يوفال هاراري يحذر من سقوط الليبرالية... وهيمنة الذكاء الصناعي

الذكاء الصناعي... أي مستقبل؟
الذكاء الصناعي... أي مستقبل؟
TT

يوفال هاراري يحذر من سقوط الليبرالية... وهيمنة الذكاء الصناعي

الذكاء الصناعي... أي مستقبل؟
الذكاء الصناعي... أي مستقبل؟

لمع اسم يوفال هاراري في السنوات الأخيرة كثيراً، بسبب نشره كتباً مؤثرة وإشكالية بمواضيعها التي أثارت صدى عالمياً. وبات ينتظر صدور كتبه جمهور عريض من القراء النوعيين، منهم رؤساء دول من أمثال أوباما وكلينتون، وشخصيات نافذة كمارك زوكيربيرغ الذي تم التطرق لاسمه كثيراً في هذا الكتاب، أو مثل بيل غيتس الذي نشر عرضاً عن هذا الكتاب ذاته في «نيويورك تايمز»، معتبراً إياه من أهم الكتب التي قرأها في سنة 2018، ونصح بضرورة قراءتها الآن.
ويتوزع الكتاب على خمسة أقسام رئيسية، هي على التوالي: التحدي التكنولوجي، والتحدي السياسي، والحقيقة، وما بعد الحقيقة، والقسم الأخير عن الأمل واليأس. وقد اشتمل كل قسم من الأقسام الخمسة على مواضيع كثيرة، نوه الكاتب إلى راهنتيها وأهميتها الملحة في الوقت الحاضر. ويتحدث يوفال هاراري في القسم الأول، المتعلق بالتحدي التكنولوجي، عما سماه «الخديعة البشرية»، ممثلة بالسرديات التاريخية الأساسية التي وسمت القرن العشرين، أي الشيوعية والرأسمالية والليبرالية، وكانت نقاطه الأساسية متمثلة بالآتي:
> تجاوز الليبرالية لهزات كثيرة، مع أن مفهومها قد لا ينسجم مع وقائعنا الحالية.
> تعديل نموذج الليبرالية عبر قادة دول مختلفة.
> الاضطراب التكنولوجي داهم، وقد لا تستطيع البشرية التحكم به.
وفي نهاية القسم، نقرأ: «بعد أن تجاوزت الليبرالية محن الحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الباردة، تواجه الآن صعود ترمب، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأيضاً بروز ثورة التقانة والهندسة الحيوية». ويتوقع الكاتب أفول النموذج الليبرالي بشكل مؤلم «حين تسيطر التكنولوجيا على كل شيء، وتخسر البشرية فرص عملها، وترتفع البطالة بسرعات صاروخية».
مشكلة العمل هذه خصص الكاتب لها الفصل الثاني، محذراً من إمكانية تفوق الذكاء الصناعي على قدرات العقل البشري، خصوصاً فيما يتعلق بسوق العمل، لكن دون أن يتجاهل فوائد هذا الذكاء في قطاع حيوي كقطاع الصحة، فيما يخص الاكتشافات الطبية والعلاج وخدمات المرضى... إلخ.
في عالم سوف تصبح فيه الروبوتات شبيهة بالطبقة العاملة العالمية، يكون محتماً على البشر -في نظر الكاتب- أن يمتلكوا القدرة على الإتقان العالي، لكي يستطيعوا التحكم بمصيرهم، بدلاً من الروبوتات.
وفي السياق هذا، ينتقل الكاتب في الفصل الثالث للحديث عن علاقة حرية البشر بالتحديات الخطيرة التي تفرضها التقانة، وطرائق الاستجابة التي يستطيع البشر اجتراحها.
وهنا، يرى هاراري أننا كبشر نشعر أكثر مما نفكر، وقريباً ستتطور التقانة لدرجة يمكنها أن تعكس كمرآة الأفكار البشرية بوضوح، كما يكرر التذكير، في محلات متفرقة في كتابه، بضرورة وأهمية التحكم بموضوع الذكاء الصنعي من قبل الأشخاص الأكفاء لهذه المهمة لضمان أمان المستقبل البشري. فالآلات والذكاء الصنعي تحل المشاكل بذكائها، وليس بالمشاعر والتلقي. وعليه، فهذه الروبوتات من الممكن أن تعتمد بشدة على الوعي البشري، ومن الممكن جداً أن تعمل ما يظنه البشر أو يفكرون به لأنها برمجت على ذلك النحو.
وبناء على ما تقدم، يتوجب علينا أن نسخر الجهود في فهم وتطوير الوعي البشري، عوضاً عن احتمال اندثاره تحت جبال المعلومات.
أما الفصل الرابع، فقد تناول موضوع المساواة، كمفهوم لا ينسجم مع واقعنا الحالي الذي يتميز بوفرة كميات هائلة من المعلومات في المواقع الخاطئة، حيث تصبح المساواة وغيرها من المفاهيم خارج نطاق سيطرتنا. وأدناه أقتبس قوله: «ظننا جميعاً أننا سنكون متساوين يوماً ما. أعتذر عن ثقب هذه البالونة، فمع وجود هذا الكم من المعلومات والتكنولوجيا، فإننا ننحرف عن ذاك المسار. في الحقيقة، سوف تتوسع الفروق الاقتصادية تحديداً، حيث تمتلك نخبة قليلة زمام المال عبر العالم».
