فيرونيك نيشانيان: إيقاع الحياة المتسارع يجعل الرجل يعزف عن التعقيدات

مصممة دار «هيرميس» .. إمرأة لا تعترف بالموضة الموسمية

كل صغيرة وكبيرة تجرى باليد  -  الياقة والأكمام والجيوب من التفاصيل المهمة
كل صغيرة وكبيرة تجرى باليد - الياقة والأكمام والجيوب من التفاصيل المهمة
TT

فيرونيك نيشانيان: إيقاع الحياة المتسارع يجعل الرجل يعزف عن التعقيدات

كل صغيرة وكبيرة تجرى باليد  -  الياقة والأكمام والجيوب من التفاصيل المهمة
كل صغيرة وكبيرة تجرى باليد - الياقة والأكمام والجيوب من التفاصيل المهمة

فيرونيك نيشانيان، مصممة محظوظة بكل المقاييس. فهي لا تعمل في مجال تعشقه فحسب، بل تعمل في واحدة من أهم دور الأزياء العالمية: «هيرميس». كأن هذا لا يكفي، فإن الدار وضعت بين يديها فريقا من الحرفيين المتمرسين ومن المصممين الموهوبين، فضلا عن أجمل أنواع الخامات وأكثرها ترفا وفخامة، سواء كانت حريرا أو جلودا، وأعطتها ورقة بيضاء لأن تبدع ما تراه مناسبا لرجل «هيرميس» من دون أي تدخلات. فيرونيك تعرف جيدا أنها محظوظة، فعندما تلقت مكالمة تليفونية من جون لوي ديما أول مرة يعرض عليها فيها العمل في الدار، اعتقدت أن الأمر مزحة من قبل أحد أصدقائها. تقول: «كان الأمر بمثابة حلم وتحقق، فعلى المستوى الشخصي، كبرت وأنا أرى جدتي تلبس أوشحة وحقائب يد من (هيرميس)، وكنت جد مبهورة بذلك. وعلى المستوى المهني، منحنى جون لوي ديما ورقة بيضاء، أي مطلق الحرية أن أبدع وأصمم من دون أي تدخلات».
ما يجب معرفته أن فيرونيك ليست ككل المصممات، فهي متخصصة في الأزياء الرجالية، وتقع على كتفيها مسؤولية إضفاء أناقة راقية، تجمع الكلاسيكية والعصرية، على الرجل وفي الوقت ذاته تجديد مظهره حتى لا يبقى مغرقا في الكلاسيكية أو سجين أسلوب واحد لا يتغير. في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، تشرح: «في (هيرميس)، نقول دائما إنها دار مبنية على ساقين. واحدة تمثل التقاليد والحرفية فيما تمثل الثانية الابتكار والتطوير. والتطوير هنا جزء مهم في عملية الابتكار، لهذا أهتم به كثيرا، خصوصا فيما يتعلق بالأقمشة».
مصممات الأزياء الرجالية ما زال عددهن محدودا إلى الآن، إذ يمكن حصرهن في أصابع اليد، مثل لو دالتون بلندن، ماريا غراتزيا تشيوري، مصممة فالنتينو، وبرادا، اللاتي يمكن الإشارة إليهن بصفتهن عضوات في ناد لا يزال صغيرا ومحدودا. لو سألتها عن شعورها، كونها امرأة في عالم الرجال، ستجيبك بنبرة لا تخلو من بعض الحدة: «هذا سؤال لا يوجه للرجل الذي يصمم للمرأة، وعموما أنا أعشق التصميم للرجل، وإذا كان هناك فرق بين التصميم له وللجنس الناعم، فهو مسألة إحساس فقط واهتمام ببعض التفاصيل، التي تتطلب التعامل معها بالملليمتر». وتتابع: «ثم على عكس الاعتقاد السائد، فإن التصميم للرجل غير محدود أو مقيد. صحيح أن تطوره أبطأ من التصميم للمرأة، إلا أنه يمنح فضاء واسعا وإمكانات متنوعة، من حيث استعمال الأقمشة المختلفة ومزج بعضها ببعض أو من حيث القصات أو الطبعات والنقوشات وغيرها».
لا تخفي أنها لا تحب الخضوع لإملاءات الموضة، وتفضل «أن تكون هناك دائما مساحة يستطيع من خلالها الرجل أن يعبر عن نفسه. فأجمل ما في الموضة حاليا أن الرجل يمكن أن يتبنى أي أسلوب يريده على شرط أن يلبسه بطريقته وبثقة».
