«بايلوت» و«سبيتفاير» و«توب غان»... ساعات تطير بها «آي دبليو سي» إلى السماء

مجموعتها لعام 2019 بخفة التيتانيوم وصلابة السيراميك

ساعة «بايلوت كرونوغراف سبيتفاير»
ساعة «بايلوت كرونوغراف سبيتفاير»
TT

«بايلوت» و«سبيتفاير» و«توب غان»... ساعات تطير بها «آي دبليو سي» إلى السماء

ساعة «بايلوت كرونوغراف سبيتفاير»
ساعة «بايلوت كرونوغراف سبيتفاير»

منذ أسابيع عدة، وفي قاعدة «غود وود» بجنوب إنجلترا، استبقت دار «آي دبليو سي» فعاليات «صالون جنيف للساعات الفاخرة» الذي سيفتح أبوابه يوم الاثنين المقبل، وأزاحت الستار عن منتجاتها الجديدة لعام 2019، ولم يكن اختيارها للمكان صدفة، فقد كان مناسبا للإعلان عن علاقة تمتد لعقود بين الدار السويسرية وشركة «غود وود للطيران» لما يربطها بها من مبادئ وتفرد هندسي وتقني. وأشار كريستوف غرينييه هير، المدير التنفيذي لدار «آي دبليو سي - شافهاوزن غود» في افتتاحيته إلى أن «وود للطيران»، تتعامل مع ما لا يقل عن 18 ألف رحلة جوية سنويا، كما تضم مقر «أكاديمية بولتبي للطيران»؛ أول أكاديمية رسمية للتدريب على قيادة طائرة «سبيتفاير» في العالم. لكن مما تجدر الإشارة إليه أن عالم الطيران كان دائما ملهما للدار السويسرية، وإن كانت تُسلط الضوء هذا العام على الأمر أكثر بتسليطها الضوء على المقاتلة البريطانية النفاثة «سبيتفاير». حسب كريستوف، فهي تُجسد أحد التطورات الأكثر دقة وتميزا في تاريخ الملاحة الجوية، بمروحتها الدافعة وجناحيها البيضاويين وبالتالي قدراتها الاستثنائية في المناورة. تؤكد الدار السويسرية أن الأمر ليس جديدا عليها، فعالم الطيران كان ولا يزال يُحفز مهندسيها ومصمميها على التحليق بخيالهم إلى السماء، ويفتح فضاء واسعا أمامهم للابتكار منذ عقود. الجديد أنها هذا العام قامت بتطوير ساعات من مجموعات «بايلوت Pilot» و«سبيتفاير Spitfire»، و«توب غان TOP GUN» إضافة إلى إصدارات حصرية من «الأمير الصغير Le Petit Prince»» بشكل غير مسبوق.
جميع ساعات «سبيتفاير» مثلا مجهزة بكاليبرات من إنتاج دار «IWC» احتفاء بالهندسة الفريدة للطائرة البريطانية المقاتلة، بينما تتلون مجموعة «توب غان» بأسود فاحم نتيجة صُنعها من مادة السيراتنيوم، حسبما يقوله كريستوف، مضيفا أن ساعات مجموعة «بايلوت Pilot» نجحت على مدار أكثر من 80 عاماً في تجسيد قوة الطيران بتصميمها المميز الذي يعود تاريخه إلى الساعات الملاحية الأيقونية مثل الساعة «Mark 11»، التي يعود تاريخها إلى عام 1948 وستكون محور الاهتمام في الصالون العالمي للساعات الرفيعة هذا العام. يذكر أنه عندما أنتجت أول مرة في مدينة شافهاوزن بوصفها ساعة ملاحية لسلاح الجو الملكي كانت رائدة وسبقا فنيا وآليا في الوقت ذاته. لهذا ليس غريبا أن تبقى مفخرة لمهندسيها وتُلهمهم حتى الآن عند تصميم جميع الساعات العصرية من مجموعة «بايلوت». وتشير الدار إلى أن الملاحة الجوية تطورت كثيرا عما كانت عليه في عام 1948؛ ففي الوقت الحالي يمكن تحديد موقعنا على الأرض بدقة تصل إلى متر واحد باستخدام أي هاتف جوال، وبفضل الملاحة بالأقمار الصناعية الحديثة، يمكن القيام بذلك حتى في البرية أو البحر أو الظلام الحالك، لم تكن الحال كذلك في الماضي؛ فقد كان تحديد الموقع بدقة يمثل تحديا للطاقم على متن السفن وبعدها الطائرات لسنوات كثيرة.
وكانت ساعة «مارك 11» نتاج سنوات من التطوير والأبحاث تمخضت في عام 1948 عن ساعة اليد الملاحية («Mk.11» – رقم المرجع «6B - 346») بـ«الكاليبر 89» فائق الدقة المزود بساعة توقيت. أما الميزة الثانية فتمثلت في الحماية الفائقة من المجالات الكهرومغناطيسية؛ فنظرا لأن المادة المضادة للكهرومغناطيسية شائعة الاستخدام كانت آنذاك عرضة للتآكل، فقد قام مهندسو دار «آي دبليو سي» ببناء قفص من الحديد المطاوع، يمثل الميناء الجزء العلوي منه. كما تميز الزجاج الأمامي للساعة بحماية خاصة لضمان بقائه في مكانه حتى في حالة الانخفاض المفاجئ للضغط داخل قمرة القيادة، فيما أتاح الميناء فائق التباين والمزود بمادة مضيئة، قراءة سهلة للوقت حتى أثناء الليل أو في ظروف الرؤية السيئة.
مرت سنوات وعقود، لكن «هذه الباقة من الابتكارات لا تزال تُظهر براعتنا الهندسية وخبراتنا؛ كان آخرها استخدام مادة السيراتنيوم Ceratanium التي تُستعمل للمرة الأولى في مجموعة (بايلوت) وأتاحت ظهور كرونوغراف مزدوج أسود بالكامل». كما لا تخفي الدار فخرها بأن ساعات «سبيتفاير» الأخيرة تتمتع بحركة من إنتاج دار «آي دبليو سي» بنسبة 100 في المائة، في الوقت الذي تعكس فيه قوة وجمال الطائرة الهندسي والتقني أيضا، وهو تصميم مستوحى من ساعة الملاحة الأيقونية «مارك 11».
