محمد بن راشد: القذافي رفض التغيير... والأسد بدأ إصلاحياً ثم شاهد بلاده تغرق

«الشرق الأوسط» تنشر مقتطفات من كتاب يروي فيه قصته في 50 عاماً وأنه حلم أن تكون دبي كبيروت

محمد بن راشد: القذافي رفض التغيير... والأسد بدأ إصلاحياً ثم شاهد بلاده تغرق
TT

محمد بن راشد: القذافي رفض التغيير... والأسد بدأ إصلاحياً ثم شاهد بلاده تغرق

محمد بن راشد: القذافي رفض التغيير... والأسد بدأ إصلاحياً ثم شاهد بلاده تغرق

يصدر للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، كتابٌ جديد غداً الإثنين بعنوان «قصتي... 50 قصة في خمسين عاماً»، يروي فيه رحلة 50 عاماً من حياته وعمله ومسؤولياته، مستعيداً ذكريات وتجارب ومواقف.
يتناول الشيخ محمد في الكتاب الذي تنشر «الشرق الأوسط» مقتطفات من فصوله حصرياً اليوم، اتصالات غير معلنة أجراها مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، كاشفاً عن أنه عرض عليه، قبيل بدء الغزو الأميركي عام 2003، الانتقال إلى «دبي مدينتك الثانية» إذا وافق على ترك الحكم، لكن صدام رفض العرض قائلاً إنه يريد «إنقاذ العراق وليس نفسي». كذلك يتحدث عن تداعيات الغزو العراقي للكويت عام 1990، قائلاً إنه شكّل «نقطة تحول غيّرت المنطقة بأسرها».
كما يشرح قصة طلب العقيد الليبي الراحل معمر القذافي منه معاونته في تحويل طرابلس إلى «دبي ثانية»، لكنه قال إن «القذافي لم يكن يريد التغيير، كان يتمنى التغيير».
ويعرض الشيخ محمد بن راشد في الكتاب أيضاً علاقته بالرئيس السوري بشار الأسد، قبل توليه السلطة وبعدها، معتبراً أن بشار عاش بعد بدء الأزمة في بلاده «في عالم آخر... وهو يشاهد بلده يغرق في مسلسل الدماء والدمار».
ويتحدث الشيخ محمد بشغف عن بيروت، قائلاً: «أذهلتني صغيراً، وعشقتُها يافعاً، وحزنتُ عليها كبيراً»، واصفاً لبنان بأنه «ساحة لتصفية كثير من الحسابات». وفيما يأتي مقتطفات من فصول الكتاب الذي يصدر غداً في الإمارات:

بيروت

«ذكرياتي الأولى مع بيروت كانت من بدايات حياتي وأنا صغير؛ وأنا القادم من صحراء دبي، من بيوتها الطينية، من شوارعها الترابية، من أسواقها المبنيّة من سعف النخيل. سافرتُ مع إخوتي إلى بيروت. كان لا بدَّ من المرور بها للوصول إلى لندن. أذهلتني صغيراً، وعشقتُها يافعاً، وحزنتُ عليها كبيراً.
كانت شوارعها النظيفة، وحاراتها الجميلة، وأسواقها الحديثة في بداية الستينات مصدر إلهام لي. وحلم تردّد في ذهني أن تكون دبي كبيروت يوماً ما...
لكن للأسف، لبنان تم تفتيته وتقسيمه على مقاسات طائفية ومذهبية، فلم تعُد بيروت هي بيروت، وأصبح لبنان غير لبنان...
لي زيارات كثيرة لبيروت، ومحبة وعلاقات جميلة. لكن كوزير للدفاع في دولة الإمارات لي معها محطتان كبيرتان في حياتي.
الأولى بعد 13 أبريل (نيسان) 1975، عندما انطلقت أول رصاصة لتعلن بدء الحرب الأهلية التي استمرت أكثر من 15 عاماً، وحصدت نحو 150 ألف قتيل، وأكثر من 300 ألف جريح، وتكبّدت خسائر اقتصادية فاقت أكثر من 25 مليار دولار.
لم يمرّ سوى أشهر على بدء الحرب حتى كان إطلاق النار قد انتشر على نطاق واسع في أرجاء بيروت، وبدأت الأهداف المدنية تتعرض للقصف بشكل متكرر. وهكذا انقسمت المدينة إلى معاقل طائفية ومذهبية. وهذه كانت بداية النهاية.
لم تنجح كل الجهود الحثيثة التي بذلها الشيخ زايد لجمع الأطراف على طاولة واحدة. كنت أساعده مع والدي في المفاوضات، لكننا بدأنا نشعر باليأس بسبب فشلها المستمر، ثم بدأ تدخلٌ عربي شامل للحيلولة دون تعرض هذا البلد الجميل إلى الدمار.
في يونيو (حزيران) 1976، شهدت الحرب الأهلية اللبنانية منعطفاً جوهرياً من خلال التدخل السوري. وقد تسببت معاقل الحركة الوطنية اللبنانية بخسائر جمة في صفوف القوات السورية.
راقبتُ بهدوءٍ مؤتمر القمة العربية الذي عُقد في الرياض، ثم المؤتمر الذي تلاه في القاهرة في أكتوبر (تشرين الأول) 1976، لوقف إطلاق النار وإنهاء الاقتتال في الأراضي اللبنانية كافة. وعلى الرغم من القرارات والتعهدات الصادرة عن القمتين، عرفتُ أن ما طُرح عبارة عن حلول مؤقتة، وأن الأسباب الجذرية للمشكلة ما زالت مستعرة تحت السطح.
كنتيجة لمؤتمري الرياض والقاهرة، تم تشكيل «قوات الردع العربية»، التي شاركت دولة الإمارات فيها، للعمل على وقف النار وحقن الدماء وتحقيق السلام في البلاد.
لقد كانت تلك أياماً ثقيلة الوطء عليّ، فقد فعلتُ كل شيء لإعداد رجالي (...) وأشحذ هممهم وطاقاتهم وقواهم. أقول لهم: سنذهب من أجل السلام وليس من أجل الحرب، من أجل إنقاذ شعب صديق وشقيق وليس من أجل خدمة مصالح طوائف أو جماعات.
ومع نهاية عام 1976 أطلقنا 30 ألف رجل بقوة مشتركة، وبهذه الطريقة استطعت أن أرى الصورة من زواياها المختلفة دائماً.
لا أستطيع التعبير عن مدى فظاعة الحرب، ومن خبرتي الشخصية في القتال أعرف أنها ليست الحلّ لأي شيء...
محطتي الثانية مع المحبوبة بيروت، كانت أفظع للأسف... في عام 1982 اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان الذي أصبحت أراضيه ساحة قتال ما بين منظمة التحرير الفلسطينية وسوريا وإسرائيل. وعلى الرغم من أن الاجتياح الإسرائيلي الذي بدأ في يونيو بقيادة وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون كان متوقعاً، فإن فظاعته لم تكن متوقعة أبداً، بخاصة أنه استمرّ طويلاً.
بعد أكثر من شهرين من المقاومة المتفرقة والقتال، تم التوصل إلى قرار وقف إطلاق النار. وانسحبت منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت متّجهة إلى تونس، تحت إشراف قوة متعددة الجنسيات، وحصلت القيادة الفلسطينية على ضمانات بشأن أمن المدنيين في المخيمات. تواصل إخلاء عناصر منظمة التحرير الفلسطينية عبر الميناء على مدى أسبوعين، وكان الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات آخر المغادرين، حيث رافقته قوات فرنسية إلى الميناء. وفي 9 سبتمبر (أيلول) 1982، غادرت القوة المتعددة الجنسيات بيروت. وأعلن شارون في اليوم التالي أن هناك «2000 إرهابي» ما زالوا موجودين داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت. في 15 سبتمبر، بعد يوم من مغادرة المقاتلين الفلسطينيين، احتلّ الجيش الإسرائيلي بيروت الغربية محكماً الخناق على مخيمَي صبرا وشاتيلا اللذين يقطنهما مدنيون لبنانيون وفلسطينيون.
كانت مذبحة صبرا وشاتيلا مأساة فظيعة استمرت أربعين ساعة بين يومَي 16 و18 سبتمبر 1982؛ إذ قامت ميليشيات الكتائب بغطاء من الجيش الإسرائيلي بعمليات قتل واغتصاب وتعذيب راح ضحيتها عددٌ كبير من المدنيين العزّل غالبيتهم من الأطفال والنساء وكبار السن.
لم أتقبّل في حياتي فكرة القتل وإزهاق الأرواح، ولم أفهم أبدا لماذا يحدث هذا في عالمنا. بقيتُ على تواصل مع جميع الفرقاء في المنطقة، وكنت أعرف أن مجزرة ستحدث، وعندما ظهرت مشاهد الضحايا، بخاصة من الأطفال والنساء، في نشرات الأخبار، اكتشفتُ أن جهودنا لم تؤدِّ إلى نتيجة.
توليتُ قيادة المبادرة الإماراتية بنفسي لتنفيذ أوامر القائد الأعلى الشيخ زايد؛ إذ تم تزويد طائرات «سي 130» بأطنان من المساعدات الإنسانية، وذلك ضمن واحدة من أكبر العمليات التي نُظمت في الخليج.
وما زالت تلك المشاهد ماثلة في ذاكرتي، مخلّفة جرحاً كبيراً في نفسي...
للأسف ما زال لبنان إلى يومنا هذا ورقة يحاول كثيرون اللعب بها، وما زال شباب لبنان يدفعون ضريبة الصراعات التي تدور في المنطقة، وما زالت الساحة اللبنانية ساحة لتصفية كثير من الحسابات والصراعات التي لا تنتهي».