السر بالنسبة لها يكمن دائما في التفاصيل، وفي تلك الجودة العالية وترف الأقمشة، كما في طريقة تصميم الأكتاف، من دون تجاهل الإشارة إلى التوازن في مكان الجيوب وتفاصيل التبطين. وتكرر فيرونيك أنها لا تهتم بالموضة بقدر ما تهتم بتصميم أزياء تليق برجل «هيرميس»، مما يفسر اهتمامها بالقطعة من الخارج والداخل على حد سواء. المقصود هنا بالداخل، التبطين وتلك الطيات الصغيرة والخفيفة التي لا تراها العين بقدر ما يعرف لابسها بوجودها، لأنها إما موضوعة بشكل استراتيجي لتتيح له حرية حركة أكبر، أو لتزيد من انسدال البدلة على جسمه فتميزه. تشرح: «ما أهدف إليه دائما أن أصمم أزياء واقعية تناسب الحياة اليومية، فأنا لا أؤمن بالأفكار والتصاميم التجريدية، التي لا تخدم الرجل سوى في مناسبات معينة. إيقاع الحياة متسارع والرجل لم يعد يريد تعقيدات».
زبائن «هيرميس» يعرفون هذا الأمر جيدا، بغض النظر عن أعمارهم، لا سيما أنها عندما تصمم أي قطعة أو تشكيلة لا تضع زبونا بعمر معين نصب أعينها، بل تفكر فقط في قطع تخدمه وتضفي عليه الوجاهة، وفي الوقت ذاته يمكنه أن يضيف إليها بصماته حسب حالته المزاجية والنفسية، وحسب شخصيته لكي تصبح ملكيته الخاصة. توضح: «تغلب على تصاميمي ما أطلق عليه تفاصيل أنانية وشخصية، بمعنى أن الرجل لا يراها إلا بعد أن يلبسها فيكتشف إما جلدا بداخل الجيوب، وإما بداخل بنطلون، وإما فروا في تبطين السترة وهكذا».
كل هذا يبرر بالنسبة لها سعر قطعة، يمكن أن تكون بسعر سيارة أو شقة عندما تكون من جلد التمساح المعالج بتقنيات عصرية وجد متطورة تجعله بملمس وخفة الموسلين أو الحرير.
فالجلد مهم بالنسبة للدار، كونه أحد رموزها ويدخل ضمن جيناتها إذا أخذنا بعين الاعتبار أنها بنيت على صناعة السروج وحقائب السفر منذ أكثر من قرن. احتراما لهذا التاريخ والإرث، كانت فيرونيك أول من أدخل جلد التمساح في صديري رجالي. كان ذلك في التسعينات، حين بدأت تتعامل مع الجلد كخامة سهلة ومرنة يمكن تطويعها للحصول على خطوط مميزة، كأي خامة مترفة. والآن، يعد أحد أعمدة تصاميمها، تماما كما يدخل في جينات الدار، لا سيما بعد تطور التقنيات التي تجعله خفيفا وفي غاية النعومة.
كل هذا يبرر بالنسبة لها الأسعار الباهظة، بحيث لا يختلف اثنان في أنها منفذة بطريقة لا يعلى عليها، على يد أفضل الحرفيين وأكثرهم تمرسا في العالم. حرفيون يحفزونها دائما كما تقول: «فكما أنا أتحداهم وأحفزهم بتصاميمي الدقيقة والمحسوبة التي تأخذ كل صغيرة وكبيرة بعين الحسبان، هم أيضا يتحدونني بتمكنهم من أدواتهم وتمتعهم بحرفية عالية تتطلب مني أن أكون بالمستوى نفسه». والنتيجة أزياء قد يستغرق تنفيذها وقتا طويلا، إلا أنها تتحدى الوقت وتدوم لزمن طويل، مما يجعلها استثمارا طويل المدى.
كانت بدايتها في عالم الرجال في عام 1988، بعد تخرجها مباشرة من معهد «لاشومبر سانديكال»، مع المصمم الإيطالي نينو تشيروتي. حينها، كان عدد المصممات المتخصصات في القطاع الرجالي، أقل بكثير من الآن، وكانت التحديات أكبر، ولا شك في أن جون لوي ديما كان سابقا لأوانه عندما فكر في امرأة تقود القسم الرجالي، إذ أثبتت نظرته أنه كان ذكيا ومحنكا. تميزت أول تشكيلة قدمتها لـ«هيرميس» بأسلوب منطلق وكلاسيكي في الوقت ذاته، بألوان باستيلية خفيفة. نجحت التشكيلة فتمسكت فيرونيك بهذا الأسلوب وجعلته ماركتها المسجلة، لا تمس بالأساسيات وتلعب بالتفاصيل فقط، مهما تغيرت الموضة، سواء تعلق الأمر بطية صدر السترة أو قصة البنطلون وطوله أو ألوانه الهادئة. فالموضة بالنسبة لها يجب أن تكون استثمارا طويل المدى وليس نزوات موسمية تتغير كما تتغير أحوال الطقس. وبالفعل، فرضت نفسها ونجحت في أن تصبح استثمارا لا تستغني عنه دار «هيرميس». فرغم أننا بين الفينة والأخرى نسمع بتحرك كراسي المصممين، وانتقالهم من دار إلى أخرى، مع اختلاف الأسباب، فإن الأمر مختلف بالنسبة لفيرونيك فهي مثل الهرم، صامدة في وجه التغيرات وشاهدة على الكثير منها من دون أن تؤثر عليها. تمسك بزمام الأمور بيد من حديد وإن كانت تلبس قفازات مخملية ناعمة. فتحت قيادتها، شهدت الدار انتعاشا كبيرا في مجال الأزياء الرجالية. الفضل يعود إلى أسلوبها العصري والكلاسيكي وفي الوقت ذاته إلى الازدهار الذي تشهده سوق الجانب الرجالي في السنوات الأخيرة نظرا لتنامي الإقبال على الموضة المترفة من جهة وانفتاح أسواق جديدة متعطشة لكل ما هو فريد ومميز، من جهة ثانية. وطبعا، ليس هناك ما هو أكثر تفردا وتميزا من التفصيل على المقاس والخاص، الذي ترأسه المصممة وتشرف على توسعه منذ بضع سنوات. لإرضاء رغبات هذا الرجل الأنيق الذي لا يهتم بالسعر بقدر ما يهتم بالتفرد، جرى خلق ما أصبح يعرف بـ«عالم الرجل» ويشمل كل ما يحتاجه من أحذية، وأوشحة، وحقائب يد وسفر، وساعات وبدلات، وأخيرا وليس آخرا التفصيل على المقاس والذوق، إن صح القول. عالم يشعر فيه الرجل بالانتماء، لأنه يفهم شخصيته وميوله ويتكلم لغته، والمايسترو هنا دائما هو فيرونيك نيشانيان، نظرا لدورها كمصممة فنية تتعامل مع كل الأقسام وتنسق بينها.
تشرح: «بالنسبة للتصميم على المقاس، كنت أريد أن أخلق فضاء جديدا وواسعا يلعب على الكثير من الاحتمالات، منها منح الرجل فرصة للحصول على أقصى ما يحلم به، كأن أستعمل له خيوطا خاصة من الصوف لغزل كنزة بلون محارة لعب بها في طفولته، أو أن أستنسخ له قميصا كان يحبه وهو صبي ولم يعد متوافرا في السوق وهكذا، يمكنه أن يطلب أي قطعة يريد وبأي خامة سواء كانت من الجلد أو الصوف».
افتتحت هذه الخدمة أخيرا في «دبي مول» بعد أن نجحت التجربة في نيويورك. وبما أن الرجل العربي لا تنقصه الرغبة في التميز ولا الإمكانات، فإن الدار توجهت إليه بكل قوتها وما تملكه من سحر. في هذا القسم، سيقابل الزبون خياطا متمرسا من الدار، يتحدث معه مباشرة عن التصميم والألوان التي يفضلها. بعد ذلك، تتاح له فرصة اختيار القماش من بين 5000 نوع.
وقد تصل القطعة المفصلة هنا إلى 130.000 درهم، مما يعني أنها ليست للكل، لأن العملية ليست مجرد تفصيل على المقاس، بل هي «بيسبوك» أو تفصيل خاص. فبينما يعني الأول أن يختار الرجل تصميما جاهزا ويجري عليه بعض التغييرات حتى يناسب مقاسه، فإن الثاني الـ«بيسبوك» تصميم قطعة من ألف إلى الياء، من التصميم والقماش واللون إلى التفاصيل الصغيرة، لتأتي القطعة على مقاسك وحسب ذوقك أيضا، فقط عليك أن تكون مستعدا للانتظار، لأن صنع بدلة قد يستغرق نحو 80 ساعة من العمل. أما المثير في العملية، فإنه بإمكانك أن تفصل أي قطعة سواء كانت جاكيت من الجلد أو كنزة من الصوف، بهذه الطريقة.

* ثماني خطوات لأناقة كلاسيكية عصرية
* التوازن عنصر مهم لأي مظهر أنيق، وهو ما تقصده فيرونيك نيشانيان بقولها إن كل سنتيمتر وملليمتر يؤثر، إما سلبا أو إيجابا على الشكل العام. فعندما تكون القطعة على مقاسك تماما، فإنها تشعرك، ليس بالراحة فحسب، بل أيضا بالثقة والاعتداد بالنفس.

1 - الأناقة ليست مواكبة آخر صيحات الموضة بقدر ما هي أسلوب شخصي، يعني لمسة خاصة تميزك عن غيرك. وربما هذا ما يميز الإيطاليين والفرنسيين عن غيرهم، فهم لا يتخوفون من إضفاء لمساتهم حتى وإن كانت عكس التيار ولا تخضع لما هو متعارف عليه، أحيانا بمزجهم قطعا ليس من المتوقع أن تنسجم بعضها مع بعض أو ألوان متضاربة لتفاجئنا بأنها بالفعل مثيرة ومتناغمة.

2- لإجازات نهاية الأسبوع والرحلات، يجب ألا يستغني الرجل عن قميص بسيط وكنزة من الكشمير، و«تي - شيرت» يفضل أن يكون «بولو» وبنطلون جينز.

3 - الأناقة لا تعترف بالسن، فهو مجرد رقم لا معنى له، ومن ثم يمكن لشاب في العشرين أو رجل في الستين أن يلبس بنطلون جينز مع سترة بليزر وقميص بسيط إذا كان يتمتع بجسم رشيق وشخصية قوية وروح شابة.

4 - لأن الإكسسوارات التي ترقى إلى مرتبة المجوهرات، محدودة بالنسبة للرجل، فإن ساعات اليد فرصته لتعويض هذا النقص، ومن ثم لا بأس أن تكون له ساعة للأيام العادية، وأخرى لنهاية الأسبوع وثالثة للمناسبات المهمة.

5 - أيضا في مجال الإكسسوارات، فإن الأوشحة اكتسبت قوة وأناقة رجالية في المواسم الأخيرة، وإذا كان البعض لا يزال غير متأكد منها، فإن السر لا يكمن فقط في خامتها وحجمها، بل أيضا في طريقة استعمالها بثقة، وفي لفها حول العنق مرتين أو أكثر، حسب حجمها، بطريقة لا مبالية ومنطلقة.

6 - بالنسبة للأحذية، يمكن الاختيار بين صندل من الجلد الطبيعي أو حذاء «موكاسان» حسب المكان أولا وأخيرا.

7 - الموضة حاليا ترحب بالأسلوب الخاص كما تشجع على معانقة الموضة، لكن الأهم من هذا هو مراعاة ما يناسب الجسم ومقاييسه، إذ ليس من المعقول أن يلبس الرجل، أيا كان عمره، تصاميم ضيقة جدا إذا لم يكن رشيقا. في هذه الحالة، سيكون مجرد ضحية موضة.

8 - إذا كانت هناك قطعة أساسية ومترفة، يجب على الرجل أن يستثمر فيها في كل المواسم، فهي كنزة من الكشمير الجيد. فهو يأتي مغزولا بعدة طرق، بعضها خفيف للصيف، وبعضها الآخر سميك للشتاء، فضلا عن أن ألوانه متنوعة بين الداكن والفاتح، مما يفتح للرجل عدة خيارات.



خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.


كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.