إحدى السمات البارزة لهذه المجموعة تظهر في ساعة «Pilot’s Watch Timezoner Spitfire Edition«The Longest Flight» التي تجمع آلية ضبط المنطقة الزمنية بآلية حركة أوتوماتيكية من إنتاج دار IWC بالكامل، في إصدار حصري يقتصر على 250 ساعة. وكانت الدار قد طورته خصيصا للطيارين ستيف بولتبي بروكس ومات جونز، ترقبا لرحلة سيقومان بها هذا العام حول العالم على طائرة «سبيتفاير». ويشرح كريستوف بأن الدار السويسرية حرصت على أن تلبي الساعة كل متطلباتهما، بحيث يمكن ضبطها على منطقة توقيت مختلفة بمجرد تدوير الإطار... معه يدور كل من عقرب الساعات ونافذة عرض التوقيت «24 – ساعة» والتاريخ أوتوماتيكيا. كما تم تصميم نافذة عرض التوقيت (24 ساعة) كقرص دوّار أسفل الميناء. ويعني ذلك تحرك الميناء قريباً من الزجاج الأمامي، حتى تكون قراءته سهلة. أما العمود الفقري لمجموعة «سبيتفاير» الجديدة فهي ساعة «Pilot’s Watch Chronograph Spitfire» أول ساعة ملاحية بآلية حركة من سلسلة موديلات الكاليبر... تتمتع بآلية حركة كرونوغراف فائقة الدقة، تعرض الساعات والدقائق المتوقفة على عدادين فرعيين بموضعي الساعة «9» والساعة «12». كما تتوفر فيها أيضا نافذة لعرض التاريخ واليوم. ويمنح كل من علبة الساعة البرونزية والميناء الأخضر الزيتوني والسوار البني من جلد العجل هذا الكرونوغراف مظهرا فريدا، حيث تتشكل بمرور الوقت طبقة أكسيدية على البرونز، تجعل كل ساعة فريدة من نوعها.
لكن يبدو واضحا أن ساعات «توب غان» التي أطلقتها الدار أول مرة في عام 2007 لن تختفي قريبا، ولن تترك المجال لأي مجموعة أخرى تسرق منها الأضواء؛ فقد تم طرحها هذا العام بمادة غريبة ومهمة هي السيراتنيوم CERATANIUM®.
وغني عن القول أن المجموعة تأخذ اسمها «توب غان» من برنامج التدريب على تكتيكات المقاتلات الضاربة بالبحرية الأميركية. وهو برنامج مُخصص لصفوة طياري البحرية لما يتضمنه من مناورات في منحنيات ضيقة، تُعرض كلاً من الطيار والطائرة لقوى تسارع هائلة. من هذا المنظور، صُممت ساعات المجموعة منذ البداية بمواد فائقة الصلابة، مثل السيراميك والتيتانيوم، مع الأخذ بعين الاعتبار أدق التفاصيل. على سبيل المثال، تضمن علبة الساعة المصنوعة من السيراميك باللون الأسود المطفي عدم تشتت ذهن الطيارين بفعل انعكاسات أشعة الشمس على الساعة خلال الرحلة. كما تلائم مادة السيراميك بصلابتها ومقاومتها الخدوش الاستخدام اليومي داخل قمرة الطائرة محدودة المساحة بشكل مثالي، فضلا عن تحملها قوى التسارع الهائلة. كان من الممكن أن يكون هذا كافيا لأي طيار أو عاشق للساعات المتخصصة والرفيعة، لكنه لم يكن كافيا لمهندسي «آي دبليو سي» وشغفهم بالتطوير والتميز. في عام 2019 أدخلوا مادة السيراتنيوم ® وللمرة الأولى في ساعة هي «Pilot’s Watch Double Chronograph TOP GUN Ceratanium» باللون الأسود الحالك. يشرح كريستوف غرينييه هير أهمية السيراتنيوم قائلا إنه «مادة طورتها دار (آي دبليو سي) وحصلت على براءتها عالميا. جمالها أنها تجمع بين المزايا البارزة لكل من التيتانيوم والسيراميك في تركيبة رائدة. فهي مثل التيتانيوم تتميز بخفة الوزن وعدم القابلية للكسر، ومثل السيراميك بالصلابة ومقاومة الخدوش، دون أن ننسى مقاومتها التآكل». لهذا ليس غريبا أن تُسجل الدار السيراتنيوم ملكا خاصا لها، وتتباهى به، لا سيما أنها تتنافس مع شركات عملاقة لا تتوقف عن اختراع تقنيات جديدة واستعمال مواد غريبة لم يسبقها إليها أحد من قبل حتى تبقى في الصدارة.
في عام 1980 مثلا أطلقت دار «آي دبليو سي» أول ساعة يد بعلبة مصنوعة من التيتانيوم هي «بورش ديزاين تيتانكرونوغراف IWC Porsche Design Titanchronograph»، أتبعتها بإطلاق ساعة «دافنشي بيريتوال كالندر Da Vinci Perpetual Calendar» أول ساعة في العالم مزودة بعلبة من سيراميك أكسيد الزركونيوم، الأمر الذي شجعها على المزيد والتطوير، فكل مادة بالنسبة لها تتميز بخصائص ومزايا مختلفة. فالفولاذ الصلب مضاد للصدأ وسهل التصنيع، بينما التيتانيوم خفيف الوزن وغير قابل للكسر وإن كان صعب المعالجة. أما السيراميك فهو لا يتعرض للتآكل وفائق المقاومة للخدوش لدرجة أن الماس هو الوحيد القادر على خدشه. كان يمكن أن تتوقف عند هذا الحد، لكن علاقتها بعالم الطيران علمتها أن الآفاق واسعة ولا حدود لها، وكانت النتيجة تطوريها مادة السيراتنيوم، الذي قال كريستوف إنه «أساسا تيتانيوم مخلوط بالسيراميك»... خليط نتجت عنه مجموعة ساعات، تطلبت أبحاثا طويلة واختبارات مضنية، لكن خفة وزنها وجمالها وما تتضمنه بداخلها من ميزات، تجعلها تستحق كل ذلك وأكثر.


