تعزيزات عسكرية مصرية على الحدود مع ليبيا

مواقع حرس الحدود في الشرق الليبي نقاط ارتكاز لمتطرفين ومهربي أسلحة

واحدة من نقاط تمركز حرس الحدود الليبي قبالة حدود مصر بعد أن جرى ترميمها ومحاولة تفعيل عملها
واحدة من نقاط تمركز حرس الحدود الليبي قبالة حدود مصر بعد أن جرى ترميمها ومحاولة تفعيل عملها
TT

تعزيزات عسكرية مصرية على الحدود مع ليبيا

واحدة من نقاط تمركز حرس الحدود الليبي قبالة حدود مصر بعد أن جرى ترميمها ومحاولة تفعيل عملها
واحدة من نقاط تمركز حرس الحدود الليبي قبالة حدود مصر بعد أن جرى ترميمها ومحاولة تفعيل عملها

قبيل حلول المساء شد الجندي «جابر» البالغ من العمر 23 عاما خوذته على رأسه وبدأ نوبة المراقبة بمنظار الرؤية المعظم، من أعلى الهضبة الضخمة التي يبلغ ارتفاعها نحو مائتي متر فوق مستوى سطح البحر، وتفصل بين حدود مصر وليبيا وتشرف على البحر المتوسط. تبدو مساحات المياه، بزرقتها الداكنة، واسعة ومخيفة. ووفقا للمصادر الأمنية فقد جرت زيادة القوات المصرية المتمركزة على الحدود الغربية بعد يومين فقط من سيطرة تنظيمات الجهاديين على بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية والواقعة ناحية الشرق، وفي مناطق أخرى قريبة من خط الحدود المصري.
ويمكن بسهولة ملاحظة التعزيزات المصرية بالعين المجردة على الحدود هنا، من آليات عسكرية مع كثافة في حركة العربات والجنود، في وقت يتهم فيه فريق من الليبيين الفريق الآخر بالاستعانة بالمصريين في الحرب على تنظيمات المتشددين داخل بلادهم التي تعمها الفوضى والاقتتال.
ويتخذ الجندي «جابر» موقعه مع ألوف الجنود المصريين الآخرين، على طول الحدود، لكن طبيعة العمل اختلفت الآن. يقول: «نحن الآن كأننا في حالة حرب». ويشير إلى امتداد البحر أمامه حيث تبدو إحدى القطع البحرية المصرية وهي تقوم بمهمتها الجديدة في مراقبة الأجواء، ثم يشير إلى الجنوب حيث تنزلق هضبة السلوم المغبرة التي ينتشر عليها الحصى، بشكل حاد، بما فيها من وديان ومسارب، وترى من بعيد سيارات الجيش ومن فوقها فوهات الأسلحة، وهي تمرق وتثير التراب وراءها، بحثا عن أي متسللين.
وتنخفض هضبة السلوم نحو الجنوب رويدا رويدا، بطول نحو ستين كيلومترا، حتى تتحول إلى مجرد بيداء جرداء تغطيها الرمال والحطب الصحراوي الجاف الذي تراه متناثرا عبر الآفاق الصفراء وكأنه خيالات تتحرك في الفراغ. وفي داخل هذه التجاويف داكنة اللون يبدو أن هناك أيضا آليات عسكرية جديدة ومواسير بنادق لم تكن موجودة من قبل في هذه المواقع.
ومن هنا، وقبل أسابيع من الآن، كان يمر مهربو الأسلحة والمخدرات وكانت تعبر أفواج «الهجرة غير الشرعية».. كان هذا يجري من خلال مسارين؛ الأول فوق التراب، أي عبر الوديان والكثبان الرملية الوعرة بسيارات الدفع الرباعي، من الجهة القبلية.. والثاني من ناحية الشمال، أي فوق ماء البحر، حيث تعبر شحنات السلاح والغرباء تحت جنح الظلام على مراكب صغيرة، ما بين خليج البردي، الواقع تحت السيادة الليبية، وخليج السلوم التابع للدولة المصرية. ويزيد التكوين الجغرافي لهذا الخليج الواسع الممتد على جانبي حدود البلدين، من صعوبة تأمين عمليات التسلل البحري.
ويوجد على الجانب الآخر من السلك الشائك، مخافر ونقاط أمنية ليبية لكنها، في أغلبها، فارغة ومهجورة منذ انهيار نظام معمر القذافي في خريف 2011 حتى الآن، وتحول العديد منها إلى نقاط ارتكاز للجهاديين ومهربي الأسلحة، مما زاد الضغط على الجانب المصري في تأمين الحدود من جانب واحد، وهو عبء اشتكى منه عدد من كبار القادة المصريين لأنه ببساطة يحتاج إلى ملايين الدولارات في بلد يعاني من صعوبات اقتصادية جمة.
ولا توجد مظاهر لحرس الحدود الليبي، فيما عدا نقطة إمساعد شمالا، والتي تعد بمثابة المعبر الرسمي للبضائع والمسافرين بين البلدين. أما فوق الهضبة من الجانب المصري، فقد بدت حالة تأهب وترقب لم تشهدها مدينة السلوم منذ حرب المصريين على ليبيا قبل 35 سنة، كما يقول أحمد حسين، أحد القيادات المحلية في المدينة. ويضيف أنه، وفي الأسبوع الماضي، أي عقب استيلاء تنظيم «أنصار الشريعة» في المنطقة الشرقية من ليبيا على معسكرات في بنغازي، زادت السلطات المصرية من عدد جنودها على الحدود وعززت قدرات الأمن، مشيرا إلى أن ناقلات شوهدت وهي تمر من هنا إلى أعلى الهضبة وبمحاذاة السلك الحدودي، تحمل أسلحة وجنودا وآليات ومعدات.
ويزيد حسين قائلا إن هذا الأمر أشاع فكرة تتردد أصداؤها هنا عن أن مصر تستعد لتوجيه ضربات للمتشددين في الداخل الليبي، لكن أحد كبار المسؤولين الأمنيين في السلوم قال إن «هذا غير صحيح»، مشيرا إلى أن تعزيز قدرات المراقبة يهدف بالأساس إلى كبح جماح التهريب الذي زاد بشكل غير مسبوق نظرا لانتشار السلاح في ليبيا «بلا ضابط ولا رابط».
ويضيف هذا المسؤول أن العشرات من معسكرات الجيش الليبي السابق تركت لعدة أشهر بلا حراسة وتعرضت للنهب، وجرى بيعها في الأسواق، وانتقلت لأيدي المهربين والإرهابيين»، لكنه يوضح قائلا عما يتردد بأن مصر يمكن أن تنفذ عملية عسكرية في الداخل الليبي ضد المتطرفين، بأن هذا «لا توجد عنه تعليمات أو استعدادات، ولا حتى أي مؤشرات.. ما لدينا هي أوامر مشددة بضرورة ضبط وتأمين الحدود.. هذا أصبح أمرا لا بد منه، بسبب الفوضى داخل ليبيا».
ويشكو المصريون من أن غالبية النقاط الأمنية على الجانب الليبي، والمفترض أن يكون فيها جنود ليبيون لمراقبة الحدود وتأمينها من جانبهم، ما زالت ضعيفة، وهو أمر يقر به الليبيون أيضا، خاصة في القطاع الجنوبي ناحية الجغبوب وإلى أقصى الحدود الجنوبية في العوينات، والتي تتلاقى فيها حدود كل من ليبيا والسودان ومصر. ويعتقد أن مئات المقاتلين الأجانب تسللوا من بلدانهم وعبروا إلى داخل الجنوب الليبي إلى مناطق محاذية للحدود، واستغلوا عدة طرق هشة التأمين في التسلل إلى داخل الصحراء الغربية المصرية.. لكن التشديد الأمني من جانب مصر الذي يتركز في السلوم، من ناحيتي الهضبة البحرية والقبلية، أدى إلى أمرين.. الأول انحصار عمليات التهريب والمهربين، والثاني توقيف من حاولوا اجتياز الحدود من المناطق التقليدية القديمة.
ويقول العقيد محمد، أحد ضباط التأمين الحدودي في السلوم: «ألقينا القبض على العشرات خلال الأسبوع الماضي حين كانوا يحاولون تهريب آلاف من الأسلحة إلى داخل البلاد.. صواريخ (غراد) وبنادق من نوع (إيه كيه 47) و(إف إن)، وذخيرة مدفعية، إلى جانب المخدرات والسجائر. وتشير إحصاءات مصرية غير نهائية إلى أن معدل توقيف المهربين، في السابق، كان لا يزيد عن عشرين في المائة أو خمسة وعشرين في المائة، بسبب طول الحدود وصعوبتها، من جانب، وبسبب عدم وجود حرس حدود ليبي، من جانب آخر، لكن معدل الضبط ارتفع خاصة في الشهور الأخيرة ووصل خلال الشهرين الماضيين لأكثر من سبعين في المائة.
ويبلغ طول الحدود البرية المصرية مع جارتها الغنية بالسلاح والنفط والجهاديين أيضا، نحو 1050 كيلومترا. ومنذ أواخر عام 2011، أي مع بداية الفوضى الأمنية التي تعاني منها ليبيا حتى الآن، استغل المهربون وعورة الحدود وصعوبة تأمينها، في التسلل بالسيارات المجهزة ونقل الآلاف من قطع الأسلحة وصناديق الذخيرة والمخدرات إلى داخل البلاد. ويقول العقيد محمد، إن غالبية مهربي السلاح، كانوا يعملون في السابق مهربين للمخدرات، ويستخدمون نفس المسارات والدروب القديمة، سواء بالمراكب البحرية عبر خليج السلوم، أو من خلال وديان الهضبة، أو من ناحية الجغبوب وسيوة والكفرة.
وكشفت المصادر الأمنية المصرية في مدينة السلوم عن أن عملية تأمين الحدود مع ليبيا تنقسم إلى ثلاثة قطاعات؛ الأول يمتد من البحر المتوسط إلى منطقة الجغبوب جنوبا بطول نحو 200 كيلومتر، والثاني من الجغبوب وحتى واحة سيوة بطول حوالي 65 كيلومترا، والثالث من الجغبوب حتى نقطة العوينات بطول 785، ويعد الأخير هو الأصعب تأمينيا وفقا لإفادة مسؤول كبير في وزارة الدفاع المصرية، والذي قال في مقابلة موثقة مع «الشرق الأوسط» إن عبء تأمين القطاع الجنوبي من الحدود يحتاج لطائرات تراقب على مدار الساعة، وهذا أمر مستحيل لأنه ذو كلفة باهظة جدا لا تقدر عليه حتى الدول الغنية.
ومن بين طرق تعزيز القدرات التأمينية على حدودها مع ليبيا، اتخذت مصر إجراءات ضد مسؤولين يشتبه في أن لهم علاقات مع مهربين أو جهاديين. ووفقا لروايات من مسؤولين محليين تجري السلطات المصرية التحقيق في معلومات عن تهاون ضباط أمن، مع مهربين، وذلك بعد نحو شهر من استهداف «إرهابيين» يعتقد أنهم تسللوا من ليبيا لنقطة الفرافرة القريبة من الحدود وقيامهم بقتل 22 من الجنود المصريين هناك.
واطلعت «الشرق الأوسط» على مقاطع فيديو جرى تجميعها من قبل محققين مصريين ويظهر في واحد منها على الأقل قيام ضابط أمن في نقطة على حدود مصر مع ليبيا بالسماح لمهربين بالعبور بعد توقيفهم لعدة ساعات دون القبض عليهم أو إحالتهم إلى جهات التحقيق المختصة.
وقال مصدر قريب من التحقيقات إن ضابط الأمن في هذه الواقعة اكتفى بمصادرة البضائع من المهربين وسمح لهم بالعبور إلى داخل الأراضي المصرية. وعما إذا كانت هناك شبهة في علاقة الضابط المشار إليه بالمهربين أو الجماعات المتشددة التي تنشط عبر الحدود، قال المصدر إن هذا احتمال مستبعد لأن المهربين عدوا مصادرة البضائع منهم عملا عدائيا من جانب الضابط، وقاموا بإطلاق النار عليه فيما بعد انتقاما منه.
ويطلق الليبيون على التنظيمات المتشددة في داخل البلاد اسم «دواعش» نسبة إلى ما يعرف بتنظيم «داعش».. وزادت مخاوف القاهرة أكثر من السابق بعد أن أعلنت مواقع إلكترونية تابعة للجهاديين أن «داعش» موجودة في مصر، وستنفذ عمليات انتقامية ضد الجيش والشرطة خلال الفترة المقبلة. وجاء هذا الإعلان الذي لم يعرف مصدره الحقيقي، بعد أيام من فرض تنظيم أنصار الشريعة الذي يرفع علم تنظيم القاعدة الأسود ويشبه «داعش» في سلوكه الدموي، هيمنته على مدينتين رئيستين في شرق ليبيا، هما بنغازي ودرنة.