فمع مجيء التكنولوجيا، سيشتري الأغنياء الروبوتات والذكاء الصناعي، وسيتمكنون من الحصول على أفضل الأشياء في الحياة، وأهمها التقنية البيولوجية والمعلوماتية، بحيث يزداد نفوذهم، وتتعمق الهوة بينهم وبين سواهم.
وخصص الكاتب القسم الثاني للتحدي السياسي، متناولاً نقاطاً كثيرة أيضاً، بتسلسل معين. فعند حديثه عن الجماعة والحس الجمعي، استخدم مثال «الفيسبوك»، في حيويته وتأثيره الهائل على حياة البشر في السنوات الأخيرة، منوهاً بأن مشاكل العالم لن يحلها «الفيسبوك» وزوكيربيرغ، دون إغفال دورها كـأهم أدوات ثورة الاتصالات في تقريب البشر.
ولم يهمل الكاتب تفصيل مشكلة «الفيسبوك» مع مؤسسة «كامبريدج أناليتكا»، التي شغلت الرأي العالمي لفترة، حول سوء استخدام شركات أخرى، شريكة لـ«الفيسبوك»، المعلومات الشخصية لمستخدمي «الفيسبوك»، من دون مراعاة الخصوصية. وقد كانت تلك فضيحة أحرجت زوكيربيرغ، داخل وخارج أميركا، وكلفته ملايين الدولارات. ورغم حساسية الخرق، فإنه لم يقلل من دور «السوشيال ميديا» في هدم الحدود بين البشر، بعد حل إشكالية خصوصية المعلومات طبعاً.
ومن مفارقات الوفرة التقنية، خصوصاً في مجال الاتصالات، أن العلاقات البشرية تواجه بسببها انهياراً غير مسبوق، حيث يعاني الناس من الوحدة أكثر من أي وقت سابق، حتى لو امتلك الفرد أكثر من ملايين المتابعين على «إنستغرام»، ومئات الآلاف من الأصدقاء والمتابعين على «الفيسبوك».
ومع أن «الفيسبوك» تعهد بتحسين شكل علاقات المستخدمين، عبر إنشاء مجموعات التواصل، فإن نموذج «البيزنس» الحالي يدفع هؤلاء لقضاء وقت افتراضي بعيداً عن واقعهم الفعلي والملموس. وعند هذه النقطة الحساسة، يقترح الكاتب فكرة بناء نموذج تواصلي مقنن على الشبكة، يساعد المستخدمين على التواصل والاتصال لأغراض محددة.
ومع الحديث عن ثورة المعلومات والتطور التقني المستمر، لا يمكننا عدم التطرق للحضارة، وقد خصص لها الكاتب فصلاً من القسم الثاني. ويعبر هاراري في هذا الفصل عن عدم إيمانه بوجود حضارة متفوقة على أخرى، نظراً لطبيعة التشابك بين الحضارات، ولأن البشر يملكون الخيار بكيفية تطبيق حضارتهم؛ وهذا سيفضي تلقائياً لتأسيس حضارة عالمية. وبناء على ذلك، فإن الادعاء بوجود حضارة منجزة ذاتياً هو محض افتراء.
وانتقل الكاتب في الفصل السابع لمعالجة المسألة القومية، حيث كثف رأيه في مجموعة النقاط التالية:
> البلدان هي أنوية «مغرورة» ترغب غالباً بأن تكون مستقلة.
> لا تسمح المشاكل العالمية للبلدان بأن تكون انعزالية، فهناك حاجة لتحديد ما يجمعنا كبشر معاً.
> تتسبب التحديات الكبرى التي يخلقها الخوف المتزايد من حرب نووية، مترافقة مع التراجع البيئي والتشويش المعلوماتي، في كسر الروابط القومية التقليدية، وخلق روابط إنسانية جديدة معولمة، مع الأخذ في الاعتبار أن الولاء القومي لا يعني عدم الولاء للبشرية.
وخصص المؤلف فصلاً كاملاً، هو الفصل التاسع، لموضوع الهجرة، التي أشعلت -وما تزال- جدلاً حول الموقف الأوروبي المناسب مع موجات اللاجئين المتزايدة، وهو يرى أن «الهجرة موضوع شائك، ولا يمكن البت فيه ببساطة. فعلى أوروبا أن تجد مكاناً مركزياً تستطيع فيه إيواء المهاجرين، دون إغراق نظامها بسبب أعبائهم. فإذا تمت معالجة المعضلة بطريقة ناجحة، سيكون ذلك خطوة تقرب البشر أكثر، في مواجهة المشاكل الأعمق والأكثر تعقيداً. لكن إن فشلت أوروبا في صيانة نظامها، جراء هذه المناقصة لاحتواء اللاجئين، فستكون في ورطة. وهنا، لا بد من ذكر أخطر عوامل تعطيل قابلية أوروبا لاحتواء الغرباء، ألا وهو: الإرهاب».

- الخيار بين اليأس والأمل
ويتضمن الجزء الثالث من الكتاب أربعة فصول، خصص واحد منها للإرهاب، ويعتبر فيه هاراري أن الإرهابين دُمى يتم تحريكها بخيوط يتلاعب بها آخرون.
ويشدد هنا على أهمية سلوك الحكومات والأفراد، وضرورة عدم الانجرار لمصائد الإرهابيين، عبر المبالغة بردات الفعل. لكنه في الوقت نفسه، لا يخفي مخاوفه من إمكانية حصول الإرهابيين على وسائل أكثر فتكاً بسبب توفر التكنولوجيا. وهو في الوقت نفسه يعترف بهشاشة الأمان العالمي، ليس فقط بسبب بالإرهاب، وإنما أيضاً بسبب الحرب بأشكالها المختلفة، التي يبدو تفاديها غير ممكن، في ضوء الاتجاهات السياسية العالمية الجارية، إلا أنه من الصعب -كما يضيف- شن حرب ناجحة في القرن الحادي والعشرين، لأن الزمن قد تغير.
وهناك، برأي الكاتب، أسباب كانت تقف خلف نجاح الحروب في الماضي، وأخرى تقف اليوم أمام عدم نجاحها في العصر الراهن. أحدها، وقد يكون أهمها، هو الانزياح المالي عبر السنوات، حيث ارتبط نجاح أي حرب في الماضي بسهولة السيطرة على الغنائم مادياً. أما الآن، فأقصى نصر يمكن تحقيقه هو توجيه الرأي الجمعي نحو فكرة أن احتلال بلد آخر سوف يكون في صالح المنفعة العامة، اقتصادياً. وفي الأحوال كافة، مع توفر الأسلحة المدمرة، يصبح من الحماقة التورط في مواجهات عالمية تافهة. عموماً، يمكن اعتبار هاراري، في كتابه هذا في الأقل، متشائماً كبيراً، فهو يرى أننا لم نخرج من الغابة بعد، لأننا كائنات بشرية لا تزال ميالة لاتخاذ قرارات غير عقلانية.


مقالات ذات صلة

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

ثقافة وفنون تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى.

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

حين تتآكل الدبلوماسية

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة.

ندى حطيط
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)

استقالوا وتركوا «ثقافة العمل الشاق»... لماذا يختار جيلا «زد» والألفية «التقاعد المصغر»؟

ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟
ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟
TT

استقالوا وتركوا «ثقافة العمل الشاق»... لماذا يختار جيلا «زد» والألفية «التقاعد المصغر»؟

ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟
ما هو «التقاعد المصغر» ولماذا يختاره الجيل «زد» وجيل الألفية؟

بدأ بعض أفراد جيل «زد» وجيل الألفية في إعادة تعريف مفهوم «سنة الفجوة» التي كانت تُخصص تقليدياً لخريجي الجامعات الراغبين في أخذ استراحة قبل بدء حياتهم المهنية. ومع تصاعد الاحتراق الوظيفي، بات شباب عاملون يلجأون إلى ما يُعرف بـ«سنوات الفجوة للبالغين» أو «التقاعد المصغر»، في محاولة للابتعاد مؤقتاً عن ضغوط العمل وإعادة ترتيب حياتهم.

وبفضل التخطيط المالي والادخار، اختارت عالمة البيانات جوليا فاي، البالغة 29 عاماً، ترك وظيفتها ذات الأجر الجيد من دون خطة بديلة، بعد سبع سنوات من العمل في قطاع التكنولوجيا.

الذكاء الاصطناعي دفعها إلى إعادة التفكير في مستقبلها

وقالت فاي، التي كانت تقيم في مانهاتن، لصحيفة «نيويورك بوست»: «هناك كثير من التغييرات في العمل بسبب الذكاء الاصطناعي والتحولات التكنولوجية، ورأيت لنفسي رؤية وفرصة لفعل شيء وبناء شيء خاص بي».

وأضافت: «لقد أحببت عملي بالفعل، لكن بدا أن الوقت مناسب»، مشيرة إلى اعتقادها بأن «ما تبقى لنا هو 5 إلى 10 سنوات من وظائف التكنولوجيا بالشكل الذي نعرفه اليوم».

وقررت فاي أيضاً قضاء فترة التوقف بالقرب من والديها المتقاعدين في غوانغتشو بالصين، حيث قالت إن تكلفة المعيشة أقل بكثير. وتستخدم مدخراتها عند الحاجة، في حين تساعدها الإقامة مع والديها وتأجير شقتها في نيويورك على خفض النفقات.

وخلال فترة التوقف، تخطط فاي لتطوير فكرة منتج تقني خاص بها، إلى جانب تنمية عملها في صناعة المحتوى، الذي أصبح مصدر دخلها الرئيسي.

«سنة الفجوة» ليست خالية من التحديات

رغم أن الابتعاد عن العمل قد يبدو رفاهية، فإن فاي تواجه صعوبة في التعامل مع غياب الروتين الذي كانت تكرهه سابقاً.

ويرى إيه جاي شنايدر، المخطط المالي ومؤسس شركة «Beyond The Green Coaching»، أن التخطيط المالي يجعل خوض تجربة مماثلة أكثر قابلية للتنفيذ.

وقالت شنايدر: «ترتيب أمورك المالية مهم حتى تتمكن من القيام بقفزات كبيرة في حياتك»، موضحة أن الادخار لا يتعلق فقط بالتقاعد أو شراء منزل، بل أيضاً بامتلاك القدرة على مغادرة وظيفة لا يشعر الشخص بالسعادة فيها من دون تعريض نفسه للخطر المالي.

وتنصح الراغبين في أخذ سنة فجوة بخفض نفقاتهم اليومية وزيادة مدخراتهم، مع تحديد تكاليف السفر والإقامة والطعام والأنشطة مسبقاً وتقسيم المبلغ المطلوب على عدد الأشهر المتاحة للادخار.

الاحتراق الوظيفي يدفع الشباب إلى البحث عن بداية جديدة

فاي ليست الوحيدة التي تبحث عن إعادة ترتيب حياتها. ووفقاً للتحالف الوطني للأمراض النفسية، أقرّ 74 في المائة من أفراد جيل «زد» وجيل الألفية بأنهم يعانون مستويات متوسطة إلى مرتفعة من الاحتراق النفسي.

وعلى «تيك توك»، يضم وسم #adultgapyear آلاف المقاطع التي ينتقد فيها الشباب «ثقافة العمل الشاق» والانشغال الدائم. وقال أحد صناع المحتوى في مقطع واسع الانتشار: «ثقافة العمل الشاق ستؤدي إلى سقوط هذا الجيل».

«كنت أعيش اليوم نفسه مراراً»

اختارت تامي أرمسترونغ، البالغة 31 عاماً، المسار نفسه بعد 10 سنوات من العمل سكرتيرة طبية في اسكوتلندا.

وقالت لصحيفة «نيويورك بوست»: «كانت وظيفتي تصبح أكثر رتابة بشكل متزايد. شعرت بأنني أعيش اليوم نفسه مراراً وتكراراً».

وأضافت: «أردت أن أشعر بالحرية مجدداً... وأردت أن أخرج من منطقة الراحة الخاصة بي، وآمل أن أصل إلى نوع من الإدراك لما أريد فعله في حياتي. وأردت أيضاً أن أهدئ جهازي العصبي وأن أعيش بوتيرة أبطأ».

ولبدء سنة الفجوة في يناير (كانون الثاني) 2025، عملت أرمسترونغ لساعات إضافية والتزمت بميزانية صارمة، وضحت بحياتها الاجتماعية وبعض النفقات الشخصية. وخلال رحلاتها، تعتمد على وظائف بدوام جزئي، وبيوت شباب وفنادق ومواقع تخييم منخفضة التكلفة، وأماكن إقامة محلية عندما تسافر مع مجموعات تطوعية.

«كان من الصعب ألا أشعر بالذنب»

قالت أرمسترونغ إن التخلي عن روتين العمل والتكيف مع إنفاق أموال أقل لم يكن سهلاً.

وأضافت: «كانت هناك بالتأكيد لحظات شعرت فيها بالقلق من أن يؤدي ذلك إلى تأخري عن الآخرين في الحياة، وكنت أشعر بالقلق بشأن المال».

وتابعت: «كنت أتحمل كثيراً من الأمور التي لم تكن تتوافق معي لسنوات، لمجرد أنها كانت دائماً كذلك. واضطررت فعلاً إلى التخلص من فكرة أن التراجع ليس فشلاً».

«الحياة ليست مضمونة»

وبعد مرور عام على تبنيها هذا النمط الجديد من الحياة، تعدّ أرمسترونغ اسكوتلندا موطنها حالياً، ولا تملك خططاً للسفر في المستقبل القريب، حتى تتمكن من أخذ الوقت الكافي لتحديد ما تريد فعله بعد ذلك.

وأضافت: «هناك خيارات أخرى للحياة غير المسار التقليدي، والناس يستقرون في حياتهم في سن متأخرة».

وتابعت: «الحياة ليست مضمونة، كما أن العمل الجاد طوال حياتك بهدف الاستمتاع بها في نهاية المطاف بعد التقاعد ليس مضموناً أيضاً».


تفاؤل حكومي في مصر بنجاح خطة «تقليل الإنجاب»

مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)
مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)
TT

تفاؤل حكومي في مصر بنجاح خطة «تقليل الإنجاب»

مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)
مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)

جاء إعلان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر عن انخفاض معدلات المواليد بنسبة 18.2 في المائة، مصحوباً بحالة من التفاؤل لدى المؤسسات الحكومية المعنية بقضية الزيادة السكانية، بما يُعطي انطباعاً بنجاح خطة «تقليل الإنجاب» وبرامج «تنظيم الأسرة» التي تبنتها مصر، وواصلت تنفيذها على مدى نحو 40 عاماً.

وأعلن رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أكرم الجوهري، عن انخفاض مستويات الإنجاب في مصر بنسبة 18.2 في المائة، إذ بلغ متوسط عدد الأطفال لكل سيدة 2.33 طفل، وفقاً للنتائج الأولية للمسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2025، مقارنةً بـ2.85 طفل في عام 2021.

وقال، خلال مؤتمر «إعلان نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية 2025»، إن المسح نُفذ بالتعاون مع وزارتي الصحة والتخطيط، مشيراً إلى أنه يأتي امتداداً لسلسلة المسوح السكانية الصحية التي أُجريت في مصر خلال الفترة من 1988 إلى 2014.

جانب من مؤتمر نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية (وزارة التخطيط)

وقال وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية في مصر، أحمد رستم، إن المسح الصحي للأسرة المصرية يكتسب أهمية خاصة، لما يوفره من مؤشرات دقيقة حول الأوضاع الصحية والسكانية، وصحة الأم والطفل، والصحة الإنجابية، والتغذية، وغيرها من المؤشرات التي تمثل مرجعاً أساسياً في صياغة السياسات السكانية والصحية والاجتماعية.

وأكد الوزير في كلمته بالمؤتمر أن «نتائج هذا المسح تُمثل قاعدة معرفية تدعم تقييم فعالية البرامج الحكومية والسياسات الصحية والسكانية، وتُسهم في توجيه التدخلات التنموية إلى الفئات والمناطق الأكثر احتياجاً، فضلاً عن دعم تصميم السياسات المستقبلية القائمة على الأدلة، بما يتوافق مع أولويات الدولة المصرية ورؤية مصر 2030».

ويرى الدكتور صلاح سلام، نقيب الأطباء سابقاً بشمال سيناء، أن «هذه المعدلات لا أعتقد أنها تُشير إلى نجاح خطة تنظيم الأسرة بقدر كونها ترتبط بانخفاض معدلات الدخل».

وأضاف سلام لـ«الشرق الأوسط» أن «خفض معدلات الإنجاب بوصفه هدفاً للدولة ربما لا يرتبط ببرامج مدروسة لتنظيم الأسرة، كما حدث في عامي 1996 و2002، والتي أسهمت في خفض معدلات الإنجاب إلى نحو 2.8، فيما كان المستهدف 2.2. لكن ربما يكون السبب هو انخفاض مستويات الدخل، ما يدفع الأسر إلى التفكير كثيراً قبل الإنجاب، في ظل ارتفاع تكاليف العلاج والتعليم، وارتفاع تكلفة الحياة عموماً. وهذا، في رأيي، أحد الأسباب الرئيسية لانخفاض معدلات الإنجاب».

مصر أطلقت حملات عدة لتنظيم الأسرة (وزارة الصحة والسكان)

وكان وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية قد شدد على أن نتائج المسح وما توفره من بيانات تأتي في إطار توجه الدولة المصرية إلى إيلاء قطاع الصحة أولوية قصوى؛ ولذلك تحرص الدولة على توجيه الاستثمارات العامة إلى هذا القطاع، إذ بلغ حجم الاستثمارات العامة المخصصة له في خطة 2026-2027 نحو 108 مليارات جنيه (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً مصرياً)، بزيادة تُقدّر بنحو 27 في المائة عن العام السابق.

وكانت مصر قد أطلقت عدداً من الحملات التوعوية لتنظيم الأسرة عبر تقليل الإنجاب، حفاظاً على المعدلات السكانية الملائمة للموارد، ومن بينها حملات دعائية أطلقت في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، بعد طفرات في الزيادة السكانية التي شهدتها مصر من 26 مليون نسمة عام 1960 إلى 58 مليون نسمة عام 1990، في حين سجل عدد سكان مصر 109 ملايين نسمة في مايو (أيار) الماضي.


«حين رآني الغياب»... مسرحية سعودية عن إعادة اكتشاف الذات

شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)
شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«حين رآني الغياب»... مسرحية سعودية عن إعادة اكتشاف الذات

شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)
شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)

قدّم العرض المسرحي السعودي «حين رآني الغياب» تجربة إنسانية تتوقف أمام واحد من أكثر الأسئلة ارتباطاً بعلاقة الإنسان بذاته وبنظرة الآخرين إليه، من خلال رحلة درامية تتقاطع فيها مشاعر الفقدان والغياب مع البحث عن الهوية واكتشاف القيمة الحقيقية للإنسان بعيداً عن الصورة التي يرسمها الآخرون عنه.

واحتضن «ملتقى أولادنا» لذوي الإعاقة بالقاهرة العرض ضمن فعالياته، ليضع أمام الجمهور تجربة مسرحية تنطلق من الاختلاف والفقدان، لكنها تتجاوزهما إلى سؤال أعمق حول معنى أن يرى الإنسان نفسه قبل أن ينتظر أن يراه الآخرون، وقُدم على خشبة المسرح الصغير في دار الأوبرا المصرية.

ولا يتعامل العرض مع الغياب بوصفه فقداناً لشخص أو شيء فقط، وإنما يقدمه بوصفه حالة إنسانية يمكن أن يعيشها الفرد حتى وهو محاط بالآخرين، فقد يشعر بأنه غير مرئي أو غير مفهوم، فيبدأ رحلة البحث عن صورته في عيون المحيطين به، قبل أن يكتشف أن الطريق إلى ذاته يمر أولاً عبر مواجهة الألم والتصالح مع ما يحاول الهروب منه، في عرض كتبته هدى حدادي، وقام ببطولته محمد لادان، وأخرجته أمينة السوداني.

فريق عمل المسرحية مع سلاف فواخرجي وداليا البحيري بعد انتهاء العرض (الشرق الأوسط)

وقالت مخرجة العرض أمينة السوداني، لـ«الشرق الأوسط» إن السؤال الأساسي الذي أرادت أن يخرج به المشاهد هو: «هل أحتاج إلى أن يراني الآخرون حتى أرى نفسي؟»، موضحةً أن «حين رآني الغياب» لا يبحث عن إجابة جاهزة، بقدر ما يضع الإنسان أمام علاقته بذاته وبنظرة الآخرين إليه لأن الرحلة تنتهي عند لحظة يدرك فيها الإنسان أن قيمته لا تتحدد بما يراه الآخرون فيه، وإنما بما يكتشفه هو في داخله.

وأوضحت أن عنوان العرض يحمل مفارقة أساسية، إذ يرتبط الغياب عادةً بشيء نفتقد إليه، بينما حاولت في العمل تحويله إلى مساحة يستطيع الإنسان من خلالها رؤية نفسه بوضوح، لافتةً إلى أن الغياب في العرض ليس فراغاً، بل حالة تكشف الإنسان لنفسه، ومن هنا جاءت الفكرة التي تقوم على أنه حين يغيب الآخر، يبدأ الإنسان في رؤية ذاته.

ولفتت إلى أن «الغياب ظهر في العرض بوصفه حالة داخلية، مع العمل على تحويله إلى إحساس مرئي على الخشبة من خلال اللغة البصرية»، على حد تعبيرها. موضحةً أن الخشبة انقسمت إلى ثلاثة عوالم هي: «الغياب»، و«العتب واللوم»، و«الذات»، بهدف جعل الجمهور يشعر بالغياب من خلال المكان والضوء والصورة وحركة الشخصية، بدلاً من الاكتفاء بشرحه عبر الحوار.

وأشارت إلى أن «العمل تعمد الابتعاد عن تقديم رسالته في صورة خطاب مباشر، لأن الشخصية تعيش التجربة أمام المشاهد، بينما يتشكل المعنى من علاقتها بالمجسمات والعصا والمكان والشاشة، التي تمثل تصور الشخصية للعالم المحيط بها»، وفق قولها.

وعن الفرق بين تقبل الاختلاف والتحرر من نظرة الآخرين، قالت إن الشخصية تبدأ رحلتها وهي متأثرة بالصورة التي يرسمها الآخرون عنها، قبل أن تدرك تدريجياً أن المشكلة ليست دائماً في الاختلاف نفسه، وإنما في الطريقة التي يسمح بها الإنسان لهذه النظرة بأن تحدد صورته عن ذاته، مشيرةً إلى أن النهاية لا تتوقف عند «تقبل الاختلاف»، وإنما تمثل خطوة باتجاه التحرر من الحاجة إلى تعريف الذات من خلال الآخرين.

العرض قُدِّم على المسرح الصغير في الأوبرا المصرية (الشرق الأوسط)

وحول مشاركة محمد لادان، وهو ممثل كفيف يؤدي شخصية تتقاطع بعض أسئلتها مع تجربته، أكدت المخرجة أن «هناك فصلاً واضحاً بين محمد الإنسان ومحمد الممثل والشخصية التي يؤديها»، موضحةً أنها لم تتعامل معه بوصفه يؤدي تجربته الشخصية، وإنما كممثل يمتلك أدواته وخبرته ويمنح الشخصية من حضوره.

وأضافت أن «تجربته الشخصية يمكن أن تكون مساحة للإحساس والفهم ساعدته على تجسيد الشخصية، لكنها ليست النص ولا تفسيره»، ورأت أن «وجود ممثل كفيف في العمل مهم، لكن الاختيار بالنسبة لي كان فنياً قبل أن يكون رمزياً، لكون البطل لم يكن مجرد ممثل يحقق فكرة المشاركة، وإنما ممثل قادر على حمل الشخصية وتجسيد أسئلتها على الخشبة، وتم اختياره منذ اللحظة الأولى لقراءة النص، قبل ظهور قدراته الفنية وحضوره القوي على المسرح»، حسب تعبيرها.

وقالت إن العمل نفسه تغير خلال البروفات، لأن الممثل شريك أساسي في اكتشاف الشخصية، لافتةً إلى أن وجود محمد كممثل كفيف أعاد تشكيل مفهوم «الرؤية» داخل العرض، فلم يعد السؤال بالنسبة إليها «مَن يرى؟ ومَن لا يرى؟»، وإنما «ما الذي نراه فعلاً؟ وهل الرؤية مرتبطة بالعين وحدها؟»، الأمر الذي انعكس بدوره على المعالجة البصرية للعمل.

وأكدت أن المسرحية تطرح أيضاً سؤالاً حول الطريقة التي قد يختصر بها المجتمع الإنسان في صفة أو اختلاف واحد، موضحةً أن «العمل لا يسعى إلى محاكمة المجتمع بقدر ما يضع هذه النظرة أمام المشاهد، لينتقل مركز النظر من: ماذا ينقص الإنسان؟ إلى: مَن الإنسان؟».

وفيما يتعلق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الشاشة والتصميمات الغرافيكية، أكدت المخرجة أنها لم تتعامل معها بوصفها وسيلة للإبهار البصري، وإنما بحثت عن قدرتها على التعبير عن المعنى الدرامي.