تعزيزات عسكرية مصرية على الحدود مع ليبيا

مواقع حرس الحدود في الشرق الليبي نقاط ارتكاز لمتطرفين ومهربي أسلحة

واحدة من نقاط تمركز حرس الحدود الليبي قبالة حدود مصر بعد أن جرى ترميمها ومحاولة تفعيل عملها
واحدة من نقاط تمركز حرس الحدود الليبي قبالة حدود مصر بعد أن جرى ترميمها ومحاولة تفعيل عملها
TT

تعزيزات عسكرية مصرية على الحدود مع ليبيا

واحدة من نقاط تمركز حرس الحدود الليبي قبالة حدود مصر بعد أن جرى ترميمها ومحاولة تفعيل عملها
واحدة من نقاط تمركز حرس الحدود الليبي قبالة حدود مصر بعد أن جرى ترميمها ومحاولة تفعيل عملها

قبيل حلول المساء شد الجندي «جابر» البالغ من العمر 23 عاما خوذته على رأسه وبدأ نوبة المراقبة بمنظار الرؤية المعظم، من أعلى الهضبة الضخمة التي يبلغ ارتفاعها نحو مائتي متر فوق مستوى سطح البحر، وتفصل بين حدود مصر وليبيا وتشرف على البحر المتوسط. تبدو مساحات المياه، بزرقتها الداكنة، واسعة ومخيفة. ووفقا للمصادر الأمنية فقد جرت زيادة القوات المصرية المتمركزة على الحدود الغربية بعد يومين فقط من سيطرة تنظيمات الجهاديين على بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية والواقعة ناحية الشرق، وفي مناطق أخرى قريبة من خط الحدود المصري.
ويمكن بسهولة ملاحظة التعزيزات المصرية بالعين المجردة على الحدود هنا، من آليات عسكرية مع كثافة في حركة العربات والجنود، في وقت يتهم فيه فريق من الليبيين الفريق الآخر بالاستعانة بالمصريين في الحرب على تنظيمات المتشددين داخل بلادهم التي تعمها الفوضى والاقتتال.
ويتخذ الجندي «جابر» موقعه مع ألوف الجنود المصريين الآخرين، على طول الحدود، لكن طبيعة العمل اختلفت الآن. يقول: «نحن الآن كأننا في حالة حرب». ويشير إلى امتداد البحر أمامه حيث تبدو إحدى القطع البحرية المصرية وهي تقوم بمهمتها الجديدة في مراقبة الأجواء، ثم يشير إلى الجنوب حيث تنزلق هضبة السلوم المغبرة التي ينتشر عليها الحصى، بشكل حاد، بما فيها من وديان ومسارب، وترى من بعيد سيارات الجيش ومن فوقها فوهات الأسلحة، وهي تمرق وتثير التراب وراءها، بحثا عن أي متسللين.
وتنخفض هضبة السلوم نحو الجنوب رويدا رويدا، بطول نحو ستين كيلومترا، حتى تتحول إلى مجرد بيداء جرداء تغطيها الرمال والحطب الصحراوي الجاف الذي تراه متناثرا عبر الآفاق الصفراء وكأنه خيالات تتحرك في الفراغ. وفي داخل هذه التجاويف داكنة اللون يبدو أن هناك أيضا آليات عسكرية جديدة ومواسير بنادق لم تكن موجودة من قبل في هذه المواقع.
ومن هنا، وقبل أسابيع من الآن، كان يمر مهربو الأسلحة والمخدرات وكانت تعبر أفواج «الهجرة غير الشرعية».. كان هذا يجري من خلال مسارين؛ الأول فوق التراب، أي عبر الوديان والكثبان الرملية الوعرة بسيارات الدفع الرباعي، من الجهة القبلية.. والثاني من ناحية الشمال، أي فوق ماء البحر، حيث تعبر شحنات السلاح والغرباء تحت جنح الظلام على مراكب صغيرة، ما بين خليج البردي، الواقع تحت السيادة الليبية، وخليج السلوم التابع للدولة المصرية. ويزيد التكوين الجغرافي لهذا الخليج الواسع الممتد على جانبي حدود البلدين، من صعوبة تأمين عمليات التسلل البحري.
ويوجد على الجانب الآخر من السلك الشائك، مخافر ونقاط أمنية ليبية لكنها، في أغلبها، فارغة ومهجورة منذ انهيار نظام معمر القذافي في خريف 2011 حتى الآن، وتحول العديد منها إلى نقاط ارتكاز للجهاديين ومهربي الأسلحة، مما زاد الضغط على الجانب المصري في تأمين الحدود من جانب واحد، وهو عبء اشتكى منه عدد من كبار القادة المصريين لأنه ببساطة يحتاج إلى ملايين الدولارات في بلد يعاني من صعوبات اقتصادية جمة.
ولا توجد مظاهر لحرس الحدود الليبي، فيما عدا نقطة إمساعد شمالا، والتي تعد بمثابة المعبر الرسمي للبضائع والمسافرين بين البلدين. أما فوق الهضبة من الجانب المصري، فقد بدت حالة تأهب وترقب لم تشهدها مدينة السلوم منذ حرب المصريين على ليبيا قبل 35 سنة، كما يقول أحمد حسين، أحد القيادات المحلية في المدينة. ويضيف أنه، وفي الأسبوع الماضي، أي عقب استيلاء تنظيم «أنصار الشريعة» في المنطقة الشرقية من ليبيا على معسكرات في بنغازي، زادت السلطات المصرية من عدد جنودها على الحدود وعززت قدرات الأمن، مشيرا إلى أن ناقلات شوهدت وهي تمر من هنا إلى أعلى الهضبة وبمحاذاة السلك الحدودي، تحمل أسلحة وجنودا وآليات ومعدات.
ويزيد حسين قائلا إن هذا الأمر أشاع فكرة تتردد أصداؤها هنا عن أن مصر تستعد لتوجيه ضربات للمتشددين في الداخل الليبي، لكن أحد كبار المسؤولين الأمنيين في السلوم قال إن «هذا غير صحيح»، مشيرا إلى أن تعزيز قدرات المراقبة يهدف بالأساس إلى كبح جماح التهريب الذي زاد بشكل غير مسبوق نظرا لانتشار السلاح في ليبيا «بلا ضابط ولا رابط».