مقالات ذات صلة

فالنتينو غارافاني يرحل... عالم الموضة يُودّع الإمبراطور الأخير

يوميات الشرق المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012

فالنتينو غارافاني يرحل... عالم الموضة يُودّع الإمبراطور الأخير

توفي الاثنين في روما فالنتينو غارافاني؛ المصمم الذي شكّل أسلوب جيل كامل، ولم يكتفِ بابتكار أناقة مفعمة بالترف، بل تماهى معها حتى غدت جزءاً من صورته العامة.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)

حفل «الغولدن غلوب» هذا العام... حنين لعصر هوليوود الذهبي واحتجاجات صامتة

الإقبال على أزياء كلاسيكية مستلهمة من عصر هوليوود الذهبي هو حنين للبساطة وأناقة كانت تعكس زمن وفرة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)

من نيويورك إلى لبنان...رمزية إطلالة راما دواجي وتأثيرها الثقافي

في 1 يناير (كانون الثاني) 2026، وفي محطة ظلّت مهجورة منذ عام 1945، شهدت نيويورك انتقال السلطة من أندرو كومو إلى زهران ممداني. اختيار المكان لم يكن مصادفة، بل…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة الشركات العريقة والمتخصصة اتفقت على القوة الناعمة والأشكال الهندسية (آيوير فينتاج - ماوي جيم)

نظارات موسم الشتاء... حماية وجمال

في الشتاء عندما يصبح الضوء أكثر حدةً وتبايناً، تكتسب النظارات أدواراً وظيفية وجمالية في الوقت ذاته. فهنا تصبح الرؤية الواضحة جزءاً من التجربة اليومية، سواء في…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة نخبة من لاعبي الفريق الأساسي: القائد فيرجيل فان دايك ودومينيك سوبوسلاي وفلوريان فيرتز وكونور برادلي وهوغو إيكيتيكي إلى جانب نجمتَي فريق السيدات جيما بونر وليان كيرنان (تومي هيلفيغر)

كرة القدم والموضة تجمعان «تومي هيلفيغر» ونادي ليفربول الإنجليزي

أعلنت علامة «تومي هيلفيغر (Tommy Hilfiger)»، التابعة لشركة «بي في إتش (PVH) المدرجة في بورصة نيويورك، عن دخولها رسمياً عالم كرة القدم، بعد إبرام شراكة جديدة مع…

«الشرق الأوسط» (لندن)

فالنتينو غارافاني يرحل... عالم الموضة يُودّع الإمبراطور الأخير

المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012
المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012
TT

فالنتينو غارافاني يرحل... عالم الموضة يُودّع الإمبراطور الأخير

المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012
المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012

توفي يوم الاثنين في منزله بروما فالنتينو غارافاني؛ المصمم الذي شكّل أسلوب جيل كامل، ولم يكتفِ بابتكار أناقة مفعمة بالترف، بل تماهى معها حتى غدت جزءاً من صورته العامة. مصمم وصفه والتر فيلتروني، عمدة روما عام 2005، بالقول: «في إيطاليا، هناك البابا، وهناك فالنتينو». وبمجرد إعلان خبر وفاته أمس، نعته رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، قائلة إن «إيطاليا خسرت أسطورة». توصيف ليس مبالغاً فيه، إذ برحيل فالنتينو غارافاني لم يُسدل الستار على عهد كامل زمنياً، بل انتهى عهد الكبار حرفياً.

المصمم يحيي ضيوفه بعد انتهاء عرض لخريف 2006 وشتاء 2007 في باريس (أ.ف.ب)

 

 

كان فالنتينو من جيل الكبار، الذين لم يعيشوا عصر «الترندات»، بل كانوا يتنافسون على التميز وكسب ودّ المرأة مهما استغرق التصميم من وقت وجهد. ورغم المنافسة الفنية التي كانت دائرة في عصره بين مصممين كبار في باريس، نجح في أن يرسم لنفسه خطاً واضحاً يرمز للحياة المرفهة الراقية في هدوئها. حتى في أقصى أنوثتها لم تكن مشروع إثارة، بل لوحة تجسد جمالاً يحتفل بالفخامة. هذه اللوحة لا تزال مرجعية لكل المصممين الذين توالوا على إدارة داره بعد اعتزاله في يناير (كانون الثاني) 2008.

لم يرضَ عنهم كلهم. كان خائفاً على هويته من الذوبان في أساليب تُهمِّش شيفرته الجينية لحساب استعراضات شخصية، لكنه اقتنع بابن بلده ببييرباولو بيكيولي، وربط معه علاقة طويلة دامت نحو 17 سنة. كان هذا الأخير أكثر من فهم شخصيته واحترم أن أسلوبه كان ثقافة قائمة بذاتها.

كان يعشق بريق النجمات ويقدم لهن أجمل الفساتين من جوليا روبرتس وكايت بلانشيت إلى سارة جيسيكا باركر (رويترز)

لم يُسوِّق لأسلوبه عبر علاقته مع نجمات هوليوود، مثل إليزابيث تايلور، وآفا غاردنر، ولانا تيرنر، وأودري هيبورن، وشارون ستون، وجوليا روبرتس، وغيرهن، بل عاشها هو نفسه بأناقته وفي حياته الخاصة. لم يُخفِ عشقه للموضة ولا ميله لحياة الترف، إلى حد القول إنه لم يكن أقل بذخاً أو أناقة من زبوناته من الطبقات الراقية والمالكة، مثل زوجة مؤسس شركة «فيات» ماريلا أنييلي، والأميرة ديانا، وفرح ديبا التي خرجت من إيران مرتدية معطفاً من تصميمه، ونانسي ريغان، وجاكي كينيدي وغيرهن.

فقد كان يتنقل على متن طائرة خاصة، بين قصره في روما، وشقة في نيويورك، وقصر بالقرب من باريس، وشاليه في غشتاد، ويخت طوله 50 متراً. في كتاب سيرته الذاتية، الذي نشرته «دار تاشن» عام 2007 قال: «بعض الناس يعملون بجدّ لدرجة أنهم يصبحون (معذبين)، أنا لست كذلك، أنا أريد أن أكون سعيداً حين أصمم فستاناً».

مع الممثلة إليزابيث هيرلي بفستان أحمر من تصميمه عام 2007 (أ.ب)

البداية

وُلد «فالنتينو كليمنتي لودوفيكو غارافاني» في 11 مايو (أيار) 1932 في فوغيرا، وهي بلدة صغيرة جنوب ميلانو، لعائلة من الطبقة المتوسطة. سُمّي فالنتينو تيمّناً بنجم السينما الصامتة. كان مثله وسيماً وأنيقاً. منذ صغره، لم يكن يقبل سوى بأحذية مُصمّمة خصيصاً له، ولا يخرج قبل أن يتأكد من أناقته. في تصريح سابق لمجلة «إيل» اعترف قائلاً: «أعاني من هذا الشغف منذ صغري، فأنا لا أحب إلا الأشياء الجميلة. لا أحب رؤية رجال بلا ربطات عنق، أو يرتدون كنزات، أو نساء بماكياج صارخ وسراويل فضفاضة. إنّ ذلك يعكس سوء تربية وانعدام احترام الذات». ومما يذكره المصمم بييرباولو بيكيولي عنه أنه نصحه في إحدى المرات بأن يتجنب تنسيق أحذية جلدية مع أزياء مصنوعة من أقمشة الموسلين. هذه التفاصيل لم تكن تفوته.

مع الممثلة آن هاثاوي عام 2011 التي ربطته معها علاقة صداقة وقد صمم لها فستان زفافها حتى بعد اعتزاله (أ.ب)

بسبب إصراره وحبّه للموضة، سمح له والده، وهو صاحب شركة متخصصة في الكابلات الكهربائية، بالالتحاق في سن السابعة عشرة بمدرسة الفنون الجميلة في باريس والانضمام إلى غرفة النقابة المهنية للأزياء الراقية. وقد أثّر أسلوب تلك الحقبة، الذي أعادت دار ديور تعريفه، على نظرته الجمالية المستقبلية، إذ ركزت تصاميمه على إبراز المرأة بخصر محدد وكعب عالٍ. لكن رغم تأثره بمصممي عصره، نجح في أن يضخّ أسلوبه بروح إيطالية ميّزته عن غيره.

في عام 1952، انضم إلى دار جان ديسيس، التي كانت تُلبس زبونات ثريات وأفراداً من العائلات الملكية، قبل أن ينتقل إلى دار «غي لاروش» عام 1957. وتقول مصممة الأزياء جاكلين دو ريب، وفق ما تنقل عنها مؤسسة فالنتينو: «عندما قرر العودة إلى روما، قلت له إنه مجنون لمغادرة مركز الموضة العالمي. فروما لم تكن ذات أهمية، كانت مجرّد منطقة ثانوية بالمقارنة بباريس»، لكنه أصرّ. وفي عام 1960، افتتح فيها دار أزياء خاصة بتمويل من والده وبعض أصدقاء والده، في شارع «فيا دي كوندوتي» الشهير. كان قراره صائباً، ففي ستينات القرن العشرين، أصبحت روما امتداداً لهوليوود بفضل استوديوهات شينشيتا، لتُقبل نجمات مثل أنيتا إيكبرغ، وصوفيا لورين، وإليزابيث تايلور على تصاميمه. وفي عام 1962 قدّم في قصر بيتي بفلورنسا مجموعته الأولى التي تميّزت بتصاميم بالأحمر الإمبراطوري، الذي يُعرف بـ«أحمر فالنتينو» حتى الآن.

كان تعاونه مع جاكلين كينيدي بعد زواجها بأريستوتل أوناسيس نقطة تحول في مسيرته (أ.ب)

كان لقاؤه بجاكي كينيدي عام 1964 نقطة تحوّل في حياته، إذ تولّى تصميم أزيائها بالكامل. وفي حفلة زفافها على رجل الأعمال اليوناني أرسطو أوناسيس عام 1968، اختارت فستاناً عاجياً بالدانتيل من مجموعته البيضاء الشهيرة. كان لهذه العلاقة مفعول السحر عليه، إذ حقّق بعدها نجاحاً باهراً في الولايات المتحدة، وأصبح سنة 1970 أول مصمم أزياء إيطالي يفتتح متجراً في نيويورك. لكن لا يمكن الحديث عن نجاحه هذا من دون ذكر اسم شريكه وصديق عمره جانكارلو جاميتي. كان رجل أعمال ذا ذوق رفيع لعب دوراً مهماً في أن يجعل اسم «فالنتينو» رمزاً عالمياً من خلال عمليات استحواذ متتالية واقتناء قطع فنية. لم تكن علاقتهما سهلة، لكنها كانت مبنية على الاحترام، حسب ما صرّح به في الفيلم الوثائقي: «فالنتينو، الإمبراطور الأخير»: «أن تكون صديق فالنتينو وشريكه وموظفه لأكثر من 45 عاماً يتطلب قدراً كبيراً من الصبر». وفق تصريحه.

فالنتينو وشريكه وصديقه جيانكارلو جياميتي في حفل فانيتي فير عام 2013 (أ.ف.ب)

محطات في تاريخه

جمع فالنتينو بين الحرفية الإيطالية، والخياطة الفرنسية الراقية، والأزياء الجاهزة الأميركية، إذ تبرز تصاميمه القوام عند الكتفين والخصر. كان حريصاً على استعمال أجود أنواع الأقمشة، لأنه كان يؤمن بأنّ «المرأة يجب أن تخطف الأنظار أينما حلّت». في عام 1989، قرر التوقف عن عرض مجموعاته في أسبوع ميلانو، متوجهاً إلى باريس، المدينة التي درس فيها وأحبها وبادلته الحب، بأن منحته في عام 2006 وسام جوقة الشرف. في عام 2007، قدّم آخر عرض له محتفلاً بمسيرة مهنية امتدت 45 عاماً. كان عرضاً لا يزال العديد من محبي الموضة يذكرونه بالدموع. وفي عام 2008، أعلن اعتزاله رسمياً.

حينها قال جاميتي: «سيكون فالنتينو آخر الأسماء اللامعة التي منحت اسمها لدار قادرة على إحداث فرق جوهري بين الأمس واليوم». وكم كان محقّاً بالفعل.

 

 


حفل «الغولدن غلوب» هذا العام... حنين لعصر هوليوود الذهبي واحتجاجات صامتة

أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)
أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)
TT

حفل «الغولدن غلوب» هذا العام... حنين لعصر هوليوود الذهبي واحتجاجات صامتة

أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)
أناقة أيام زمان وجمالها بريشها ومكياجها تجسدت في إطلالة سيلينا غوميز (شانيل)

إذا كان هناك شيء واحد تخرج به من متابعة الدورة الـ83 من حفل جوائز الغولدن غلوب في نهاية الأسبوع الماضي، فهو أن هناك حنيناً واضحاً إلى أناقة هوليوود في عصرها الذهبي.

كانت الصورة التي طالعتنا بها معظم النجمات مألوفة جداً. لم تفتقد الأناقة والجمال، لكن لا جديد فيها بمعنى الحداثي الثوري الذي كان يُشعل حوارات فكرية جدلية، ويسرق من نقاد السينما تغطيات مهمة في المجلات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. المصمم اللبناني العالمي طوني ورد، الذي ظهرت أربع نجمات بتصاميمه في هذه المناسبة قال إن هذه الأزياء «لا تنتمي إلى مزاج واحد، بل إلى اللحظة». وأضاف أن حفل الغولدن غلوب ليس «مجرد مناسبة خاصة بالسينما نتابعها لمعرفة من سيفوز، بل هي أيضاً عمن يحضرها وهو يحمل قصة».

بريق وأناقة العصر الذهبي جسدتهما كايت هادسون وإميلي بلانت وإيل فانينغ (أ.ف.ب)

الكلاسيكية أولاً

اللافت أن معظم النجمات هذه المرة اخترن إطلالات كلاسيكية، وكأنهن يعدن تمثيل مشاهد قديمة مُخزنة في الذاكرة لأودري هيبورن أو لمارلين مونرو أو غريس كيلي أو ريتا هايورات. سيرينا غوميز مثلاً اختارت فستاناً أسود مزداناً بريش أبيض نسقته بماكياج وتسريحة شعر تستحضر خمسينات القرن الماضي، وكيت هادسون، تألقت في فستان فضي بقصة «هالتر» وبريانكا شوبرا في فستان أزرق داكن يقتصر على تفاصيل محسوبة عند الخصر والتنورة وغيرهن من الأسماء، في حين كانت الألوان هادئة بدرجات الوردي والبنفسجي والأسود مع ومضات قليلة بألوان متوهجة، مثل الأخضر.

بحسب مجلة «فوغ» فإن هذا الاتجاه ليس جديداً على حفل الغولدن غلوب. في مقال نشرته المجلة في مطلع عام 2025 بعنوان «سحر هوليوود القديمة حاضر بقوة في الغولدن غلوب»، أشارت إلى أن هذا الاتجاه يشير إلى أنه قد يُصبح سمة تلازمه طويلاً. كانت قراءتهم جيدة، بحسب ما لمسناه هذا العام.

أونا تشابلين وجين سمارت بتصاميم من طوني ورد (أ.ف.ب)

بيوت أزياء عديدة ساهمت في رسم هذه الصورة الكلاسيكية المفعمة بالفخامة والرومانسية، بدءاً من «جيورجيو أرماني» و«لوي فويتون» إلى «شانيل» و«ديور» وغيرهم. المصمم اللبناني العالمي طوني ورد يُعلق على هذه الظاهرة لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «سحر هوليوود آنذاك لم يولد على السجادة الحمراء، بل تمت صياغته في المشاغل على يد حرفيين وفنيين كانت لهم رؤية واضحة بعيدة عن التكلف، كما لم يكن الإبهار فيها غاية في حد ذاته. وهذا ما يجعل أناقة أيام زمان ببساطتها، عابرة للزمن وتبدو أكثر حداثة اليوم». اختارت الممثلة جيني ماي فستاناً أسود من مجموعته الجاهزة لخريف وشتاء 2025 - 2026، بأكتاف عارية ومطرز يدوياً بسلاسل ذهبية ناعمة، بينما اختارت الممثلة سكايلا ديغينز - سميت فستاناً من مجموعته الجاهزة لربيع وصيف 2026 بلون أزرق من قماش التافتا مطرزاً بالترتر يجمع بين الأسلوب الهندسي والخطوط الانسيابية.

أما الممثلة أونا تشابلن فاختارت فستاناً من خط الـ«هوت كوتور» لربيع وصيف 2025، مصنوعاً من الحرير الأسود والذهبي، بصديري غني بالتباينات والتطريزات اليدوية، في حين اكتفت الممثلة جين سمارت، الحائزة جائزة الغولدن غلوب على أفضل أداء لممثلة في مسلسل تلفزيوني بفستان أبيض أميري، جمع الحضور الكلاسيكي والسلاسة المعاصرة ببساطة.

