدن الليبية كافة، وخاصة في طرابلس التي يعيش سكانها حالة من الترقب والخوف من سقوط قذائف طائشة من الأطراف المتقاتلة على الأحياء المدنية، رغم بعدها عن محاور القتال.
وقالت الوكالة إن ضواحي المدينة القريبة من محاور القتال، باتت مهجورة بعد نزوح سكانها إلى مناطق آمنة، كما أن الحياة في العاصمة أصبحت شبه مشلولة، وشوارعها خالية، ومرافقها العامة والخدمية والخاصة معظمها مقفلة بسبب نقص الوقود لدرجة الانعدام.
ورصدت الوكالة الطوابير الطويلة للسيارات، التي تمتد لبعض الكيلومترات على محطات الوقود وكذلك طوابير الخبز أمام المخابز، بالإضافة إلى غلاء أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، وخاصة حليب الأطفال وحاجاتهم.
من جهتها، أكدت المؤسسة الوطنية للنفط استمرارها في تزويد محطات الكهرباء بالوقود المطلوب، وقالت في بيان لها إنها لم تواجه أي عجز في هذه التزويدات حتى الآن رغم وجود بعض الصعوبات، وخاصة في حركة الشاحنات على الطرقات. كما كشفت عن إجراءات عاجلة لحل مشكلة تزويد طرابلس وضواحيها بوقود السيارات، بينما أعلنت لجنة الأزمة بمجلس طرابلس المحلي وصول الناقلة (أنوار ليبيا) محملة بأكثر من تسعة ملايين لتر بنزين مساء أول من أمس إلى ميناء العاصمة.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.