ويضيف هذا المسؤول أن العشرات من معسكرات الجيش الليبي السابق تركت لعدة أشهر بلا حراسة وتعرضت للنهب، وجرى بيعها في الأسواق، وانتقلت لأيدي المهربين والإرهابيين»، لكنه يوضح قائلا عما يتردد بأن مصر يمكن أن تنفذ عملية عسكرية في الداخل الليبي ضد المتطرفين، بأن هذا «لا توجد عنه تعليمات أو استعدادات، ولا حتى أي مؤشرات.. ما لدينا هي أوامر مشددة بضرورة ضبط وتأمين الحدود.. هذا أصبح أمرا لا بد منه، بسبب الفوضى داخل ليبيا».
ويشكو المصريون من أن غالبية النقاط الأمنية على الجانب الليبي، والمفترض أن يكون فيها جنود ليبيون لمراقبة الحدود وتأمينها من جانبهم، ما زالت ضعيفة، وهو أمر يقر به الليبيون أيضا، خاصة في القطاع الجنوبي ناحية الجغبوب وإلى أقصى الحدود الجنوبية في العوينات، والتي تتلاقى فيها حدود كل من ليبيا والسودان ومصر. ويعتقد أن مئات المقاتلين الأجانب تسللوا من بلدانهم وعبروا إلى داخل الجنوب الليبي إلى مناطق محاذية للحدود، واستغلوا عدة طرق هشة التأمين في التسلل إلى داخل الصحراء الغربية المصرية.. لكن التشديد الأمني من جانب مصر الذي يتركز في السلوم، من ناحيتي الهضبة البحرية والقبلية، أدى إلى أمرين.. الأول انحصار عمليات التهريب والمهربين، والثاني توقيف من حاولوا اجتياز الحدود من المناطق التقليدية القديمة.
ويقول العقيد محمد، أحد ضباط التأمين الحدودي في السلوم: «ألقينا القبض على العشرات خلال الأسبوع الماضي حين كانوا يحاولون تهريب آلاف من الأسلحة إلى داخل البلاد.. صواريخ (غراد) وبنادق من نوع (إيه كيه 47) و(إف إن)، وذخيرة مدفعية، إلى جانب المخدرات والسجائر. وتشير إحصاءات مصرية غير نهائية إلى أن معدل توقيف المهربين، في السابق، كان لا يزيد عن عشرين في المائة أو خمسة وعشرين في المائة، بسبب طول الحدود وصعوبتها، من جانب، وبسبب عدم وجود حرس حدود ليبي، من جانب آخر، لكن معدل الضبط ارتفع خاصة في الشهور الأخيرة ووصل خلال الشهرين الماضيين لأكثر من سبعين في المائة.
ويبلغ طول الحدود البرية المصرية مع جارتها الغنية بالسلاح والنفط والجهاديين أيضا، نحو 1050 كيلومترا. ومنذ أواخر عام 2011، أي مع بداية الفوضى الأمنية التي تعاني منها ليبيا حتى الآن، استغل المهربون وعورة الحدود وصعوبة تأمينها، في التسلل بالسيارات المجهزة ونقل الآلاف من قطع الأسلحة وصناديق الذخيرة والمخدرات إلى داخل البلاد. ويقول العقيد محمد، إن غالبية مهربي السلاح، كانوا يعملون في السابق مهربين للمخدرات، ويستخدمون نفس المسارات والدروب القديمة، سواء بالمراكب البحرية عبر خليج السلوم، أو من خلال وديان الهضبة، أو من ناحية الجغبوب وسيوة والكفرة.
وكشفت المصادر الأمنية المصرية في مدينة السلوم عن أن عملية تأمين الحدود مع ليبيا تنقسم إلى ثلاثة قطاعات؛ الأول يمتد من البحر المتوسط إلى منطقة الجغبوب جنوبا بطول نحو 200 كيلومتر، والثاني من الجغبوب وحتى واحة سيوة بطول حوالي 65 كيلومترا، والثالث من الجغبوب حتى نقطة العوينات بطول 785، ويعد الأخير هو الأصعب تأمينيا وفقا لإفادة مسؤول كبير في وزارة الدفاع المصرية، والذي قال في مقابلة موثقة مع «الشرق الأوسط» إن عبء تأمين القطاع الجنوبي من الحدود يحتاج لطائرات تراقب على مدار الساعة، وهذا أمر مستحيل لأنه ذو كلفة باهظة جدا لا تقدر عليه حتى الدول الغنية.
ومن بين طرق تعزيز القدرات التأمينية على حدودها مع ليبيا، اتخذت مصر إجراءات ضد مسؤولين يشتبه في أن لهم علاقات مع مهربين أو جهاديين. ووفقا لروايات من مسؤولين محليين تجري السلطات المصرية التحقيق في معلومات عن تهاون ضباط أمن، مع مهربين، وذلك بعد نحو شهر من استهداف «إرهابيين» يعتقد أنهم تسللوا من ليبيا لنقطة الفرافرة القريبة من الحدود وقيامهم بقتل 22 من الجنود المصريين هناك.
واطلعت «الشرق الأوسط» على مقاطع فيديو جرى تجميعها من قبل محققين مصريين ويظهر في واحد منها على الأقل قيام ضابط أمن في نقطة على حدود مصر مع ليبيا بالسماح لمهربين بالعبور بعد توقيفهم لعدة ساعات دون القبض عليهم أو إحالتهم إلى جهات التحقيق المختصة.
وقال مصدر قريب من التحقيقات إن ضابط الأمن في هذه الواقعة اكتفى بمصادرة البضائع من المهربين وسمح لهم بالعبور إلى داخل الأراضي المصرية. وعما إذا كانت هناك شبهة في علاقة الضابط المشار إليه بالمهربين أو الجماعات المتشددة التي تنشط عبر الحدود، قال المصدر إن هذا احتمال مستبعد لأن المهربين عدوا مصادرة البضائع منهم عملا عدائيا من جانب الضابط، وقاموا بإطلاق النار عليه فيما بعد انتقاما منه.
ويطلق الليبيون على التنظيمات المتشددة في داخل البلاد اسم «دواعش» نسبة إلى ما يعرف بتنظيم «داعش».. وزادت مخاوف القاهرة أكثر من السابق بعد أن أعلنت مواقع إلكترونية تابعة للجهاديين أن «داعش» موجودة في مصر، وستنفذ عمليات انتقامية ضد الجيش والشرطة خلال الفترة المقبلة. وجاء هذا الإعلان الذي لم يعرف مصدره الحقيقي، بعد أيام من فرض تنظيم أنصار الشريعة الذي يرفع علم تنظيم القاعدة الأسود ويشبه «داعش» في سلوكه الدموي، هيمنته على مدينتين رئيستين في شرق ليبيا، هما بنغازي ودرنة.