غزو الشقيق

«... شكل غزو الكويت في 2 أغسطس (آب) من عام 1990 صدمة. أذكر أنني تأكدتُ ثلاث مرات من الضابط الذي نقل لي الخبر. نقلتُ النبأ لأخي الأكبر الشيخ مكتوم، ثم أمرتُ بإعلان حالة الطوارئ لجميع القوات الأمنية والعسكرية. تحدثت مع الشيخ زايد، فوجدته غاضباً وحزيناً في الوقت نفسه. كيف يمكن لصدام أن يفعل ذلك؟ وما هي خطوته التالية؟
لم نكن نتوقع أبدا أن يتجرأ صدام على غزو دولة شقيقة جارة ذات سيادة وقفت تاريخياً إلى جانبه. كان قرار صدّام باجتياح الكويت صدمة للجميع، كما كان نقطة تحول غيرت المنطقة بأسرها (...)
استقبلنا في بلادنا عشرات الآلاف من أبناء الكويت الشقيقة. فتحنا لهم الفنادق والبنايات السكنية، وكثير من مواطنينا فتحوا لهم البيوت.
أصبحت مرافئنا مرسى لسفن الحلفاء مع بدء عمليات «عاصفة الصحراء»، وهي العملية العسكرية التي شنتها قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في 16 يناير (كانون الثاني) 1991 لتحرير الكويت من القوات العراقية. أنشأنا المطارات العسكرية وجهزنا المرافئ والمستودعات للجيوش. واستقبل ميناء جبل علي من سفن التحالف أكثر من أي ميناء آخر في المنطقة لأنه الأكبر والأكثر تجهيزاً.
أما قواتنا العسكرية فقد ساهمت بفاعلية في دعم قوى التحالف من أجل تحرير الكويت، وسافرت شخصيّاً إلى مركز عمليات «عاصفة الصحراء» عدة مرات. وكان من أولوياتي عند التعامل مع الجنرال نورمان شوارزكوف، قائد قوات التحالف الدولي، الذي كان يقود أكثر من 900 ألف جندي من قوّات التحالف، أن أجد طريقة للحدّ من حجم الخسائر لدى المدنيين. فلم يرغب شعب الكويت أو شعب العراق في الاجتياح، بل كان عملاً أرعن، وكنت حريصاً على ألا يدفع الشعب ثمن هذه الحماقة.
أُجبر صدّام على الانسحاب بعد عملية عسكرية ناجحة، وكانت القوات الإماراتية لها شرف أن تكون من أوائل القوات التي دخلت الكويت من أجل التحرير. للكويت أفضال، ولو طالت الحرب لبذلنا لها من أرواحنا وأبنائنا ما تحتاج إليه حتى التحرير...
انتهى غزو الكويت بانسحاب مهين للقوات العراقية، لكن تلك لم تكن النهاية، بل البداية لحقبة جديدة في المنطقة عنوانها انهيار دولها الكبرى، وتفكك جيوشها العظمى. لقد كان غزو الكويت الغلطة التاريخية الكبرى التي غيرت وجه المنطقة للأبد».
لا أحد يربح في الحرب
«ما زلتُ أذكر عندما رحلت الحرب المنهِكة ما بين العراق وإيران التي خلّفت وراءها أكثرَ من مليون قتيل. وعندما ترحل حربٌ من مكان فهي لا ترحل سريعة كما جاءت، بل يظلّ ثقلها باقياً لسنوات؛ هكذا رأيت العراق.
في تلك الفترة، كان الرئيس العراقي صدام حسين في قمّة مجده وكبريائه. وما زلتُ أذكر ذلك الموقف الذي حدث بيني وبينه؛ حيث صرّح للشيخ زايد بشعوره وتحفظاته تجاهي: إنه يميل للغرب، ولا يعامل العرب معاملة جيدة.
طلب مني الشيخ زايد بعدها مقابلة صدام، على عادته، رحمه الله، في عدم ترك أي أمور عالقة يمكن أن تؤثر على مصالحنا.
التقيت مع صدام في أحد الاجتماعات وابتدأ الحديث فيما بيننا بنوع من المجاملة، ثم جاءت الجملة الأهم من صدام: لدي تقرير يفيد بأنك كنتَ تدعم إيران بطرق مختلفة، ووضع تقريراً أمامي.
أجبته: إنني لا احتاج للتقرير وها أنا ذا معك، إذا كنتَ تقصدُ شحناتٍ من الأسلحة فأتحدّى أي شخص أن يثبتَ ذلك، أما إذا كنتَ تقصدُ تلك الشحنات من المواد الغذائية فنعم؛ ولن تحتاج لتلك التقارير لأن سفننا تذهب إلى هناك وإلى العراق أيضاً، ولا يمكنني أن أوقف شيئاً إنسانياً يتجه نحو الشعوب.
ظهرت علامات المفاجأة على وجهه، لأن كلامي كان جريئاً. كان معتاداً على سماع ما يود سماعه، وربما كان ردّي مفاجئاً له لأنه أعتقد أنني أضعف من تلك الصورة الذهنية التي رسمها عني. بعد تلك المواجهة أصبحنا صديقيْن.
جاء غزو العراق للكويت، وانهارت جسور التواصل. لكن في عالم السياسة لا بدّ أن تبقي على شعرة معاوية دائماً لأوقات الأزمات.
بعد تحرير الكويت في فبراير (شباط) 1991، كان الخليج جريحاً بكفّتيه؛ المنتصر والمهزوم. الكل كان يدفن أوجاعه ويرمم ما تهدّم منه.
تعب العراق من الحروب، أما الرئيس العراقي صدام حسين المنسحب المهزوم فلم يكن ينام بكلتا عينيه.
في عام 2003، عاد الأميركيون إلى الشرق الأوسط. أرادوا بناء نموذج يتماشى مع رؤيتهم وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، التي غيرت نظرتهم للمنطقة وغيّرت أولوياتهم.
كنتُ أعرف أن غزو العراق كان ضمن أهداف الرئيس الأميركي جورج بوش الابن. حاولنا إقناعه بألا يجتاح العراق، طلبتُ منه أن يستثمر جهوده وأمواله في مساعدة الشعب العراقي ببناء المدارس والمستشفيات وتعبيد الطرق، لكنني عرفتُ أنه عزم على قرار استخدام القوة.
طلبتُ من الأميركيين أن يمنحونا فرصة للتصرُّف، ثم سألتهم: ما الذي تريدونه من صدام؟ أحسست بأن المنطقة مقبلة على حرب وكنت على استعداد لفعل أي شيء من أجل أن تتجنّب الشعوب الحرب مرة أخرى. قالوا إنهم يريدون دخول فرق التفتيش للبحث عن أسلحة الدمار الشامل.
كنتُ أدرك أن عواقب الحرب على المنطقة كلها، وعلى العراق بشكل أخص، ستكون مدمرة، حاولت أن أقنعهم بأن يتولى التفاوض قادة منا؛ إنّنا عرب نتشابه في بعض عاداتنا وخصائصنا، ونفهم كيف يفكر صدام وأمثال صدام.
عزمتُ الذهاب إلى صدام بنفسي. ركبتُ الطائرة من دبي للبحرين ومن هناك ركبتُ البحر باتجاه البصرة. تقابلنا في أحد الأمكنة التي كان يلجأ إليها، ثم بدأنا حديثاً صريحاً وواضحاً. تحدثنا في كل الأشياء التي أتفق معه فيها، وتلك التي أختلف معه فيها وهي أكثر. ذكّرتُه بشبح الحرب وأنا أعرف أنني أعظ رجلاً أفنى شطراً كبيراً من حياته في الحروب. كان من الواضح أنّه لا يمكن أن يربح الحرب ضدّ الأميركيين، وإن لم يفعل شيئا لتجنّب الهجوم القادم، فسوف يخسر العراق كلّ شيء. حاولتُ أن أستخدم المنطق والعقلانية في حديثي معه.
همستُ له: لو اقتضى الأمر رحيلك عن الحكم من أجل العراق ارحل، ودبي مدينتك الثانية أهلاً بك فيها دائماً. نظر إليّ ثم قال: لكنني يا شيخ محمد أتحدّث عن إنقاذ العراق وليس نفسي. كبر في نفسي بعد كلامه ذاك.
امتدّت هذه الجلسة، التي اتسمت بالصراحة والتوتّر، نحو خمس ساعات، غادر أثناءها صدام أربع مرات، كاسراً البروتوكول؛ وفي كل مرة كان يعود، يطلب القهوة العربية، التي ما زلت أذكر طعمها، قبل أن نواصل النقاش. لقد ولّد رعباً لدى كل من حضر معنا الاجتماع، من بينهم عبد حمود، السكرتير الشخصي للرئيس العراقي. وفي كل مرة كان يخرج كنتُ أدعو الله أن نجتاز هذه المحنة. لم يكن صدام يجلس في المكان الواحد فترة طويلة. كان يخاف القصف، وكان يعرف أنه الشخصية المستهدفة التي ينتظرها قنّاصون كثر.
انتهى الاجتماع، ثم صحبني للسيارة حتى فتح لي بابها وودّعني، وهذا أمر لم يكن معتاداً منه حسبما سمعت. سافرتُ إلى عمّان ومن هناك بالطائرة إلى وطني. في القمة العربية التي عُقدت في شرم الشيخ مطلع مارس (آذار) 2003 مباشرة قبل غزو العراق، عرض الشيخ زايد على صدام اللجوء إلى أبوظبي في محاولة أخيرة لتجنُّب الطوفان القادم. كان الوقت متأخراً، وكانت الولايات المتحدة قد اتخذت قراراها ببدء الغزو.
حضرت أميركا تصحبها بريطانيا بتلك الجيوش الجرارة، ثم نزف العراق مرة أخرى.
أخطأ صدّام في حساباته، فقد ظنّ أنّ زرع الخوف والذعر واستخدام السيف الطريقة الأفضل في إدارة الأمور. ولأنّ جميع من حوله كان يخاف منه، لم يجرؤ أحد قط على مصارحته بقدرات جيشه الحقيقية...».

بشار... سوريا


«أتذكر نهاية التسعينات حينما زار بشار الأسد دبي. وقتها كان والده حافظ الأسد في سدّة الحكم، وربما كان في أيامه الأخيرة، ومسألة تولي بشار السلطة كانت مسألة وقت. رغبت بالحصول على وقت أكثر معه بعيداً عن أعين الرقابة والرجال المحيطين به. كان بصحبته ضمن الوفد المرافق له صديقه مناف طلاس، ابن وزير الدفاع السوري يومها مصطفى طلاس.
طلبتُ من أحد المرافقين الذهاب مع وفد بشار في السيارة، بينما اصطحبته بسيارتي، التي كنت أقودها بنفسي (...) توجهنا إلى أحد المجمعات التجارية الكبرى، التي عادة ما تستقبل المتسوقين من أنحاء العالم كافة. نزلنا وبدأنا جولتنا داخل المجمع.
لم يزعجنا أحد، تحدثنا عن مستقبل التكنولوجيا ودورها في التنمية، حيث كان بشار رئيساً للجمعية العلمية السورية للمعلوماتية. كان حماسه شديداً لاستثمار التكنولوجيا في خدمة بلده، وأكد لي أنه سيجري بعض التغييرات في سوريا. لقد أعجبته التجربة، وترسخّت علاقة طيبة لي معه.
بعد بضع سنوات، زار دبي مرة أخرى ولكن هذه المرة بصفته الرئيس بشار الأسد. سألني: كيف تدير حكومة دبي مدينتها؟ كانت لديه رغبة كبيرة في تطوير الإدارة والحكومة في سوريا.
حدثتُه كثيراً عن دبي، وانفتاحها، وتبنيها فكراً حكومياً يقترب من فكر القطاع الخاص، حيث تُدار الحكومة عندنا بعقلية القطاع الخاص، سواء من ناحية الخدمات والتميز فيها، أو لجهة إنفاق الأموال بطريقة فيها كثير من الكفاءة، أو من خلال تطوير الكوادر وبناء القيادات. أخبرتُه أننا نتمنّى بناء نموذج للعالم العربي، ولكننا نتعلَّم ونستفيد أيضاً من التجارب العربية والعالمية الأخرى كافة (...) أبدى إعجابه الشديد بتجربة دبي، مؤكداً لي أنه يعتزم تكرارها في سوريا. حاول الرئيس بشار الأسد في بداية حكمه تحقيق بعض الانفتاح في الاقتصاد السوري، حيث فتح المجال للبنوك الأجنبية، وسمح لمواطنيه بفتح حسابات بعملات أجنبية، كما دعا المستثمرين الأجانب للاستثمار في سوريا. وأذكر أنني أرسلتُ وفداً لاستطلاع فرص الاستثمار العقاري هناك في سوريا، وعادوا لي بأفكار طيبة. عاش بشار بعد ذلك عالماً آخر، وهو يشاهد بلده يغرق في مسلسل الدماء والدمار الذي اجتاح سوريا، وأتى على الأخضر واليابس، وعصف بتاريخ عمره آلاف السنين».

