سباق عسكري بين طالبان والقوات الأفغانية قبيل مفاوضات محتملة

سباق عسكري بين طالبان والقوات الأفغانية قبيل مفاوضات محتملة
TT

سباق عسكري بين طالبان والقوات الأفغانية قبيل مفاوضات محتملة

سباق عسكري بين طالبان والقوات الأفغانية قبيل مفاوضات محتملة

ازداد الوضع الأمني في أفغانستان خطورة مع رغبة الحكومة الأفغانية وحركة طالبان في تحقيق تقدم عسكري في عدد من الولايات قبل أي محادثات مقبلة، سواء بين طالبان والجانب الأميركي، أو بين طالبان والحكومة الأفغانية، كما تسعى إليه حكومة الرئيس أشرف غني عبر تكثيف اتصالاتها الدولية ومحاولاتها حث الكثير من الدول المعنية بإقناع طالبان بالجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الحكومة الأفغانية.
وقد صرح مسؤول أفغاني أمس بأن ما لا يقل عن سبعة من قوات الأمن لقوا حتفهم في هجمات شنها مسلحو حركة طالبان بإقليم بادغيس، غرب البلاد. وقال ناصر نزاري، عضو المجلس المحلي، لوكالة الأنباء الألمانية، إن الهجمات التي وقعت الليلة الماضية بمنطقة «أب كامري» أسفرت أيضا عن إصابة ما لا يقل عن 20 آخرين. وأضاف المسؤول أن المسلحين اقتحموا مباني حكومية محلية واجتاحوا نقطتي تفتيش، وأوضح أن المسلحين تراجعوا بعد معركة عنيفة بالأسلحة النارية.
وكان مسؤولون أفغان أعلنوا أمس الخميس أن ما لا يقل عن 15 من رجال الشرطة قتلوا وأصيب 19 آخرون في هجمات لتنظيم طالبان في إقليمين. وقال مولوي كرامة الله العضو بمجلس إقليم تخار بشمال البلاد إن ما لا يقل عن ثمانية من رجال الشرطة قتلوا عقب أن هاجم مسلحو طالبان موقعهم نحو الساعة الواحدة صباحا بالتوقيت المحلي أمس الخميس 20:30 بتوقيت غرينيتش. وأضاف أن نحو 14 شخصا آخرين أصيبوا في الهجوم الذي وقع بمنطقة خواجا غار بالإقليم. من ناحية أخرى، قتل سبعة رجال شرطة في إقليم بغلان بشمال البلاد، عقب مهاجمة مسلحي طالبان موقعهم مساء أمس الأربعاء، وذلك بحسب ما قاله عضو مجلس الإقليم ظريف ظريف لوكالة الأنباء الألمانية، وأضاف أن خمسة من رجال الشرطة على الأقل أصيبوا في الهجوم الذي وقع في ضواحي عاصمة الإقليم بولي خمري. ويشار إلى أن حركة طالبان كثفت من هجماتها على قوات الأمن والمنشآت الحكومية خلال الأشهر الماضية، كما كثفت القوات الأفغانية والأميركية من عملياتها ضد القادة الميدانيين لطالبان. وقالت مصادر عسكرية إنه يتم يوميا قتل نحو 35 من أفراد القوات الأمنية خلال هجمات واشتباكات.
وكانت حركة طالبان أعلنت في سلسلة من بياناتها عن عدد من العمليات قامت بها قواتها في عدد من الولايات، حيث ذكر بيان للحركة مقتل قائد للشرطة الأفغانية في إقليم بادغيس مع اثنين وأربعين آخرين من رجال الشرطة، وأسر الحركة عشرين آخرين وتمكنها من السيطرة على سبعة مراكز أمنية كانت بحوزة القوات الحكومية.
وجاء في بيان الحركة أن قواتها هاجمت مركز مديرية أب كامري والمراكز الأمنية المحيطة به مما أسفر عن السيطرة على ثلاثة منها بعد قتل ستة وثلاثين عنصرا من القوات الحكومية بينهم قائد الشرطة وجرح أربعة عشر آخرين. وأضاف البيان أن قوات طالبان سيطرت على دبابتين وناقلة عسكرية، فيما أصيب خمسة من مقاتلي طالبان وقتل اثنان آخران في العملية. كما هاجمت قوات طالبان مركزين أمنيين في منطقة قل أستاذ في مديرية ماقور بالأسلحة الثقيلة مدة ساعتين متواصلتين مما أسفر عن سيطرة قوات الحركة على المركزين وقتل ثلاثة من عناصر الحكومة وجرح أربعة آخرين والاستيلاء على كميات ضخمة من الأسلحة. وذكرت طالبان في بيان لها أن قواتها تمكنت من السيطرة على مركزين أمنيين آخرين في منطقة بدروكي ومنطقة تشما دوزاك في مديرية سانغ أتيش بعد معركة بالأسلحة الثقيلة استمرت أكثر من ساعتين قتل جراءها أربعة من القوات الحكومية وتم تدمير أربع دبابات للحكومة، كما استولت قوات طالبان على كميات ضخمة من الأسلحة والذخيرة. وكانت قوات طالبان هاجمت مراكز أمنية للقوات الحكومية في منطقة بوشت شهر في مديرية شيندند في ولاية هيرات غرب أفغانستان مما أسفر عن سيطرة قوات طالبان على مركزين أمنيين وتدمير أربع دبابات وقتل ثمانية من الجنود الحكوميين وجرح ثلاثة آخرين، فيما أسرت قوات طالبان اثنتين من قوات الحكومة الأفغانية.
وقد أرسلت القوات الحكومية قوة تعزيزات لاستعادة السيطرة على المركزين الأمنيين مما أدى إلى اشتباكات مع قوات طالبان، وحسب بيان الحركة فقد تم تدمير دبابة عن طريق الألغام التي زرعتها قوات طالبان، وقتل تسعة من القوات الحكومية وإصابة ثلاثة آخرين. وأعلنت حركة طالبان استسلام 63 جنديا من القوات الحكومية لقوات طالبان في منطقة خاص بلخ حسب بيان لطالبان.
وأعلن مسؤول محلي العثور على جثة موظف بالحكومة الأفغانية يعمل كذلك صحافيا بالقطعة في إقليم فراه في غرب البلاد بعد ثلاثة أيام من قيام متشددين من حركة طالبان بخطفه. وسلمت جثة جاويد نوري لأسرته، وأفاد بيان لطالبان بأنه قتل يوم السبت. واستهدفت حركة طالبان ومتشددون آخرون الصحافيين في أفغانستان مرارا وقتلوا 15 صحافيا في عام 2018 في أسوأ عام على وسائل الإعلام الأفغانية وفقا لمنظمة صحافيين بلا حدود. وقال شعيب ثابت حاكم إقليم فراه إن نوري اختطف من حافلة مع 30 راكبا آخرين في منطقة نائية من الإقليم، وأضاف أنه «كان موظفا حكوميا لكنه كان يعمل صحافيا بالقطعة لدى محطة إذاعة محلية». وقال ذبيح الله مجاهد المتحدث باسم طالبان في بيان إن نوري قتل لأنه يعمل مع حكومة كابل المدعومة من الولايات المتحدة. وأضاف أن طالبان احتجزت كذلك 13 من أفراد ميليشيا موالية للحكومة للاشتباه في أنهم جواسيس من بين ركاب الحافلة.
وكانت الحكومة الأفغانية أعلنت مقتل أحد القادة الميدانيين من حركة طالبان في ولاية بلخ. وقال بيان لفيلق شاهين التابع للجيش الأفغاني أن ملا عبد البصير قتل في غارة جوية قامت بها طائرات التحالف الدولي في أفغانستان مساء الأربعاء. وجاء في بيان الجيش الأفغاني أن الغارة استهدفت تجمعا لقوات طالبان في منطقة نوشر بلوش في مديرية شمتال حيث لقي ملا عبد البصير مصرعه مع اثنين من مقاتلي طالبان، كما دمرت الغارة الجوية آلية عسكرية مصفحة كانت قوات طالبان تستخدمها إضافة إلى عدد من الدراجات النارية، وأن مسلحا آخر من مقاتلي طالبان لقي مصرعه في مواجهات مع الجيش الأفغاني في منطقة دروازة خواجا في ولاية بلخ.
وكان أحمد فهيم قرلوق حاكم مديرية قلعة زل في ولاية قندوز الشمالية قال إن مجموعات كبيرة من قوات طالبان هاجمت المراكز الأمنية ونقاط المراقبة التابعة للحكومة الأفغانية مما أسفر عن مقتل عشرة من الجنود ورجال الشرطة وجرح أحد عشر آخرين، فيما قتل خمسة وعشرون من قوات طالبان حسب قول قرلوق.
واعترفت القوات الحكومية بمقتل ستة عشر فردا من أفراد القوات الحكومية في ولاية بغلان الواقعة شمال كابل بعد هجوم شنته قوات طالبان على عدد من المراكز الأمنية، لكن الحكومة الأفغانية قالت إن قوات طالبان تلقت كذلك خسائر كبيرة في الأرواح دون ذكر تفاصيل عنها. ونقلت وكالة باجهواك الأفغانية للأنباء عن مصادر حكومية قولها إن سبعة من أفراد القوات الحكومية لقوا مصرعهم بعد هجوم شنته قوات طالبان على منطقة خواجا غار في ولاية تاخار المحاذية للحدود مع طاجيكستان. ونقلت الوكالة عن جواد هجري الناطق باسم حاكم الولاية قوله إن قوات طالبان اجتاحت منطقة السوق في خواجا غار مساء الأربعاء مما أسفر عن مقتل ستة من رجال الشرطة المحلية وشرطي من الحكومة المركزية وجرح ثلاثة آخرين. وأضاف هجري أن قوات الحكومة تمكنت من صد قوات طالبان، حيث قتل وجرح عدد من أفراد الحركة. لكن الوكالة نقلت عن أحد السكان المحليين ويدعى حبيب الله قوله إن اثني عشر من رجال الشرطة قتلوا في هجوم طالبان، وإن قوات الحركة تمكنت من الاستيلاء على عدد من قطع الأسلحة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...