تغيرت الوجوه والألوان وحتى الأقمشة، إلا أن التيمة التي اعتمدها المصمم وأقبلت عليها هؤلاء النجمات كانت الكلاسيكية المفعمة بالأنوثة.

الأجندات السياسية

غير أن الهدوء الشكلي أخفى وراءه صراخاً «مبطناً» بقضايا إنسانية. ففي مقابل اختفاء جرأة السنوات الأخيرة التي كانت تستهدف إحداث الصدمة وإثارة الانتباه، تصدّرت هذه القضايا المشهد من خلال نجوم أخذوا على عاتقهم مهمة تسليط الضوء عليها والتنديد بها من دون رفع لافتات أو هتافات. كانت الأزياء والإكسسوارات ولو على شكل دبوس صغير وسيلتهم لإيصال رسائلهم.

الممثلة ساجا كيلاني وفستان بتطريز فلسطيني يدوي بتوقيع ابنة بلدها، المصممة الفلسطينية الأردنية ريما دحبور (أ.ف.ب)

أكبر مثال على هذا عدم تجاهل معاناة الشعب الفلسطيني في هذه المناسبة، فقد مثّلته الفلسطينية الأردنية، ساجا كيلاني باختيارها فستاناً أسود أنيقاً بطابع معماري مرسوم بدقة. كان بتوقيع ابنة بلدها، المصممة ريما دحبور، التي طرّزته عند خط الصدر بتطريز تقليدي، صرحت الممثلة بأنه من أشهر أشكال الأعمال اليدوية الفلسطينية. غني عن القول أنه زاد من جمال الفستان وقيمته وبدا كما لو أنه تميمة تطلب الحماية وتحكي قصة تاريخ ومعاناة.

حتى من لم تحمل قضية سياسية وإنسانية من النجمات، عانقت الماضي وكأنه قضية ذاكرة حرصوا فيها على إعادة ترميم النجومية بمفهومها التقليدي كمضاد لارتباك الأوضاع الحالية.

الأسباب والتأويلات

هناك تفسيرات كثيرة عن الأسباب التي تجعل السجادة الحمراء هذا العام تتعدى كونها مجرد مساحة لاستعراض آخر صيحات الموضة وقراءتها كمؤشر على تحوّلات أعمق بوصفها واجهة احتفالية لصناعة السينما. إلا أن هذا الدور تعرّض هو الآخر للارتباك في ظل حالة التشبّع البصري الذي أفقد الإطلالات تفردها، وهيمنة منطق وسائل التواصل الاجتماعي التي اختزلت القيمة الجمالية في سرعة التداول وعدد المشاهدات.

الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس (أ.ف.ب)

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه التحوّلات لا تنفصل عن مناخ عالمي مثقل بقلق سياسي وثقافي انعكس على السينما، التي تعيش منذ سنوات أزمة ذات طابع وجودي، وهو ما يفسِر الجمالي بالسياسي، كما عبّر عنه عدد من الفنانين، من بينهم مارك روفالو، الذي يوظف حضوره في هذه الفعاليات للتعبير عن مواقفه المناهضة لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

إلى ذلك، يفرض العامل الاقتصادي نفسه بوصفه أحد المحددِّات لهذا التحوّل. فتراجع العروض السينمائية التقليدية أمام تمدّد منصات البث، بما أدى إليه من تقلّص في الميزانيات، يُهدِد النموذج الهوليوودي الكلاسيكي القائم على الترف وبيع الأحلام، مثل الموضة.

المغنية مايلي سايروش وفستان أسود من «سان لوران» كلاسيكي تكمن جرأته في الياقة المفتوحة والنظارات الداكنة (أ.ف.ب*

أمام هذا الواقع، يبدو اعتماد الأزياء الكلاسيكية، نوعاً من التعويض الرمزي عن هذا الترف، بمحاكاة قصات حرص فيها مصممو منتصف القرن الماضي على تتبع تضاريس الجسم بذوق رفيع بعيد عن أي ابتذال واستحضار صور نجمات تلك الحقبة، حين كان هدف المصممين الأول إخفاء العيوب وإبراز الجماليات برسم كل قطعة وكأنها لوحة فنية بأقمشة تنساب وتتمايل مع كل حركة. كانت الأكتاف محددة بنعومة، والخصور ضيقة، وطبعاً الأقمشة المترفة التي تتحدى الزمن.

قواعد أصبحت مع الوقت مرجعاً للمصممين المعاصرين يستلهمون من فخامتها وحرفيتها خيوطاً ينسجونها بلغة تستهدف الجيل الجديد.

بدايات حذرة

اللافت في توقيت هذا الاتجاه أيضاً إلى جانب رسائله السياسية والثقافية، تزامنه مع التغيرات الكبيرة التي يشهدها عالم الموضة سواء على مستويات تنفيذية عالية أو على مستوى المديرين الإبداعيين. فقد تولت حديثاً مجموعة من المصممين الشباب مهمة قيادة بيوت أزياء كبيرة، مثل ماثيو بلايزي في دار «شانيل» وجوناثان أندرسون في «ديور» وأليساندرو ميكيلي في «فالنتينو» وديمنا في «غوتشي» وغيرهم. رغم إمكانياتهم، لم يعمل أي واحد منهم على خض المألوف أو فرد عضلاته الفنية. بل أجمعوا كلهم على ركن النزعة التجريبية أو المفاهيمية وتبني المدرسة الكلاسيكية.

