فيرونيك نيشانيان: إيقاع الحياة المتسارع يجعل الرجل يعزف عن التعقيدات

مصممة دار «هيرميس» .. إمرأة لا تعترف بالموضة الموسمية

كل صغيرة وكبيرة تجرى باليد  -  الياقة والأكمام والجيوب من التفاصيل المهمة
كل صغيرة وكبيرة تجرى باليد - الياقة والأكمام والجيوب من التفاصيل المهمة
TT

فيرونيك نيشانيان: إيقاع الحياة المتسارع يجعل الرجل يعزف عن التعقيدات

كل صغيرة وكبيرة تجرى باليد  -  الياقة والأكمام والجيوب من التفاصيل المهمة
كل صغيرة وكبيرة تجرى باليد - الياقة والأكمام والجيوب من التفاصيل المهمة

فيرونيك نيشانيان، مصممة محظوظة بكل المقاييس. فهي لا تعمل في مجال تعشقه فحسب، بل تعمل في واحدة من أهم دور الأزياء العالمية: «هيرميس». كأن هذا لا يكفي، فإن الدار وضعت بين يديها فريقا من الحرفيين المتمرسين ومن المصممين الموهوبين، فضلا عن أجمل أنواع الخامات وأكثرها ترفا وفخامة، سواء كانت حريرا أو جلودا، وأعطتها ورقة بيضاء لأن تبدع ما تراه مناسبا لرجل «هيرميس» من دون أي تدخلات. فيرونيك تعرف جيدا أنها محظوظة، فعندما تلقت مكالمة تليفونية من جون لوي ديما أول مرة يعرض عليها فيها العمل في الدار، اعتقدت أن الأمر مزحة من قبل أحد أصدقائها. تقول: «كان الأمر بمثابة حلم وتحقق، فعلى المستوى الشخصي، كبرت وأنا أرى جدتي تلبس أوشحة وحقائب يد من (هيرميس)، وكنت جد مبهورة بذلك. وعلى المستوى المهني، منحنى جون لوي ديما ورقة بيضاء، أي مطلق الحرية أن أبدع وأصمم من دون أي تدخلات».
ما يجب معرفته أن فيرونيك ليست ككل المصممات، فهي متخصصة في الأزياء الرجالية، وتقع على كتفيها مسؤولية إضفاء أناقة راقية، تجمع الكلاسيكية والعصرية، على الرجل وفي الوقت ذاته تجديد مظهره حتى لا يبقى مغرقا في الكلاسيكية أو سجين أسلوب واحد لا يتغير. في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، تشرح: «في (هيرميس)، نقول دائما إنها دار مبنية على ساقين. واحدة تمثل التقاليد والحرفية فيما تمثل الثانية الابتكار والتطوير. والتطوير هنا جزء مهم في عملية الابتكار، لهذا أهتم به كثيرا، خصوصا فيما يتعلق بالأقمشة».
مصممات الأزياء الرجالية ما زال عددهن محدودا إلى الآن، إذ يمكن حصرهن في أصابع اليد، مثل لو دالتون بلندن، ماريا غراتزيا تشيوري، مصممة فالنتينو، وبرادا، اللاتي يمكن الإشارة إليهن بصفتهن عضوات في ناد لا يزال صغيرا ومحدودا. لو سألتها عن شعورها، كونها امرأة في عالم الرجال، ستجيبك بنبرة لا تخلو من بعض الحدة: «هذا سؤال لا يوجه للرجل الذي يصمم للمرأة، وعموما أنا أعشق التصميم للرجل، وإذا كان هناك فرق بين التصميم له وللجنس الناعم، فهو مسألة إحساس فقط واهتمام ببعض التفاصيل، التي تتطلب التعامل معها بالملليمتر». وتتابع: «ثم على عكس الاعتقاد السائد، فإن التصميم للرجل غير محدود أو مقيد. صحيح أن تطوره أبطأ من التصميم للمرأة، إلا أنه يمنح فضاء واسعا وإمكانات متنوعة، من حيث استعمال الأقمشة المختلفة ومزج بعضها ببعض أو من حيث القصات أو الطبعات والنقوشات وغيرها».
لا تخفي أنها لا تحب الخضوع لإملاءات الموضة، وتفضل «أن تكون هناك دائما مساحة يستطيع من خلالها الرجل أن يعبر عن نفسه. فأجمل ما في الموضة حاليا أن الرجل يمكن أن يتبنى أي أسلوب يريده على شرط أن يلبسه بطريقته وبثقة».
السر بالنسبة لها يكمن دائما في التفاصيل، وفي تلك الجودة العالية وترف الأقمشة، كما في طريقة تصميم الأكتاف، من دون تجاهل الإشارة إلى التوازن في مكان الجيوب وتفاصيل التبطين. وتكرر فيرونيك أنها لا تهتم بالموضة بقدر ما تهتم بتصميم أزياء تليق برجل «هيرميس»، مما يفسر اهتمامها بالقطعة من الخارج والداخل على حد سواء. المقصود هنا بالداخل، التبطين وتلك الطيات الصغيرة والخفيفة التي لا تراها العين بقدر ما يعرف لابسها بوجودها، لأنها إما موضوعة بشكل استراتيجي لتتيح له حرية حركة أكبر، أو لتزيد من انسدال البدلة على جسمه فتميزه. تشرح: «ما أهدف إليه دائما أن أصمم أزياء واقعية تناسب الحياة اليومية، فأنا لا أؤمن بالأفكار والتصاميم التجريدية، التي لا تخدم الرجل سوى في مناسبات معينة. إيقاع الحياة متسارع والرجل لم يعد يريد تعقيدات».
زبائن «هيرميس» يعرفون هذا الأمر جيدا، بغض النظر عن أعمارهم، لا سيما أنها عندما تصمم أي قطعة أو تشكيلة لا تضع زبونا بعمر معين نصب أعينها، بل تفكر فقط في قطع تخدمه وتضفي عليه الوجاهة، وفي الوقت ذاته يمكنه أن يضيف إليها بصماته حسب حالته المزاجية والنفسية، وحسب شخصيته لكي تصبح ملكيته الخاصة. توضح: «تغلب على تصاميمي ما أطلق عليه تفاصيل أنانية وشخصية، بمعنى أن الرجل لا يراها إلا بعد أن يلبسها فيكتشف إما جلدا بداخل الجيوب، وإما بداخل بنطلون، وإما فروا في تبطين السترة وهكذا».
كل هذا يبرر بالنسبة لها سعر قطعة، يمكن أن تكون بسعر سيارة أو شقة عندما تكون من جلد التمساح المعالج بتقنيات عصرية وجد متطورة تجعله بملمس وخفة الموسلين أو الحرير.
