محمد بن راشد: القذافي رفض التغيير... والأسد بدأ إصلاحياً ثم شاهد بلاده تغرق

«الشرق الأوسط» تنشر مقتطفات من كتاب يروي فيه قصته في 50 عاماً وأنه حلم أن تكون دبي كبيروت

محمد بن راشد: القذافي رفض التغيير... والأسد بدأ إصلاحياً ثم شاهد بلاده تغرق
TT

محمد بن راشد: القذافي رفض التغيير... والأسد بدأ إصلاحياً ثم شاهد بلاده تغرق

محمد بن راشد: القذافي رفض التغيير... والأسد بدأ إصلاحياً ثم شاهد بلاده تغرق

يصدر للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، كتابٌ جديد غداً الإثنين بعنوان «قصتي... 50 قصة في خمسين عاماً»، يروي فيه رحلة 50 عاماً من حياته وعمله ومسؤولياته، مستعيداً ذكريات وتجارب ومواقف.
يتناول الشيخ محمد في الكتاب الذي تنشر «الشرق الأوسط» مقتطفات من فصوله حصرياً اليوم، اتصالات غير معلنة أجراها مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، كاشفاً عن أنه عرض عليه، قبيل بدء الغزو الأميركي عام 2003، الانتقال إلى «دبي مدينتك الثانية» إذا وافق على ترك الحكم، لكن صدام رفض العرض قائلاً إنه يريد «إنقاذ العراق وليس نفسي». كذلك يتحدث عن تداعيات الغزو العراقي للكويت عام 1990، قائلاً إنه شكّل «نقطة تحول غيّرت المنطقة بأسرها».
كما يشرح قصة طلب العقيد الليبي الراحل معمر القذافي منه معاونته في تحويل طرابلس إلى «دبي ثانية»، لكنه قال إن «القذافي لم يكن يريد التغيير، كان يتمنى التغيير».
ويعرض الشيخ محمد بن راشد في الكتاب أيضاً علاقته بالرئيس السوري بشار الأسد، قبل توليه السلطة وبعدها، معتبراً أن بشار عاش بعد بدء الأزمة في بلاده «في عالم آخر... وهو يشاهد بلده يغرق في مسلسل الدماء والدمار».
ويتحدث الشيخ محمد بشغف عن بيروت، قائلاً: «أذهلتني صغيراً، وعشقتُها يافعاً، وحزنتُ عليها كبيراً»، واصفاً لبنان بأنه «ساحة لتصفية كثير من الحسابات». وفيما يأتي مقتطفات من فصول الكتاب الذي يصدر غداً في الإمارات:

بيروت

«ذكرياتي الأولى مع بيروت كانت من بدايات حياتي وأنا صغير؛ وأنا القادم من صحراء دبي، من بيوتها الطينية، من شوارعها الترابية، من أسواقها المبنيّة من سعف النخيل. سافرتُ مع إخوتي إلى بيروت. كان لا بدَّ من المرور بها للوصول إلى لندن. أذهلتني صغيراً، وعشقتُها يافعاً، وحزنتُ عليها كبيراً.
كانت شوارعها النظيفة، وحاراتها الجميلة، وأسواقها الحديثة في بداية الستينات مصدر إلهام لي. وحلم تردّد في ذهني أن تكون دبي كبيروت يوماً ما...
لكن للأسف، لبنان تم تفتيته وتقسيمه على مقاسات طائفية ومذهبية، فلم تعُد بيروت هي بيروت، وأصبح لبنان غير لبنان...
لي زيارات كثيرة لبيروت، ومحبة وعلاقات جميلة. لكن كوزير للدفاع في دولة الإمارات لي معها محطتان كبيرتان في حياتي.
الأولى بعد 13 أبريل (نيسان) 1975، عندما انطلقت أول رصاصة لتعلن بدء الحرب الأهلية التي استمرت أكثر من 15 عاماً، وحصدت نحو 150 ألف قتيل، وأكثر من 300 ألف جريح، وتكبّدت خسائر اقتصادية فاقت أكثر من 25 مليار دولار.
لم يمرّ سوى أشهر على بدء الحرب حتى كان إطلاق النار قد انتشر على نطاق واسع في أرجاء بيروت، وبدأت الأهداف المدنية تتعرض للقصف بشكل متكرر. وهكذا انقسمت المدينة إلى معاقل طائفية ومذهبية. وهذه كانت بداية النهاية.
لم تنجح كل الجهود الحثيثة التي بذلها الشيخ زايد لجمع الأطراف على طاولة واحدة. كنت أساعده مع والدي في المفاوضات، لكننا بدأنا نشعر باليأس بسبب فشلها المستمر، ثم بدأ تدخلٌ عربي شامل للحيلولة دون تعرض هذا البلد الجميل إلى الدمار.
في يونيو (حزيران) 1976، شهدت الحرب الأهلية اللبنانية منعطفاً جوهرياً من خلال التدخل السوري. وقد تسببت معاقل الحركة الوطنية اللبنانية بخسائر جمة في صفوف القوات السورية.
راقبتُ بهدوءٍ مؤتمر القمة العربية الذي عُقد في الرياض، ثم المؤتمر الذي تلاه في القاهرة في أكتوبر (تشرين الأول) 1976، لوقف إطلاق النار وإنهاء الاقتتال في الأراضي اللبنانية كافة. وعلى الرغم من القرارات والتعهدات الصادرة عن القمتين، عرفتُ أن ما طُرح عبارة عن حلول مؤقتة، وأن الأسباب الجذرية للمشكلة ما زالت مستعرة تحت السطح.
كنتيجة لمؤتمري الرياض والقاهرة، تم تشكيل «قوات الردع العربية»، التي شاركت دولة الإمارات فيها، للعمل على وقف النار وحقن الدماء وتحقيق السلام في البلاد.
لقد كانت تلك أياماً ثقيلة الوطء عليّ، فقد فعلتُ كل شيء لإعداد رجالي (...) وأشحذ هممهم وطاقاتهم وقواهم. أقول لهم: سنذهب من أجل السلام وليس من أجل الحرب، من أجل إنقاذ شعب صديق وشقيق وليس من أجل خدمة مصالح طوائف أو جماعات.
ومع نهاية عام 1976 أطلقنا 30 ألف رجل بقوة مشتركة، وبهذه الطريقة استطعت أن أرى الصورة من زواياها المختلفة دائماً.
لا أستطيع التعبير عن مدى فظاعة الحرب، ومن خبرتي الشخصية في القتال أعرف أنها ليست الحلّ لأي شيء...
محطتي الثانية مع المحبوبة بيروت، كانت أفظع للأسف... في عام 1982 اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان الذي أصبحت أراضيه ساحة قتال ما بين منظمة التحرير الفلسطينية وسوريا وإسرائيل. وعلى الرغم من أن الاجتياح الإسرائيلي الذي بدأ في يونيو بقيادة وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون كان متوقعاً، فإن فظاعته لم تكن متوقعة أبداً، بخاصة أنه استمرّ طويلاً.
بعد أكثر من شهرين من المقاومة المتفرقة والقتال، تم التوصل إلى قرار وقف إطلاق النار. وانسحبت منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت متّجهة إلى تونس، تحت إشراف قوة متعددة الجنسيات، وحصلت القيادة الفلسطينية على ضمانات بشأن أمن المدنيين في المخيمات. تواصل إخلاء عناصر منظمة التحرير الفلسطينية عبر الميناء على مدى أسبوعين، وكان الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات آخر المغادرين، حيث رافقته قوات فرنسية إلى الميناء. وفي 9 سبتمبر (أيلول) 1982، غادرت القوة المتعددة الجنسيات بيروت. وأعلن شارون في اليوم التالي أن هناك «2000 إرهابي» ما زالوا موجودين داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت. في 15 سبتمبر، بعد يوم من مغادرة المقاتلين الفلسطينيين، احتلّ الجيش الإسرائيلي بيروت الغربية محكماً الخناق على مخيمَي صبرا وشاتيلا اللذين يقطنهما مدنيون لبنانيون وفلسطينيون.
كانت مذبحة صبرا وشاتيلا مأساة فظيعة استمرت أربعين ساعة بين يومَي 16 و18 سبتمبر 1982؛ إذ قامت ميليشيات الكتائب بغطاء من الجيش الإسرائيلي بعمليات قتل واغتصاب وتعذيب راح ضحيتها عددٌ كبير من المدنيين العزّل غالبيتهم من الأطفال والنساء وكبار السن.
لم أتقبّل في حياتي فكرة القتل وإزهاق الأرواح، ولم أفهم أبدا لماذا يحدث هذا في عالمنا. بقيتُ على تواصل مع جميع الفرقاء في المنطقة، وكنت أعرف أن مجزرة ستحدث، وعندما ظهرت مشاهد الضحايا، بخاصة من الأطفال والنساء، في نشرات الأخبار، اكتشفتُ أن جهودنا لم تؤدِّ إلى نتيجة.
توليتُ قيادة المبادرة الإماراتية بنفسي لتنفيذ أوامر القائد الأعلى الشيخ زايد؛ إذ تم تزويد طائرات «سي 130» بأطنان من المساعدات الإنسانية، وذلك ضمن واحدة من أكبر العمليات التي نُظمت في الخليج.
وما زالت تلك المشاهد ماثلة في ذاكرتي، مخلّفة جرحاً كبيراً في نفسي...
للأسف ما زال لبنان إلى يومنا هذا ورقة يحاول كثيرون اللعب بها، وما زال شباب لبنان يدفعون ضريبة الصراعات التي تدور في المنطقة، وما زالت الساحة اللبنانية ساحة لتصفية كثير من الحسابات والصراعات التي لا تنتهي».

غزو الشقيق

«... شكل غزو الكويت في 2 أغسطس (آب) من عام 1990 صدمة. أذكر أنني تأكدتُ ثلاث مرات من الضابط الذي نقل لي الخبر. نقلتُ النبأ لأخي الأكبر الشيخ مكتوم، ثم أمرتُ بإعلان حالة الطوارئ لجميع القوات الأمنية والعسكرية. تحدثت مع الشيخ زايد، فوجدته غاضباً وحزيناً في الوقت نفسه. كيف يمكن لصدام أن يفعل ذلك؟ وما هي خطوته التالية؟
لم نكن نتوقع أبدا أن يتجرأ صدام على غزو دولة شقيقة جارة ذات سيادة وقفت تاريخياً إلى جانبه. كان قرار صدّام باجتياح الكويت صدمة للجميع، كما كان نقطة تحول غيرت المنطقة بأسرها (...)
استقبلنا في بلادنا عشرات الآلاف من أبناء الكويت الشقيقة. فتحنا لهم الفنادق والبنايات السكنية، وكثير من مواطنينا فتحوا لهم البيوت.
أصبحت مرافئنا مرسى لسفن الحلفاء مع بدء عمليات «عاصفة الصحراء»، وهي العملية العسكرية التي شنتها قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في 16 يناير (كانون الثاني) 1991 لتحرير الكويت من القوات العراقية. أنشأنا المطارات العسكرية وجهزنا المرافئ والمستودعات للجيوش. واستقبل ميناء جبل علي من سفن التحالف أكثر من أي ميناء آخر في المنطقة لأنه الأكبر والأكثر تجهيزاً.
أما قواتنا العسكرية فقد ساهمت بفاعلية في دعم قوى التحالف من أجل تحرير الكويت، وسافرت شخصيّاً إلى مركز عمليات «عاصفة الصحراء» عدة مرات. وكان من أولوياتي عند التعامل مع الجنرال نورمان شوارزكوف، قائد قوات التحالف الدولي، الذي كان يقود أكثر من 900 ألف جندي من قوّات التحالف، أن أجد طريقة للحدّ من حجم الخسائر لدى المدنيين. فلم يرغب شعب الكويت أو شعب العراق في الاجتياح، بل كان عملاً أرعن، وكنت حريصاً على ألا يدفع الشعب ثمن هذه الحماقة.
أُجبر صدّام على الانسحاب بعد عملية عسكرية ناجحة، وكانت القوات الإماراتية لها شرف أن تكون من أوائل القوات التي دخلت الكويت من أجل التحرير. للكويت أفضال، ولو طالت الحرب لبذلنا لها من أرواحنا وأبنائنا ما تحتاج إليه حتى التحرير...
انتهى غزو الكويت بانسحاب مهين للقوات العراقية، لكن تلك لم تكن النهاية، بل البداية لحقبة جديدة في المنطقة عنوانها انهيار دولها الكبرى، وتفكك جيوشها العظمى. لقد كان غزو الكويت الغلطة التاريخية الكبرى التي غيرت وجه المنطقة للأبد».
لا أحد يربح في الحرب
«ما زلتُ أذكر عندما رحلت الحرب المنهِكة ما بين العراق وإيران التي خلّفت وراءها أكثرَ من مليون قتيل. وعندما ترحل حربٌ من مكان فهي لا ترحل سريعة كما جاءت، بل يظلّ ثقلها باقياً لسنوات؛ هكذا رأيت العراق.
في تلك الفترة، كان الرئيس العراقي صدام حسين في قمّة مجده وكبريائه. وما زلتُ أذكر ذلك الموقف الذي حدث بيني وبينه؛ حيث صرّح للشيخ زايد بشعوره وتحفظاته تجاهي: إنه يميل للغرب، ولا يعامل العرب معاملة جيدة.
طلب مني الشيخ زايد بعدها مقابلة صدام، على عادته، رحمه الله، في عدم ترك أي أمور عالقة يمكن أن تؤثر على مصالحنا.
التقيت مع صدام في أحد الاجتماعات وابتدأ الحديث فيما بيننا بنوع من المجاملة، ثم جاءت الجملة الأهم من صدام: لدي تقرير يفيد بأنك كنتَ تدعم إيران بطرق مختلفة، ووضع تقريراً أمامي.
أجبته: إنني لا احتاج للتقرير وها أنا ذا معك، إذا كنتَ تقصدُ شحناتٍ من الأسلحة فأتحدّى أي شخص أن يثبتَ ذلك، أما إذا كنتَ تقصدُ تلك الشحنات من المواد الغذائية فنعم؛ ولن تحتاج لتلك التقارير لأن سفننا تذهب إلى هناك وإلى العراق أيضاً، ولا يمكنني أن أوقف شيئاً إنسانياً يتجه نحو الشعوب.
ظهرت علامات المفاجأة على وجهه، لأن كلامي كان جريئاً. كان معتاداً على سماع ما يود سماعه، وربما كان ردّي مفاجئاً له لأنه أعتقد أنني أضعف من تلك الصورة الذهنية التي رسمها عني. بعد تلك المواجهة أصبحنا صديقيْن.
جاء غزو العراق للكويت، وانهارت جسور التواصل. لكن في عالم السياسة لا بدّ أن تبقي على شعرة معاوية دائماً لأوقات الأزمات.
بعد تحرير الكويت في فبراير (شباط) 1991، كان الخليج جريحاً بكفّتيه؛ المنتصر والمهزوم. الكل كان يدفن أوجاعه ويرمم ما تهدّم منه.
تعب العراق من الحروب، أما الرئيس العراقي صدام حسين المنسحب المهزوم فلم يكن ينام بكلتا عينيه.
في عام 2003، عاد الأميركيون إلى الشرق الأوسط. أرادوا بناء نموذج يتماشى مع رؤيتهم وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، التي غيرت نظرتهم للمنطقة وغيّرت أولوياتهم.
كنتُ أعرف أن غزو العراق كان ضمن أهداف الرئيس الأميركي جورج بوش الابن. حاولنا إقناعه بألا يجتاح العراق، طلبتُ منه أن يستثمر جهوده وأمواله في مساعدة الشعب العراقي ببناء المدارس والمستشفيات وتعبيد الطرق، لكنني عرفتُ أنه عزم على قرار استخدام القوة.
طلبتُ من الأميركيين أن يمنحونا فرصة للتصرُّف، ثم سألتهم: ما الذي تريدونه من صدام؟ أحسست بأن المنطقة مقبلة على حرب وكنت على استعداد لفعل أي شيء من أجل أن تتجنّب الشعوب الحرب مرة أخرى. قالوا إنهم يريدون دخول فرق التفتيش للبحث عن أسلحة الدمار الشامل.
كنتُ أدرك أن عواقب الحرب على المنطقة كلها، وعلى العراق بشكل أخص، ستكون مدمرة، حاولت أن أقنعهم بأن يتولى التفاوض قادة منا؛ إنّنا عرب نتشابه في بعض عاداتنا وخصائصنا، ونفهم كيف يفكر صدام وأمثال صدام.
عزمتُ الذهاب إلى صدام بنفسي. ركبتُ الطائرة من دبي للبحرين ومن هناك ركبتُ البحر باتجاه البصرة. تقابلنا في أحد الأمكنة التي كان يلجأ إليها، ثم بدأنا حديثاً صريحاً وواضحاً. تحدثنا في كل الأشياء التي أتفق معه فيها، وتلك التي أختلف معه فيها وهي أكثر. ذكّرتُه بشبح الحرب وأنا أعرف أنني أعظ رجلاً أفنى شطراً كبيراً من حياته في الحروب. كان من الواضح أنّه لا يمكن أن يربح الحرب ضدّ الأميركيين، وإن لم يفعل شيئا لتجنّب الهجوم القادم، فسوف يخسر العراق كلّ شيء. حاولتُ أن أستخدم المنطق والعقلانية في حديثي معه.
همستُ له: لو اقتضى الأمر رحيلك عن الحكم من أجل العراق ارحل، ودبي مدينتك الثانية أهلاً بك فيها دائماً. نظر إليّ ثم قال: لكنني يا شيخ محمد أتحدّث عن إنقاذ العراق وليس نفسي. كبر في نفسي بعد كلامه ذاك.
امتدّت هذه الجلسة، التي اتسمت بالصراحة والتوتّر، نحو خمس ساعات، غادر أثناءها صدام أربع مرات، كاسراً البروتوكول؛ وفي كل مرة كان يعود، يطلب القهوة العربية، التي ما زلت أذكر طعمها، قبل أن نواصل النقاش. لقد ولّد رعباً لدى كل من حضر معنا الاجتماع، من بينهم عبد حمود، السكرتير الشخصي للرئيس العراقي. وفي كل مرة كان يخرج كنتُ أدعو الله أن نجتاز هذه المحنة. لم يكن صدام يجلس في المكان الواحد فترة طويلة. كان يخاف القصف، وكان يعرف أنه الشخصية المستهدفة التي ينتظرها قنّاصون كثر.
انتهى الاجتماع، ثم صحبني للسيارة حتى فتح لي بابها وودّعني، وهذا أمر لم يكن معتاداً منه حسبما سمعت. سافرتُ إلى عمّان ومن هناك بالطائرة إلى وطني. في القمة العربية التي عُقدت في شرم الشيخ مطلع مارس (آذار) 2003 مباشرة قبل غزو العراق، عرض الشيخ زايد على صدام اللجوء إلى أبوظبي في محاولة أخيرة لتجنُّب الطوفان القادم. كان الوقت متأخراً، وكانت الولايات المتحدة قد اتخذت قراراها ببدء الغزو.
حضرت أميركا تصحبها بريطانيا بتلك الجيوش الجرارة، ثم نزف العراق مرة أخرى.
أخطأ صدّام في حساباته، فقد ظنّ أنّ زرع الخوف والذعر واستخدام السيف الطريقة الأفضل في إدارة الأمور. ولأنّ جميع من حوله كان يخاف منه، لم يجرؤ أحد قط على مصارحته بقدرات جيشه الحقيقية...».

بشار... سوريا


«أتذكر نهاية التسعينات حينما زار بشار الأسد دبي. وقتها كان والده حافظ الأسد في سدّة الحكم، وربما كان في أيامه الأخيرة، ومسألة تولي بشار السلطة كانت مسألة وقت. رغبت بالحصول على وقت أكثر معه بعيداً عن أعين الرقابة والرجال المحيطين به. كان بصحبته ضمن الوفد المرافق له صديقه مناف طلاس، ابن وزير الدفاع السوري يومها مصطفى طلاس.
طلبتُ من أحد المرافقين الذهاب مع وفد بشار في السيارة، بينما اصطحبته بسيارتي، التي كنت أقودها بنفسي (...) توجهنا إلى أحد المجمعات التجارية الكبرى، التي عادة ما تستقبل المتسوقين من أنحاء العالم كافة. نزلنا وبدأنا جولتنا داخل المجمع.
لم يزعجنا أحد، تحدثنا عن مستقبل التكنولوجيا ودورها في التنمية، حيث كان بشار رئيساً للجمعية العلمية السورية للمعلوماتية. كان حماسه شديداً لاستثمار التكنولوجيا في خدمة بلده، وأكد لي أنه سيجري بعض التغييرات في سوريا. لقد أعجبته التجربة، وترسخّت علاقة طيبة لي معه.
بعد بضع سنوات، زار دبي مرة أخرى ولكن هذه المرة بصفته الرئيس بشار الأسد. سألني: كيف تدير حكومة دبي مدينتها؟ كانت لديه رغبة كبيرة في تطوير الإدارة والحكومة في سوريا.
حدثتُه كثيراً عن دبي، وانفتاحها، وتبنيها فكراً حكومياً يقترب من فكر القطاع الخاص، حيث تُدار الحكومة عندنا بعقلية القطاع الخاص، سواء من ناحية الخدمات والتميز فيها، أو لجهة إنفاق الأموال بطريقة فيها كثير من الكفاءة، أو من خلال تطوير الكوادر وبناء القيادات. أخبرتُه أننا نتمنّى بناء نموذج للعالم العربي، ولكننا نتعلَّم ونستفيد أيضاً من التجارب العربية والعالمية الأخرى كافة (...) أبدى إعجابه الشديد بتجربة دبي، مؤكداً لي أنه يعتزم تكرارها في سوريا. حاول الرئيس بشار الأسد في بداية حكمه تحقيق بعض الانفتاح في الاقتصاد السوري، حيث فتح المجال للبنوك الأجنبية، وسمح لمواطنيه بفتح حسابات بعملات أجنبية، كما دعا المستثمرين الأجانب للاستثمار في سوريا. وأذكر أنني أرسلتُ وفداً لاستطلاع فرص الاستثمار العقاري هناك في سوريا، وعادوا لي بأفكار طيبة. عاش بشار بعد ذلك عالماً آخر، وهو يشاهد بلده يغرق في مسلسل الدماء والدمار الذي اجتاح سوريا، وأتى على الأخضر واليابس، وعصف بتاريخ عمره آلاف السنين».

أريد دبي في أفريقيا


«... أستذكر اتصالاً من الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي الذي تواصل معي ذات يوم. قال لي إنه يريد بناء دبي جديدة في ليبيا، تكون عاصمة اقتصادية للقارة الأفريقية.
بعد غزو الولايات المتحدة للعراق في عام 2003، بحثاً عن أسلحة الدمار الشامل التي ادّعت أن صدام حسين يملكها، خرج الرئيس الليبي معمر القذافي أمام العالم في بادرة قال فيها إن ليبيا لديها برنامج نووي وتطالب بإزالة جميع المواد ومعدات البرامج التي قد تؤدي إلى تطوير الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، فاتحين مستقبلنا للازدهار العلمي والتطور التقني، مادين أيدينا كأصدقاء للزعماء الآخرين.
وكان من ضمن من مدَّ يده لهم هو أنا، طالباً مني العون لبناء دبي جديدة في ليبيا، وذلك تأكيداً لرغبته في الانفتاح على العالم. قمتُ بإرسال محمد القرقاوي، رئيس مكتبي التنفيذي آنذاك، إلى ليبيا؛ وبعد وصوله بيومين قام رجال القذافي باصطحابه إلى مقر إقامة الرئيس الليبي في باب العزيزية بطرابلس. وبعد انتظار، أدخلوه غرفة كبيرة وجد القذافي فيها جالساً على مكتب يتصفّح الإنترنت بطريقة تنبئ عن قلّة خبرة ونوع من الاستعراض.
ابتدأ القذافي حديثه قائلاً: أنا معجب جداً بما صنعه الشيخ محمد بدبي، وأريد أن أفعل الشيء نفسه بليبيا، وأطلب منكم الاستثمار في ليبيا، وأطلب أيضاً خبرتكم في تحقيق هذا الحلم الجديد للشعب الليبي.
طلب تحويل طرابلس، وبالأخص مطار معيتيقة، إلى عاصمة حضارية لأفريقيا. أعطى انطباعاً بأنه لم يكن عالماً بالتاريخ ولا بالأحداث، وأنه محاط بفريق يخفي عنه الحقائق إما عن خوف أو عن رغبة، وإن كنتُ أرجّح الاحتمال الأول. كان حديثه طويلاً بلا معنى، قال إنه لم يكن معجباً بأي دولة ولا بأي رئيس. كان يطرح رأيه بتعصُّب لا يمكنك أن تناقشه فيه. لم يكن حديثه حديث زعيم.
وصلني تقرير محمد القرقاوي، وعندها قررتُ الذهاب بنفسي. توجهتُ بالطائرة إلى طرابلس؛ مدينة جميلة رابضة في قلب التاريخ (....)
في اليوم الأول ذهبنا إلى المدينة القديمة. إنها مدينة تشعرك بالحزن. كيف لبلد بهذه الثروة أن يكون هكذا؟ مجار على الطرقات، نفايات مرمية هنا وهناك؛ حتى دبي في الخمسينات عندما كانت الموارد محدودة والمياه شحيحة والناس بلا كهرباء لم تكن بهذا البؤس أبداً. بعدها قمتُ بزيارة القذافي في خيمته بمدينة سرت، وكما في المرة السابقة تولى الحديث طوال الوقت. وفي المساء من ذلك اليوم توجّهنا إلى إحدى ساحات طرابلس المكتظة بالحضور. لكن المفاجأة التي كانت تنتظرنا أن أحدهم أخبر الجماهير بأننا هناك، عندها أحاطوا بالسيارة بشكل هستيري مرحبين بعواطف حارّة جداً، وبدأت السيارة تفقد اتزانها بفعل اندفاعهم. وما هي إلا لحظات حتى بدأتُ أشعر بارتفاع السيارة التي تقلنا عن الأرض. شعرنا بالقلق من هذا الاندفاع حتى لو كان للترحيب أو بفعل العاطفة الجياشة. لم أستطع الحديث معهم بفعل الأصوات العالية، عندها تدخل الحرس وأبعدوا الجماهير بطريقة عنيفة. لم أكن أرغب أبدا في أن يتم إبعادهم بتلك الطريقة.
بعد ذلك، أراد القذافي أن يريني منطقة الجبل الأخضر في شمال شرقي طرابلس حيث توجد بعض الآثار الإغريقية. ركبنا طائرة مع سيف الإسلام القذافي، ابن القائد، وعبد الله السنوسي الذي كان رئيس الأمن الداخلي واستخبارات الجيش وقريب القذافي أيضاً، ومعروف عن السنوسي أنه كان رجلاً عنيفاً متجهم الوجه.
أقلعت الطائرة، وعندما استوت في الجو التفت السنوسي نحونا وقال إنها المرة الأولى التي يركب فيها الطائرة منذ سنوات. سألته: ولماذا؟ أجاب: لطالما كنت مستهدفاً، وأخاف أن تُستهدف الطائرة التي أستقلها. خيّم السكون علينا ونحن نفكر بتبعات كلامه، هل أراد أن تكون أول تجربة له معنا؟
تحدّث سيف الإسلام، وبدا مطَّلعاً ومتطلِّعاً أكثر من والده.
تحدث قائلاً: لطالما فكرتُ بنوع الاقتصاد الذي انتهجه والدي، فهو لم يكن اشتراكياً ولا شيوعياً ولا حتى رأسمالياً، ثم تابع: لقد تحدثتُ إليه عن أهمية أن تعود الأرض للشعب وأن ننفتح على العالم بشكل أكبر.
انتهت الزيارة وظل الشعب الليبي في قلوبنا. تمنّينا مساعدته، لكن لم تكن الأمور على ما يرام. انسحبنا من المحادثات حول المشروع الجديد بعد فترة بعدما أدركنا أننا ندور في حلقة مفرغة، وأن الأجواء ملبَّدة بغيوم الفساد، وأننا سنكون بروباغاندا في منظومته الدعائية.
لم يكن القذافي يريد التغيير، كان يتمنى التغيير. التغيير لا يحتاج إلى خطابات، بل إنجازات».


مقالات ذات صلة

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».