فيرونيك نيشانيان: إيقاع الحياة المتسارع يجعل الرجل يعزف عن التعقيدات

مصممة دار «هيرميس» .. إمرأة لا تعترف بالموضة الموسمية

كل صغيرة وكبيرة تجرى باليد  -  الياقة والأكمام والجيوب من التفاصيل المهمة
كل صغيرة وكبيرة تجرى باليد - الياقة والأكمام والجيوب من التفاصيل المهمة
TT

فيرونيك نيشانيان: إيقاع الحياة المتسارع يجعل الرجل يعزف عن التعقيدات

كل صغيرة وكبيرة تجرى باليد  -  الياقة والأكمام والجيوب من التفاصيل المهمة
كل صغيرة وكبيرة تجرى باليد - الياقة والأكمام والجيوب من التفاصيل المهمة

فيرونيك نيشانيان، مصممة محظوظة بكل المقاييس. فهي لا تعمل في مجال تعشقه فحسب، بل تعمل في واحدة من أهم دور الأزياء العالمية: «هيرميس». كأن هذا لا يكفي، فإن الدار وضعت بين يديها فريقا من الحرفيين المتمرسين ومن المصممين الموهوبين، فضلا عن أجمل أنواع الخامات وأكثرها ترفا وفخامة، سواء كانت حريرا أو جلودا، وأعطتها ورقة بيضاء لأن تبدع ما تراه مناسبا لرجل «هيرميس» من دون أي تدخلات. فيرونيك تعرف جيدا أنها محظوظة، فعندما تلقت مكالمة تليفونية من جون لوي ديما أول مرة يعرض عليها فيها العمل في الدار، اعتقدت أن الأمر مزحة من قبل أحد أصدقائها. تقول: «كان الأمر بمثابة حلم وتحقق، فعلى المستوى الشخصي، كبرت وأنا أرى جدتي تلبس أوشحة وحقائب يد من (هيرميس)، وكنت جد مبهورة بذلك. وعلى المستوى المهني، منحنى جون لوي ديما ورقة بيضاء، أي مطلق الحرية أن أبدع وأصمم من دون أي تدخلات».
ما يجب معرفته أن فيرونيك ليست ككل المصممات، فهي متخصصة في الأزياء الرجالية، وتقع على كتفيها مسؤولية إضفاء أناقة راقية، تجمع الكلاسيكية والعصرية، على الرجل وفي الوقت ذاته تجديد مظهره حتى لا يبقى مغرقا في الكلاسيكية أو سجين أسلوب واحد لا يتغير. في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، تشرح: «في (هيرميس)، نقول دائما إنها دار مبنية على ساقين. واحدة تمثل التقاليد والحرفية فيما تمثل الثانية الابتكار والتطوير. والتطوير هنا جزء مهم في عملية الابتكار، لهذا أهتم به كثيرا، خصوصا فيما يتعلق بالأقمشة».
مصممات الأزياء الرجالية ما زال عددهن محدودا إلى الآن، إذ يمكن حصرهن في أصابع اليد، مثل لو دالتون بلندن، ماريا غراتزيا تشيوري، مصممة فالنتينو، وبرادا، اللاتي يمكن الإشارة إليهن بصفتهن عضوات في ناد لا يزال صغيرا ومحدودا. لو سألتها عن شعورها، كونها امرأة في عالم الرجال، ستجيبك بنبرة لا تخلو من بعض الحدة: «هذا سؤال لا يوجه للرجل الذي يصمم للمرأة، وعموما أنا أعشق التصميم للرجل، وإذا كان هناك فرق بين التصميم له وللجنس الناعم، فهو مسألة إحساس فقط واهتمام ببعض التفاصيل، التي تتطلب التعامل معها بالملليمتر». وتتابع: «ثم على عكس الاعتقاد السائد، فإن التصميم للرجل غير محدود أو مقيد. صحيح أن تطوره أبطأ من التصميم للمرأة، إلا أنه يمنح فضاء واسعا وإمكانات متنوعة، من حيث استعمال الأقمشة المختلفة ومزج بعضها ببعض أو من حيث القصات أو الطبعات والنقوشات وغيرها».
لا تخفي أنها لا تحب الخضوع لإملاءات الموضة، وتفضل «أن تكون هناك دائما مساحة يستطيع من خلالها الرجل أن يعبر عن نفسه. فأجمل ما في الموضة حاليا أن الرجل يمكن أن يتبنى أي أسلوب يريده على شرط أن يلبسه بطريقته وبثقة».
السر بالنسبة لها يكمن دائما في التفاصيل، وفي تلك الجودة العالية وترف الأقمشة، كما في طريقة تصميم الأكتاف، من دون تجاهل الإشارة إلى التوازن في مكان الجيوب وتفاصيل التبطين. وتكرر فيرونيك أنها لا تهتم بالموضة بقدر ما تهتم بتصميم أزياء تليق برجل «هيرميس»، مما يفسر اهتمامها بالقطعة من الخارج والداخل على حد سواء. المقصود هنا بالداخل، التبطين وتلك الطيات الصغيرة والخفيفة التي لا تراها العين بقدر ما يعرف لابسها بوجودها، لأنها إما موضوعة بشكل استراتيجي لتتيح له حرية حركة أكبر، أو لتزيد من انسدال البدلة على جسمه فتميزه. تشرح: «ما أهدف إليه دائما أن أصمم أزياء واقعية تناسب الحياة اليومية، فأنا لا أؤمن بالأفكار والتصاميم التجريدية، التي لا تخدم الرجل سوى في مناسبات معينة. إيقاع الحياة متسارع والرجل لم يعد يريد تعقيدات».
زبائن «هيرميس» يعرفون هذا الأمر جيدا، بغض النظر عن أعمارهم، لا سيما أنها عندما تصمم أي قطعة أو تشكيلة لا تضع زبونا بعمر معين نصب أعينها، بل تفكر فقط في قطع تخدمه وتضفي عليه الوجاهة، وفي الوقت ذاته يمكنه أن يضيف إليها بصماته حسب حالته المزاجية والنفسية، وحسب شخصيته لكي تصبح ملكيته الخاصة. توضح: «تغلب على تصاميمي ما أطلق عليه تفاصيل أنانية وشخصية، بمعنى أن الرجل لا يراها إلا بعد أن يلبسها فيكتشف إما جلدا بداخل الجيوب، وإما بداخل بنطلون، وإما فروا في تبطين السترة وهكذا».
كل هذا يبرر بالنسبة لها سعر قطعة، يمكن أن تكون بسعر سيارة أو شقة عندما تكون من جلد التمساح المعالج بتقنيات عصرية وجد متطورة تجعله بملمس وخفة الموسلين أو الحرير.
فالجلد مهم بالنسبة للدار، كونه أحد رموزها ويدخل ضمن جيناتها إذا أخذنا بعين الاعتبار أنها بنيت على صناعة السروج وحقائب السفر منذ أكثر من قرن. احتراما لهذا التاريخ والإرث، كانت فيرونيك أول من أدخل جلد التمساح في صديري رجالي. كان ذلك في التسعينات، حين بدأت تتعامل مع الجلد كخامة سهلة ومرنة يمكن تطويعها للحصول على خطوط مميزة، كأي خامة مترفة. والآن، يعد أحد أعمدة تصاميمها، تماما كما يدخل في جينات الدار، لا سيما بعد تطور التقنيات التي تجعله خفيفا وفي غاية النعومة.
كل هذا يبرر بالنسبة لها الأسعار الباهظة، بحيث لا يختلف اثنان في أنها منفذة بطريقة لا يعلى عليها، على يد أفضل الحرفيين وأكثرهم تمرسا في العالم. حرفيون يحفزونها دائما كما تقول: «فكما أنا أتحداهم وأحفزهم بتصاميمي الدقيقة والمحسوبة التي تأخذ كل صغيرة وكبيرة بعين الحسبان، هم أيضا يتحدونني بتمكنهم من أدواتهم وتمتعهم بحرفية عالية تتطلب مني أن أكون بالمستوى نفسه». والنتيجة أزياء قد يستغرق تنفيذها وقتا طويلا، إلا أنها تتحدى الوقت وتدوم لزمن طويل، مما يجعلها استثمارا طويل المدى.
كانت بدايتها في عالم الرجال في عام 1988، بعد تخرجها مباشرة من معهد «لاشومبر سانديكال»، مع المصمم الإيطالي نينو تشيروتي. حينها، كان عدد المصممات المتخصصات في القطاع الرجالي، أقل بكثير من الآن، وكانت التحديات أكبر، ولا شك في أن جون لوي ديما كان سابقا لأوانه عندما فكر في امرأة تقود القسم الرجالي، إذ أثبتت نظرته أنه كان ذكيا ومحنكا. تميزت أول تشكيلة قدمتها لـ«هيرميس» بأسلوب منطلق وكلاسيكي في الوقت ذاته، بألوان باستيلية خفيفة. نجحت التشكيلة فتمسكت فيرونيك بهذا الأسلوب وجعلته ماركتها المسجلة، لا تمس بالأساسيات وتلعب بالتفاصيل فقط، مهما تغيرت الموضة، سواء تعلق الأمر بطية صدر السترة أو قصة البنطلون وطوله أو ألوانه الهادئة. فالموضة بالنسبة لها يجب أن تكون استثمارا طويل المدى وليس نزوات موسمية تتغير كما تتغير أحوال الطقس. وبالفعل، فرضت نفسها ونجحت في أن تصبح استثمارا لا تستغني عنه دار «هيرميس». فرغم أننا بين الفينة والأخرى نسمع بتحرك كراسي المصممين، وانتقالهم من دار إلى أخرى، مع اختلاف الأسباب، فإن الأمر مختلف بالنسبة لفيرونيك فهي مثل الهرم، صامدة في وجه التغيرات وشاهدة على الكثير منها من دون أن تؤثر عليها. تمسك بزمام الأمور بيد من حديد وإن كانت تلبس قفازات مخملية ناعمة. فتحت قيادتها، شهدت الدار انتعاشا كبيرا في مجال الأزياء الرجالية. الفضل يعود إلى أسلوبها العصري والكلاسيكي وفي الوقت ذاته إلى الازدهار الذي تشهده سوق الجانب الرجالي في السنوات الأخيرة نظرا لتنامي الإقبال على الموضة المترفة من جهة وانفتاح أسواق جديدة متعطشة لكل ما هو فريد ومميز، من جهة ثانية. وطبعا، ليس هناك ما هو أكثر تفردا وتميزا من التفصيل على المقاس والخاص، الذي ترأسه المصممة وتشرف على توسعه منذ بضع سنوات. لإرضاء رغبات هذا الرجل الأنيق الذي لا يهتم بالسعر بقدر ما يهتم بالتفرد، جرى خلق ما أصبح يعرف بـ«عالم الرجل» ويشمل كل ما يحتاجه من أحذية، وأوشحة، وحقائب يد وسفر، وساعات وبدلات، وأخيرا وليس آخرا التفصيل على المقاس والذوق، إن صح القول. عالم يشعر فيه الرجل بالانتماء، لأنه يفهم شخصيته وميوله ويتكلم لغته، والمايسترو هنا دائما هو فيرونيك نيشانيان، نظرا لدورها كمصممة فنية تتعامل مع كل الأقسام وتنسق بينها.
تشرح: «بالنسبة للتصميم على المقاس، كنت أريد أن أخلق فضاء جديدا وواسعا يلعب على الكثير من الاحتمالات، منها منح الرجل فرصة للحصول على أقصى ما يحلم به، كأن أستعمل له خيوطا خاصة من الصوف لغزل كنزة بلون محارة لعب بها في طفولته، أو أن أستنسخ له قميصا كان يحبه وهو صبي ولم يعد متوافرا في السوق وهكذا، يمكنه أن يطلب أي قطعة يريد وبأي خامة سواء كانت من الجلد أو الصوف».
افتتحت هذه الخدمة أخيرا في «دبي مول» بعد أن نجحت التجربة في نيويورك. وبما أن الرجل العربي لا تنقصه الرغبة في التميز ولا الإمكانات، فإن الدار توجهت إليه بكل قوتها وما تملكه من سحر. في هذا القسم، سيقابل الزبون خياطا متمرسا من الدار، يتحدث معه مباشرة عن التصميم والألوان التي يفضلها. بعد ذلك، تتاح له فرصة اختيار القماش من بين 5000 نوع.
وقد تصل القطعة المفصلة هنا إلى 130.000 درهم، مما يعني أنها ليست للكل، لأن العملية ليست مجرد تفصيل على المقاس، بل هي «بيسبوك» أو تفصيل خاص. فبينما يعني الأول أن يختار الرجل تصميما جاهزا ويجري عليه بعض التغييرات حتى يناسب مقاسه، فإن الثاني الـ«بيسبوك» تصميم قطعة من ألف إلى الياء، من التصميم والقماش واللون إلى التفاصيل الصغيرة، لتأتي القطعة على مقاسك وحسب ذوقك أيضا، فقط عليك أن تكون مستعدا للانتظار، لأن صنع بدلة قد يستغرق نحو 80 ساعة من العمل. أما المثير في العملية، فإنه بإمكانك أن تفصل أي قطعة سواء كانت جاكيت من الجلد أو كنزة من الصوف، بهذه الطريقة.

* ثماني خطوات لأناقة كلاسيكية عصرية
* التوازن عنصر مهم لأي مظهر أنيق، وهو ما تقصده فيرونيك نيشانيان بقولها إن كل سنتيمتر وملليمتر يؤثر، إما سلبا أو إيجابا على الشكل العام. فعندما تكون القطعة على مقاسك تماما، فإنها تشعرك، ليس بالراحة فحسب، بل أيضا بالثقة والاعتداد بالنفس.

1 - الأناقة ليست مواكبة آخر صيحات الموضة بقدر ما هي أسلوب شخصي، يعني لمسة خاصة تميزك عن غيرك. وربما هذا ما يميز الإيطاليين والفرنسيين عن غيرهم، فهم لا يتخوفون من إضفاء لمساتهم حتى وإن كانت عكس التيار ولا تخضع لما هو متعارف عليه، أحيانا بمزجهم قطعا ليس من المتوقع أن تنسجم بعضها مع بعض أو ألوان متضاربة لتفاجئنا بأنها بالفعل مثيرة ومتناغمة.

2- لإجازات نهاية الأسبوع والرحلات، يجب ألا يستغني الرجل عن قميص بسيط وكنزة من الكشمير، و«تي - شيرت» يفضل أن يكون «بولو» وبنطلون جينز.

3 - الأناقة لا تعترف بالسن، فهو مجرد رقم لا معنى له، ومن ثم يمكن لشاب في العشرين أو رجل في الستين أن يلبس بنطلون جينز مع سترة بليزر وقميص بسيط إذا كان يتمتع بجسم رشيق وشخصية قوية وروح شابة.

4 - لأن الإكسسوارات التي ترقى إلى مرتبة المجوهرات، محدودة بالنسبة للرجل، فإن ساعات اليد فرصته لتعويض هذا النقص، ومن ثم لا بأس أن تكون له ساعة للأيام العادية، وأخرى لنهاية الأسبوع وثالثة للمناسبات المهمة.

5 - أيضا في مجال الإكسسوارات، فإن الأوشحة اكتسبت قوة وأناقة رجالية في المواسم الأخيرة، وإذا كان البعض لا يزال غير متأكد منها، فإن السر لا يكمن فقط في خامتها وحجمها، بل أيضا في طريقة استعمالها بثقة، وفي لفها حول العنق مرتين أو أكثر، حسب حجمها، بطريقة لا مبالية ومنطلقة.

6 - بالنسبة للأحذية، يمكن الاختيار بين صندل من الجلد الطبيعي أو حذاء «موكاسان» حسب المكان أولا وأخيرا.

7 - الموضة حاليا ترحب بالأسلوب الخاص كما تشجع على معانقة الموضة، لكن الأهم من هذا هو مراعاة ما يناسب الجسم ومقاييسه، إذ ليس من المعقول أن يلبس الرجل، أيا كان عمره، تصاميم ضيقة جدا إذا لم يكن رشيقا. في هذه الحالة، سيكون مجرد ضحية موضة.

8 - إذا كانت هناك قطعة أساسية ومترفة، يجب على الرجل أن يستثمر فيها في كل المواسم، فهي كنزة من الكشمير الجيد. فهو يأتي مغزولا بعدة طرق، بعضها خفيف للصيف، وبعضها الآخر سميك للشتاء، فضلا عن أن ألوانه متنوعة بين الداكن والفاتح، مما يفتح للرجل عدة خيارات.



«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
TT

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أننا في عصر تنتشر فيه الصورة أسرع من أي بيان سياسي... يكفي ظهورُ نجمةٍ أو شخصية معروفة بإطلالة مدروسة في مناسبةٍ ما لكي تتحول جزءاً من النقاش العام.

ومع انطلاق «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026»، يبرز التساؤل بشأن قدرة مصممي الأزياء على الاستفادة من هذه الومضات والإشعاعات المؤقتة، وما إذا كان ظهور نجمة كبيرة بقطعة مُوقّعة من أحدهم يمكن أن يرتقي به إلى مصاف الكبار من أمثال رالف لورين، وتوري بورش، وكارولينا هيريرا... وغيرهم ممن نجحوا في تأسيس علامات راسخة تمتلك موارد كافية لتجاوز أي تغيرات اقتصادية قصيرة المدى. الجواب وفق ما تابعناه مؤخراً مختلف بالنسبة إلى المصممين الجدد... قد يمنحهم بريقاً سريعاً، لكنه مؤقت لا يترجَم دائماً إلى أرقام.

ليدي غاغا وهي تغني في الـ«سوبر بول إل إكس» بفستان من توقيع المصمم راوول لوبيز (كيربي لي إيماجن)

عندما اعتلت ليدي غاغا مسرح الـ«سوبر بول إل إكس» حديثاً لتقدم عرضها الموسيقي، ارتدت فستاناً أزرق سماوياً صممه الدومينيكاني المقيم في نيويورك، راوول لوبيز، خصيصاً لها. كان رائعاً ولافتاً، وكان من المتوقع أن ينال مصممه ولو قليلاً من سحره. لكن مع انطلاق «أسبوع نيويورك»، غاب اسمه من البرنامج الرسمي. ورغم أنه لم يُصرّح بالسبب، فإن ضيق الحال قد يكون السبب. وهذا يشير إلى أن المنصات الكبرى قد توفر دفعة هائلة للناشئين، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو العلامة.

نيويورك... الحقبة الانتقالية

الدورة الحالية من «أسبوع الموضة الأميركية» تأتي في لحظة مفصلية تتقاطع فيها الموضة مع مناخ سياسي متقلب ووضع اقتصادي هش يضغط على هذه الصناعة منذ سنوات.

رئيس بلدية نيويورك الحالي، زهران ممداني، صرّح مؤخراً أمام مجلس شيوخ الولاية في اجتماع لمناقشة ميزانيتها لعام 2026، بأنها «تقف على حافة الهاوية» ودعا إلى زيادة الضرائب اثنين في المائة على سكان نيويورك الذين يتقاضون أكثر من مليون دولار سنوياً، إلى جانب زيادة معدل الضريبة على الشركات في الولاية. مقترحات طرحها خلال حملته الانتخابية وأكسبته أصواتاً كثيرة ويحتاج إلى تنفيذها على أرض الواقع.

بالنسبة إلى الموضة، فإنها شهدت في العام الماضي انهيار نموذج تجارة التجزئة متعددة العلامات؛ مما خلق حالة من عدم الاستقرار لكثير ممن كانوا يعتمدون عليها للوصول إلى الزبائن. فقد تقدّمت منصة «إسنس» الكندية المعروفة باحتضانها علامات مستقلة بطلب حماية من الإفلاس في أغسطس (آب) الماضي، وكانت مدينةً حينها بنحو 93 مليون دولار كندي للمورّدين. كما أدى اندماج «بيرغدوف غودمان» و«نيمان ماركوس» و«ساكس» تحت مظلة «ساكس غلوبال»، وما تبع ذلك من تعقيدات وتصفيات مالية مطلع هذا العام، إلى تعقيدات كان الكل في غنى عنها.

هذا الواقع كشف عن هشاشة اعتماد العلامات الصغيرة على شبكات توزيع محدودة؛ لأن تأخر مستحقات موسم واحد قد يعني إلغاء عرض أو تقليصه، إضافة إلى تأجيل الإنتاج أو إعادة هيكلة الفريق بالكامل. انسحاب المصمم راوول لوبيز مثلاً من العرض في البرنامج الرسمي لـ«الأسبوع» بات ظاهرة متكررة.

إطلالة كلاسيكية بتوقيع علامة «ذي بابليك سكول نيويورك» التي تأسست عام 2008 (رويترز)

السياسة والموضة

آمال كبيرة معقودة على زهران ممداني حالياً؛ فقد وعد بدعم العلامات الناشئة بغض النظر عن الهوية، بتقديم دعم اقتصادي ملموس لهم؛ مما يمكن أن يُحسن أيضاً الاقتصاد عامة.

فتلاقي الموضة بالسياسة من خلال الاقتصاد في الولايات المتحدة الأميركية عموماً، ونيويورك تحديداً، ليس جديداً؛ ففي عام 2020 نشطت مبادرات، مثل «فاشن أور فيوتشر 2020»، أطلقتها المصممة أبريما إروياه والممثلة روزاريو داوسون، بالتعاون مع أسماء بارزة؛ لتحفيز الجماهير على التسجيل للتصويت. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، نظم «مجلس مصممي الأزياء» في أميركا، بدعم من مجلة «فوغ»، مسيرة، مع انطلاق «أسبوع الموضة»، لحشد من الناخبين في فعالية وُصفت بـ«غير الحزبية» رغم مشاركة السيدة الأميركية الأولى حينها، جيل بايدن، فيها.

ألوان زاهية وتصاميم عملية من توري بورش (أ.ف.ب)

الشعارات وحدها لا تكفي

هذا الموسم يلاحَظ خلال «الأسبوع»، وفي مناسبات السجاد الأحمر التي سبقته مثل حفل «غولدن غلوب» توزيع دبابيس «Ice Out» و«Be Good»، وهي مبادرات تراهن على الصور المتداولة رقمياً، وتذكر بقضايا إنسانية ووجودية. لكن هل تكفي لخلق تأثير حقيقي؟ تساؤل يطرحه مصممون، مثل ويلي شافاريا، وهو من أصول آيرلندية ومكسيكية، الذي هجر نيويورك للعرض في «أسبوع باريس»، وتساءل عن جدوى هذه المبادرات الرمزية، قائلاً إن التعبير عن الهوية في حد ذاته سياسي. كثير من المصممين الشباب يوافقونه الرأي ويعتقدون أن الموضة الأميركية تحتاج إلى أكثر من دبابيس أو شعارات. الحل بالنسبة إليهم حالياً هو إبراز القصص الفردية لكل مصمم، من الذي يمثلون «الآخر» بمعناه الثقافي والإنساني. ففي تفرد الهوية تكمن العالمية؛ شرط أن تكون الرسالة واضحة وصادقة. كذلك أعاد فوز زهران ممداني الأمل في عدالة اجتماعية وفي تحريك الأنشطة الإبداعية، خصوصاً أن زوجته ناشطة في المجال الفني بنيويورك.

وبين الغيابات وحضور العلامات الكبيرة، تقف نيويورك اليوم أمام اختبار مزدوج: اقتصادي ثقافي؛ من خلال الرهان على ممداني ذي الأصول الهندية، كما على قدرة مصمميها على تحويل هشاشة اللحظة إلى لغة تُعبر عن التغيير الإيجابي. فنيويورك اقتصاد متكامل بين العقارات والمال والأعمال والمجالات الإبداعية بكل أشكالها. وبينما يبقى مستقبل هذا الاقتصاد في طور التكوين والبناء، فإن ما قُدّم على منصات العرض منذ بداية «الأسبوع» يشير إلى أن القوة لا تزال بيد دور الأزياء ذات التاريخ الطويل. فالطفرات الاقتصادية التي عاشتها نيويورك في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تجعلها تتحرك بمرونة أكبر بفضل مواردها الكافية لمواجهة تقلبات السوق.

من اقتراحات توري بورش (رويترز)

توري بورش مثلاً قدمت عرضها في مبنى «ماديسون أفينيو»، مؤكدة قدرتها على تحقيق المعادلة بين أزياء يسهل تسويقها، والأناقة العابرة للأجيال. تنوعت التصاميم بين بنطلونات من قماش «الكوردروي» ومعاطف خفيفة كأنها مستلهمة من عبايات، وكنزات صوفية نسقتها مع تنورات بعضها مقلّم. في كل هذا ركزت المصممة على أسلوب كلاسيكي يمكن أن يجعل كل قطعة تبقى رفيقة صاحبتها أكثر من موسم. الصوف مثلاً اكتسب لمسة ذهبية من خلال تطريزات معدنية نُفّذت بأيادٍ هندية، والحرير طُوّع في فساتين منسدلة تتميز بخصور منخفضة وألوان تباينت بين الأحمر والأصفر بكل درجاتهما، وعلى نغمات أغنية دوللي بارتون الشهيرة «9 تو 5»، أطلقت مجموعة مستوحاة من ثمانينات القرن الماضي أكدت فيها أن الكلاسيكيات لا تموت، وأن العملية لا تتناقض مع الأناقة.

من اقتراحات «كوتش» وتغلب عليها روح «سبور» وأسلوب عملي مستلهم من حقب ماضية (كوتش)

علامة «كوتش» أيضاً قدمت عرضاً لخص المفهومَين التجاري والفني... قالت الدار إنها استوحته من عصور وحقب ماضية، مثل الأطقم الرياضية المستوحاة من قمصان كرة القدم في السبعينات، والأحذية المصنوعة من جلد الشامواه المعتق، بينما استلهمت الفساتين من الحقبة الفيكتورية، كذلك القمصان ذات الياقات العالية التي تُربط على شكل فيونكة.

العارضة جيجي حديد تفتتح عرض «رالف لورين» (رويترز)

لكن يبقى عرض «رالف لورين» الأكبر إبهاراً؛ فتصاميم الدار تلامس شريحة عالية من الناس حول العالم، كما أن قدراتها التسويقية هائلة، وتتمثل في مشاركات عالمية، مثل «دورة الألعاب الأولمبية الشتوية» الحالية، وإقبال سيدات البيت الأبيض على تصاميمها، حتى أصبحت رمزاً أميركياً قائماً بذاته. لكن الأهم أنها في كل مرة تدغدغ أحلام امرأة تريد «السهل الممتنع».

إطلالة مخملية ظهرت بها جيجي حديد في عرض «رالف لورين» (أ.ف.ب)

ما يُذكر أن الدار واكبت تغيرات عدة؛ اقتصادية واجتماعية وثقافية، ونجحت في التأقلم معها؛ بل وتجاوزها في أحيان كثيرة. لكن هذا لا يمنع من القول إنها كانت محظوظة في أنها واكبت حقباً اقتصادية مزدهرة قادها رؤساء أميركيون، مثل بيل كلينتون. وفي كل المراحل، كانت تصاميمها تعكس الحلم الأميركي. حتى بعد أن دخل «جِيلِ زد» على الخط، وبدأ يفرض أسلوبه على المصممين، قرأ مؤسسها، البالغ من العمر 86 عاماً، نبض السوق جيداً... وهذا ما جعل الدار حتى الآن من بين أكبر المؤثرين على الموضة الأميركية. حتى انخفاض المبيعات بين عامي 2016 و2018 لم يُضعفها، وما اقترحته، مساء الثلاثاء الماضي، كان تحدياً للأزمة النيويوركية، ويؤكد أن الفساتين المخملية والقطع الجلدية ستعرف طريقها إلى خزانة المرأة أينما هي، وأَيَّمَّا كانت هويتها.


ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».