ويقول مسؤول أمني ليبي على الحدود الشرقية من البلاد، إنه جرى نقل تحذيرات للجانب المصري، عن طريق لجنة مختصة بالتعاون بين الجانبين، عن نشاط لجهاديين ليبيين وعرب على الجانب الغربي من حدود مصر، ويضيف أن القسم الأول من هذه المعلومات جرى إبلاغه للمصريين في مطلع يونيو (حزيران) حين كان الجهاديون في ليبيا يشعرون بأنهم يخسرون شعبيتهم، ويتجهون للاستعانة بقوة السلاح، ويعدون العدة لإفشال انتخابات البرلمان الجديد. وأن هذه المعلومات تضمنت تحذيرات من أن مقاتلين ليبيين وأجانب يستغلون «الهشاشة الأمنية» على الحدود من الناحية الجنوبية، لتنفيذ أعمال تخريبية في الداخل، والهجوم على معسكرات مصرية بشكل مفاجئ وخاطف، مثلما حدث على يدي «داعش» في شمال غربي العراق.
ويضيف المسؤول الليبي في رواية مسجلة لـ«الشرق الأوسط» إن هذه التحذيرات جرى إبلاغها للمصريين قبل نحو شهر من تنفيذ «الإرهابيين» لهجوم مسلح على نقطة الفرافرة في الواحات المصرية قرب الحدود مع ليبيا الشهر الماضي، إلا أن الجانب المصري قلل من شأنها وقال إن الحدود مؤمنة بشكل قوي. ويقول إن القسم الثاني من التحذيرات التي جرى إبلاغها للمصريين، كانت تتعلق بخطورة تعرض القوى المدنية، وعلى رأسها قوات «عملية الكرامة» بقيادة اللواء خليفة حفتر، لهزيمة على أيدي المتطرفين «الذين تحالفت معهم جماعة الإخوان المسلمين لحكم ليبيا بالقوة، سواء فيما يتعلق بالحرب الدائرة الآن في طرابلس أو الدائرة في بنغازي بالمنطقة الشرقية»، مشيرا إلى أن المصريين «ردوا على طلبات ليبية بدعم حفتر، بفتور، بينما في مثل هذه الحروب والمواجهات إذا لم تقدم يد العون سريعا فسيتعرض صديقك للخسارة».
ورفضت مصادر مسؤولة في الحكومة المصرية تأكيد أو نفي هذه الرواية. لكن اللغط زاد في القاهرة على مستويات عليا، خلال الأيام الأخيرة، بشأن ما ينبغي عمله لصد أي خطر قد يأتي من ناحية الغرب.
وشارك العقيد المصري محمد، ضمن لجنة التنسيق المشترك، مع وفد عسكري ليبي، يرأسه العقيد سالم الرفادي، آمر المنطقة العسكرية في شرق ليبيا. ويعد الرفادي من المؤيدين لـ«عملية الكرامة» ضد المتشددين. وتعرض حفتر لخسارة فادحة بعد أن سيطر «أنصار الشريعة» على معسكرات ومقار أمنية في مدينة بنغازي الأسبوع الماضي. كما أصبح رجال الأمن المصريون على الحدود ينظرون بـ«قلق بالغ» من احتمال تنفيذ المتطرفين في المنطقة الشرقية من ليبيا، لهجوم مباغت على معسكرات مصرية مثل هجوم نقطة الفرافرة، وفقا للعقيد محمد، مشيرا إلى أن المتشددين يسيطرون على مدينة درنة التي جرى إعلانها كإمارة إسلامية أخيرا، وهي أقرب المدن إلى مدينة «طبرق» التي تعد بوابة ليبيا الشرقية وتبعد عن حدود مصر بنحو 150 كيلومترا فقط، ناهيك عن مواقع ارتكاز أخرى للمتشددين في عمق الصحراء الليبية بالقرب من حدود مصر، خاصة في المنطقة الجنوبية الوعرة.
وعلى خلاف العمل المحدود الذي كان يقوم به أمراء الحرب والجهاد في درنة على الأرض، بقيادة السجين السابق في غوانتانامو، المدعو سفيان بن جومة، توجد الآن قصص وحكايات عن تنامي نشاط المتشددين حول «طبرق» سواء من ناحية الميناء البحري في الشمال أو قرب المطار الجوي في الجنوب، كان آخرها زيارة «بن جومة» للمنطقة، لكن العقيد محمد يقول إن الجانب الأمني الليبي لم يؤكد اقتراب «بن جومة» من حدود مصر، وقال إن المسؤولين الليبيين في منطقتي «طبرق» و«البطنان» أرجعوا انتشار هذه الأقاويل حول «بن جومة» في المنطقة، إلى مخاوف المواطنين في المدن الليبية القريبة من مصر، من تمركز المتشددين في ديارهم. وعلى غرار ما تقوم به عناصر «داعش» في العراق، شوهد «بن جومة» وعدد من أنصاره وهم يقطعون رؤوس خصومهم ويمثلون بجثثهم. ويضيف العقيد محمد: «طبعا نحن نراقب كل هذا.. هذا مقلق».
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تشعر فيها القاهرة بالانزعاج من جانب الحدود الغربية، وتبدأ في حشد استعدادات قتالية كبيرة.. ففي عام 1977 قامت القوات المصرية بقصف مواقع في الشرق الليبي واحتلت أراضي هناك لعدة أيام، بسبب خلافات بين معمر القذافي وأنور السادات حين بدأ الأخير يعد لتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، وهو ما أغضب القذافي وجعله يطرد نحو ربع مليون مصري يعملون في بلاده، ويهدد بالزحف الليبي إلى القاهرة.
وفي الوقت الحالي تقول تقارير أمنية مصرية إن الجانب الآخر من الحدود، داخل الأراضي الليبية، هش ودون فاعلية تذكر. وإنه لهذا لم تعد قنوات الاتصال مع الجانب الليبي تقتصر على أجهزة الجيش والأمن محدودة الفاعلية، ولكنها امتدت لتشمل التنسيق مع شيوخ قبائل ووجهاء بالمنطقة ولجان ثورية. وتتميز المنطقة الشرقية، فيما عدا قطاعات في بنغازي ودرنة، بمعاداة المتشددينالمتشددين، وتأييد حفتر، لكن فاعلية خصوم المتشددينعلى الأرض وعلى الحدود المواجهة لمصر، ما زال ضعيفا. ويقول الشيخ عبد الله أحمدية، أحد أبناء قبيلة «المنفة» التي ينتمي إليها المجاهد الليبي التاريخي عمر المختار: «شباب الثورة شكلوا لجانا للمساعدة في حماية الحدود مع مصر لكن لا توجد لدينا سيارات ولا أسلحة ولا أموال».
ومنذ الإطاحة بنظام القذافي لم يعد في مقدور الحكام الجدد في طرابلس الغرب بسط سلطانهم على حدود البلاد مترامية الأطراف. وبينما يتناوب عشرات الجنود وموظفو الجوازات والجمارك من الليبيين على تشغيل منفذ إمساعد البري (الليبي)، المواجه لمنفذ السلوم (المصري)، يبدو الأمر مأساويا على طول الحدود البرية مع مصر، من البحر المتوسط شمالا حتى الحدود مع السودان في الجنوب. وتعاني كتيبة حرس الحدود «كتيبة 418» من نقص في التجهيزات وتأخر رواتب الجنود.
ويقول الضابط فوزي عبد ربه، وهو آمر سابق في الكتيبة الحدودية الليبية إنه يئس من الاستمرار في العمل مع منتسبي حرس الحدود، لأنه لم يتمكن طوال أكثر من سنة من إقناع الحكومة بصرف رواتب القائمين على التأمين هنا. ويضيف: «كتبنا لهم عشرات الرسائل دون جدوى.. ونحن نعرف السبب، وهو سبب سياسي، لأن من في أيديهم صرف الرواتب وتخصيص الإمكانات العسكرية التي نحتاجها، يعتقدون أننا غير موالين لهم. في الحقيقة نحن نعمل من أجل الوطن ولا علاقة لنا بالصراع السياسي».
ورغم أن مصدرا في الحكومة الليبية قال إنه جرى تخصيص أكثر من ثلاثين مليون دولار في الشهور الماضية، كرواتب للقائمين على حراسة الحدود مع مصر، فإن هذه الأموال يبدو أنها تذهب إلى جيوب أمراء الحرب من قادة الميليشيات الموالية للإسلاميين المهيمنين على أعمال البرلمان المنتهية ولايته (المؤتمر الوطني) والحكومة. ويوضح الضابط عبد ربه أن أهالي المناطق الحدودية الشرقية يرفضون وجود أي ميليشيات للإسلاميين المتشددين، ومع ذلك تعتمد الحكومة على أولئك المتشددينفي تأمين الحدود، ومع أننا طردناهم من هنا، فإنها ما زالت تصرف لهم الرواتب من خزينة الدولة، وذلك حتى بعد أن أصبحوا يوجهون كل قوتهم للاستيلاء على مدينة بنغازي ومحاربة أي محاولة لتشكيل جيش وشرطة وطنيين.
وترك الخدمة في حراسة الحدود الليبية الشرقية، مع الضابط عبد ربه، مئات الجنود الآخرين خاصة أولئك الذين لم يتحصلوا على رواتبهم الشهرية منذ الإطاحة بنظام القذافي حتى الآن.. «ولم تصرف لهم قطعة سلاح واحدة.. توجد عشرات النقاط الحدودية أصبحت مهجورة»، كما يقول عبد ربه. وفي مقابل هذه الظروف، ازدادت سطوة المهربين والمتطرفين ممن يمتلكون الأموال والسلاح وسيارات الدفع الرباعي.. «هم أقوى من حرس الحدود الليبي، ولا يتورعون عن إطلاق النار على من قد يفكر في اعتراض طريقهم. يعملون في كل شيء. من تهريب الصواريخ إلى تهريب الناس».
ويقول ممثل لمديرية الأمن في طبرق، يدعى الضابط علي، إن «عملية الكرامة» التي أطلقها اللواء حفتر في مايو (أيار) الماضي ضد المتشددين الإسلاميين، شجعت رجال الجيش والشرطة في طبرق وإمساعد، ممن كانوا يعملون مع الجيش الليبي القديم، للعودة إلى أعمالهم من جديد، لحفظ الأمن في البلاد.. «خاصة المنفذ البري والنقاط الحدودية مع مصر، وليس من أجل أي شيء آخر، كما يردد المتطرفون الذين يريدون إيهام الرأي العام أن كل من كان منتسبا للجيش السابق هو تابع بالضرورة لنظام القذافي، وهي مزاعم غير حقيقية».
ويضيف: «قلنا لليبيين في رسالة موجهة إلى الكافة، نحن تنادينا من أجل أن نعاود العمل لخدمة الجميع، أما السياسيون فليفعلوا ما يشاءون. ليست لنا علاقة بمن يفوز في الانتخابات أو لا يفوز فيها. مهمتنا أن نحافظ على منافذ ليبيا وحدودها».
ويتردد بين الليبيين أن المتشددين، تحت ستار سياسي من جماعة الإخوان المسلمين، يحاولون السيطرة سريعا على مقدرات الدولة الليبية بقوة السلاح بعد أن خسروا معركة الانتخابات الأخيرة في البرلمان الذي لم يبدأ أعماله الرسمية بعد. ومن بين الأهداف الحيوية لميليشيات الإسلاميين، المطارات والحدود والمرافق الرئيسة، لكن مجموعات الضباط والجنود خاصة من الكتيبة 418 بحرس الحدود الليبية في شرق البلاد ما زالت تحث منتسبيها القدامى على العودة للعمل لمواجهة «مخططات الفئة الباغية» في إشارة إلى المتطرفين. وعما إذا كانت الوحدات الصغيرة الموالية لحفتر والتي تحاول تأمين الحدود الشرقية مع مصر تتلقى أي دعم من المصريين، يقول عبد ربه إن هذا لم يحدث، وإن الوفود الأمنية الليبية التي زارت المسؤولين المصريين على الجانب الآخر من الحدود، ناقشوا فقط التعاون بين الجانبين فيما يتعلق بمنع التهريب، لكنه أشار إلى أن «مصر لم تعد تخشى تهريب السلاح والمخدرات وغيرها من السلع فقط، بل أصبح لديها مخاوف حقيقية من سيطرة المتشددين».



اتساع رقعة القمع الحوثي في صنعاء... وتوثيق أكثر من 3900 انتهاك

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
TT

اتساع رقعة القمع الحوثي في صنعاء... وتوثيق أكثر من 3900 انتهاك

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)

كشفت تقارير حقوقية يمنية عن تصاعد ممنهج في الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق المدنيين في العاصمة المختطفة صنعاء، موثِّقةً أكثر من 3900 انتهاك خلال عامي 2024 و2025، بينها القتل والتعذيب والاختطاف والإخفاء القسري والتهجير ونهب الممتلكات والمحاكمات السياسية وقمع الحريات.

ووثَّق مكتب حقوق الإنسان في صنعاء (حكومي) نحو 3219 انتهاكاً ارتكبتها الجماعة ضد سكان العاصمة المختطفة ومديرياتها العشر خلال عامين، في وقت أظهر تقرير حقوقي آخر تسجيل 761 انتهاكاً خلال عام 2025 وحده، إلى جانب 129 انتهاكاً طالت موظفي المنظمات الإنسانية والأممية.

وتشير هذه الأرقام، وفقاً للجهتين، إلى اتساع نطاق الانتهاكات الحوثية وتنوع أدواتها، من القمع الأمني المباشر إلى الضغط الاقتصادي وملاحقة النشاط المدني والحقوقي، بما في ذلك معاقبة مواطنين على خلفيات تتصل بالتعبير عن الهوية الوطنية.

عناصر حوثيون يستقلون سيارة عسكرية في صنعاء (أ.ف.ب)

وقال مكتب حقوق الإنسان بصنعاء والتابع للسلطة المحلية الشرعية إن الانتهاكات التي رصدها خلال عامي 2024 و2025 توزعت على 14 نمطاً إجرامياً، شملت القتل خارج نطاق القانون، والاختطاف والإخفاء القسري، والتهجير، والتعذيب المفضي إلى الوفاة، والمحاكمات السياسية، والانتهاكات بحق النساء والأطفال، وقمع الحريات، ونهب الممتلكات، وفرض الإتاوات والجبايات غير القانونية.

وأوضح المكتب، في تقرير حمل عنوان «ذاكرة الألم»، أنه وثق 105 حالات قتل، بينها 71 حالة قتل مباشر و34 وفاة تحت التعذيب، إضافة إلى 135 حالة تعذيب جسدي ونفسي، و483 حالة اختطاف وإخفاء قسري، و268 حالة اعتداء وإصابة.

وسجَّل التقرير أكثر من 1537 انتهاكاً خلال عام 2024، قبل أن يرتفع العدد إلى 1682 انتهاكاً في 2025، بزيادة بلغت 145 انتهاكاً، أو ما نسبته 9.4 في المائة.

كما وثَّق المكتب 307 محاكمات ذات طابع سياسي، صدرت خلالها 39 حكماً بالإعدام بحق معارضين وناشطين، في مؤشر، بحسب التقرير، على استخدام القضاء أداة في ملاحقة الخصوم السياسيين والمعارضين للجماعة.

بائع متجول يعرض ملابس شتوية مستعملة للبيع في صنعاء (إ.ب.أ)

وطالت الانتهاكات كذلك الفئات الأكثر هشاشة، إذ رصد التقرير 299 انتهاكاً بحق الأطفال و102 انتهاكاً بحق النساء، فضلاً عن أكثر من 382 حالة تعسف وإقصاء وظيفي، و199 اعتداء على الحريات العامة، و167 انتهاكاً لحرية التنقل.

وفي ملف الممتلكات، سجَّل التقرير 302 حالة نهب واعتداء على ممتلكات عامة وخاصة، إلى جانب 125 حالة تهجير قسري وهدم منازل، في سياق ما وصفه المكتب باتساع أنماط السيطرة الحوثية على حياة السكان وممتلكاتهم.

قمع المنظمات وتجويع السكان

لم تقتصر الانتهاكات، وفق التقرير الحكومي، على المدنيين، بل امتدت إلى موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الدولية والإنسانية، حيث تحدث عن تصعيد شمل الاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري واقتحام مقرات المنظمات ومصادرة محتوياتها.

ويتقاطع ذلك مع تقرير صادر عن «منظمة دي يمنت للحقوق والتنمية»، وثَّق 129 انتهاكاً بحق المنظمات الإنسانية والأممية خلال العام الماضي، بينها اختطاف 52 موظفاً وإخفاء 31 آخرين قسراً في معتقلات سرية.

واتهم التقرير الجماعة الحوثية باستخدام الاقتصاد وسيلة للعقاب الجماعي، مشيراً إلى استمرار انقطاع مرتبات نحو 70 في المائة من موظفي القطاع العام، بالتزامن مع فرض الإتاوات والجبايات، وهو ما قال إنه أسهم في تراجع القدرة الشرائية بنحو 80 في المائة.

سكان صنعاء يتخوفون من انهيار معيشي جراء التصعيد الحوثي (رويترز)

ووفق التقرير، دفعت هذه السياسات نحو 80 في المائة من الأسر إلى ما دون خط الفقر، بينما وصل نصف سكان العاصمة إلى مرحلة العجز الغذائي الحاد، في صورة تعكس، بحسب معديه، انتقال القمع من الاعتقال والملاحقة إلى أدوات اقتصادية تمس القدرة اليومية على البقاء.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في صنعاء، التي تضم كتلة سكانية كبيرة وتخضع منذ سنوات لسيطرة الجماعة الحوثية، فيما يعتمد جزء واسع من السكان على رواتب القطاع العام والمساعدات والأنشطة الاقتصادية الصغيرة.

ملاحقة العلم اليمني

وثَّق تقرير منظمة «دي يمنت» نمطاً آخر من الانتهاكات المرتبطة بالمناسبات الوطنية والرموز اليمنية، إذ قال إنه سجَّل 156 انتهاكاً خلال شهر واحد بحق مواطنين على خلفية رفع العلم اليمني أو إحياء مناسبة وطنية.

وشملت هذه الانتهاكات، بحسب التقرير، اختطاف 103 أشخاص، بينهم نساء وأطفال، وإخفاء 27 آخرين قسراً، إلى جانب مداهمة 12 منزلاً.

ويرسم هذا النوع من الانتهاكات، وفق التقرير، صورة عن طبيعة القيود التي تفرضها الجماعة على المجال العام، حيث لم تعد الملاحقة مرتبطة فقط بالنشاط السياسي المباشر، وإنما امتدت إلى مظاهر التعبير عن الهوية الوطنية والاحتفاء بالمناسبات العامة.

أشخاص يستقلون الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

وأكَّد مكتب حقوق الإنسان بصنعاء أن الأرقام الواردة في تقريره لا تمثل جميع الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة خلال الفترة محل الرصد، وإنما الحالات التي تمكن فريقه من الوصول إليها والتحقق منها، مما يرجح أن يكون الحجم الفعلي للانتهاكات أكبر من الأرقام الموثقة.

ودعا المكتب المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإعلامية إلى التحرك وعدم السماح بمرور الانتهاكات من دون مساءلة، والعمل على إنصاف الضحايا ومحاسبة المتورطين.

وتأتي هذه الدعوات في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية والحقوقية العاملة في مناطق سيطرة الحوثيين قيوداً متزايدة على الحركة والنشاط، بينما لا تزال قضايا المعتقلين والمخفيين قسراً والمحاكمات ذات الطابع السياسي من أبرز الملفات التي تعيق أي تقدم في مسار معالجة آثار الصراع اليمني.


قبضة حوثية مشددة على الإعلام تواكب تصعيد الجبهات

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)
TT

قبضة حوثية مشددة على الإعلام تواكب تصعيد الجبهات

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)

تشهد الماكينة الإعلامية للجماعة الحوثية، خلال الأسابيع الأخيرة، تحولاً في وتيرة خطابها المُوجَّه، بالتزامن مع ازدياد التصعيد العسكري داخلياً، والهجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بينما تسعى إلى فرض خطاب إعلامي مُوجَّه على وسائل الإعلام العربية والدولية التي تمتلك مكاتب في مناطق سيطرتها.

ويواجه العمل الصحافي المستقل في مناطق سيطرة الحوثيِّين رقابة مشدَّدة فرضتها الجماعة على الصحافيِّين والمراسلين، تشمل حظر التغطية الميدانية المستقلة، وفرض تصاريح أمنية مشدَّدة، وتعليمات صارمة لكل مَن ينقل تفاصيل ميدانية بعدم مخالفة الرواية الحوثية، أو الحصول على رواية غير مطابقة لها من السكان، أو التعاطي مع رواية الحكومة الشرعية.

وذكرت مصادر إعلامية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الجماعة الحوثية أصدرت قائمةً بالتعليمات التي وجهت مراسلي وسائل الإعلام الخارجية ووكالات الأنباء بالالتزام بها ضمن تحديثات السياسة الإعلامية المصاحَبة للتصعيد العسكري سواء في الجبهات الداخلية، أو خارجياً بالاعتداء على دول الجوار والملاحة في البحر الأحمر.

وبحسب المصادر، تضمَّنت التعليمات عدم نقل أي أخبار عن القصف الذي تتعرَّض له مناطق سيطرة الجماعة والمواقع العسكرية والمقرات التابعة لها وأي منشآت تحت إدارتها، إلا بعد الحصول على إذن من الجهات الإعلامية المعنية بالسماح بنشر ونقل المعلومات الخاصة بمثل هذه الأحداث، والاعتماد على ما يرد في وسائل إعلام الجماعة.

بالتزامن مع التصعيد العسكري تفرض الجماعة الحوثية رقابة مشددة على الإعلام (أ.ف.ب)

وشدَّدت على أن يكون تصوير أي موقع تعرَّض لقصف القوات الجوية الحكومية أو أي طرف خارجي تحت إشراف من اللجان التابعة لها الموجودة فيه، داعية إلى تغطية التجمعات التي تنظمها الجماعة لأنصارها في الميادين العامة وإبراز أعداد المشاركين والشعارات التي تُرفَع فيها.

كما تضمَّنت التعليمات عدم نقل معلومات من الميدان أو من شهود عيان في أي شأن سياسي أو عسكري، والتحذير من نقل شهادات السكان وشهود العيان إلا إذا توافقت مع الروايات الرسمية للجماعة والتي تتم إذاعتها ونشرها على وسائل الإعلام التابعة لها.

تحديث السردية

بيَّنت المصادر أنَّ الصحافيِّين والمراسلين أبدوا اعتراضهم على التعليمات التي تخصُّ نقل التصريحات والبيانات الصادرة عن الحكومة الشرعية ومسؤوليها، بوصف ذلك يخلُّ تماماً بالمهنية الإعلامية، ويحرجهم أمام وسائل الإعلام التي يمثلونها، إلا أنَّ القادة الحوثيين طلبوا منهم أن يوكلوا تلك المهام لزملائهم المقيمين في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، أو أن يرفقوا أي بيانات أو تصريحات حكومية بما ينفيها من طرف الجماعة.

استهداف المنشآت المدنية والحيوية يترافق مع مزاعم حوثية مضللة (أ.ف.ب)

ويرى مراقبون أنَّ الخطاب الإعلامي للجماعة لم يعد يقتصر على الصياغات التعبوية التقليدية، بل بات يتحرَّك ضمن استراتيجية منسقة تهدف إلى فرض واقع جيوسياسي جديد، وحجب التصدعات الداخلية المتزايدة.

وفي ملف الملاحة الدولية، انتقل الخطاب الحوثي إلى مرحلة جديدة عنوانها فرض «الحظر الملاحي» الشامل في البحر الأحمر وباب المندب.

ويقول أحمد عباس، المحلل السياسي اليمني لـ«الشرق الأوسط» إنَّ السياسة الإعلامية الحوثية المصاحبة للتصعيد الأخير لم تشهد تغيُّراً نوعياً، بل تُظهر استمرارية في التعبئة والتحشيد الذي تنتهجه الجماعة، إلا أنَّ الملاحظ هو وجود بعض التغيير في الأولويات والمبررات والذرائع.

ويشير إلى أنه، وبعد تراجع مبرر المعركة مع إسرائيل، والذي سيطر على خطاب الحركة الحوثية خلال الأعوام الـ3 الماضية، انتقلت إلى معادلة أكثر عنفاً وتطرفاً، فبعد أن كانت في السابق تعتمد على تغليفه أخلاقياً وقومياً عند توجيهه إلى الداخل والشارع العربي أيضاً، فقد أعادت توجيه ماكينتها الإعلامية نحو الشحن والتخوين الداخلي، واعتبار الحكومة الشرعية من أدوات العدو الخارجي المزعوم.

الحوثيون يكثفون نشر مجسمات وصور لأسلحتهم في شوارع المدن الخاضعة لسيطرتهم (أ.ب)

فالجماعة، وفقاً لعباس، تعتمد على مبدأ العدو الدائم، وحين يغيب العنوان الإقليمي البرّاق، تستدعى النبرة ذاتها لتبرير التصعيد الداخلي والهروب من الاستحقاقات المحلية، ويتم تحويل الخطاب من المعركة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى لغة أخرى لتبرير استهداف السفن في البحر الأحمر، وربط ذلك بالمعاناة التي تسببت بها للمجتمع، ملقيةً بالمسؤولية عنها على خصومها.

مزامنة مع التصعيد

يتعمد خطاب الجماعة الحوثية تسمية العقوبات الأميركية المفروضة عليها والقيود الأممية على نشاط تهريب الأسلحة والمعدات العسكرية بـ«الحصار» الذي تتهم به الحكومة الشرعية وحلفائها، وتحملهم المسؤولية عمّا تسببت به ممارساتها من تدهور معيشي في مناطق سيطرتها وإضرار بالاقتصاد المحلي والخدمات وتراجع أعمال الإغاثة.

وتركز وسائل إعلام الجماعة على الترويج لمعادلة «الحصار بالحصار»، بحسب ادعاءاتها، في محاولة لشرعنة استهداف السفن التجارية والمنشآت الحيوية، وربط هذه التَّحرُّكات بالتوترات الإقليمية الأوسع بين واشنطن وطهران.

ويرى أحد الباحثين في الشؤون الإعلامية والسياسية، يقيم في صنعاء، أنَّ خطاب الجماعة بات يستخدم توظيف الممرات المائية بوصفه ورقة ضغط استراتيجية بشكل صريح، بعد أن كان يؤدي ذلك بلهجة مواربة نوعاً ما، مرفقة ذلك بحالة من الاستنفار القصوى تزامناً مع المؤشرات الوشيكة لعودة الحرب البرية.

الهجوم الحوثي على ميناء المخا يعزز من التهديدات التي تطال الملاحة في البحر الأحمر (رويترز)

ويوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الجماعة تسعى من خلال ما يسميها «بروباغندا القوة الجيوسياسية» لتعويض تراجع شعبيتها؛ وتصدير صورتها لاعباً إقليمياً نداً للقوى الكبرى، وتعزيز حملات التجنيد الإجباري الواسعة لتغطية النزف البشري الحاد في جبهات القتال، وشيطنة الأصوات المحلية المحتجة على تدهور الأوضاع المعيشية.

ويعد متابعون للشأن اليمني أنَّ إقدام الجماعة الحوثية على استهداف المنشآت الحيوية في مدينة المخا على الساحل الغربي للبلاد، والقريبة من مضيق باب المندب، يأتي في سياق واحد لتصعيدها الداخلي ومساندتها لإيران في المواجهة الإقليمية المحتدمة منذ قرابة نصف عام.

وبينما تسعى الجماعة إلى تعزيز نفوذها الداخلي وتوسيع مساحة سيطرتها على حساب الحكومة الشرعية، تحاول فرض واقع عسكري بالقرب من خطوط الملاحة الدولية، لتمكين إيران من الاستمرار في المفاوضات مع الولايات المتحدة بسقف مرتفع.


الجيش اليمني يعلن تنفيذ 181 عملية ضد مواقع حوثية خلال 24 ساعة

العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
TT

الجيش اليمني يعلن تنفيذ 181 عملية ضد مواقع حوثية خلال 24 ساعة

العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

أعلن الجيش اليمني، الأحد، تنفيذ 181 عملية عسكرية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، استهدفت مواقع ومصادر نيران وقدرات تابعة للجماعة الحوثية على امتداد جبهات القتال، مؤكداً أن الضربات أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات من عناصر الجماعة، وتدمير مخازن أسلحة ومعدات وآليات عسكرية.

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات نُفذت باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية وراجمات الصواريخ، واستهدفت مواقع وأهدافاً عسكرية ومصادر تهديد حوثية في عدد من محاور القتال.

العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

وكانت ميليشيا الحوثي قد استهدفت، مساء السبت، الأحياء السكنية في مدينة مأرب بستة صواريخ باليستية و4 طائرات مسيّرة.

وبحسب مكتب الإعلام بمحافظة مأرب، أسفرت الهجمات الحوثية عن وقوع جرحى ومصابين، وإلحاق أضرار مادية بعدد من المنازل والسيارات وممتلكات المواطنين.

وأضاف الناطق الرسمي في بيان أن الضربات أدت إلى تدمير عشرات المعدات والآليات، إلى جانب عدد من مخازن الأسلحة والوسائل العسكرية، مشيراً إلى تحقيق «إصابات مباشرة في الأهداف المحددة».

وبحسب النزيلي، تركزت العمليات على مصادر النيران والقدرات المستخدمة في تنفيذ الهجمات، وامتدت إلى جبهات ومحاور في تعز ومأرب والحديدة والضالع وأبين وشبوة ولحج، من بينها المخا والبرح والضباب ومقبنة وصرواح وهيلان وحريب وبيحان وطور الباحة.

وأكد المتحدث العسكري أن القوات الحكومية تمتلك «القدرة والجاهزية اللازمتين للوصول إلى مصادر التهديد وتحييدها ومنعها من مواصلة أعمالها العدائية»، وفق مقتضيات الموقف الميداني، وفي الزمان والمكان وبالوسائل التي تحددها القيادة العسكرية.

وشدد على أن الوحدات المشاركة نفذت مهامها «بكفاءة وانضباط عملياتي عالٍ»، مع الالتزام بقواعد الاشتباك وأحكام القانون الدولي الإنساني، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين وتجنيبهم تداعيات العمليات العسكرية.

وأرجع العقيد ماجد النزيلي هذه الضربات إلى ما وصفه بـ«الاعتداءات الحوثية الإرهابية المتكررة» التي استهدفت المدنيين والأعيان المدنية والمنشآت الاقتصادية والموانئ، إلى جانب وحدات ومواقع تابعة للقوات الحكومية.

ودعا المتحدث العسكري اليمنيين إلى الابتعاد عن المواقع والمنشآت والتجمعات العسكرية التابعة للجماعة الحوثية، وعدم الاقتراب منها أو الانخراط في صفوفها، محذراً من استخدام الحوثيين للمدنيين والمناطق السكنية في خدمة ما وصفه بـ«أجندة النظام الإيراني ومشروعه الذي يهدد أمن اليمن والمنطقة والملاحة والمصالح الإقليمية والدولية».

وأشار النزيلي إلى أن القوات المسلحة اليمنية في «أعلى درجات الجاهزية»، وقادرة على المبادرة وفرض معادلة ميدانية جديدة، مؤكداً استعدادها لتنفيذ المهام الموكلة إليها، والتعامل مع مختلف التطورات وفق توجيهات القيادة السياسية والعسكرية.

جانب من عمليات الجيش اليمني ضد الحوثيين في محور تعز (سبأ)

وأضاف أن أي مصدر تهديد للقوات الحكومية أو للمدنيين والأعيان المدنية ومقدرات الشعب اليمني «لن يكون بمنأى عن التعامل العسكري المشروع»، مؤكداً استمرار القوات في أداء مهامها لحماية السكان ومصالحهم وسيادة الدولة وأمنها واستقرارها.

وكانت الحكومة اليمنية قد حذرت من أن استمرار الجماعة المدعومة من إيران في امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة النوعية، إلى جانب تهديد الملاحة واستهداف المنشآت المدنية، يهدّدان بإعادة البلاد إلى دوامة جديدة من العنف، ويقوّضان فرص السلام التي استثمرت فيها الحكومة والأمم المتحدة والمجتمع الدولي لسنوات.