أريد دبي في أفريقيا


«... أستذكر اتصالاً من الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي الذي تواصل معي ذات يوم. قال لي إنه يريد بناء دبي جديدة في ليبيا، تكون عاصمة اقتصادية للقارة الأفريقية.
بعد غزو الولايات المتحدة للعراق في عام 2003، بحثاً عن أسلحة الدمار الشامل التي ادّعت أن صدام حسين يملكها، خرج الرئيس الليبي معمر القذافي أمام العالم في بادرة قال فيها إن ليبيا لديها برنامج نووي وتطالب بإزالة جميع المواد ومعدات البرامج التي قد تؤدي إلى تطوير الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، فاتحين مستقبلنا للازدهار العلمي والتطور التقني، مادين أيدينا كأصدقاء للزعماء الآخرين.
وكان من ضمن من مدَّ يده لهم هو أنا، طالباً مني العون لبناء دبي جديدة في ليبيا، وذلك تأكيداً لرغبته في الانفتاح على العالم. قمتُ بإرسال محمد القرقاوي، رئيس مكتبي التنفيذي آنذاك، إلى ليبيا؛ وبعد وصوله بيومين قام رجال القذافي باصطحابه إلى مقر إقامة الرئيس الليبي في باب العزيزية بطرابلس. وبعد انتظار، أدخلوه غرفة كبيرة وجد القذافي فيها جالساً على مكتب يتصفّح الإنترنت بطريقة تنبئ عن قلّة خبرة ونوع من الاستعراض.
ابتدأ القذافي حديثه قائلاً: أنا معجب جداً بما صنعه الشيخ محمد بدبي، وأريد أن أفعل الشيء نفسه بليبيا، وأطلب منكم الاستثمار في ليبيا، وأطلب أيضاً خبرتكم في تحقيق هذا الحلم الجديد للشعب الليبي.
طلب تحويل طرابلس، وبالأخص مطار معيتيقة، إلى عاصمة حضارية لأفريقيا. أعطى انطباعاً بأنه لم يكن عالماً بالتاريخ ولا بالأحداث، وأنه محاط بفريق يخفي عنه الحقائق إما عن خوف أو عن رغبة، وإن كنتُ أرجّح الاحتمال الأول. كان حديثه طويلاً بلا معنى، قال إنه لم يكن معجباً بأي دولة ولا بأي رئيس. كان يطرح رأيه بتعصُّب لا يمكنك أن تناقشه فيه. لم يكن حديثه حديث زعيم.
وصلني تقرير محمد القرقاوي، وعندها قررتُ الذهاب بنفسي. توجهتُ بالطائرة إلى طرابلس؛ مدينة جميلة رابضة في قلب التاريخ (....)
في اليوم الأول ذهبنا إلى المدينة القديمة. إنها مدينة تشعرك بالحزن. كيف لبلد بهذه الثروة أن يكون هكذا؟ مجار على الطرقات، نفايات مرمية هنا وهناك؛ حتى دبي في الخمسينات عندما كانت الموارد محدودة والمياه شحيحة والناس بلا كهرباء لم تكن بهذا البؤس أبداً. بعدها قمتُ بزيارة القذافي في خيمته بمدينة سرت، وكما في المرة السابقة تولى الحديث طوال الوقت. وفي المساء من ذلك اليوم توجّهنا إلى إحدى ساحات طرابلس المكتظة بالحضور. لكن المفاجأة التي كانت تنتظرنا أن أحدهم أخبر الجماهير بأننا هناك، عندها أحاطوا بالسيارة بشكل هستيري مرحبين بعواطف حارّة جداً، وبدأت السيارة تفقد اتزانها بفعل اندفاعهم. وما هي إلا لحظات حتى بدأتُ أشعر بارتفاع السيارة التي تقلنا عن الأرض. شعرنا بالقلق من هذا الاندفاع حتى لو كان للترحيب أو بفعل العاطفة الجياشة. لم أستطع الحديث معهم بفعل الأصوات العالية، عندها تدخل الحرس وأبعدوا الجماهير بطريقة عنيفة. لم أكن أرغب أبدا في أن يتم إبعادهم بتلك الطريقة.
بعد ذلك، أراد القذافي أن يريني منطقة الجبل الأخضر في شمال شرقي طرابلس حيث توجد بعض الآثار الإغريقية. ركبنا طائرة مع سيف الإسلام القذافي، ابن القائد، وعبد الله السنوسي الذي كان رئيس الأمن الداخلي واستخبارات الجيش وقريب القذافي أيضاً، ومعروف عن السنوسي أنه كان رجلاً عنيفاً متجهم الوجه.
أقلعت الطائرة، وعندما استوت في الجو التفت السنوسي نحونا وقال إنها المرة الأولى التي يركب فيها الطائرة منذ سنوات. سألته: ولماذا؟ أجاب: لطالما كنت مستهدفاً، وأخاف أن تُستهدف الطائرة التي أستقلها. خيّم السكون علينا ونحن نفكر بتبعات كلامه، هل أراد أن تكون أول تجربة له معنا؟
تحدّث سيف الإسلام، وبدا مطَّلعاً ومتطلِّعاً أكثر من والده.
تحدث قائلاً: لطالما فكرتُ بنوع الاقتصاد الذي انتهجه والدي، فهو لم يكن اشتراكياً ولا شيوعياً ولا حتى رأسمالياً، ثم تابع: لقد تحدثتُ إليه عن أهمية أن تعود الأرض للشعب وأن ننفتح على العالم بشكل أكبر.
انتهت الزيارة وظل الشعب الليبي في قلوبنا. تمنّينا مساعدته، لكن لم تكن الأمور على ما يرام. انسحبنا من المحادثات حول المشروع الجديد بعد فترة بعدما أدركنا أننا ندور في حلقة مفرغة، وأن الأجواء ملبَّدة بغيوم الفساد، وأننا سنكون بروباغاندا في منظومته الدعائية.
لم يكن القذافي يريد التغيير، كان يتمنى التغيير. التغيير لا يحتاج إلى خطابات، بل إنجازات».


مقالات ذات صلة

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كتب كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

ثمة كتب تُعيد رسم خرائط الفهم، لا تضيف معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقرّ في الأذهان من يقينيات.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب عبد الله العروي

الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

نشر الزميل د. هاشم صالح، صفحة «كتب» بتاريخ 4 مارس (آذار) مقالاً بعنوان «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث».

د. نادية هناوي
ثقافة وفنون أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق أدريانا كاريمبو (غيتي)

أدريانا كاريمبو: كتاب عن الحبّ وذكريات من بلد لم يعد موجوداً

وصلت إلى عاصمة النور وكادت تفقد أحلامها، فقد أسكنوها في شقة مع عدد من العارضات المبتدئات وبقيت 5 أيام من دون طعام.

«الشرق الأوسط» (باريس)

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

إيميليو جِنتيليه
إيميليو جِنتيليه
TT

كيف تحوّل موسوليني من معارض اشتراكي إلى زعيم فاشي؟

إيميليو جِنتيليه
إيميليو جِنتيليه

ثمة كتب تُعيد رسم خرائط الفهم، لا تضيف معلوماتٍ جديدة فحسب، بل تُزلزل ما استقرّ في الأذهان من يقينيات. وكتاب المؤرخ الإيطالي إيميليو جِنتيليه «قبل أن يصبح الدوتشي»، الصادر حديثاً في ترجمته الفرنسية عن دار نشر «سيرتامين»، هو من هذا الصنف النادر من الكتب، فهو لا يُحاكم موسوليني ولا يُعظّمه، بل يُعيد تشريح ظاهرته بعين الطبيب الشرعي: كيف وُلد الشيطان قبل أن يتحول إلى أيقونة؟

لمن لا يعرف الكاتب إيميليو جِنتيليه فهو أستاذ فخري في جامعة لاسابينزا بروما وصاحب أكثر من عشرين مؤلفاً في تاريخ الفاشية الإيطالية، وهو يُعدّ اليوم المرجع الأول عالمياً في هذا الحقل حيث قضى نصف قرن يفحص هذه الظاهرة من زوايا متعددة: آيديولوجيتها وطقوسها وعلاقتها بالدين.

في هذا الكتاب يهتم جِنتيليه بمرحلة غالباً ما أُسدل عليها الستار في الدراسات الكبرى عن موسوليني، تلك المرحلة السابقة لصعوده إلى السلطة وتحديداً السنوات الممتدة بين نشاطه في الجناح اليساري للحزب الاشتراكي الإيطالي ونهاية عشرينات القرن الماضي. يبدأها الكاتب بطفولة بنيتو موسيليني في كنف أسرة يسارية بسيطة: أب حدّاد وناشط اشتراكي وأم معلمة متدينة، ثم مرحلة سفره إلى سويسرا بحثاً عن عمل، وطرده بسبب تزوير جواز سفره، غير أن هذا الطرد حوّله إلى بطل في أوساط الاشتراكيين الإيطاليين المهجرين الذين احتجّوا لأجله وأعادوا إليه اعتباره. عاد موسيليني إلى إيطاليا ليُكمل تشكيله الآيديولوجي في المواجهة الأكثر إثارة في مسيرته، حيث حضر عام 1904 نقاشاً علنياً مع قسٍّ إنجيلي حول وجود الله فرفع ساعته ووجّه تحدياً شهيراً: «أمنح الله خمس دقائق ليُصيبني بالصاعقة إن كان موجوداً. إذا انقضت هذه الدقائق دون أن يفعل شيئاً، فذلك دليل على أنه غير موجود». هذه اللحظة ترسم المزاج الذي طبع خطابه طوال سنوات وهو خطاب مسرحي، استفزازي، ومُحكم في توظيف الكلمة بوصفها أداةَ تعبئة.

في عام 1911 سيق موسوليني إلى السجن خمسة أشهر بسبب تحريضه ضد الحرب الليبية، تلك الحرب التي رأى فيها استغلالاً للعمال في خدمة مصالح البرجوازية، سمعته كمعارض اشتراكي بدأت تنتشر وهو في السجن، حيث كتب سيرته الذاتية الأولى وتدريجياَ ارتفع اسمه وطار صيته في أوساط الاشتراكية الثورية الإيطالية.

الحجّة الجوهرية لكتاب إيميليو جِنتيليه تقوم على مادة أولية ثرية استثنائية: وهي كتابات موسوليني ذاته، مقالاته في جريدة «أفانتي» لسان الحزب الاشتراكي حين كان مديرها، ثم في «إيل بوبولو ديتاليا» التي أسّسها بعد قطيعته مع الحزب الاشتراكي عام 1914، فضلاً عن خطبه وتقارير الشرطة عنه ومراسلاته الخاصة، حيث يستعرض المؤلف هذه الوثائق بدقة المؤرِّخ، لرصد الكيفية التي تحوّل بها معجم موسوليني السياسي: من لغة الصراع الطبقي والأممية الاشتراكية إلى خطاب الإرادة والقوة والأمة و«العنف الخلّاق».

يجمع المؤلف في منهجه بين مسارين متوازيين: سرد زمني لمراحل حياة موسوليني السياسية، وتحليل موضوعي لبنية الفاشية الأولى ومعجمها، وفي الصميم أطروحة مفاجئة في بساطة صياغتها وهي كالتالي: الفاشية الإيطالية لم تولد في قلب اليمين المحافظ ولا في دهاليز الكاثوليكية السياسية، بل انبثقت من رحم اليسار الثوري ذاته، بوصفها تمرّداً على الاشتراكية المؤسّسية كما فهمها جيل الحرب. فموسوليني الذي كان عام 1912 زعيم الجناح الأقصى داخل الحزب الاشتراكي الإيطالي ومدير صحيفته المركزية «أفانتي»، والرجل الذي أقصى الإصلاحيين ورفع لواء الثورة الاجتماعية دون هوادة، هذا الرجل نفسه تحوّل في غضون سنتين فقط إلى داعية للحرب بوصفها «ثورةً بديلة»، قبل أن يُقصى من الحزب ويؤسس صحيفته وحركته الجديدة.

يُظهر جِنتيليه أن هذا التحوّل لم يكن ارتداداً خيانياً مفاجئاً، بل كان متدرِّجاً وذا منطق داخلي مفهوم. وكان موسوليني قد أعلن لصديقه المثقف بريتسوليني آنذاك أن لديه إحساساً بأنه «ضيف غريب حتى وسط الثوريين». كما يكشف كتاب «قبل الدوتشي» بتفصيل نادر كيف أنه لم يتخلَّ في البداية عن قاموس الثورة والعداء للرأسمالية، بل أعاد توجيهه: حيث أحلّ «الأمة البروليتارية» محل «البروليتاريا الأممية»، وأبدل بـ«الحزب الاشتراكي» «الفصائل» والكتائب المسلحة، واستعاض عن «الصراع الطبقي» بـ«الصراع الحضاري القومي». وهذا الانزياح المفهومي التدريجي، من الماركسية إلى القومية الثورية المتعطشة للعنف، ليس قطيعةً كاملةً مع اليسار، حسب جِنتيليه، بقدر ما هي انزياح جذري في داخله: حيث تستبقي لغته الثورية الجياشة وتُفرغها من محتواها الاجتماعي وترفدها بنفَس قومي وحيوي.

يستخلص جِنتيليه من تحليله التاريخي لبدايات موسوليني استنتاجاً نظرياً بالغ الأهمية: الفاشية ليست برنامجاً عقائدياً مكتملاً بل هي «تركيب» من النفي والإثبات، من التمرد على القديم واستحضاره في الوقت نفسه

من أبرز ما يميّز هذا الكتاب عن الدراسات السابقة حول موسوليني: تأكيده الصريح على هشاشة موقع الرجل في السنوات التي سبقت تأسيس النظام الفاشي، فموسوليني الذي جسّد صورة القائد الكاريزمي القوي الذي يقرأ النفوس ويعبّر عن روح الجماهير، لا أثر له في صفحات جِنتيليه التي تستحضر بدله الشاب الذي يتخبّط ويتذبذب ويواجه الفشل المتكرر دون أن يفقد براعته في إعادة اختراع نفسه. انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 1919 البرلمانية كانت أبلغ تعبير عن هذه الهشاشة: لم يحصل موسوليني في ميلانو إلا على بضعة آلاف من الأصوات، مقابل مئات الآلاف للحزب الاشتراكي، في هزيمة مدوّية دفعته جديّاً إلى التفكير في الانسحاب من الحياة السياسية. ثم أتت المرحلة اللاحقة 1920-1922، حيث بنى موسوليني نفسه وحركته من جديد على قاعدة العنف المنظّم والتحالفات الانتهازية مع الملكية والجيش والبرجوازية الكبيرة الخائفة من المّد الشيوعي.

يقدّم جِنتيليه من خلال هذه التفاصيل صورة لزعيم هو في جوهره «مغامر في كل الدروب»، رجل يتقدّم بالتجربة والخطأ، يتلاعب بمواقفه بعقل براغماتي قاسٍ، ولا يتردد في نقض ماضيه الاشتراكي الثوري إذا اقتضت معادلة السلطة ذلك. يستخلص جِنتيليه من تحليله التاريخي لبدايات موسوليني استنتاجاً نظرياً بالغ الأهمية: الفاشية ليست برنامجاً عقائدياً مكتملاً وموحَّداً، بل هي «تركيب» من النفي والإثبات، من التمرد على القديم واستحضاره في الوقت نفسه. فهي تعادي الكاثوليكية المؤسّسية وتتحالف مع الكنيسة عند الحاجة، وثورية في لغتها لكنها رفيقة للملكية والمؤسسة العسكرية، ومناهضة لـ«العالم البرجوازي» ومُوظِّفة لماله في تمويل العنف السياسي. هذا التناقض ليس عرضاً لضعف آيديولوجي بقدر ما هو القوة الحقيقية للفاشية بحسب جِنتيليه: قدرتها على استقطاب مجموعات اجتماعية متباينة في وقت واحد. دار النشر الفرنسية «سيرتامين» التي تولّت نشر الترجمة الفرنسية المزودة بمقدمة المؤرخ فريدريك لو موال، وصفت هذه الدراسة البالغة 344 صفحة بأنها «درس تاريخي بالغ الدقة» يبّدد مختلف المختزلات والمسلّمات المتعلقة بالفاشية ومولدها العاصف.


الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

عبد الله العروي
عبد الله العروي
TT

الحماسة بوصفها معيقاً ذاتياً للبحث الموضوعي

عبد الله العروي
عبد الله العروي

نشر الزميل د. هاشم صالح، صفحة «كتب» بتاريخ 4 مارس (آذار) مقالاً بعنوان «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث». وقد جاءنا التعقيب التالي على المقال):

- هل فعلاً نفعنا المستشرقون نفعاً لا أغراض من ورائه ولا مصالح أو مطامح أو مطامع بالسيطرة علينا؟

من الجميل أن يندفع الكاتب في التعبير عن حماسته لموضوع ما من الموضوعات، فيدبج مقالة ملأى بخواطر، تثير في نفوس القراء الاهتمام. وقد تنجح في نقل عدوى الحماسة إليهم فيكون الكاتب محققاً لغرضه من مقالة تبدو في ظاهرها موضوعية، بينما هي باطنياً تغص بالذاتية. وتكمن حراجة هذا التفاوت بشكل مخصوص في ذاك النوع من الموضوعات الإشكالية التي تنطوي على كثير من الاختلاف والتشكيك مثل موضوعه «الاستشراق».

وليس مما يلذ في الحماسة المفرطة علو كعب الأنوية، فيغتبط كاتب المقالة أو يغتمُّ على هواه من دون أن يكترث إن كان ذلك يرضي القراء أو لا. صحيح أنَّ من الجائز له أن يكشف لنفسه عن خواطره متجنياً ومقصراً أو موبخاً ومقرعاً، غير أنَّ من غير الجائز له أن يفترض أن تلك الخواطر سترضي القراء جميعهم.

أسوق هذه التوطئة وأنا بصدد التعقيب على مقالة الأستاذ هاشم صالح «فضل الاستشراق على العرب: إضاءات نفذت إلى عمق أعمق التراث» المنشورة 4 مارس 2026 في جريدة «الشرق الأوسط». وفيها مجَّد الكاتب «الاستشراق» بعمومه ومجمله، أعني الأوروبي القديم والأميركي الجديد أيضاً. ومصدر هذا التمجيد متأتٍ من حماسته في تبني فكرة «أنَّ الاستشراق هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك... فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرُّ أنفسنا كثيراً» فكأن المستشرقين أفاضوا في نعمهم على الثقافة والفكر إفاضة تحتاج منا نحن العرب تحميد قضهم وتبجيل قضيضهم من دون أي استثناء.

برنارد لويس

ونظراً للحماسة الكبيرة التي اعترت الكاتب، لم يقصر في التعبير عن هذا التبجيل بجمل رنانة من قبيل أن الاستشراق «كشف الكشوف، فتح الفتوح.

إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام» و«العلم الذي ينير الأبصار» والمحصلة من وراء ذلك كله أنوية التعبير الذاتي «شكراً لهم وألف شكر... أشعر بأني أولد من جديد». ولكن هل فعلاً كان الاستشراق علماً وعبقرية؟ وهل فعلاً نفعنا المستشرقون نفعاً لا أغراض من ورائه ولا مصالح أو مطامح أو مطامع بالسيطرة علينا وإنما هي «متعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة»!

ما لا ريب فيه أنَّ جهود المستشرقين ليست جميعها على حالة واحدة. الأمر الذي لا يسمح لنا أن نصفهم بالعموم وصفاً إيجابياً؛ فالقدماء منهم غير الجدد. ومناهجهم التي لم تتجاوز الفرويدية والماركسية والداروينية والتاريخية المادية، تطورت اليوم إلى مجموعة اختصاصات، ولكل اختصاص مناهجه الخاصة. ولا نعدم أن كثيراً من أولئك وهؤلاء كانوا دائمي التركيز على ترويج فكرة أنّ العصور الوسطى - التي شهدت قيام الحضارة العربية الإسلامية - كانت مرحلة انحطاط، وأنَّ العرب لم ينهضوا من سباتهم إلا بسبب الحملات التبشيرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وعلى صعيد الأدب العربي، شكك المستشرقون في كثير من المصادر والأصول الأدبية، وعدُّوها غير عربية.

ولقد فات كاتب المقالة موضع التعقيب وهو يستشهد بالموسوعة الإسلامية وغيرها التحفظات الكثيرة التي سجلها الباحثون العرب عليها. ومن خلالها أكدوا أنَّ للاستشراق علاقة وثقى بالمركزية الغربية والسلطة الاستعمارية، مؤشرين على مواطن تعصب المستشرقين بمقاييسهم المادية من أجل تغريب الفكر الإسلامي وإثارة الشبهات حول وقائع مهمة مثل «ثورة الزنج» والقرامطة والحلاج والباطنية و«إخوان الصفا»، ناهيك عن تصويرهم الصراعات في زمن الرسول الكريم والخلفاء الراشدين بأنها سياسية دارت بين يمين ويسار، وتصويرهم الإسلام ثورة مجتمعية وليس رسالة سماوية إنسانية، وكذلك وصفهم التصوف بأنه ثورة على الإسلام ورجوع به إلى التثليث المسيحي، وعدّهم الفلسفة الإسلامية ثمرة الفلسفة اليونانية... إلى آخر ذلك من التصورات التي كان لها أكبر الأثر في صياغة رؤى غربية عن الإسلام، ساهمت في تشكيل مواقف الغرب من الشرق عامة وبلاد العرب خاصة.