سيلينا غوميز وروز بيرن وآيو إيدبيري بتصاميم في غاية الأناقة الكلاسيكية من «شانيل» (شانيل)

من فستان بريانكا شوبرا من دار «ديور» إلى فستان سيلينا غوميز الأسود المزين بالريش من «شانيل» أو إطلالة الممثلة روز بيرن بفستان أخضر يستحضر صورة ريتا هايوارث ومارلين مونرو وغيرهما من نجمات الخمسينات، والممثلة آيو إدبيري في فستانها الأسود الأنيق المشبوك عند الكتف بدبوس، كانت الصورةَ العامة: فساتين بلا أكتاف في الغالب، قفازات طويلة، ذيول تمسح الأرض وتسريحات شعر ومكياج أيضاً من الزمن نفسه.

بريانكا شوبرا تتوسط رشيدة جونز وميا غوث في فساتين من دار «ديور» (ديور)

هل تحفّظ المصممين هذا وعودتهم للماضي يعنيان افتقادهم الموهبة والقدرة على الابتكار مقارنة بأسلافهم من المؤسسين لهذه البيوت؟ الجواب بكل بساطة أن الأوضاع الاقتصادية هي التي تغيرت وباتت تفرض نفسها على المساحة المتاحة للإبداع. في القرن الماضي كان المصمم أكثر استقلالية، يعمل ضمن منظومة إنسانية أبطأ تركز على الفنية والحرفية. فعدد المجموعات أقل، وفترة الاختبار أطول في غياب ضغط الاستهلاك والرغبة في تحقيق الربح السريع. والنتيجة كانت تصاميم متقنة عابرة للزمن. مصمم اليوم في المقابل، يفتقد أي استقلالية، ويعمل تحت ضغوطات هائلة من قبل المجموعات الضخمة المالكة لبيوتهم. بات عليهم تقديم عدة تشكيلات من خطوط مختلفة لإرضاء جمهور متقلّب، فضلاً عن هيمنة المنصات الرقمية.

ربما يكون المصمم راف سيمونز مصمم دار «برادا» حالياً أكثر من لخّص هذا الوضع حين قال في إحدى تصريحاته في الفترة التي تولى فيها إدارة «ديور» إن المصمم بات يعاني من الكثير من الضغوطات ما يُفقده السيطرة ويؤثر على الابتكار. بييرباولو بكيولي، مصمم دار «فالنتينو» سابقاً ومصمم دار «بالنسياغا» حالياً يوافقه الرأي وعبر عن ذلك أيضاً بشجاعة.

الممثلة ليسلي مان وفستان من دار «بالنسياغا» بياقة مبتكرة وقفازات طويلة (بالنسياغا)

من هذا المنظور فإن العودة إلى الماضي، ما هو سوى مضاد حيوي لبث الطمأنينة يضمن للمصممين مرجعية جمالية تضفي على التصميم وزناً وقيمة، ويضمن للمستهلك قصة رومانسية تلمس قلبه. لكن الأجمل في الصورة التي تابعناها في الدورة الـ83 من حفل الغولدن غلوب، أن هؤلاء المصممين بعودتهم إلى إرث قديم فتحوا حواراً ممتعاً بين زمنين. زمن أسس قواعد الأناقة وزمن يعيد تفسيرها لجيل يبدو أنه يحِن للرومانسية والرصانة.


من نيويورك إلى لبنان...رمزية إطلالة راما دواجي وتأثيرها الثقافي

راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)
راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)
TT

من نيويورك إلى لبنان...رمزية إطلالة راما دواجي وتأثيرها الثقافي

راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)
راما دواجي وزهران ممداني في حفل التنصيب (أ.ب)

في 1 يناير (كانون الثاني) 2026، وفي محطة ظلّت مهجورة منذ عام 1945، شهدت نيويورك انتقال السلطة من أندرو كومو إلى زهران ممداني. اختيار المكان لم يكن مصادفة، بل إشارة واضحة إلى أن السياسة الجديدة تبدأ من حيث يلتقي الناس يومياً: المترو.

من المكان إلى الأزياء والأكسسوارات، كانت كل التفاصيل محسوبة ومدروسة بعناية فائقة تؤذن بعهد ديناميكي. وبالطبع، الحديث عن الأزياء يجرنا تلقائياً إلى حضور راما دواجي، زوجة ممداني، أو سيدة نيويورك الأولى حالياً. وكعادتها رافقته بصمت مطبق، تاركة الكلام كله لإطلالتها.

لم يكن اختيار أزياء وأكسسوارات راما وزوجها زهران ممداني عبثياً إذ تمت دراسة كل التفاصيل بعناية فائقة (أ.ف.ب)

إلى جانب ارتدائها هويتها العربية وحرصها على إلقاء الضوء على مصممين محليين، أضافت في هذه المناسبة التاريخية عنصراً آخر يُسلط الضوء على الموضة بوصفها وسيلة التمكين النسوي، فهي لم تكتفِ بتألقها الشخصي، بل رفعت معها مصممة معطفها، الفلسطينية اللبنانية سينثيا مرهج، وخبيرة الأزياء النيويوركية السمراء غابرييلا كاريفا جونسون. وبهذا أكّدت لنا أن مساحة النجاح تتسع لكل النساء، وأن المرأة الواثقة يمكن أن ترتقي بكل مَن يعملن معها، وتُعطيهن حقهن.

تقول سينثيا مرهج، وهي مصممة شابة أطلقت علامتها «رينسانس رينسانس» في عام 2016، وفازت بجائزة «فاشن ترست آرابيا» لعام 2023 عن فئة ملابس السهرة إضافة إلى جوائز أخرى، إنها تفاجأت بمعرفة راما بعلامتها. وتضيف بإعجاب: «كان بإمكانها اختيار أي اسم عالمي، لكنها اختارتنا، وهو ما يُعيد الاعتبار لبُعدنا الإنساني، ويُظهر حجم الثقافة والإبداع الموجودين في منطقتنا».