فالجلد مهم بالنسبة للدار، كونه أحد رموزها ويدخل ضمن جيناتها إذا أخذنا بعين الاعتبار أنها بنيت على صناعة السروج وحقائب السفر منذ أكثر من قرن. احتراما لهذا التاريخ والإرث، كانت فيرونيك أول من أدخل جلد التمساح في صديري رجالي. كان ذلك في التسعينات، حين بدأت تتعامل مع الجلد كخامة سهلة ومرنة يمكن تطويعها للحصول على خطوط مميزة، كأي خامة مترفة. والآن، يعد أحد أعمدة تصاميمها، تماما كما يدخل في جينات الدار، لا سيما بعد تطور التقنيات التي تجعله خفيفا وفي غاية النعومة.
كل هذا يبرر بالنسبة لها الأسعار الباهظة، بحيث لا يختلف اثنان في أنها منفذة بطريقة لا يعلى عليها، على يد أفضل الحرفيين وأكثرهم تمرسا في العالم. حرفيون يحفزونها دائما كما تقول: «فكما أنا أتحداهم وأحفزهم بتصاميمي الدقيقة والمحسوبة التي تأخذ كل صغيرة وكبيرة بعين الحسبان، هم أيضا يتحدونني بتمكنهم من أدواتهم وتمتعهم بحرفية عالية تتطلب مني أن أكون بالمستوى نفسه». والنتيجة أزياء قد يستغرق تنفيذها وقتا طويلا، إلا أنها تتحدى الوقت وتدوم لزمن طويل، مما يجعلها استثمارا طويل المدى.
كانت بدايتها في عالم الرجال في عام 1988، بعد تخرجها مباشرة من معهد «لاشومبر سانديكال»، مع المصمم الإيطالي نينو تشيروتي. حينها، كان عدد المصممات المتخصصات في القطاع الرجالي، أقل بكثير من الآن، وكانت التحديات أكبر، ولا شك في أن جون لوي ديما كان سابقا لأوانه عندما فكر في امرأة تقود القسم الرجالي، إذ أثبتت نظرته أنه كان ذكيا ومحنكا. تميزت أول تشكيلة قدمتها لـ«هيرميس» بأسلوب منطلق وكلاسيكي في الوقت ذاته، بألوان باستيلية خفيفة. نجحت التشكيلة فتمسكت فيرونيك بهذا الأسلوب وجعلته ماركتها المسجلة، لا تمس بالأساسيات وتلعب بالتفاصيل فقط، مهما تغيرت الموضة، سواء تعلق الأمر بطية صدر السترة أو قصة البنطلون وطوله أو ألوانه الهادئة. فالموضة بالنسبة لها يجب أن تكون استثمارا طويل المدى وليس نزوات موسمية تتغير كما تتغير أحوال الطقس. وبالفعل، فرضت نفسها ونجحت في أن تصبح استثمارا لا تستغني عنه دار «هيرميس». فرغم أننا بين الفينة والأخرى نسمع بتحرك كراسي المصممين، وانتقالهم من دار إلى أخرى، مع اختلاف الأسباب، فإن الأمر مختلف بالنسبة لفيرونيك فهي مثل الهرم، صامدة في وجه التغيرات وشاهدة على الكثير منها من دون أن تؤثر عليها. تمسك بزمام الأمور بيد من حديد وإن كانت تلبس قفازات مخملية ناعمة. فتحت قيادتها، شهدت الدار انتعاشا كبيرا في مجال الأزياء الرجالية. الفضل يعود إلى أسلوبها العصري والكلاسيكي وفي الوقت ذاته إلى الازدهار الذي تشهده سوق الجانب الرجالي في السنوات الأخيرة نظرا لتنامي الإقبال على الموضة المترفة من جهة وانفتاح أسواق جديدة متعطشة لكل ما هو فريد ومميز، من جهة ثانية. وطبعا، ليس هناك ما هو أكثر تفردا وتميزا من التفصيل على المقاس والخاص، الذي ترأسه المصممة وتشرف على توسعه منذ بضع سنوات. لإرضاء رغبات هذا الرجل الأنيق الذي لا يهتم بالسعر بقدر ما يهتم بالتفرد، جرى خلق ما أصبح يعرف بـ«عالم الرجل» ويشمل كل ما يحتاجه من أحذية، وأوشحة، وحقائب يد وسفر، وساعات وبدلات، وأخيرا وليس آخرا التفصيل على المقاس والذوق، إن صح القول. عالم يشعر فيه الرجل بالانتماء، لأنه يفهم شخصيته وميوله ويتكلم لغته، والمايسترو هنا دائما هو فيرونيك نيشانيان، نظرا لدورها كمصممة فنية تتعامل مع كل الأقسام وتنسق بينها.
تشرح: «بالنسبة للتصميم على المقاس، كنت أريد أن أخلق فضاء جديدا وواسعا يلعب على الكثير من الاحتمالات، منها منح الرجل فرصة للحصول على أقصى ما يحلم به، كأن أستعمل له خيوطا خاصة من الصوف لغزل كنزة بلون محارة لعب بها في طفولته، أو أن أستنسخ له قميصا كان يحبه وهو صبي ولم يعد متوافرا في السوق وهكذا، يمكنه أن يطلب أي قطعة يريد وبأي خامة سواء كانت من الجلد أو الصوف».
افتتحت هذه الخدمة أخيرا في «دبي مول» بعد أن نجحت التجربة في نيويورك. وبما أن الرجل العربي لا تنقصه الرغبة في التميز ولا الإمكانات، فإن الدار توجهت إليه بكل قوتها وما تملكه من سحر. في هذا القسم، سيقابل الزبون خياطا متمرسا من الدار، يتحدث معه مباشرة عن التصميم والألوان التي يفضلها. بعد ذلك، تتاح له فرصة اختيار القماش من بين 5000 نوع.
وقد تصل القطعة المفصلة هنا إلى 130.000 درهم، مما يعني أنها ليست للكل، لأن العملية ليست مجرد تفصيل على المقاس، بل هي «بيسبوك» أو تفصيل خاص. فبينما يعني الأول أن يختار الرجل تصميما جاهزا ويجري عليه بعض التغييرات حتى يناسب مقاسه، فإن الثاني الـ«بيسبوك» تصميم قطعة من ألف إلى الياء، من التصميم والقماش واللون إلى التفاصيل الصغيرة، لتأتي القطعة على مقاسك وحسب ذوقك أيضا، فقط عليك أن تكون مستعدا للانتظار، لأن صنع بدلة قد يستغرق نحو 80 ساعة من العمل. أما المثير في العملية، فإنه بإمكانك أن تفصل أي قطعة سواء كانت جاكيت من الجلد أو كنزة من الصوف، بهذه الطريقة.