ويقول مسؤول أمني ليبي على الحدود الشرقية من البلاد، إنه جرى نقل تحذيرات للجانب المصري، عن طريق لجنة مختصة بالتعاون بين الجانبين، عن نشاط لجهاديين ليبيين وعرب على الجانب الغربي من حدود مصر، ويضيف أن القسم الأول من هذه المعلومات جرى إبلاغه للمصريين في مطلع يونيو (حزيران) حين كان الجهاديون في ليبيا يشعرون بأنهم يخسرون شعبيتهم، ويتجهون للاستعانة بقوة السلاح، ويعدون العدة لإفشال انتخابات البرلمان الجديد. وأن هذه المعلومات تضمنت تحذيرات من أن مقاتلين ليبيين وأجانب يستغلون «الهشاشة الأمنية» على الحدود من الناحية الجنوبية، لتنفيذ أعمال تخريبية في الداخل، والهجوم على معسكرات مصرية بشكل مفاجئ وخاطف، مثلما حدث على يدي «داعش» في شمال غربي العراق.
ويضيف المسؤول الليبي في رواية مسجلة لـ«الشرق الأوسط» إن هذه التحذيرات جرى إبلاغها للمصريين قبل نحو شهر من تنفيذ «الإرهابيين» لهجوم مسلح على نقطة الفرافرة في الواحات المصرية قرب الحدود مع ليبيا الشهر الماضي، إلا أن الجانب المصري قلل من شأنها وقال إن الحدود مؤمنة بشكل قوي. ويقول إن القسم الثاني من التحذيرات التي جرى إبلاغها للمصريين، كانت تتعلق بخطورة تعرض القوى المدنية، وعلى رأسها قوات «عملية الكرامة» بقيادة اللواء خليفة حفتر، لهزيمة على أيدي المتطرفين «الذين تحالفت معهم جماعة الإخوان المسلمين لحكم ليبيا بالقوة، سواء فيما يتعلق بالحرب الدائرة الآن في طرابلس أو الدائرة في بنغازي بالمنطقة الشرقية»، مشيرا إلى أن المصريين «ردوا على طلبات ليبية بدعم حفتر، بفتور، بينما في مثل هذه الحروب والمواجهات إذا لم تقدم يد العون سريعا فسيتعرض صديقك للخسارة».
ورفضت مصادر مسؤولة في الحكومة المصرية تأكيد أو نفي هذه الرواية. لكن اللغط زاد في القاهرة على مستويات عليا، خلال الأيام الأخيرة، بشأن ما ينبغي عمله لصد أي خطر قد يأتي من ناحية الغرب.
وشارك العقيد المصري محمد، ضمن لجنة التنسيق المشترك، مع وفد عسكري ليبي، يرأسه العقيد سالم الرفادي، آمر المنطقة العسكرية في شرق ليبيا. ويعد الرفادي من المؤيدين لـ«عملية الكرامة» ضد المتشددين. وتعرض حفتر لخسارة فادحة بعد أن سيطر «أنصار الشريعة» على معسكرات ومقار أمنية في مدينة بنغازي الأسبوع الماضي. كما أصبح رجال الأمن المصريون على الحدود ينظرون بـ«قلق بالغ» من احتمال تنفيذ المتطرفين في المنطقة الشرقية من ليبيا، لهجوم مباغت على معسكرات مصرية مثل هجوم نقطة الفرافرة، وفقا للعقيد محمد، مشيرا إلى أن المتشددين يسيطرون على مدينة درنة التي جرى إعلانها كإمارة إسلامية أخيرا، وهي أقرب المدن إلى مدينة «طبرق» التي تعد بوابة ليبيا الشرقية وتبعد عن حدود مصر بنحو 150 كيلومترا فقط، ناهيك عن مواقع ارتكاز أخرى للمتشددين في عمق الصحراء الليبية بالقرب من حدود مصر، خاصة في المنطقة الجنوبية الوعرة.
وعلى خلاف العمل المحدود الذي كان يقوم به أمراء الحرب والجهاد في درنة على الأرض، بقيادة السجين السابق في غوانتانامو، المدعو سفيان بن جومة، توجد الآن قصص وحكايات عن تنامي نشاط المتشددين حول «طبرق» سواء من ناحية الميناء البحري في الشمال أو قرب المطار الجوي في الجنوب، كان آخرها زيارة «بن جومة» للمنطقة، لكن العقيد محمد يقول إن الجانب الأمني الليبي لم يؤكد اقتراب «بن جومة» من حدود مصر، وقال إن المسؤولين الليبيين في منطقتي «طبرق» و«البطنان» أرجعوا انتشار هذه الأقاويل حول «بن جومة» في المنطقة، إلى مخاوف المواطنين في المدن الليبية القريبة من مصر، من تمركز المتشددين في ديارهم. وعلى غرار ما تقوم به عناصر «داعش» في العراق، شوهد «بن جومة» وعدد من أنصاره وهم يقطعون رؤوس خصومهم ويمثلون بجثثهم. ويضيف العقيد محمد: «طبعا نحن نراقب كل هذا.. هذا مقلق».
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تشعر فيها القاهرة بالانزعاج من جانب الحدود الغربية، وتبدأ في حشد استعدادات قتالية كبيرة.. ففي عام 1977 قامت القوات المصرية بقصف مواقع في الشرق الليبي واحتلت أراضي هناك لعدة أيام، بسبب خلافات بين معمر القذافي وأنور السادات حين بدأ الأخير يعد لتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، وهو ما أغضب القذافي وجعله يطرد نحو ربع مليون مصري يعملون في بلاده، ويهدد بالزحف الليبي إلى القاهرة.