المعطف والرمزية

المعطف كما ظهر ضمن مجموعة خريف وشتاء 2023 مصنوع من صوف محلي وفرو اصطناعي (رينسانس رينسانس)

وبعد المفاجأة والغوص في عالم راما، الإنسانة والفنانة، اكتشفت المصممة مدى الانسجام الطبيعي بينها وبين علامتها التي تحتفل بالمرأة العملية والمثقفة فنياً. وكان المعطف، من مجموعة خريف وشتاء 2023، «يعكس شخصية راما بدقة»، وفق قولها، مضيفة أن تفاصيله كافة «صُنعت في لبنان من صوف محلي جرى غزله ونسجه وتنفيذه بأيدي نساء لبنانيات، بينهن والدتي وابنتا خالتي، كريستي وجيس، اللتان نقلتا القطعة إلى نيويورك». وبالنسبة إلى سينثيا، شكّل ذلك «دليلاً على القوة الاستثنائية للمرأة والمجتمع الذي تنتمي إليه».

فن رسم الصورة

في إطار رسم هذه الصورة، لا يمكن عدم الإشارة إلى المايسترو وراءها: غابرييلا كاريفا جونسون، فهي خبيرة ومحررة أزياء نيويوركية سمراء، تمتلك صوتاً مسموعاً توظّفه في تمثيل الأقليات وتسليط الضوء على المواهب الناشئة. ولم يكن اختيار «مكتب زهران ممداني» للتعاون مع راما محض صدفة، بل خطوة مدروسة تعكس توافقاً استراتيجياً بين سياسة ممداني القائمة على التعددية والشمولية، ورؤية راما المعتزة بجذورها العربية.

عبّرت غابرييلا عن سعادتها بهذا التعاون في مقال طويل نشرته مؤخراً، قائلة إنه كان تجربة ثلاثية فريدة بينها وبين راما وسينثيا، حيث «جرى تبادل الأفكار والرسومات لتعديل بعض تفاصيل المعطف بحماس سلس ليأخذ شكله النهائي».

تم تغيير الياقة بحيث جاءت عالية ومقفلة تماماً مقارنة بالتصميم الأصلي لتناسب طقس نيويورك البارد (أ.ف.ب)

شمل التعديل الياقة التي جاءت عالية ومقفلة تماماً لصدّ برودة طقس شهر يناير، مقارنة بالتصميم الأصلي، كما جرى التخفيف من التفاصيل التي كانت تظهر فيه على شكل صفوف من الفرو الاصطناعي، تمتد من منطقة الخصر إلى الأسفل. فبدلاً من 10 صفوف، تم الاكتفاء بـ3 فقط، ما أكسب التصميم بساطة وأناقة كبيرين.

نُسّق المعطف مع أقراط متدلية استعارتها من متجر نيويوركي مشهور بقطع «الفينتاج». والنتيجة كانت إطلالة تمزج بين الخصوصية والاستدامة، تعكس ميل راما إلى القطع المعاد تدويرها أو التي تحمل تاريخاً. بأسلوبها الخاص، تنجح راما في منح هذه القطع روحاً شبابية تتناسب مع سنها وطموحات جيلها من فتيات نيويورك تحديداً.

الموضة بوصفها فناً وتعبيراً شخصياً

في لحظة التنصيب التاريخية، التي كانت أعين العالم كلها مصوبة نحو نيويورك، بدت خيارات راما متسقة مع سياسات زوجها، من حيث إنسانيتها وشموليتها وابتعادها عن أي استعراض. كما ظهرت بعيدة كل البُعد عن الصورة التقليدية للسيدة الأولى، التي كانت حتى الأمس القريب تخضع لتوقعات مسبقة، سواء من خلال اختيار أزياء لمصممين نادرين جداً، أو الالتزام بلقطات تقليدية مكررة. أما راما، فاختارت أن تُعانق اختلافها بشجاعة، وكل تفاصيل حضورها كانت تصرخ بتميزها دون أن تنطق بكلمة.

قبل حفل التنصيب بأسابيع قليلة، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بصور نُشرت لها في مجلة «ذي كات» (The Cut). لم تظهر فيها مجرد امرأة تستعرض أزياء أنيقة، بل أقرب إلى عمل فني يعتمد على التكوين وتلك العلاقة الحميمة بين الجسد والأزياء. كل هذا من دون أي شعارات أو خطاب مباشر. في كل صورة نجحت في شد الأنفاس وإثارة الإعجاب، لأنها تُذكِّر بأن الموضة في الأساس كانت وسيلة تعبير فني قبل أن تتحول إلى استهلاك.

سينثيا مرهج... المصممة

تصاميم من مجموعة سينثيا مرهج لربيع وصيف 2026 (رينسانس رينسانس)

حصلت على شهادة في عالم التواصل البصري من معهد «سنترال سانت مارتنز» لتصميم الأزياء، ومن لبنان أطلقت علامة «رينسانس رينسانس» عام 2016، رافعة شعار «طرح أزياء تخاطب امرأة معاصرة بنوعية جيدة وتصاميم أنيقة بكميات أقل»، مفضلة طرح أزياء بسيطة تناسب إيقاع المرأة العصرية على تصميم أزياء فخمة غنية بالتطريزات.

لكن تبقى ميزة العلامة ارتباطها العميق بالإرث وحب العائلة، إذ إن سينثيا تُمثل الجيل الثالث من عائلة امتهنت صناعة الأزياء منذ عقود. بدأت من جدتها لوريس سروجي، التي اشتهرت منذ أكثر من نصف قرن في حيفا، بتصميمها أزياء نساء المجتمع الفلسطيني. الجدة نقلت حب هذه المهنة لابنتها لوار ثم إلى حفيدتها سينثيا.

منذ عام 2016 إلى اليوم، حصدت المصممة الكثير من الجوائز، منها جائزة «فاشن ترست أرابيا» لعام 2023، كما أدرجت مؤخراً ضمن نصف نهائي جائزة «LVMH». كما صممت أزياء النجمة كلوي سيفيني، في فيلم مقتبس من الرواية الفرنسية «صباح الخير أيها الحزن» (Bonjour Tristesse) للكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان.