بعد النظام.. «داعش» بلاء حلب الجديد

تطارد الصحافيين والناشطين.. وحياة الأهالي جحيم

عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)
عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)
TT

بعد النظام.. «داعش» بلاء حلب الجديد

عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)
عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)

كان آخر الأشياء التي فعلها محمود في سوريا أن ثبّت بابا أماميا جديدا لشقته. كانت تلك علامة أخرى على أن كل شيء في حلب بدأ يسير في الاتجاه الخاطئ. وقبل شهر، استبدل محمود بمسدسه بندقية رشاشة. أما الآن، فهو يضع حواجز معدنية كبيرة عند مدخل شقته ويتفحص الأقفال التي أصدرت دويا عند عودتها لأماكنها، بعد إغلاقه الباب بعنف، ثم ينظر محمود من خلال ثقب الباب إلى الردهة. غير أنه، وبعد ثلاثة أشهر من اتخاذ تلك التدابير، لم يعد الباب الأمامي أو البندقية الرشاشة يوفران الحماية الكافية له.
وخلال ما يقرب من ثلاث سنوات، كان محمود ناشطا وواحدا من الثوار السوريين الشباب الذين كرسوا سنوات من حياتهم لبلادهم والقضية التي كانوا يؤمنون بها. غير أنه عندما التقى «الشرق الأوسط» في ديسمبر (كانون الأول) في بلدة صغيرة جنوب تركيا، بدا، وهو يتحرك على غير هدى، شاعرا بالأمان في شقة صغيرة مريحة كان استأجرها مع صديقه، لكنه لم يستطع أن ينسى المدينة التي أُجبر على الرحيل منها.
يقول محمود: «شاركت في الاحتجاجات منذ البداية، واعتُقلت وسُجنت من قبل النظام. انضممت إلى الجيش السوري الحر، ثم بعد ذلك اتجهت للعمل مع الصحافيين الأجانب». ثم يستطرد قائلا: «عندما اندلع القتال في حلب، كنت أذهب إلى خط المواجهة كل يوم، ولم يتسلل الخوف أبدا إلى قلبي، على الرغم من تعرضي لإطلاق النار في أكثر من مائة مرة. أما الآن، بدأت أخشى على حياتي».
لم يكن النظام السوري هو الذي أجبر محمود على الفرار من حلب، بل كان أحدث اللاعبين المنضمين للحرب الأهلية في سوريا؛ إنهم المقاتلون الأجانب الذين ينتمون لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وهي المجموعة التي ترتبط بتنظيم القاعدة، والتي ظهرت للمرة الأولى في سوريا في ربيع عام 2013. وعندما زادت أعدادهم وقويت شوكتهم، بدأ مقاتلو داعش في شن حملة إرهاب ضد الصحافيين الأجانب والنشطاء السوريين ومن يعملون معهم. وتعتقل «داعش» وتسجن وتعذب وتقتل كثيرا من السوريين من أمثال محمود، سواء كانوا رجالا أو نساء، من الذين شاركوا في الثورة منذ اندلاع شرارتها الأولى، وتتهمهم بالعمل كجواسيس، وبأنهم أعداء لـ«الخليفة» الذي تأمل «داعش» في تنصيبه حاكما في سوريا.
وفرّ محمود من حلب قبل القبض عليه، لكن «أنور»، وهو ناشط كان يعمل منسقا ومترجما مع صحافيين ألمان وسويسريين في حلب، لم يكن محظوظا مثل محمود.
كان أنور في منزله في عزاز، وهي بلدة صغيرة بالقرب من المعبر الحدودي «باب السلامة»، عندما سمع طرقا على الباب. كان ذلك في أغسطس (آب)، حيث كان نائما خلال أشد ساعات النهار حرارة في ذلك الصيف القائظ. يقول أنور: «لم يكن هناك أحد بالمنزل غيري، فذهبت وفتحت الباب»، مضيفا: «عندما فتحت الباب، وجدت ثلاثة مسدسات وأربع بندقيات (كلاشنيكوف) مشهرة في وجهي».
ولم يفصح الرجال الذين اقتادوا أنور من منزله، وأجبروه على ركوب سيارة معصوب العينين، عن هويتهم أو إلى أي جهة ينتمون. بيد أن الأسئلة التي طرحوها عليه وهو ملقى في الظلام جعلته لا يشك لحظة في أن مستجوبيه ينتمون لتنظيم داعش. يقول أنور عن تلك التجربة: «سألوني في البداية عن الصحافيين الذين عملت معهم، ثم سألوني عما إذا كنت أعمل لصالح الاستخبارات الأميركية». وأضاف: «أجبتهم بـ(لا)، لكنهم لم يصدقونني».
اقتيد أنور إلى مستشفى الأطفال في حلب، وهي واحدة من خمسة مبان أعلنت منظمة العفو الدولية مؤخرا أنها تُستخدم من قبل «داعش» كمراكز احتجاز. ويشير أنور إلى أنه كان واحدا من نحو مائة سجين محتجزين هناك، غالبيتهم سوريون، كان الكثير منهم نشطاء وأعضاء في الجيش السوري الحر. وبينما كان أنور هناك، ألقى مقاتلو داعش القبض على عائلة سنية بأكملها، بما في ذلك النساء والأطفال، بتهمة أنهم شيعة. كما كان هناك ثلاثة صحافيين أجانب؛ فرنسيان ودنماركي، بين المحتجزين.
يصف أنور ما رآه في مكان الاحتجاز ذلك بقوله: «كان الوضع سيئا للغاية. كان هناك 15 شخصا في الغرفة، التي حبسنا فيها، وكنا نحصل على طعام يكفي فقط لشخصين اثنين. كانوا يسمحون لنا باستخدام المرحاض مرة واحدة في اليوم. وكلما فُتح باب الغرفة، كنت أدير وجهي تلقائيا إلى الحائط، لأنني أعرف أنه إذا لم أفعل ذلك فسأتعرض للضرب المبرح».
بعد أسبوعين في سجن (مستشفى الأطفال)، نقل أنور إلى مركز احتجاز آخر تديره «داعش» في منطقة الحيدرية الواقعة في محافظة حلب، حيث احتجز هناك مع مجموعة تضم مائتي فرد من الأكراد السوريين الذين اعتقلوا بينما كانوا يستقلون حافلة إلى مدينة القامشلي. واتهمتهم «داعش» بالسفر إلى العراق للانضمام إلى واحدة من الميليشيات الكردية، لكن أنور يعتقد أن جريمتهم الوحيدة هي انتماؤهم العرقي، حيث كانوا «جميعهم مدنيين».
وخلال الفترة التي قضاها أنور في الأسر، تعرض للضرب والتعذيب إلى حد فاق ما كان قد تعرض له خلال الأيام الـ20 التي قضاها في سجن النظام في بداية الثورة السورية. يقول أنور: «استخدموا الصدمات الكهربائية لتعذيبي، وعلقوني من السقف من ذراعي. لقد عذبني النظام، لكن لم يكن التعذيب بمثل تلك الوحشية». واضطر أنور أيضا لقراءة بيان ملفق عبر الفيديو، الذي اعترف فيه بالعمل لصالح الاستخبارات البريطانية. ويعلق أنور على ذلك بقوله: «بعد أن أجبروني على تصوير ذلك الفيديو، بدأت حقا أشعر بالخطر، وقررت حينها أنه ينبغي عليّ الفرار».
بعد مشاهدة الإجراءات التي يمارسها الخاطفون والتعرف على مخارج ومداخل ذلك السجن، قرر أنور أن هناك وسيلة للهرب من خلال قضبان نافذة السجن وتسلق الجدار المحيط به. نفذ المحاولة ثلاث مرات، وكان يعرف في كل مرة أنه إذا قُبض عليه، فإنهم سيعدمونه على الفور.
أخيرا، وفي إحدى المرات التي تحول انتباه الحراسة الليلية عن غرفته، تمكن أنور من الفرار. وبعد إقناعه عائلة في قرية مجاورة السماح له بالدخول إلى منزلهم والاتصال بعائلته، غادر أنور سوريا على الفور متجها إلى تركيا. ولم يعد إلى سوريا منذ ذلك الوقت.
ويضم جزء كبير من «داعش» مقاتلين أجانب بعضهم يرتبط بصلات ضعيفة جدا بسوريا، في حين أن البعض الآخر ليس له أدنى علاقة بسوريا. غير أنهم جميعا يؤمنون بأن سوريا هي المكان الذي ينبغي عليهم أن يجاهدوا فيه الآن. ولا تعني الأسس التي قامت عليها الثورة في سوريا لهؤلاء المقاتلين شيئا على الإطلاق، حيث إنهم، كما يقول محمود: «جاءوا إلى سوريا من أجل الموت، وهذه هي المشكلة الحقيقية. ولا يعرف غالبية المقاتلين الأجانب تاريخ أي من الأشخاص الذين يعتقلونهم ويستجوبونهم. فأنا، على سبيل المثال، ناشط، وقد قضيت فترة في سجون النظام، لكنهم لن يصدقوني، فهم يعتقدون فقط أنني جاسوس ويجب قتلي».
وأخبرنا محمود أن حلب قد أصبحت شبه خالية الآن من الناشطين، وأن الصحافيين الأجانب ابتعدوا عن المدينة منذ أواخر الصيف الماضي عندما بدأت موجة من عمليات الخطف التي نفذتها «داعش». يقول محمود إنهم «عندما انتهوا من خطف الصحافيين الأجانب، بدأوا في خطف وقتل الناشطين السوريين».
وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعدم مسلحون ملثمون، يُعتقد أنهم أعضاء في «داعش»، محمد سعيد، وهو سوري كان يعمل لصالح قناة «العربية» الإخبارية. وردا على ذلك، قرر نشطاء حلب تشكيل مجموعة إعلامية، «وفي غضون يومين، اختطف مقاتلو (داعش) الذين شكلوا تلك المجموعة الإعلامية»، حسبما أفاد به محمود الذي أضاف: «بعد ذلك، غادر الجميع حلب إلى تركيا. وقد اعتقل مقاتلو (داعش) نحو 15 من نشطاء حلب».
ومع مغادرة الصحافيين والناشطين، بقي عدد قليل من الناس الذين كانوا على استعداد أو قادرين على توثيق محنة المدنيين المتفاقمة. ومع اقتراب أقسى شتاء عرفته المدينة منذ عقود، حُوصر الآلاف من الأسر في شققهم من دون كهرباء أو وسائل تدفئة، في حين بدأت قوات الرئيس السوري بشار الأسد في قصف مناطق حلب التي يسيطر عليها المتمردون بضراوة من جديد.
وفي ضربة ثانية قاسية، عرف محمود أنه في الوقت التي تقوى فيه شوكة «داعش»، بدأ تعاطف العالم الخارجي مع الثورة السورية يضعف يوما بعد يوم. وحينما بدأ الجهاديون الأجانب في لعب دور أكثر قوة ومركزية في الصراع السوري، بدت مزاعم الأسد بأنه يخوض حربا ضد الإرهابيين الأجانب، وهي المزاعم التي افترضها منذ الأيام الأولى للثورة، قابلة للتصديق الآن، وأصبحت فكرة أنه «الديكتاتور المحاصر» غريبة وغير منطقية. وهذا ما ألحق ضررا كارثيا بسمعة النشطاء السوريين.
يقول محمود: «الآن، يعتقد المواطنون العاديون في أوروبا أن الأسد يقاتل الإرهابيين، كما يعتقدون أنه لم يعد هناك ثورة في سوريا». غير أنه، وبدخول الصراع في الشتاء الثالث واستمرار تدفق اللاجئين على المخيمات التي امتلأت عن آخرها، بدأ السوريون أنفسهم يتحدثون عن ثورة عام 2011 كما لو كانت جزءا من حقبة تاريخية مختلفة. يقول عبد الله، وهو شاب من اللاذقية جلس مبتسما وهو يشاهد فيديوهات تصور الاحتجاجات السورية الأولى في مدينته: «لقد كانت أياما عظيمة».
لقد خبر الكثير من التجارب منذ بداية الثورة وحتى الآن؛ فقد شارك في الاحتجاجات، وتهرب من أداء الخدمة العسكرية. وفي أحد الأيام، قُبض عليه، وأُجبر على الانخراط في الجيش السوري لمدة ستة أشهر، قبل أن ينشق ويهرب إلى تركيا للعمل مع منظمة إنسانية. وعندما بدأ الجيش السوري الحر في السيطرة تدريجيا على المناطق الريفية حول اللاذقية، عبر عبد الله الحدود مرات كثيرة خلال رحلات منتظمة مع الصحافيين وموظفي الإغاثة.
غير أنه، وبعد أن بدأ مقاتلو «داعش» في السيطرة على المناطق التي كان يسيطر عليها الجيش السوري الحر، أصبحت رحلات عبد الله أكثر صعوبة وأكثر خطورة. وأصبحت الزيارة إلى مسقط رأسه محفوفة بالمخاطر والخوف؛ ليس من نظام الأسد، بل من الطغاة الجدد.
يقول عبد الله، ملخصا الأسباب التي قضت على الحلم الثوري: «لقد ارتكبنا خطأين قاتلين، أولهما أننا حملنا السلاح، ثانيهما أننا سمحنا للأجانب بالدخول إلى بلادنا. لم يعد هناك ثورة في سوريا، لقد انتهى الأمر».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.