وفي الوقت الحالي تقول تقارير أمنية مصرية إن الجانب الآخر من الحدود، داخل الأراضي الليبية، هش ودون فاعلية تذكر. وإنه لهذا لم تعد قنوات الاتصال مع الجانب الليبي تقتصر على أجهزة الجيش والأمن محدودة الفاعلية، ولكنها امتدت لتشمل التنسيق مع شيوخ قبائل ووجهاء بالمنطقة ولجان ثورية. وتتميز المنطقة الشرقية، فيما عدا قطاعات في بنغازي ودرنة، بمعاداة المتشددينالمتشددين، وتأييد حفتر، لكن فاعلية خصوم المتشددينعلى الأرض وعلى الحدود المواجهة لمصر، ما زال ضعيفا. ويقول الشيخ عبد الله أحمدية، أحد أبناء قبيلة «المنفة» التي ينتمي إليها المجاهد الليبي التاريخي عمر المختار: «شباب الثورة شكلوا لجانا للمساعدة في حماية الحدود مع مصر لكن لا توجد لدينا سيارات ولا أسلحة ولا أموال».
ومنذ الإطاحة بنظام القذافي لم يعد في مقدور الحكام الجدد في طرابلس الغرب بسط سلطانهم على حدود البلاد مترامية الأطراف. وبينما يتناوب عشرات الجنود وموظفو الجوازات والجمارك من الليبيين على تشغيل منفذ إمساعد البري (الليبي)، المواجه لمنفذ السلوم (المصري)، يبدو الأمر مأساويا على طول الحدود البرية مع مصر، من البحر المتوسط شمالا حتى الحدود مع السودان في الجنوب. وتعاني كتيبة حرس الحدود «كتيبة 418» من نقص في التجهيزات وتأخر رواتب الجنود.
ويقول الضابط فوزي عبد ربه، وهو آمر سابق في الكتيبة الحدودية الليبية إنه يئس من الاستمرار في العمل مع منتسبي حرس الحدود، لأنه لم يتمكن طوال أكثر من سنة من إقناع الحكومة بصرف رواتب القائمين على التأمين هنا. ويضيف: «كتبنا لهم عشرات الرسائل دون جدوى.. ونحن نعرف السبب، وهو سبب سياسي، لأن من في أيديهم صرف الرواتب وتخصيص الإمكانات العسكرية التي نحتاجها، يعتقدون أننا غير موالين لهم. في الحقيقة نحن نعمل من أجل الوطن ولا علاقة لنا بالصراع السياسي».
ورغم أن مصدرا في الحكومة الليبية قال إنه جرى تخصيص أكثر من ثلاثين مليون دولار في الشهور الماضية، كرواتب للقائمين على حراسة الحدود مع مصر، فإن هذه الأموال يبدو أنها تذهب إلى جيوب أمراء الحرب من قادة الميليشيات الموالية للإسلاميين المهيمنين على أعمال البرلمان المنتهية ولايته (المؤتمر الوطني) والحكومة. ويوضح الضابط عبد ربه أن أهالي المناطق الحدودية الشرقية يرفضون وجود أي ميليشيات للإسلاميين المتشددين، ومع ذلك تعتمد الحكومة على أولئك المتشددينفي تأمين الحدود، ومع أننا طردناهم من هنا، فإنها ما زالت تصرف لهم الرواتب من خزينة الدولة، وذلك حتى بعد أن أصبحوا يوجهون كل قوتهم للاستيلاء على مدينة بنغازي ومحاربة أي محاولة لتشكيل جيش وشرطة وطنيين.
وترك الخدمة في حراسة الحدود الليبية الشرقية، مع الضابط عبد ربه، مئات الجنود الآخرين خاصة أولئك الذين لم يتحصلوا على رواتبهم الشهرية منذ الإطاحة بنظام القذافي حتى الآن.. «ولم تصرف لهم قطعة سلاح واحدة.. توجد عشرات النقاط الحدودية أصبحت مهجورة»، كما يقول عبد ربه. وفي مقابل هذه الظروف، ازدادت سطوة المهربين والمتطرفين ممن يمتلكون الأموال والسلاح وسيارات الدفع الرباعي.. «هم أقوى من حرس الحدود الليبي، ولا يتورعون عن إطلاق النار على من قد يفكر في اعتراض طريقهم. يعملون في كل شيء. من تهريب الصواريخ إلى تهريب الناس».
ويقول ممثل لمديرية الأمن في طبرق، يدعى الضابط علي، إن «عملية الكرامة» التي أطلقها اللواء حفتر في مايو (أيار) الماضي ضد المتشددين الإسلاميين، شجعت رجال الجيش والشرطة في طبرق وإمساعد، ممن كانوا يعملون مع الجيش الليبي القديم، للعودة إلى أعمالهم من جديد، لحفظ الأمن في البلاد.. «خاصة المنفذ البري والنقاط الحدودية مع مصر، وليس من أجل أي شيء آخر، كما يردد المتطرفون الذين يريدون إيهام الرأي العام أن كل من كان منتسبا للجيش السابق هو تابع بالضرورة لنظام القذافي، وهي مزاعم غير حقيقية».
ويضيف: «قلنا لليبيين في رسالة موجهة إلى الكافة، نحن تنادينا من أجل أن نعاود العمل لخدمة الجميع، أما السياسيون فليفعلوا ما يشاءون. ليست لنا علاقة بمن يفوز في الانتخابات أو لا يفوز فيها. مهمتنا أن نحافظ على منافذ ليبيا وحدودها».
ويتردد بين الليبيين أن المتشددين، تحت ستار سياسي من جماعة الإخوان المسلمين، يحاولون السيطرة سريعا على مقدرات الدولة الليبية بقوة السلاح بعد أن خسروا معركة الانتخابات الأخيرة في البرلمان الذي لم يبدأ أعماله الرسمية بعد. ومن بين الأهداف الحيوية لميليشيات الإسلاميين، المطارات والحدود والمرافق الرئيسة، لكن مجموعات الضباط والجنود خاصة من الكتيبة 418 بحرس الحدود الليبية في شرق البلاد ما زالت تحث منتسبيها القدامى على العودة للعمل لمواجهة «مخططات الفئة الباغية» في إشارة إلى المتطرفين. وعما إذا كانت الوحدات الصغيرة الموالية لحفتر والتي تحاول تأمين الحدود الشرقية مع مصر تتلقى أي دعم من المصريين، يقول عبد ربه إن هذا لم يحدث، وإن الوفود الأمنية الليبية التي زارت المسؤولين المصريين على الجانب الآخر من الحدود، ناقشوا فقط التعاون بين الجانبين فيما يتعلق بمنع التهريب، لكنه أشار إلى أن «مصر لم تعد تخشى تهريب السلاح والمخدرات وغيرها من السلع فقط، بل أصبح لديها مخاوف حقيقية من سيطرة المتشددين».



من السماء إلى الأرض... جبهات تعز تكسر زحف الحوثيين

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
TT

من السماء إلى الأرض... جبهات تعز تكسر زحف الحوثيين

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)

دخلت معارك محافظة تعز اليمنية مرحلة محورية خلال الساعات الماضية، بعدما تحولت المواجهات المتزامنة على عدد واسع من الجبهات إلى عملية عسكرية مكثفة استهدفت فيها القوات الحكومية تحركات وتعزيزات الجماعة الحوثية، بالتزامن مع غطاء جوي كثيف واستعادة مواقع كانت الجماعة قد تمكنت من التسلل إليها.

وكشفت البيانات العسكرية المتعاقبة للجيش اليمني عن تنفيذ 75 غارة جوية على مواقع وتحركات حوثية في محافظة تعز خلال 24 ساعة، في موجات متتابعة من الضربات، استهدفت تجمعات وعربات وآليات وتعزيزات ومخازن أسلحة ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط إمداد، وفق بيانات المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي.

واللافت في مسار العمليات أن الغارات لم تتركز في محور واحد، وإنما امتدت على رقعة واسعة من جبهات تعز، كما شملت صنعاء وصعدة وحجة، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة ومحاولة القوات الحكومية ضرب خطوط الحركة والإمداد التي تستخدمها الجماعة في عملياتها.

وشملت الضربات مناطق حمير وبني بكاري وسامع والأقروض وشارع الستين والأعمور والوازعية في تعز، وميدي وبني حسن في حجة، ثم استهدفت موجة ثانية مواقع في تعز، هي الرضعة والأقروض وبني بكاري والكدحة وجبل نعمان والعجرم والمرزام.

أما الموجة الكبرى، التي بلغت 27 غارة، فقد استهدفت مخزناً للصواريخ ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط إمداد وتسليح متقدمة وتجمعات وعربات وآليات عسكرية، وطالت مواقع في شارع الستين، شمال مدينة تعز، وبني عمر، وحمير في مقبنة، وشرق الوازعية، والأحكوم والأثاور في حيفان، والكدحة وجبل نعمان والكريفات وعقبة منيف والتشريفات والأقروض وسامع والشقب في صبر الموادم.

وفي موجة أخرى، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 15 غارة في تعز، شملت مواقع رأس ضريز والأعمور وجاشع أثاور ورأس حمي بالخزان بجبهة الكعاوش وقرية الجنيد في حيفان، وقالت إن الضربات أدت إلى تحييد عشرات العناصر والتعزيزات وتدمير معدات وآليات.

وبذلك، لا تبدو الغارات مجرد إسناد جوي محدود للخطوط الأمامية، وفق البيانات العسكرية، بل جزءاً من عمليات تستهدف منظومة الحركة والإمداد والقيادة الحوثية على امتداد جبهات متعددة.

هجوم وانكسار

تزامن ذلك مع مواجهات عنيفة خاضتها القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في عدد من محاور تعز، أبرزها بني بكاري في جبل حبشي، وحمير في مقبنة، والأقروض جنوب شرقي المحافظة، إضافة إلى الكدحة وجبل هان والجبهتين الشمالية والشرقية لمدينة تعز.

وقالت المصادر العسكرية إن القوات الحكومية تمكنت من كسر الهجمات الحوثية وإجبار المهاجمين على التراجع، فيما شهدت جبهة سامع، جنوب شرقي المحافظة، هجوماً حوثياً تصدت له القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، قبل أن تعزز مواقعها وتتراجع الجماعة باتجاه دمنة خدير.

وفي هذه الجبهة تحديداً، تحدثت المصادر عن إلقاء القبض على نحو 20 عنصراً حوثياً، والاستيلاء على آليات حوثية. وفي الأقروض، أفادت المصادر بمقتل نحو 30 عنصراً حوثياً وإصابة نحو 50 آخرين بنيران القوات الحكومية.

سعي الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

كما تحدثت حصيلة عسكرية عن مقتل نحو 100 عنصر حوثي وإصابة العشرات وأسر آخرين، إلى جانب إعطاب عربات عسكرية وتدمير مخازن أسلحة، عقب الهجمات التي شنتها الجماعة في عدد من جبهات المحافظة.

وتقول تقديرات ميدانية، إن الخطة الحوثية كانت تستهدف السيطرة على مناطق من ريف تعز وفرض حصار على المدينة، وإن الجماعة حشدت لتنفيذها عشرات الكتائب، إلا أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنت من تثبيت مواقعها، قبل أن تبدأ بعض الوحدات باستعادة مواقع تسلل إليها الحوثيون في الشمايتين وجبل حبشي وسامع.

ولم تقتصر التطورات على التصدي للهجمات، إذ أعلنت القوات الحكومية، مسنودة بالمقاومة الشعبية وأبناء المناطق المحلية، استعادة مناطق مهمة في عزلة بني عمر بمديرية الشمايتين، جنوب تعز.

جبال تعز شكّلت عائق صد طبيعياً أمام زحف الحوثيين (إعلام عسكري)

وقالت المصادر إن القوات استعادت منطقة دار الراحة وتقدمت باتجاه شعب الدراهم، بينما تكبد الحوثيون خسائر في الأرواح والعتاد وأُسر عدد من عناصرهم، مع استمرار المواجهات في مواقع أخرى.

وفي حين تؤكد القوات الحكومية أنها أحبطت حتى الآن مخطط السيطرة على مناطق ريف تعز وفرض حصار على المدينة، تظل الجبهات مفتوحة على احتمالات تجدد الهجمات، خصوصاً مع استمرار التحركات العسكرية الحوثية على الطرق الرابطة بين مناطق مختلفة من المحافظة.

حظر خطوط الحركة الحوثية

تزامنت هذه التطورات مع استمرار الغارات على خطوط الحركة الحوثية، الأمر الذي أعطى المعارك بعداً يتجاوز الاشتباك المباشر حول المواقع، ليشمل استهداف التعزيزات والآليات ومصادر الإمداد.

وفي موازاة ذلك، أعلنت القوات المسلحة اليمنية اتخاذ إجراءات احترازية واسعة لحماية المدنيين، إذ دعت المواطنين وسائقي المركبات ووسائل النقل المدنية إلى تجنب طرق تستخدمها الجماعة في نقل عناصرها وإمداداتها العسكرية، حتى إشعار آخر.

وشملت قائمة الطرق طريق صنعاء - ذمار - إب - القاعدة - الحوبان - جولة القصر، وطريق الحوبان - الدمنة - الراهدة - حيفان - القبيطة - المفاليس، إلى جانب طرق أخرى تربط شرعب والربيعي والبرح والكدحة والوازعية وموزع والمخا، وكذلك طرق الأقروض وسامع والعيار وجبل حبشي.

ضربات جوية للجيش اليمني تضاعف خسائر الحوثيين في تعز (رويترز)

وتكشف هذه التحذيرات عن اتساع نطاق التحركات العسكرية، فيما شددت القوات المسلحة على أن الإجراءات احترازية ومؤقتة، وأن حماية المدنيين وممتلكاتهم تمثل أولوية.

وفي تطور موازٍ، أعلنت الدفاعات الجوية اعتراض وإسقاط طائرات مسيّرة انتحارية حوثية في سماء العاصمة المؤقتة عدن، وقال المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني إن الطائرات أُسقطت قبل وصولها إلى أهدافها في المناطق والأحياء المدنية.

كما أُعلن عن استهداف أهداف عالية القيمة في صنعاء، إلى جانب 11 هدفاً عسكرياً عالي القيمة في صعدة، في رسائل عسكرية تعكس اتساع نطاق العمليات خارج جبهات تعز، حيث عمق السيطرة الحوثية.

متابعة رئاسية

في موازاة هذه التطورات الميدانية، أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد محمد العليمي مشاورات موسعة بشأن الوضع الميداني في تعز، واطلع من عضوي مجلس القيادة عبد الرحمن المحرمي ومحمود الصبيحي ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان وقائد المنطقة العسكرية الرابعة والقيادات العسكرية والأمنية في المحافظة على سير العمليات.

وشملت الإحاطات مستوى جاهزية القوات، وتأمين الطرق وخطوط الإمداد، والتصدي لمحاولات التسلل والاختراقات، إلى جانب الخسائر التي تكبدتها الجماعة جراء المواجهات والضربات الجوية.

عناصر من قوات الأمن اليمنية في مدينة تعز حيث تواجه المدينة وأريافها أشد الهجمات الحوثية (أ.ف.ب)

وقال العليمي إن القوات الحكومية ستواصل عملياتها وفق الخطط المقررة، مؤكداً أن الحوثيين هم من بدأوا الحرب، وأن القوات المسلحة ستنهيها، بحسب ما نقله الإعلام الرسمي، وصولاً إلى استعادة مؤسسات الدولة والعاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب.

كما دعا سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى عدم الانجرار وراء حملات التعبئة، وعدم السماح بزجّ أبنائهم في هجمات وصفها بالخاسرة، مجدداً التزام الدولة بما سماه «مبادرة العودة الآمنة» وفتح أبوابها أمام من يختار الانحياز إلى الدولة ومؤسساتها.


الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
TT

الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)

لم يكن قصف الجماعة الحوثية لمدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب محافظة تعز (جنوب غرب)، مساء الثلاثاء الماضي، مجرد جولة جديدة من القصف الباليستي الذي تصاعد على مختلف جبهات اليمن منذ نحو 3 أشهر؛ فالهجوم تزامن مع التحركات الحوثية غرب تعز، مع تصعيد ميداني واسع تشهده جبهات الوازعية والكدحة وحيفان ومناطق أخرى من المحافظة.

ورصدت مصادر ميدانية تعزيزات حوثية عبر خط المخا باتجاه الكدحة، ثم الرحبة والقوز، بالتزامن مع القصف الذي طال أحياء مدينة التربة بـ4 صواريخ باليستية، وفق مصادر حكومية ومحلية.

وليست المرة الأولى التي تستخدم فيها الجماعة الحوثية الصواريخ الباليستية بالتوازي مع تحركاتها الميدانية؛ فمنذ مطلع أغسطس (آب)، اتسعت دائرة الضربات من معسكرات بعيدة عن خطوط التماس في مأرب وحضرموت، إلى مدينة مأرب ومخيمات النازحين، ثم إلى المخا والخوخة على الساحل الغربي، قبل أن تصل في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى مدينة تعز، وأخيراً إلى التربة؛ ففي 6 سبتمبر، استهدفت 3 صواريخ باليستية مدينة تعز، وسقطت قرب مبنى الرعاية الاجتماعية ومحيط كلية الطب والسجن المركزي غرب المدينة.

لقطة متداولة يقول مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إنها للحظة سقوط أحد الصواريخ في التربة (إكس)

ويكشف هذا التسلسل تغيراً في وظيفة الصاروخ ضمن التصعيد الحوثي؛ ففي 6 أغسطس، شنت الجماعة هجمات باليستية ومسيّرات على معسكرات حكومية في منطقة الرويك شرق مأرب، بينها معسكر الثنية الذي يضم قوات الطوارئ وألوية عسكرية، قبل أن تتوسع الضربات في الأيام التالية إلى مدينة مأرب.

وفي الساحل الغربي، تكرر النمط بصورة أكثر كثافة، وتعرضت المخا لهجمات صاروخية متتابعة خلال أغسطس، ثمّ هجوم في 9 سبتمبر، أسفر، وفق الجيش اليمني، عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 30 آخرين، بينما أعلنت الجماعة أنها استهدفت تجمعات عسكرية ومستودعات أسلحة.

وبعد أيام، أعلن مدير ميناء المخا تعليق العمليات، إثر تعرضه لأكثر من 25 صاروخاً خلال عدة أيام، فيما تحدثت السلطات عن خسائر بشرية ومادية واسعة.

«التربة»... هدف مختلف

تختلف الأهداف المعلنة والنتائج الميدانية من حادثة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك هو اتساع المسافة بين أهداف الصواريخ وخط الاشتباك المباشر؛ فالجماعة التي استخدمت الصواريخ أيضاً في المواجهات المباشرة، وربما كانت أول من يفعل ذلك في تاريخ استخدام هذا النوع من الأسلحة، إلا أنها لا تكتفي بضرب المواقع العسكرية المتقدمة، وإنما ترسلها إلى معسكرات وطرق وموانئ ومدن في العمق، حيث يمكن للضربة أن تؤثر في حركة القوات والإمداد، وأن تفرض على الجيش اليمني توزيع موارده الدفاعية على مساحة أوسع.

منظر عام لمدينة التربة من إحدى ضواحيها (فيسبوك)

ويأتي القصف الأخير على مدينة التربة، بوصف ذلك أداة لإدارة المعركة في العمق، لا مجرد رد فعل على خسارة ميدانية أو عجز عن التقدم، فإذا كانت التعزيزات الحوثية تتحرك في الوقت نفسه باتجاه الكدحة والرحبة والقوز، فإن ضرب مدينة تقع على أحد المحاور المهمة جنوب تعز، يمكن أن يؤدي وظيفة تتجاوز إيقاع الخسائر المباشرة؛ مثل إرباك الحركة ورفع منسوب القلق في المناطق الخلفية، وتشتيت الانتباه بين حماية خطوط التماس وتأمين المدن والطرق الواقعة خلفها.

وتكتسب التربة خصوصيتها من موقعها؛ فهي لا تمثل ميناءً استراتيجياً مثل المخا، ولا معسكراً عسكرياً مثل الرويك، وإنما مدينة داخلية تقع على محور مهم يربط تعز بالمحافظات الجنوبية، وتشكّل مركزاً لحركة السكان وأنشطتهم، بينما يعدّ محيطها مسرحاً لتحرك القوات الحكومية والإمدادات في جنوب المحافظة.

وتقع المدينة في قلب المنطقة الجغرافية الواسعة المعروفة بـ«الحُجَرِيّة»، وتضم عدة مديريات من جنوب محافظة تعز وشمال محافظة لحج، وتضمّ تجمعاً سكانياً من بين الأكثر كثافة في البلاد، يناهض النفوذ الحوثي، ويشكل رافداً لدعم الجيش بالمقاتلين.

ولا يمكن عزل هذا التطور العملياتي الحوثي عن إعلان حالة التعبئة العامة التي أطلقها، منذ أيام، رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ فالتربة تعدّ مركز هذه المنطقة الواسعة كثيفة السكان، وتضم مقرات للمؤسسات والمنشآت الحكومية ومراكز أمنية.

أضواء انفجارات سببتها الصواريخ الحوثية على مدينة المخا منتصف أغسطس (آب) الماضي (رويترز)

ولا يعني تهديد التربة بالصواريخ أن الهدف المباشر هو السيطرة عليها بالضرورة، كما حدث في المخا؛ فالقيمة العسكرية للضربة قد تتمثل في تهديد البيئة التي تتحرك من خلالها القوات، وإرهاب السكان الذين يناهضون نفوذ الجماعة، وإيصال رسالة بأن العمق الجغرافي الذي اعتاد السكان والقوات اعتباره أكثر أمناً، لم يعد بمنأى عن النيران بعيدة المدى.

وهذه النقطة تفسّر أيضاً انتقال الجماعة من استهداف مدينة تعز في 6 سبتمبر، إلى استهداف التربة في 29 منه؛ فبينما ضربت الصواريخ في الحالة الأولى قلب المحافظة ومركزها الحضري، وصلت في الحالة الثانية إلى مدينة تقع أبعد جنوباً، وفي توقيت تشهد فيه الجبهات الغربية والجنوبية تحركات عسكرية متزامنة.

تمهيد مسرح المعركة

لا يمكن الجزم من الضربة وحدها بأن الجماعة الحوثية تمهد لهجوم بري على التربة، أو محيطها، كما لا يمكن اختزال القصف في محاولة إرباك القوات الحكومية، لكن تزامن الضربات بعيدة المدى مع التحركات البرية المتكررة يسمح بتوقع أن يكون الصاروخ جزءاً من عملية التمهيد للتقدم، وليس بديلاً عنه.

القصف الصاروخي الحوثي استهدف حتى المدنيين والنازحين في عدة محافظات يمنية (أ.ف.ب)

فالضربات الباليستية تستطيع، حتى من دون إصابة هدف عسكري نوعي، أن تفرض على الطرف المقابل حسابات إضافية؛ مثل حماية المراكز الخلفية، ومراقبة طرق الإمداد، وإعادة ترتيب القوات بعيداً عن خطوط القتال، وكلما اتسعت دائرة التهديد، زادت التكلفة المطلوبة للحفاظ على الجبهة الأمامية.

ويأتي كل هذا في ظلّ إصرار الجماعة على إطباق الحصار على المنطقة، والمحافظة بالتالي، من خلال التقدم من الجهة الشرقية، حيث جبهة حيفان والأحكوم والأكبوش، وغرباً في جبلي راسن وجرداد الاستراتيجيين اللذين تسعى، منذ أكثر من أسبوعين، للسيطرة عليهما.

واستهدفت الجماعة أكثر من مرة خلال سبتمبر، طريق هيجة العبد في مديرية المقاطرة القريبة لمدينة التربة، وهو الطريق الذي يربط محافظة تعز بالعاصمة المؤقتة، ويعدّ الوحيد الذي تتنفس منه، خصوصاً عقب سقوط مدينة المخا أخيراً.

كل هذا يجعل من قصف التربة مختلفاً عن مجرد رد صاروخي؛ فالجماعة التي تحرك قواتها في محاور غرب تعز، تحتاج، في أي محاولة لتغيير موازين الأرض، إلى إبقاء القوات المقابلة تحت ضغط متعدد الاتجاهات، وفي هذا التكتيك، تسبق الصواريخ أي تحرك ميداني قد يربك العمق، ويختبر قدرة الجيش على حماية مسرح عملياته، قبل أن تتضح نتيجة التحرك البري.


الرعاية الصحية... معركة جديدة للفارّين من الهجمات الحوثية

الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
TT

الرعاية الصحية... معركة جديدة للفارّين من الهجمات الحوثية

الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)

لم يكن أمام أنور عبد الله سوى مغادرة منزله في محافظة الحديدة (غرب اليمن) برفقة زوجته وأطفاله الستة، بعدما اقتربت الهجمات الحوثية من محيطهم ليلة 10 سبتمبر (أيلول). لم يكن يعرف في البداية ما الذي يحدث، لكنه سرعان ما أدرك أن البقاء لم يعد خياراً.

يقول أنور، البالغ من العمر 29 عاماً: «لم نكن نعرف ما الذي كان يحدث، ثم أدركنا أن هناك قتالاً. أخذت أطفالي وزوجتي وجئنا إلى عدن. تركنا كل شيء وراءنا».

بدأت الأسرة رحلتها باتجاه المخا، قبل أن تواصل طريقها إلى عدن، تاركة منزلها وممتلكاتها وحياتها السابقة خلفها.

واليوم، تعيش الأسرة في مأوى مؤقت شمالي عدن، ولا تملك سوى القليل من الاحتياجات الأساسية. وحتى إعداد وجبة بسيطة أصبح مهمة يومية؛ إذ تضطر إلى استخدام الحطب للطهي بجوار المأوى بسبب افتقارها إلى أدوات الطهي الأساسية. لكن الوصول إلى مكان أكثر أمناً لم يضع حداً لمعاناة الأسرة. فبالنسبة لأنور وعائلته وآلاف النازحين الآخرين، بدأت بعد الفرار معركة جديدة تتعلق بكيفية الحصول على الرعاية الطبية عندما يمرض أحد أفراد الأسرة.

وتُعد أسرة أنور واحدة من آلاف الأسر التي وصلت إلى عدن خلال موجة النزوح الأخيرة، في أعقاب تجدد القتال على طول الساحل الغربي لليمن.

آلاف النازحين في اليمن بسبب الهجمات الحوثية يفتقدون الرعاية الصحية (إعلام محلي)

وبحلول نهاية سبتمبر الماضي سجلت الحكومة اليمنية نزوح قرابة 200 ألف شخص، وفي ظل تدفق النازحين تستضيف أربعة مواقع في عدن ولحج نحو 6.500 شخص كانوا قد نزحوا إليها قبل وصول الموجة الأخيرة، في حين تضاعف عدد السكان في بعض هذه المواقع منذ ذلك الحين.

ولا تقتصر احتياجات هؤلاء على المأوى والغذاء. فالكثير منهم يحتاجون إلى العلاج، في وقت تقع فيه المرافق الصحية على مسافات تجعل الوصول إليها أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى أسر أنهكها النزوح والفقر.

وتوجد مواقع النازحين التي تزورها فرق منظمة «أطباء بلا حدود» على مسافة تتراوح بين أربعة وعشرة كيلومترات من المرافق الصحية. وبينما قد تبدو هذه المسافة محدودة في الظروف العادية، فإنها تتحول إلى عقبة حقيقية أمام الأسر التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

ومع نقص الوقود وارتفاع أسعاره، تصبح تكلفة الانتقال إلى المرافق الصحية، إضافة إلى أسعار الأدوية، فوق قدرة كثير من الأسر.

وتقول سارة غانم، مديرة أنشطة الصحة المتنقلة في «أطباء بلا حدود» في عدن: «نرى أطفالاً مرضى، ونساءً حوامل لا يستطعن الوصول إلى الرعاية الصحية، وأشخاصاً يعانون من جروح، وكباراً في السن يحتاجون إلى خدمات طبية، لكنهم يواجهون صعوبة في الوصول إليها».

مرضى بلا رعاية

في المواقع التي تزورها الفرق الطبية تظهر آثار الأزمة الصحية بين النازحين بصورة واضحة. فقد تعاملت الفرق مع حالات جروح وإصابات، وسوء تغذية، وحمى، وإسهال، إلى جانب أمراض معدية وغير معدية لم تتلقَّ العلاج. كما رصدت نساءً حوامل لم يحصلن على رعاية صحية خلال فترة الحمل، وأطفالاً يعانون من سوء تغذية حاد، وآخرين لم يستكملوا تطعيماتهم.

وأمام هذه الصعوبات، تحاول فرق «أطباء بلا حدود» نقل جزء من الرعاية الصحية إلى أماكن وجود النازحين، بدلاً من انتظار قدرتهم على الوصول إلى المراكز الطبية.

الكثير من الأسر اليمنية المشردة تعيش في مأوى مؤقت بانتظار وصول المساعدات (إعلام محلي)

وخلال الأسبوع الأول من الاستجابة الصحية المتنقلة، عاينت الفرق 427 مريضاً في أربعة مواقع بمديريتَي دار سعد والشيخ عثمان في عدن، ومديرية تبن في لحج.

وكان معظم المرضى من النساء والأطفال، في حين كان نحو 40 في المائة منهم قد نزحوا حديثاً بسبب التصعيد الأخير في تعز وعلى طول الساحل الغربي.

وتقدم الفرق استشارات طبية وفحوصات سريعة تشمل قياس مستوى الهيموغلوبين وسكر الدم، والكشف عن الملاريا وحمى الضنك، وفحوصات البول، إلى جانب التطعيمات الروتينية، والكشف عن سوء التغذية، واختبارات الحمل وتنظيم الأسرة.

وعندما يحتاج المرضى إلى رعاية إضافية، تعمل الفرق على إحالتهم إلى مرافق صحية قادرة على توفير العلاج اللازم.

نظام تحت الضغط

تأتي هذه الاستجابة في وقت يواجه فيه النظام الصحي اليمني ضغوطاً متراكمة، وفق «أطباء بلا حدود». وتقول غانم: «نرى ضغطاً هائلاً على نظام صحي ينهار بالفعل، ويواجه تحديات عديدة منذ سنوات».

ومع استمرار وصول النازحين، تواصل المنظمة تقييم المواقع التي تستضيفهم، وتقول إنها مستعدة لتوسيع نطاق استجابتها إذا ازدادت الاحتياجات الصحية.

الفرق الطبية المتنقلة تقدم خدمات متواضعة للمئات من الفارّين من تصعيد الحوثيين (إعلام محلي)

ولا تقتصر جهود «أطباء بلا حدود» على الفرق المتنقلة؛ إذ تدعم المنظمة منذ أبريل (نيسان) خدمات الرعاية الصحية الأولية في الفَرشة بريف لحج والبساتين في عدن.

وتشمل المناطق التي تخدمها المنشأتان أماكن يقيم فيها نازحون، سواء داخل مواقع النزوح أو وسط المجتمعات المحلية المضيفة.

وبالنسبة إلى عائلات مثل أسرة أنور، فإن الوصول إلى مكان آمن لا يعني بالضرورة انتهاء رحلة النزوح. فبعد ترك المنازل والممتلكات، يصبح الحصول على العلاج والطعام ومقومات الحياة الأساسية جزءاً آخر من معاناة طويلة، لا تعرف الأسرة متى تنتهي.