وهنا نتساءل هل ثمة من ينكر أنَّ المستشرق كارل هيرش بيكر، مؤسس مجلة الإسلام الألمانية قام بدراسات تخدم الاستعمار الألماني في احتلال أفريقيا؟ وهل ثمة من ينكر أن المستشرق بارتولد مؤسس مجلة عالم الإسلام خدم مصالح الروس في السيطرة على آسيا الوسطى؟ ثم أليس المستشرقون هم الذين صوروا أحداث عام 1860 على أنها فتنة بين المسلمين ومسيحيي لبنان لأجل عزل هذا البلد عن الدولة العثمانية؟.

وإذا تركنا ذلك كله، وأقررنا بأن المستشرقين قدموا لنا علوماً ونظريات، فإن ذلك يبقى أيضاً نسبياً بمحدودية أي علم، وعدم ثبات أي نظرية بوصف النظرية مجموعة فروض تقبل الصواب والخطأ ومن ثم لا وجود لعلم نظري يقدم تفسيراً أصيلاً ونهائياً للحياة التي هي نفسها لا ثبات فيها ولا كمال.

ومعلوم أن الاستشراق القديم «الأوروبي» كان قد تجرأ على الإسلام والقرآن ونبينا الرسول الكريم. أما الاستشراق الجديد «الأميركي» فعرف كيف يتلفع بالثقافة والفكر واجهة، يداري من خلالها على أغراضه السياسية. فغدت الدراسات الثقافية طريقاً للخوض في مسائل الذات والآخر والهوية والهامش والتابع وما إلى ذلك من ثيمات تكشف عن حقيقة أنّ الصراع بين الشرق والغرب هو صراع فكري.

ومنذ أن أكَّد إدوارد سعيد حقيقة أن لا وجود لمؤسسة تعليمية عربية قادرة على مضاهاة ما لدى جامعات أكسفورد وهارفارد من مجلات ومراكز أبحاث، فإن الحاجة ما تزال ماسَّة إلى إقامة مشروع «بناء دائرة معارف إسلامية جديدة» نستطيع من خلالها مواجهة موقف التنقيص من الإسلام وخصوصية الذات العربية. ومن دون ذلك يظل الاتباع حاكماً علينا، مصيباً ذواتنا بالعمى المعرفي فنرى «الشخصيات الاستشراقية كبرى» تجدد نفسها ومناهجها، بينما لا نقدر نحن على ذلك.

ومن ثم يكون واجباً «ألا يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة...» بهذا الشكل الاتباعي، نبقى ملزمين بأن نردد بلا اكتراث أقوال تلك الشخصيات مثل أرنست رينان الذي يرى أن عنصرنا العربي أبعد ما يكون عن العلم والفلسفة أو نؤيد المستشرق جيب في قوله إن حضارة العرب أسطورة وأن الفلاسفة المسلمين في العصور الوسطى كانوا مجرد ناقلين ووسطاء للتراث اليوناني والروماني!.

ومن يقل عكس ذلك فموسوم بـ«الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق» وهكذا تبقى القناعة راسخة بـ«شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة»، وكأن عقلية القرون الوسطى لم تنتج إرثاً فلسفياً كبيراً كان سبباً في بزوغ فلسفة القرون الحديثة. وستنسحب تلك القناعة أيضاً على قرننا الحالي؛ حتى لا أصالة لدى الباحث العربي إلا إذا كان طالباً يتلقف ما يبتكره الغربيون من مناهج علمية حديثة «يطبقها على تراثنا» ومن دون ذلك ستحكمه «العقلية الأصولية» التي غرق برنارد لويس في البحث فيها، وستهيمن عليه «الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية»، وهذا نسف متحمس وغير مشروع لمئات الأعمال البحثية التي تبناها المفكرون العرب، ورفضوا من خلالها وصاية الغرب الفكرية علينا مثل عبد الله العروي وهشام جعيط وأنور عبد الملك وهادي العلوي ومهدي العامل ومحمد أركون وغيرهم.

ولقد أجحف الكاتب هاشم صالح بحق المفكر إدوارد سعيد حين وسم موقفه من نقد الاستشراق بالوقوع في «الفخ»، مع أن سعيداً أول مفكر من أصل عربي واجه الفكر الغربي من عقر داره، وتصدى له بلغته نفسها، فكشف حقيقة أن علاقة الغرب بالشرق علاقة حكم وهيمنة أوروبية على كل الشعوب، وأن الاستشراق صنيعة الجغرافيا المتخيلة أكثر من كونه حقيقة طبيعية. وهذا كله أثَّر بشكل جوهري في أجيال من الباحثين الغربيين الذين صاروا - في الثلاثين سنة الأخيرة - يرفضون مفردة الاستشراق، واستبدلوها بـ«الدراسات الشرقية» وصاروا يستنكفون من وسمهم بالمستشرقين، ويفضلون بدلها لفظة «مستعربين».

أما ما أضافه إدوارد سعيد للطبعة الثانية من كتابه ذائع الصيت «الاستشراق» فكان رداً على بعض نقاده. وبه وطَّد نظريته في أن الثقافة والعلم مجرد قناع تخفى الغرب السياسي خلفه «أعتقد شخصياً أن القيمة الكبرى للاستشراق تكمن في كونه دليلاً على السيطرة الأوروبية الأميركية على الشرق أكثر من كونه خطاباً صادقا حول الشرق» الاستشراق، ص 50. ووصف الذين نقدوا كتابه بأنهم «ليسوا في حقيقة الأمر من المناهضين للإمبريالية، بل في صفوف عملائها السريين» تعقيبات على الاستشراق، ص 47. وننصح بأمانة أن تُعاد قراءة هذين الكتابين قراءة ثاقبة من أجل التخلص من «مستنقع التخلف»،

بيد أن هذا كله لا يقرُّ به من يتحمس للاستشراق فيراه «وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية» و«حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا» ومن تستحكم عليه الحماسة والاتباعية، فلن يرى أنوار تلك العصور الذهبية، وسيسأل نفسه: «متى سيدخل العرب التاريخ من جديد»؟ وهو ما ختم الكاتب صالح مقالته به، فجافى لغة النقد التي تتقبل الرد والخصومة والجدال والحوار. ودخل في منطقة الأنا المتعالية حيث الذات تُصادر غيرها بوصفها هي السائلة المجيبة معاً!.


فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك
TT

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك

يمكن القول إنه بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عدة شخصيات استشراقية كبرى. وهي التي ألقت أضواء ساطعة على تراثنا العربي الإسلامي فجددته ونورته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. نذكر من بينها لويس ماسينيون، ومونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون، وبرنارد لويس، وتيلمان ناجيل، وجوزيف فان آيس، وأندريه ميكل، وجاكلين شابي، وعشرات غيرهم. ويمكن القول إن إضاءات الاستشراق نفذت إلى عمق أعمق التراث. ولكن من يتجرأ على ترجمة كتبه الأمهات؟ لم تخلقه أمه بعد. هنا يوجد كشف الكشوف، فتح الفتوح. إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام. حفر أركيولوجي في الأعماق، أعماق تراثنا العربي الإسلامي. نزول إلى الطبقات السفلية التحتية، إلى أسفل طبقة، إلى أعمق طبقة... هذا هو العلم الذي ينير الأبصار. هذا هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك؟ منذ أربعين سنة وأنا أحلم بتأليف كتاب جديد بعنوان: «الحفر الأركيولوجي في الأعماق وتحرير التراث من التراث أو تحرير الروح من الروح». وعجزت عنه. ولكن عبقرية الاستشراق توصلت إليه. شكراً لهم وألف شكر. ماذا أريد أكثر من ذلك؟ لأول مرة أشعر بأني أولد من جديد. لأول مرة أشعر بأني أتحرر من حالي وتراكماتي وانسدادات آفاقي. لأول مرة أشعر بأن روحي أصبحت حرة طليقة في عالم عربي مقيد بالأصفاد. ولكن إلى حين...

إدوارد سعيد

هذا، وقد حققت الدراسات الاستشراقية إنجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك إلى تجدد مناهجها قياساً إلى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر حتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال، وكذلك المنهج والمصطلح. هذا لا يعني إنكار أهمية الإنجازات التي حققها المستشرقون الطليعيون الأوائل. فهي أكثر من ضرورية. ولها فضل السبق. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولاً «الموسوعة الإسلامية» في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعاً وشمولاً. إنها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة. وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون، وليس غربيون فقط. ولكن كلهم «مستشرقون» بالمعنى العلمي والإيجابي للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي الحديث على تراثنا العربي الإسلامي ويسيطرون على المنهج والمصطلح. والموسوعة الإسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق. ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة، ولا جامعة الرياض، ولا جامعة أبوظبي، ولا كل جامعات العالم. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة، هي «الموسوعة القرآنية». وقد أشرفت عليها باحثة أميركية كبيرة. وشارك فيها أيضاً باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء، ثم أضيف إليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية الحديثة للقرآن الكريم. وبالتالي يمكن للقارئ أن يقارنها بالنظرة التبجيلية التقليدية السائدة منذ قرون. فرق كبير وتحرير أكبر... ونحن نعتقد أن النظرة العلمية والتاريخية والفلسفية توسع الإيمان وتجعله مستنيراً ناضجاً ولا تنقضه إطلاقاً. إنها تنقض فقط الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق. فهناك الإيمان الذي يحيي وينعش، وهناك الإيمان الذي يعمي ويقتل. وشتان ما بينهما. شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة.

ولا ننسى «القاموس الموسوعي للقرآن الكريم» من تأليف الباحث الجزائري الراحل مالك شبل. وينبغي أن نضيف إلى كل ذلك «قاموس القرآن الكريم» الذي صدر في باريس وشارك في إنجازه ما لا يقل عن ثمانية وعشرين باحثاً أكاديمياً مسلماً وغير مسلم. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد محصوراً بالباحثين الأجانب، وإنما أصبح يشمل أيضاً الباحثين العرب والمسلمين. وأقصد بهم أولئك الذين يشتغلون في جامعات الغرب ويتقنون مناهج البحث العلمي ويحسنون تطبيقها على تراثهم الإسلامي كما يحسن فلاسفة الغرب تطبيقها على تراثهم المسيحي. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والإسلامية المحافظة أو المؤدلجة أكثر من اللزوم. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والباحثين الأجانب يساهم مساهمة فعّالة ليس في إنارة التراث وتخليصه من براثن الظلاميين فقط، وإنما يساهم أيضاً في تدشين حوار الثقافات والحضارات.

ينبغي العلم أن أقطاب الكنيسة الكاثوليكية هاجموا سابقاً تطبيق المناهج الحديثة على التراث المسيحي بذات العنف الذي يهاجم به الشيوخ التقليديون حالياً الاستشراق لأنه طبق ذات المنهجية على تراثنا العربي الإسلامي. العقلية الأصولية واحدة مهما اختلفت الأديان والمذاهب. التعصب هو التعصب والانغلاق هو الانغلاق. وهذا يعني أن المعركة ضد الأصولية الانغلاقية التكفيرية سوف تحصل في الجهة العربية الإسلامية كما كانت قد حصلت في الجهة المسيحية الأوروبية.

إنها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب تطبيق المناهج العلمية الحديثة على تراثنا بحجة حمايته من عدوان الاستشراق والمستشرقين! وقد سقط في هذا الفخ باحثون كبار مبدعون كإدوارد سعيد. ناهيك عن أنور عبد الملك وآخرين. وهكذا قدموا للأصوليين محاجات حداثية أو قل ضمانات حداثية كانت تنقصهم بشكل موجع. لقد قدموا لهم سلاحاً فعالاً لكي يجلدوننا به. شيء مؤسف جداً ولكن هذا ما حصل. أحياناً يلعب المثقف الحداثي دور «الأبله المفيد» لقضية غير قضيته، بل معاكسة لقضيته. ولله في خلقه شؤون. على أي حال، فقد تراجع إدوارد سعيد عن ذلك في الطبعة الثانية لكتابه الشهير، بعد أن أدرك حجم الحماقة التي ارتكبها. أقصد بعد أن أدرك كيف يستغل الأصوليون بكل لهفة أبحاثه لخدمة قضيتهم الظلامية المضادة لقضيته التنويرية. عندئذ أحسّ بهول ما ارتكب. فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ إذ أقول: ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة. لا، أبداً. لا عصمة في العلم. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل أن ننتقدها إذا كنا نستطيع أن نرتفع إلى مستواها طبعاً. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه وأنجزوه. ينبغي العلم أن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي صورة تبجيلية أو أصولية تقليدية، عفى عليها الزمن. وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية. فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرّ أنفسنا كثيراً. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة، ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة إلى ما لا نهاية. وعلى أي حال، فإن المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل فكري تحريري لسببين: أولاً لأنهم غير مسيطرين على المنهج والمصطلح. وبالتالي غير قادرين على تطبيق المناهج الحديثة على التراث. وثانياً لأنهم على فرض أنهم يمتلكون ذلك فإنهم لا يتجرأون على الاقتحام الفكري إلا إذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع وزمجرات الأصوليين. في كلتا الحالتين لم يبقَ لنا إلا الاستشراق الذي قدّم لنا أكبر خدمة مجاناً. لقد حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا. ولم يكن دافعه إلى ذلك السيطرة ولا الهيمنة، وإنما حبّ الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فوراً بفتح مركز كبير للترجمة في المشرق أو المغرب متخصص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية فقط إلى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من رواسب الماضي والانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنغص عيشنا وتسمم وجودنا وتمزق شعوبنا ومكوناتنا الاجتماعية. ليس بالعقلية التكفيرية القديمة سوف نبني وحدتنا الوطنية ونهضتنا الإشعاعية والحضارية المقبلة.

ومؤخراً صدر في باريس كتابان موسوعيان أساسيان بعنوان «قرآن التاريخ»، و«محمد التاريخ». آلاف الصفحات لكل واحد. أي القرآن الكريم مدروساً من وجهة نظر تاريخية وفلسفية محضة. وكذلك النبي الأكرم مفهوماً على ضوء أحدث المناهج والكشوفات بصفته أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على التاريخ البشري. والسؤال المطروح الآن: متى سينقل العرب كل هذه الكنوز المعرفية إلى لغة الضاد؟ متى سيدخل العرب التاريخ من جديد؟