* ثماني خطوات لأناقة كلاسيكية عصرية
* التوازن عنصر مهم لأي مظهر أنيق، وهو ما تقصده فيرونيك نيشانيان بقولها إن كل سنتيمتر وملليمتر يؤثر، إما سلبا أو إيجابا على الشكل العام. فعندما تكون القطعة على مقاسك تماما، فإنها تشعرك، ليس بالراحة فحسب، بل أيضا بالثقة والاعتداد بالنفس.

1 - الأناقة ليست مواكبة آخر صيحات الموضة بقدر ما هي أسلوب شخصي، يعني لمسة خاصة تميزك عن غيرك. وربما هذا ما يميز الإيطاليين والفرنسيين عن غيرهم، فهم لا يتخوفون من إضفاء لمساتهم حتى وإن كانت عكس التيار ولا تخضع لما هو متعارف عليه، أحيانا بمزجهم قطعا ليس من المتوقع أن تنسجم بعضها مع بعض أو ألوان متضاربة لتفاجئنا بأنها بالفعل مثيرة ومتناغمة.

2- لإجازات نهاية الأسبوع والرحلات، يجب ألا يستغني الرجل عن قميص بسيط وكنزة من الكشمير، و«تي - شيرت» يفضل أن يكون «بولو» وبنطلون جينز.

3 - الأناقة لا تعترف بالسن، فهو مجرد رقم لا معنى له، ومن ثم يمكن لشاب في العشرين أو رجل في الستين أن يلبس بنطلون جينز مع سترة بليزر وقميص بسيط إذا كان يتمتع بجسم رشيق وشخصية قوية وروح شابة.

4 - لأن الإكسسوارات التي ترقى إلى مرتبة المجوهرات، محدودة بالنسبة للرجل، فإن ساعات اليد فرصته لتعويض هذا النقص، ومن ثم لا بأس أن تكون له ساعة للأيام العادية، وأخرى لنهاية الأسبوع وثالثة للمناسبات المهمة.

5 - أيضا في مجال الإكسسوارات، فإن الأوشحة اكتسبت قوة وأناقة رجالية في المواسم الأخيرة، وإذا كان البعض لا يزال غير متأكد منها، فإن السر لا يكمن فقط في خامتها وحجمها، بل أيضا في طريقة استعمالها بثقة، وفي لفها حول العنق مرتين أو أكثر، حسب حجمها، بطريقة لا مبالية ومنطلقة.

6 - بالنسبة للأحذية، يمكن الاختيار بين صندل من الجلد الطبيعي أو حذاء «موكاسان» حسب المكان أولا وأخيرا.

7 - الموضة حاليا ترحب بالأسلوب الخاص كما تشجع على معانقة الموضة، لكن الأهم من هذا هو مراعاة ما يناسب الجسم ومقاييسه، إذ ليس من المعقول أن يلبس الرجل، أيا كان عمره، تصاميم ضيقة جدا إذا لم يكن رشيقا. في هذه الحالة، سيكون مجرد ضحية موضة.

8 - إذا كانت هناك قطعة أساسية ومترفة، يجب على الرجل أن يستثمر فيها في كل المواسم، فهي كنزة من الكشمير الجيد. فهو يأتي مغزولا بعدة طرق، بعضها خفيف للصيف، وبعضها الآخر سميك للشتاء، فضلا عن أن ألوانه متنوعة بين الداكن والفاتح، مما يفتح للرجل عدة خيارات.



فالنتينو غارافاني يرحل... عالم الموضة يُودّع الإمبراطور الأخير

المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012
المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012
TT

فالنتينو غارافاني يرحل... عالم الموضة يُودّع الإمبراطور الأخير

المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012
المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012

توفي يوم الاثنين في منزله بروما فالنتينو غارافاني؛ المصمم الذي شكّل أسلوب جيل كامل، ولم يكتفِ بابتكار أناقة مفعمة بالترف، بل تماهى معها حتى غدت جزءاً من صورته العامة. مصمم وصفه والتر فيلتروني، عمدة روما عام 2005، بالقول: «في إيطاليا، هناك البابا، وهناك فالنتينو». وبمجرد إعلان خبر وفاته أمس، نعته رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، قائلة إن «إيطاليا خسرت أسطورة». توصيف ليس مبالغاً فيه، إذ برحيل فالنتينو غارافاني لم يُسدل الستار على عهد كامل زمنياً، بل انتهى عهد الكبار حرفياً.

المصمم يحيي ضيوفه بعد انتهاء عرض لخريف 2006 وشتاء 2007 في باريس (أ.ف.ب)

 

 

كان فالنتينو من جيل الكبار، الذين لم يعيشوا عصر «الترندات»، بل كانوا يتنافسون على التميز وكسب ودّ المرأة مهما استغرق التصميم من وقت وجهد. ورغم المنافسة الفنية التي كانت دائرة في عصره بين مصممين كبار في باريس، نجح في أن يرسم لنفسه خطاً واضحاً يرمز للحياة المرفهة الراقية في هدوئها. حتى في أقصى أنوثتها لم تكن مشروع إثارة، بل لوحة تجسد جمالاً يحتفل بالفخامة. هذه اللوحة لا تزال مرجعية لكل المصممين الذين توالوا على إدارة داره بعد اعتزاله في يناير (كانون الثاني) 2008.

لم يرضَ عنهم كلهم. كان خائفاً على هويته من الذوبان في أساليب تُهمِّش شيفرته الجينية لحساب استعراضات شخصية، لكنه اقتنع بابن بلده ببييرباولو بيكيولي، وربط معه علاقة طويلة دامت نحو 17 سنة. كان هذا الأخير أكثر من فهم شخصيته واحترم أن أسلوبه كان ثقافة قائمة بذاتها.

كان يعشق بريق النجمات ويقدم لهن أجمل الفساتين من جوليا روبرتس وكايت بلانشيت إلى سارة جيسيكا باركر (رويترز)

لم يُسوِّق لأسلوبه عبر علاقته مع نجمات هوليوود، مثل إليزابيث تايلور، وآفا غاردنر، ولانا تيرنر، وأودري هيبورن، وشارون ستون، وجوليا روبرتس، وغيرهن، بل عاشها هو نفسه بأناقته وفي حياته الخاصة. لم يُخفِ عشقه للموضة ولا ميله لحياة الترف، إلى حد القول إنه لم يكن أقل بذخاً أو أناقة من زبوناته من الطبقات الراقية والمالكة، مثل زوجة مؤسس شركة «فيات» ماريلا أنييلي، والأميرة ديانا، وفرح ديبا التي خرجت من إيران مرتدية معطفاً من تصميمه، ونانسي ريغان، وجاكي كينيدي وغيرهن.

فقد كان يتنقل على متن طائرة خاصة، بين قصره في روما، وشقة في نيويورك، وقصر بالقرب من باريس، وشاليه في غشتاد، ويخت طوله 50 متراً. في كتاب سيرته الذاتية، الذي نشرته «دار تاشن» عام 2007 قال: «بعض الناس يعملون بجدّ لدرجة أنهم يصبحون (معذبين)، أنا لست كذلك، أنا أريد أن أكون سعيداً حين أصمم فستاناً».

مع الممثلة إليزابيث هيرلي بفستان أحمر من تصميمه عام 2007 (أ.ب)

البداية

وُلد «فالنتينو كليمنتي لودوفيكو غارافاني» في 11 مايو (أيار) 1932 في فوغيرا، وهي بلدة صغيرة جنوب ميلانو، لعائلة من الطبقة المتوسطة. سُمّي فالنتينو تيمّناً بنجم السينما الصامتة. كان مثله وسيماً وأنيقاً. منذ صغره، لم يكن يقبل سوى بأحذية مُصمّمة خصيصاً له، ولا يخرج قبل أن يتأكد من أناقته. في تصريح سابق لمجلة «إيل» اعترف قائلاً: «أعاني من هذا الشغف منذ صغري، فأنا لا أحب إلا الأشياء الجميلة. لا أحب رؤية رجال بلا ربطات عنق، أو يرتدون كنزات، أو نساء بماكياج صارخ وسراويل فضفاضة. إنّ ذلك يعكس سوء تربية وانعدام احترام الذات». ومما يذكره المصمم بييرباولو بيكيولي عنه أنه نصحه في إحدى المرات بأن يتجنب تنسيق أحذية جلدية مع أزياء مصنوعة من أقمشة الموسلين. هذه التفاصيل لم تكن تفوته.

مع الممثلة آن هاثاوي عام 2011 التي ربطته معها علاقة صداقة وقد صمم لها فستان زفافها حتى بعد اعتزاله (أ.ب)

بسبب إصراره وحبّه للموضة، سمح له والده، وهو صاحب شركة متخصصة في الكابلات الكهربائية، بالالتحاق في سن السابعة عشرة بمدرسة الفنون الجميلة في باريس والانضمام إلى غرفة النقابة المهنية للأزياء الراقية. وقد أثّر أسلوب تلك الحقبة، الذي أعادت دار ديور تعريفه، على نظرته الجمالية المستقبلية، إذ ركزت تصاميمه على إبراز المرأة بخصر محدد وكعب عالٍ. لكن رغم تأثره بمصممي عصره، نجح في أن يضخّ أسلوبه بروح إيطالية ميّزته عن غيره.

في عام 1952، انضم إلى دار جان ديسيس، التي كانت تُلبس زبونات ثريات وأفراداً من العائلات الملكية، قبل أن ينتقل إلى دار «غي لاروش» عام 1957. وتقول مصممة الأزياء جاكلين دو ريب، وفق ما تنقل عنها مؤسسة فالنتينو: «عندما قرر العودة إلى روما، قلت له إنه مجنون لمغادرة مركز الموضة العالمي. فروما لم تكن ذات أهمية، كانت مجرّد منطقة ثانوية بالمقارنة بباريس»، لكنه أصرّ. وفي عام 1960، افتتح فيها دار أزياء خاصة بتمويل من والده وبعض أصدقاء والده، في شارع «فيا دي كوندوتي» الشهير. كان قراره صائباً، ففي ستينات القرن العشرين، أصبحت روما امتداداً لهوليوود بفضل استوديوهات شينشيتا، لتُقبل نجمات مثل أنيتا إيكبرغ، وصوفيا لورين، وإليزابيث تايلور على تصاميمه. وفي عام 1962 قدّم في قصر بيتي بفلورنسا مجموعته الأولى التي تميّزت بتصاميم بالأحمر الإمبراطوري، الذي يُعرف بـ«أحمر فالنتينو» حتى الآن.

كان تعاونه مع جاكلين كينيدي بعد زواجها بأريستوتل أوناسيس نقطة تحول في مسيرته (أ.ب)

كان لقاؤه بجاكي كينيدي عام 1964 نقطة تحوّل في حياته، إذ تولّى تصميم أزيائها بالكامل. وفي حفلة زفافها على رجل الأعمال اليوناني أرسطو أوناسيس عام 1968، اختارت فستاناً عاجياً بالدانتيل من مجموعته البيضاء الشهيرة. كان لهذه العلاقة مفعول السحر عليه، إذ حقّق بعدها نجاحاً باهراً في الولايات المتحدة، وأصبح سنة 1970 أول مصمم أزياء إيطالي يفتتح متجراً في نيويورك. لكن لا يمكن الحديث عن نجاحه هذا من دون ذكر اسم شريكه وصديق عمره جانكارلو جاميتي. كان رجل أعمال ذا ذوق رفيع لعب دوراً مهماً في أن يجعل اسم «فالنتينو» رمزاً عالمياً من خلال عمليات استحواذ متتالية واقتناء قطع فنية. لم تكن علاقتهما سهلة، لكنها كانت مبنية على الاحترام، حسب ما صرّح به في الفيلم الوثائقي: «فالنتينو، الإمبراطور الأخير»: «أن تكون صديق فالنتينو وشريكه وموظفه لأكثر من 45 عاماً يتطلب قدراً كبيراً من الصبر». وفق تصريحه.

فالنتينو وشريكه وصديقه جيانكارلو جياميتي في حفل فانيتي فير عام 2013 (أ.ف.ب)

محطات في تاريخه

جمع فالنتينو بين الحرفية الإيطالية، والخياطة الفرنسية الراقية، والأزياء الجاهزة الأميركية، إذ تبرز تصاميمه القوام عند الكتفين والخصر. كان حريصاً على استعمال أجود أنواع الأقمشة، لأنه كان يؤمن بأنّ «المرأة يجب أن تخطف الأنظار أينما حلّت». في عام 1989، قرر التوقف عن عرض مجموعاته في أسبوع ميلانو، متوجهاً إلى باريس، المدينة التي درس فيها وأحبها وبادلته الحب، بأن منحته في عام 2006 وسام جوقة الشرف. في عام 2007، قدّم آخر عرض له محتفلاً بمسيرة مهنية امتدت 45 عاماً. كان عرضاً لا يزال العديد من محبي الموضة يذكرونه بالدموع. وفي عام 2008، أعلن اعتزاله رسمياً.

حينها قال جاميتي: «سيكون فالنتينو آخر الأسماء اللامعة التي منحت اسمها لدار قادرة على إحداث فرق جوهري بين الأمس واليوم». وكم كان محقّاً بالفعل.

 

 


حفل «الغولدن غلوب» هذا العام... حنين لعصر هوليوود الذهبي واحتجاجات صامتة

أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)
أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)
TT

حفل «الغولدن غلوب» هذا العام... حنين لعصر هوليوود الذهبي واحتجاجات صامتة

أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)
أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)

إذا كان هناك شيء واحد تخرج به من متابعة الدورة الـ83 من حفل جوائز الغولدن غلوب في نهاية الأسبوع الماضي، فهو أن هناك حنيناً واضحاً إلى أناقة هوليوود في عصرها الذهبي.

كانت الصورة التي طالعتنا بها معظم النجمات مألوفة جداً. لم تفتقد الأناقة والجمال، لكن لا جديد فيها بمعنى الحداثي الثوري الذي كان يُشعل حوارات فكرية جدلية، ويسرق من نقاد السينما تغطيات مهمة في المجلات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. المصمم اللبناني العالمي طوني ورد، الذي ظهرت أربع نجمات بتصاميمه في هذه المناسبة قال إن هذه الأزياء «لا تنتمي إلى مزاج واحد، بل إلى اللحظة». وأضاف أن حفل الغولدن غلوب ليس «مجرد مناسبة خاصة بالسينما نتابعها لمعرفة من سيفوز، بل هي أيضاً عمن يحضرها وهو يحمل قصة».

بريق وأناقة العصر الذهبي جسدتهما كايت هادسون وإميلي بلانت وإيل فانينغ (أ.ف.ب)

الكلاسيكية أولاً

اللافت أن معظم النجمات هذه المرة اخترن إطلالات كلاسيكية، وكأنهن يعدن تمثيل مشاهد قديمة مُخزنة في الذاكرة لأودري هيبورن أو لمارلين مونرو أو غريس كيلي أو ريتا هايورات. سيرينا غوميز مثلاً اختارت فستاناً أسود مزداناً بريش أبيض نسقته بماكياج وتسريحة شعر تستحضر خمسينات القرن الماضي، وكيت هادسون، تألقت في فستان فضي بقصة «هالتر» وبريانكا شوبرا في فستان أزرق داكن يقتصر على تفاصيل محسوبة عند الخصر والتنورة وغيرهن من الأسماء، في حين كانت الألوان هادئة بدرجات الوردي والبنفسجي والأسود مع ومضات قليلة بألوان متوهجة، مثل الأخضر.

بحسب مجلة «فوغ» فإن هذا الاتجاه ليس جديداً على حفل الغولدن غلوب. في مقال نشرته المجلة في مطلع عام 2025 بعنوان «سحر هوليوود القديمة حاضر بقوة في الغولدن غلوب»، أشارت إلى أن هذا الاتجاه يشير إلى أنه قد يُصبح سمة تلازمه طويلاً. كانت قراءتهم جيدة، بحسب ما لمسناه هذا العام.

أونا تشابلين وجين سمارت بتصاميم من طوني ورد (أ.ف.ب)

بيوت أزياء عديدة ساهمت في رسم هذه الصورة الكلاسيكية المفعمة بالفخامة والرومانسية، بدءاً من «جيورجيو أرماني» و«لوي فويتون» إلى «شانيل» و«ديور» وغيرهم. المصمم اللبناني العالمي طوني ورد يُعلق على هذه الظاهرة لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «سحر هوليوود آنذاك لم يولد على السجادة الحمراء، بل تمت صياغته في المشاغل على يد حرفيين وفنيين كانت لهم رؤية واضحة بعيدة عن التكلف، كما لم يكن الإبهار فيها غاية في حد ذاته. وهذا ما يجعل أناقة أيام زمان ببساطتها، عابرة للزمن وتبدو أكثر حداثة اليوم». اختارت الممثلة جيني ماي فستاناً أسود من مجموعته الجاهزة لخريف وشتاء 2025 - 2026، بأكتاف عارية ومطرز يدوياً بسلاسل ذهبية ناعمة، بينما اختارت الممثلة سكايلا ديغينز - سميت فستاناً من مجموعته الجاهزة لربيع وصيف 2026 بلون أزرق من قماش التافتا مطرزاً بالترتر يجمع بين الأسلوب الهندسي والخطوط الانسيابية.

أما الممثلة أونا تشابلن فاختارت فستاناً من خط الـ«هوت كوتور» لربيع وصيف 2025، مصنوعاً من الحرير الأسود والذهبي، بصديري غني بالتباينات والتطريزات اليدوية، في حين اكتفت الممثلة جين سمارت، الحائزة جائزة الغولدن غلوب على أفضل أداء لممثلة في مسلسل تلفزيوني بفستان أبيض أميري، جمع الحضور الكلاسيكي والسلاسة المعاصرة ببساطة.

تغيرت الوجوه والألوان وحتى الأقمشة، إلا أن التيمة التي اعتمدها المصمم وأقبلت عليها هؤلاء النجمات كانت الكلاسيكية المفعمة بالأنوثة.

الأجندات السياسية

غير أن الهدوء الشكلي أخفى وراءه صراخاً «مبطناً» بقضايا إنسانية. ففي مقابل اختفاء جرأة السنوات الأخيرة التي كانت تستهدف إحداث الصدمة وإثارة الانتباه، تصدّرت هذه القضايا المشهد من خلال نجوم أخذوا على عاتقهم مهمة تسليط الضوء عليها والتنديد بها من دون رفع لافتات أو هتافات. كانت الأزياء والإكسسوارات ولو على شكل دبوس صغير وسيلتهم لإيصال رسائلهم.

الممثلة ساجا كيلاني وفستان بتطريز فلسطيني يدوي بتوقيع ابنة بلدها، المصممة الفلسطينية الأردنية ريما دحبور (أ.ف.ب)

أكبر مثال على هذا عدم تجاهل معاناة الشعب الفلسطيني في هذه المناسبة، فقد مثّلته الفلسطينية الأردنية، ساجا كيلاني باختيارها فستاناً أسود أنيقاً بطابع معماري مرسوم بدقة. كان بتوقيع ابنة بلدها، المصممة ريما دحبور، التي طرّزته عند خط الصدر بتطريز تقليدي، صرحت الممثلة بأنه من أشهر أشكال الأعمال اليدوية الفلسطينية. غني عن القول أنه زاد من جمال الفستان وقيمته وبدا كما لو أنه تميمة تطلب الحماية وتحكي قصة تاريخ ومعاناة.

حتى من لم تحمل قضية سياسية وإنسانية من النجمات، عانقت الماضي وكأنه قضية ذاكرة حرصوا فيها على إعادة ترميم النجومية بمفهومها التقليدي كمضاد لارتباك الأوضاع الحالية.

الأسباب والتأويلات

هناك تفسيرات كثيرة عن الأسباب التي تجعل السجادة الحمراء هذا العام تتعدى كونها مجرد مساحة لاستعراض آخر صيحات الموضة وقراءتها كمؤشر على تحوّلات أعمق بوصفها واجهة احتفالية لصناعة السينما. إلا أن هذا الدور تعرّض هو الآخر للارتباك في ظل حالة التشبّع البصري الذي أفقد الإطلالات تفردها، وهيمنة منطق وسائل التواصل الاجتماعي التي اختزلت القيمة الجمالية في سرعة التداول وعدد المشاهدات.

الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس (أ.ف.ب)

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه التحوّلات لا تنفصل عن مناخ عالمي مثقل بقلق سياسي وثقافي انعكس على السينما، التي تعيش منذ سنوات أزمة ذات طابع وجودي، وهو ما يفسِر الجمالي بالسياسي، كما عبّر عنه عدد من الفنانين، من بينهم مارك روفالو، الذي يوظف حضوره في هذه الفعاليات للتعبير عن مواقفه المناهضة لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

إلى ذلك، يفرض العامل الاقتصادي نفسه بوصفه أحد المحددِّات لهذا التحوّل. فتراجع العروض السينمائية التقليدية أمام تمدّد منصات البث، بما أدى إليه من تقلّص في الميزانيات، يُهدِد النموذج الهوليوودي الكلاسيكي القائم على الترف وبيع الأحلام، مثل الموضة.

المغنية مايلي سايروش وفستان أسود من «سان لوران» كلاسيكي تكمن جرأته في الياقة المفتوحة والنظارات الداكنة (أ.ف.ب*

أمام هذا الواقع، يبدو اعتماد الأزياء الكلاسيكية، نوعاً من التعويض الرمزي عن هذا الترف، بمحاكاة قصات حرص فيها مصممو منتصف القرن الماضي على تتبع تضاريس الجسم بذوق رفيع بعيد عن أي ابتذال واستحضار صور نجمات تلك الحقبة، حين كان هدف المصممين الأول إخفاء العيوب وإبراز الجماليات برسم كل قطعة وكأنها لوحة فنية بأقمشة تنساب وتتمايل مع كل حركة. كانت الأكتاف محددة بنعومة، والخصور ضيقة، وطبعاً الأقمشة المترفة التي تتحدى الزمن.

قواعد أصبحت مع الوقت مرجعاً للمصممين المعاصرين يستلهمون من فخامتها وحرفيتها خيوطاً ينسجونها بلغة تستهدف الجيل الجديد.

بدايات حذرة

اللافت في توقيت هذا الاتجاه أيضاً إلى جانب رسائله السياسية والثقافية، تزامنه مع التغيرات الكبيرة التي يشهدها عالم الموضة سواء على مستويات تنفيذية عالية أو على مستوى المديرين الإبداعيين. فقد تولت حديثاً مجموعة من المصممين الشباب مهمة قيادة بيوت أزياء كبيرة، مثل ماثيو بلايزي في دار «شانيل» وجوناثان أندرسون في «ديور» وأليساندرو ميكيلي في «فالنتينو» وديمنا في «غوتشي» وغيرهم. رغم إمكانياتهم، لم يعمل أي واحد منهم على خض المألوف أو فرد عضلاته الفنية. بل أجمعوا كلهم على ركن النزعة التجريبية أو المفاهيمية وتبني المدرسة الكلاسيكية.

سيلينا غوميز وروز بيرن وآيو إيدبيري بتصاميم في غاية الأناقة الكلاسيكية من «شانيل» (شانيل)

من فستان بريانكا شوبرا من دار «ديور» إلى فستان سيلينا غوميز الأسود المزين بالريش من «شانيل» أو إطلالة الممثلة روز بيرن بفستان أخضر يستحضر صورة ريتا هايوارث ومارلين مونرو وغيرهما من نجمات الخمسينات، والممثلة آيو إدبيري في فستانها الأسود الأنيق المشبوك عند الكتف بدبوس، كانت الصورةَ العامة: فساتين بلا أكتاف في الغالب، قفازات طويلة، ذيول تمسح الأرض وتسريحات شعر ومكياج أيضاً من الزمن نفسه.

بريانكا شوبرا تتوسط رشيدة جونز وميا غوث في فساتين من دار «ديور» (ديور)

هل تحفّظ المصممين هذا وعودتهم للماضي يعنيان افتقادهم الموهبة والقدرة على الابتكار مقارنة بأسلافهم من المؤسسين لهذه البيوت؟ الجواب بكل بساطة أن الأوضاع الاقتصادية هي التي تغيرت وباتت تفرض نفسها على المساحة المتاحة للإبداع. في القرن الماضي كان المصمم أكثر استقلالية، يعمل ضمن منظومة إنسانية أبطأ تركز على الفنية والحرفية. فعدد المجموعات أقل، وفترة الاختبار أطول في غياب ضغط الاستهلاك والرغبة في تحقيق الربح السريع. والنتيجة كانت تصاميم متقنة عابرة للزمن. مصمم اليوم في المقابل، يفتقد أي استقلالية، ويعمل تحت ضغوطات هائلة من قبل المجموعات الضخمة المالكة لبيوتهم. بات عليهم تقديم عدة تشكيلات من خطوط مختلفة لإرضاء جمهور متقلّب، فضلاً عن هيمنة المنصات الرقمية.

ربما يكون المصمم راف سيمونز مصمم دار «برادا» حالياً أكثر من لخّص هذا الوضع حين قال في إحدى تصريحاته في الفترة التي تولى فيها إدارة «ديور» إن المصمم بات يعاني من الكثير من الضغوطات ما يُفقده السيطرة ويؤثر على الابتكار. بييرباولو بكيولي، مصمم دار «فالنتينو» سابقاً ومصمم دار «بالنسياغا» حالياً يوافقه الرأي وعبر عن ذلك أيضاً بشجاعة.

الممثلة ليسلي مان وفستان من دار «بالنسياغا» بياقة مبتكرة وقفازات طويلة (بالنسياغا)

من هذا المنظور فإن العودة إلى الماضي، ما هو سوى مضاد حيوي لبث الطمأنينة يضمن للمصممين مرجعية جمالية تضفي على التصميم وزناً وقيمة، ويضمن للمستهلك قصة رومانسية تلمس قلبه. لكن الأجمل في الصورة التي تابعناها في الدورة الـ83 من حفل الغولدن غلوب، أن هؤلاء المصممين بعودتهم إلى إرث قديم فتحوا حواراً ممتعاً بين زمنين. زمن أسس قواعد الأناقة وزمن يعيد تفسيرها لجيل يبدو أنه يحِن للرومانسية والرصانة.


من نيويورك إلى لبنان...رمزية إطلالة راما دواجي وتأثيرها الثقافي

راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)
راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)
TT

من نيويورك إلى لبنان...رمزية إطلالة راما دواجي وتأثيرها الثقافي

راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)
راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)

في 1 يناير (كانون الثاني) 2026، وفي محطة ظلّت مهجورة منذ عام 1945، شهدت نيويورك انتقال السلطة من أندرو كومو إلى زهران ممداني. اختيار المكان لم يكن مصادفة، بل إشارة واضحة إلى أن السياسة الجديدة تبدأ من حيث يلتقي الناس يومياً: المترو.

من المكان إلى الأزياء والأكسسوارات، كانت كل التفاصيل محسوبة ومدروسة بعناية فائقة تؤذن بعهد ديناميكي. وبالطبع، الحديث عن الأزياء يجرنا تلقائياً إلى حضور راما دواجي، زوجة ممداني، أو سيدة نيويورك الأولى حالياً. وكعادتها رافقته بصمت مطبق، تاركة الكلام كله لإطلالتها.

لم يكن اختيار أزياء وأكسسوارات راما وزوجها زهران ممداني عبثياً إذ تمت دراسة كل التفاصيل بعناية فائقة (أ.ف.ب)

إلى جانب ارتدائها هويتها العربية وحرصها على إلقاء الضوء على مصممين محليين، أضافت في هذه المناسبة التاريخية عنصراً آخر يُسلط الضوء على الموضة بوصفها وسيلة التمكين النسوي، فهي لم تكتفِ بتألقها الشخصي، بل رفعت معها مصممة معطفها، الفلسطينية اللبنانية سينثيا مرهج، وخبيرة الأزياء النيويوركية السمراء غابرييلا كاريفا جونسون. وبهذا أكّدت لنا أن مساحة النجاح تتسع لكل النساء، وأن المرأة الواثقة يمكن أن ترتقي بكل مَن يعملن معها، وتُعطيهن حقهن.

تقول سينثيا مرهج، وهي مصممة شابة أطلقت علامتها «رينسانس رينسانس» في عام 2016، وفازت بجائزة «فاشن ترست آرابيا» لعام 2023 عن فئة ملابس السهرة إضافة إلى جوائز أخرى، إنها تفاجأت بمعرفة راما بعلامتها. وتضيف بإعجاب: «كان بإمكانها اختيار أي اسم عالمي، لكنها اختارتنا، وهو ما يُعيد الاعتبار لبُعدنا الإنساني، ويُظهر حجم الثقافة والإبداع الموجودين في منطقتنا».

المعطف والرمزية

المعطف كما ظهر ضمن مجموعة خريف وشتاء 2023 مصنوع من صوف محلي وفرو اصطناعي (رينسانس رينسانس)

وبعد المفاجأة والغوص في عالم راما، الإنسانة والفنانة، اكتشفت المصممة مدى الانسجام الطبيعي بينها وبين علامتها التي تحتفل بالمرأة العملية والمثقفة فنياً. وكان المعطف، من مجموعة خريف وشتاء 2023، «يعكس شخصية راما بدقة»، وفق قولها، مضيفة أن تفاصيله كافة «صُنعت في لبنان من صوف محلي جرى غزله ونسجه وتنفيذه بأيدي نساء لبنانيات، بينهن والدتي وابنتا خالتي، كريستي وجيس، اللتان نقلتا القطعة إلى نيويورك». وبالنسبة إلى سينثيا، شكّل ذلك «دليلاً على القوة الاستثنائية للمرأة والمجتمع الذي تنتمي إليه».

فن رسم الصورة

في إطار رسم هذه الصورة، لا يمكن عدم الإشارة إلى المايسترو وراءها: غابرييلا كاريفا جونسون، فهي خبيرة ومحررة أزياء نيويوركية سمراء، تمتلك صوتاً مسموعاً توظّفه في تمثيل الأقليات وتسليط الضوء على المواهب الناشئة. ولم يكن اختيار «مكتب زهران ممداني» للتعاون مع راما محض صدفة، بل خطوة مدروسة تعكس توافقاً استراتيجياً بين سياسة ممداني القائمة على التعددية والشمولية، ورؤية راما المعتزة بجذورها العربية.

عبّرت غابرييلا عن سعادتها بهذا التعاون في مقال طويل نشرته مؤخراً، قائلة إنه كان تجربة ثلاثية فريدة بينها وبين راما وسينثيا، حيث «جرى تبادل الأفكار والرسومات لتعديل بعض تفاصيل المعطف بحماس سلس ليأخذ شكله النهائي».

تم تغيير الياقة بحيث جاءت عالية ومقفلة تماماً مقارنة بالتصميم الأصلي لتناسب طقس نيويورك البارد (أ.ف.ب)

شمل التعديل الياقة التي جاءت عالية ومقفلة تماماً لصدّ برودة طقس شهر يناير، مقارنة بالتصميم الأصلي، كما جرى التخفيف من التفاصيل التي كانت تظهر فيه على شكل صفوف من الفرو الاصطناعي، تمتد من منطقة الخصر إلى الأسفل. فبدلاً من 10 صفوف، تم الاكتفاء بـ3 فقط، ما أكسب التصميم بساطة وأناقة كبيرين.

نُسّق المعطف مع أقراط متدلية استعارتها من متجر نيويوركي مشهور بقطع «الفينتاج». والنتيجة كانت إطلالة تمزج بين الخصوصية والاستدامة، تعكس ميل راما إلى القطع المعاد تدويرها أو التي تحمل تاريخاً. بأسلوبها الخاص، تنجح راما في منح هذه القطع روحاً شبابية تتناسب مع سنها وطموحات جيلها من فتيات نيويورك تحديداً.

الموضة بوصفها فناً وتعبيراً شخصياً

في لحظة التنصيب التاريخية، التي كانت أعين العالم كلها مصوبة نحو نيويورك، بدت خيارات راما متسقة مع سياسات زوجها، من حيث إنسانيتها وشموليتها وابتعادها عن أي استعراض. كما ظهرت بعيدة كل البُعد عن الصورة التقليدية للسيدة الأولى، التي كانت حتى الأمس القريب تخضع لتوقعات مسبقة، سواء من خلال اختيار أزياء لمصممين نادرين جداً، أو الالتزام بلقطات تقليدية مكررة. أما راما، فاختارت أن تُعانق اختلافها بشجاعة، وكل تفاصيل حضورها كانت تصرخ بتميزها دون أن تنطق بكلمة.

قبل حفل التنصيب بأسابيع قليلة، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بصور نُشرت لها في مجلة «ذي كات» (The Cut). لم تظهر فيها مجرد امرأة تستعرض أزياء أنيقة، بل أقرب إلى عمل فني يعتمد على التكوين وتلك العلاقة الحميمة بين الجسد والأزياء. كل هذا من دون أي شعارات أو خطاب مباشر. في كل صورة نجحت في شد الأنفاس وإثارة الإعجاب، لأنها تُذكِّر بأن الموضة في الأساس كانت وسيلة تعبير فني قبل أن تتحول إلى استهلاك.

سينثيا مرهج... المصممة

تصاميم من مجموعة سينثيا مرهج لربيع وصيف 2026 (رينسانس رينسانس)

حصلت على شهادة في عالم التواصل البصري من معهد «سنترال سانت مارتنز» لتصميم الأزياء، ومن لبنان أطلقت علامة «رينسانس رينسانس» عام 2016، رافعة شعار «طرح أزياء تخاطب امرأة معاصرة بنوعية جيدة وتصاميم أنيقة بكميات أقل»، مفضلة طرح أزياء بسيطة تناسب إيقاع المرأة العصرية على تصميم أزياء فخمة غنية بالتطريزات.

لكن تبقى ميزة العلامة ارتباطها العميق بالإرث وحب العائلة، إذ إن سينثيا تُمثل الجيل الثالث من عائلة امتهنت صناعة الأزياء منذ عقود. بدأت من جدتها لوريس سروجي، التي اشتهرت منذ أكثر من نصف قرن في حيفا، بتصميمها أزياء نساء المجتمع الفلسطيني. الجدة نقلت حب هذه المهنة لابنتها لوار ثم إلى حفيدتها سينثيا.

منذ عام 2016 إلى اليوم، حصدت المصممة الكثير من الجوائز، منها جائزة «فاشن ترست أرابيا» لعام 2023، كما أدرجت مؤخراً ضمن نصف نهائي جائزة «LVMH». كما صممت أزياء النجمة كلوي سيفيني، في فيلم مقتبس من الرواية الفرنسية «صباح الخير أيها الحزن» (Bonjour Tristesse) للكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان.