تعزيزات عسكرية مصرية على الحدود مع ليبيا

مواقع حرس الحدود في الشرق الليبي نقاط ارتكاز لمتطرفين ومهربي أسلحة

واحدة من نقاط تمركز حرس الحدود الليبي قبالة حدود مصر بعد أن جرى ترميمها ومحاولة تفعيل عملها
واحدة من نقاط تمركز حرس الحدود الليبي قبالة حدود مصر بعد أن جرى ترميمها ومحاولة تفعيل عملها
TT

تعزيزات عسكرية مصرية على الحدود مع ليبيا

واحدة من نقاط تمركز حرس الحدود الليبي قبالة حدود مصر بعد أن جرى ترميمها ومحاولة تفعيل عملها
واحدة من نقاط تمركز حرس الحدود الليبي قبالة حدود مصر بعد أن جرى ترميمها ومحاولة تفعيل عملها

قبيل حلول المساء شد الجندي «جابر» البالغ من العمر 23 عاما خوذته على رأسه وبدأ نوبة المراقبة بمنظار الرؤية المعظم، من أعلى الهضبة الضخمة التي يبلغ ارتفاعها نحو مائتي متر فوق مستوى سطح البحر، وتفصل بين حدود مصر وليبيا وتشرف على البحر المتوسط. تبدو مساحات المياه، بزرقتها الداكنة، واسعة ومخيفة. ووفقا للمصادر الأمنية فقد جرت زيادة القوات المصرية المتمركزة على الحدود الغربية بعد يومين فقط من سيطرة تنظيمات الجهاديين على بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية والواقعة ناحية الشرق، وفي مناطق أخرى قريبة من خط الحدود المصري.
ويمكن بسهولة ملاحظة التعزيزات المصرية بالعين المجردة على الحدود هنا، من آليات عسكرية مع كثافة في حركة العربات والجنود، في وقت يتهم فيه فريق من الليبيين الفريق الآخر بالاستعانة بالمصريين في الحرب على تنظيمات المتشددين داخل بلادهم التي تعمها الفوضى والاقتتال.
ويتخذ الجندي «جابر» موقعه مع ألوف الجنود المصريين الآخرين، على طول الحدود، لكن طبيعة العمل اختلفت الآن. يقول: «نحن الآن كأننا في حالة حرب». ويشير إلى امتداد البحر أمامه حيث تبدو إحدى القطع البحرية المصرية وهي تقوم بمهمتها الجديدة في مراقبة الأجواء، ثم يشير إلى الجنوب حيث تنزلق هضبة السلوم المغبرة التي ينتشر عليها الحصى، بشكل حاد، بما فيها من وديان ومسارب، وترى من بعيد سيارات الجيش ومن فوقها فوهات الأسلحة، وهي تمرق وتثير التراب وراءها، بحثا عن أي متسللين.
وتنخفض هضبة السلوم نحو الجنوب رويدا رويدا، بطول نحو ستين كيلومترا، حتى تتحول إلى مجرد بيداء جرداء تغطيها الرمال والحطب الصحراوي الجاف الذي تراه متناثرا عبر الآفاق الصفراء وكأنه خيالات تتحرك في الفراغ. وفي داخل هذه التجاويف داكنة اللون يبدو أن هناك أيضا آليات عسكرية جديدة ومواسير بنادق لم تكن موجودة من قبل في هذه المواقع.
ومن هنا، وقبل أسابيع من الآن، كان يمر مهربو الأسلحة والمخدرات وكانت تعبر أفواج «الهجرة غير الشرعية».. كان هذا يجري من خلال مسارين؛ الأول فوق التراب، أي عبر الوديان والكثبان الرملية الوعرة بسيارات الدفع الرباعي، من الجهة القبلية.. والثاني من ناحية الشمال، أي فوق ماء البحر، حيث تعبر شحنات السلاح والغرباء تحت جنح الظلام على مراكب صغيرة، ما بين خليج البردي، الواقع تحت السيادة الليبية، وخليج السلوم التابع للدولة المصرية. ويزيد التكوين الجغرافي لهذا الخليج الواسع الممتد على جانبي حدود البلدين، من صعوبة تأمين عمليات التسلل البحري.
ويوجد على الجانب الآخر من السلك الشائك، مخافر ونقاط أمنية ليبية لكنها، في أغلبها، فارغة ومهجورة منذ انهيار نظام معمر القذافي في خريف 2011 حتى الآن، وتحول العديد منها إلى نقاط ارتكاز للجهاديين ومهربي الأسلحة، مما زاد الضغط على الجانب المصري في تأمين الحدود من جانب واحد، وهو عبء اشتكى منه عدد من كبار القادة المصريين لأنه ببساطة يحتاج إلى ملايين الدولارات في بلد يعاني من صعوبات اقتصادية جمة.
ولا توجد مظاهر لحرس الحدود الليبي، فيما عدا نقطة إمساعد شمالا، والتي تعد بمثابة المعبر الرسمي للبضائع والمسافرين بين البلدين. أما فوق الهضبة من الجانب المصري، فقد بدت حالة تأهب وترقب لم تشهدها مدينة السلوم منذ حرب المصريين على ليبيا قبل 35 سنة، كما يقول أحمد حسين، أحد القيادات المحلية في المدينة. ويضيف أنه، وفي الأسبوع الماضي، أي عقب استيلاء تنظيم «أنصار الشريعة» في المنطقة الشرقية من ليبيا على معسكرات في بنغازي، زادت السلطات المصرية من عدد جنودها على الحدود وعززت قدرات الأمن، مشيرا إلى أن ناقلات شوهدت وهي تمر من هنا إلى أعلى الهضبة وبمحاذاة السلك الحدودي، تحمل أسلحة وجنودا وآليات ومعدات.
ويزيد حسين قائلا إن هذا الأمر أشاع فكرة تتردد أصداؤها هنا عن أن مصر تستعد لتوجيه ضربات للمتشددين في الداخل الليبي، لكن أحد كبار المسؤولين الأمنيين في السلوم قال إن «هذا غير صحيح»، مشيرا إلى أن تعزيز قدرات المراقبة يهدف بالأساس إلى كبح جماح التهريب الذي زاد بشكل غير مسبوق نظرا لانتشار السلاح في ليبيا «بلا ضابط ولا رابط».
ويضيف هذا المسؤول أن العشرات من معسكرات الجيش الليبي السابق تركت لعدة أشهر بلا حراسة وتعرضت للنهب، وجرى بيعها في الأسواق، وانتقلت لأيدي المهربين والإرهابيين»، لكنه يوضح قائلا عما يتردد بأن مصر يمكن أن تنفذ عملية عسكرية في الداخل الليبي ضد المتطرفين، بأن هذا «لا توجد عنه تعليمات أو استعدادات، ولا حتى أي مؤشرات.. ما لدينا هي أوامر مشددة بضرورة ضبط وتأمين الحدود.. هذا أصبح أمرا لا بد منه، بسبب الفوضى داخل ليبيا».
ويشكو المصريون من أن غالبية النقاط الأمنية على الجانب الليبي، والمفترض أن يكون فيها جنود ليبيون لمراقبة الحدود وتأمينها من جانبهم، ما زالت ضعيفة، وهو أمر يقر به الليبيون أيضا، خاصة في القطاع الجنوبي ناحية الجغبوب وإلى أقصى الحدود الجنوبية في العوينات، والتي تتلاقى فيها حدود كل من ليبيا والسودان ومصر. ويعتقد أن مئات المقاتلين الأجانب تسللوا من بلدانهم وعبروا إلى داخل الجنوب الليبي إلى مناطق محاذية للحدود، واستغلوا عدة طرق هشة التأمين في التسلل إلى داخل الصحراء الغربية المصرية.. لكن التشديد الأمني من جانب مصر الذي يتركز في السلوم، من ناحيتي الهضبة البحرية والقبلية، أدى إلى أمرين.. الأول انحصار عمليات التهريب والمهربين، والثاني توقيف من حاولوا اجتياز الحدود من المناطق التقليدية القديمة.
ويقول العقيد محمد، أحد ضباط التأمين الحدودي في السلوم: «ألقينا القبض على العشرات خلال الأسبوع الماضي حين كانوا يحاولون تهريب آلاف من الأسلحة إلى داخل البلاد.. صواريخ (غراد) وبنادق من نوع (إيه كيه 47) و(إف إن)، وذخيرة مدفعية، إلى جانب المخدرات والسجائر. وتشير إحصاءات مصرية غير نهائية إلى أن معدل توقيف المهربين، في السابق، كان لا يزيد عن عشرين في المائة أو خمسة وعشرين في المائة، بسبب طول الحدود وصعوبتها، من جانب، وبسبب عدم وجود حرس حدود ليبي، من جانب آخر، لكن معدل الضبط ارتفع خاصة في الشهور الأخيرة ووصل خلال الشهرين الماضيين لأكثر من سبعين في المائة.
ويبلغ طول الحدود البرية المصرية مع جارتها الغنية بالسلاح والنفط والجهاديين أيضا، نحو 1050 كيلومترا. ومنذ أواخر عام 2011، أي مع بداية الفوضى الأمنية التي تعاني منها ليبيا حتى الآن، استغل المهربون وعورة الحدود وصعوبة تأمينها، في التسلل بالسيارات المجهزة ونقل الآلاف من قطع الأسلحة وصناديق الذخيرة والمخدرات إلى داخل البلاد. ويقول العقيد محمد، إن غالبية مهربي السلاح، كانوا يعملون في السابق مهربين للمخدرات، ويستخدمون نفس المسارات والدروب القديمة، سواء بالمراكب البحرية عبر خليج السلوم، أو من خلال وديان الهضبة، أو من ناحية الجغبوب وسيوة والكفرة.
وكشفت المصادر الأمنية المصرية في مدينة السلوم عن أن عملية تأمين الحدود مع ليبيا تنقسم إلى ثلاثة قطاعات؛ الأول يمتد من البحر المتوسط إلى منطقة الجغبوب جنوبا بطول نحو 200 كيلومتر، والثاني من الجغبوب وحتى واحة سيوة بطول حوالي 65 كيلومترا، والثالث من الجغبوب حتى نقطة العوينات بطول 785، ويعد الأخير هو الأصعب تأمينيا وفقا لإفادة مسؤول كبير في وزارة الدفاع المصرية، والذي قال في مقابلة موثقة مع «الشرق الأوسط» إن عبء تأمين القطاع الجنوبي من الحدود يحتاج لطائرات تراقب على مدار الساعة، وهذا أمر مستحيل لأنه ذو كلفة باهظة جدا لا تقدر عليه حتى الدول الغنية.
ومن بين طرق تعزيز القدرات التأمينية على حدودها مع ليبيا، اتخذت مصر إجراءات ضد مسؤولين يشتبه في أن لهم علاقات مع مهربين أو جهاديين. ووفقا لروايات من مسؤولين محليين تجري السلطات المصرية التحقيق في معلومات عن تهاون ضباط أمن، مع مهربين، وذلك بعد نحو شهر من استهداف «إرهابيين» يعتقد أنهم تسللوا من ليبيا لنقطة الفرافرة القريبة من الحدود وقيامهم بقتل 22 من الجنود المصريين هناك.
واطلعت «الشرق الأوسط» على مقاطع فيديو جرى تجميعها من قبل محققين مصريين ويظهر في واحد منها على الأقل قيام ضابط أمن في نقطة على حدود مصر مع ليبيا بالسماح لمهربين بالعبور بعد توقيفهم لعدة ساعات دون القبض عليهم أو إحالتهم إلى جهات التحقيق المختصة.
وقال مصدر قريب من التحقيقات إن ضابط الأمن في هذه الواقعة اكتفى بمصادرة البضائع من المهربين وسمح لهم بالعبور إلى داخل الأراضي المصرية. وعما إذا كانت هناك شبهة في علاقة الضابط المشار إليه بالمهربين أو الجماعات المتشددة التي تنشط عبر الحدود، قال المصدر إن هذا احتمال مستبعد لأن المهربين عدوا مصادرة البضائع منهم عملا عدائيا من جانب الضابط، وقاموا بإطلاق النار عليه فيما بعد انتقاما منه.
ويطلق الليبيون على التنظيمات المتشددة في داخل البلاد اسم «دواعش» نسبة إلى ما يعرف بتنظيم «داعش».. وزادت مخاوف القاهرة أكثر من السابق بعد أن أعلنت مواقع إلكترونية تابعة للجهاديين أن «داعش» موجودة في مصر، وستنفذ عمليات انتقامية ضد الجيش والشرطة خلال الفترة المقبلة. وجاء هذا الإعلان الذي لم يعرف مصدره الحقيقي، بعد أيام من فرض تنظيم أنصار الشريعة الذي يرفع علم تنظيم القاعدة الأسود ويشبه «داعش» في سلوكه الدموي، هيمنته على مدينتين رئيستين في شرق ليبيا، هما بنغازي ودرنة.
ويقول مسؤول أمني ليبي على الحدود الشرقية من البلاد، إنه جرى نقل تحذيرات للجانب المصري، عن طريق لجنة مختصة بالتعاون بين الجانبين، عن نشاط لجهاديين ليبيين وعرب على الجانب الغربي من حدود مصر، ويضيف أن القسم الأول من هذه المعلومات جرى إبلاغه للمصريين في مطلع يونيو (حزيران) حين كان الجهاديون في ليبيا يشعرون بأنهم يخسرون شعبيتهم، ويتجهون للاستعانة بقوة السلاح، ويعدون العدة لإفشال انتخابات البرلمان الجديد. وأن هذه المعلومات تضمنت تحذيرات من أن مقاتلين ليبيين وأجانب يستغلون «الهشاشة الأمنية» على الحدود من الناحية الجنوبية، لتنفيذ أعمال تخريبية في الداخل، والهجوم على معسكرات مصرية بشكل مفاجئ وخاطف، مثلما حدث على يدي «داعش» في شمال غربي العراق.
ويضيف المسؤول الليبي في رواية مسجلة لـ«الشرق الأوسط» إن هذه التحذيرات جرى إبلاغها للمصريين قبل نحو شهر من تنفيذ «الإرهابيين» لهجوم مسلح على نقطة الفرافرة في الواحات المصرية قرب الحدود مع ليبيا الشهر الماضي، إلا أن الجانب المصري قلل من شأنها وقال إن الحدود مؤمنة بشكل قوي. ويقول إن القسم الثاني من التحذيرات التي جرى إبلاغها للمصريين، كانت تتعلق بخطورة تعرض القوى المدنية، وعلى رأسها قوات «عملية الكرامة» بقيادة اللواء خليفة حفتر، لهزيمة على أيدي المتطرفين «الذين تحالفت معهم جماعة الإخوان المسلمين لحكم ليبيا بالقوة، سواء فيما يتعلق بالحرب الدائرة الآن في طرابلس أو الدائرة في بنغازي بالمنطقة الشرقية»، مشيرا إلى أن المصريين «ردوا على طلبات ليبية بدعم حفتر، بفتور، بينما في مثل هذه الحروب والمواجهات إذا لم تقدم يد العون سريعا فسيتعرض صديقك للخسارة».
ورفضت مصادر مسؤولة في الحكومة المصرية تأكيد أو نفي هذه الرواية. لكن اللغط زاد في القاهرة على مستويات عليا، خلال الأيام الأخيرة، بشأن ما ينبغي عمله لصد أي خطر قد يأتي من ناحية الغرب.
وشارك العقيد المصري محمد، ضمن لجنة التنسيق المشترك، مع وفد عسكري ليبي، يرأسه العقيد سالم الرفادي، آمر المنطقة العسكرية في شرق ليبيا. ويعد الرفادي من المؤيدين لـ«عملية الكرامة» ضد المتشددين. وتعرض حفتر لخسارة فادحة بعد أن سيطر «أنصار الشريعة» على معسكرات ومقار أمنية في مدينة بنغازي الأسبوع الماضي. كما أصبح رجال الأمن المصريون على الحدود ينظرون بـ«قلق بالغ» من احتمال تنفيذ المتطرفين في المنطقة الشرقية من ليبيا، لهجوم مباغت على معسكرات مصرية مثل هجوم نقطة الفرافرة، وفقا للعقيد محمد، مشيرا إلى أن المتشددين يسيطرون على مدينة درنة التي جرى إعلانها كإمارة إسلامية أخيرا، وهي أقرب المدن إلى مدينة «طبرق» التي تعد بوابة ليبيا الشرقية وتبعد عن حدود مصر بنحو 150 كيلومترا فقط، ناهيك عن مواقع ارتكاز أخرى للمتشددين في عمق الصحراء الليبية بالقرب من حدود مصر، خاصة في المنطقة الجنوبية الوعرة.
وعلى خلاف العمل المحدود الذي كان يقوم به أمراء الحرب والجهاد في درنة على الأرض، بقيادة السجين السابق في غوانتانامو، المدعو سفيان بن جومة، توجد الآن قصص وحكايات عن تنامي نشاط المتشددين حول «طبرق» سواء من ناحية الميناء البحري في الشمال أو قرب المطار الجوي في الجنوب، كان آخرها زيارة «بن جومة» للمنطقة، لكن العقيد محمد يقول إن الجانب الأمني الليبي لم يؤكد اقتراب «بن جومة» من حدود مصر، وقال إن المسؤولين الليبيين في منطقتي «طبرق» و«البطنان» أرجعوا انتشار هذه الأقاويل حول «بن جومة» في المنطقة، إلى مخاوف المواطنين في المدن الليبية القريبة من مصر، من تمركز المتشددين في ديارهم. وعلى غرار ما تقوم به عناصر «داعش» في العراق، شوهد «بن جومة» وعدد من أنصاره وهم يقطعون رؤوس خصومهم ويمثلون بجثثهم. ويضيف العقيد محمد: «طبعا نحن نراقب كل هذا.. هذا مقلق».
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تشعر فيها القاهرة بالانزعاج من جانب الحدود الغربية، وتبدأ في حشد استعدادات قتالية كبيرة.. ففي عام 1977 قامت القوات المصرية بقصف مواقع في الشرق الليبي واحتلت أراضي هناك لعدة أيام، بسبب خلافات بين معمر القذافي وأنور السادات حين بدأ الأخير يعد لتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، وهو ما أغضب القذافي وجعله يطرد نحو ربع مليون مصري يعملون في بلاده، ويهدد بالزحف الليبي إلى القاهرة.
وفي الوقت الحالي تقول تقارير أمنية مصرية إن الجانب الآخر من الحدود، داخل الأراضي الليبية، هش ودون فاعلية تذكر. وإنه لهذا لم تعد قنوات الاتصال مع الجانب الليبي تقتصر على أجهزة الجيش والأمن محدودة الفاعلية، ولكنها امتدت لتشمل التنسيق مع شيوخ قبائل ووجهاء بالمنطقة ولجان ثورية. وتتميز المنطقة الشرقية، فيما عدا قطاعات في بنغازي ودرنة، بمعاداة المتشددينالمتشددين، وتأييد حفتر، لكن فاعلية خصوم المتشددينعلى الأرض وعلى الحدود المواجهة لمصر، ما زال ضعيفا. ويقول الشيخ عبد الله أحمدية، أحد أبناء قبيلة «المنفة» التي ينتمي إليها المجاهد الليبي التاريخي عمر المختار: «شباب الثورة شكلوا لجانا للمساعدة في حماية الحدود مع مصر لكن لا توجد لدينا سيارات ولا أسلحة ولا أموال».
ومنذ الإطاحة بنظام القذافي لم يعد في مقدور الحكام الجدد في طرابلس الغرب بسط سلطانهم على حدود البلاد مترامية الأطراف. وبينما يتناوب عشرات الجنود وموظفو الجوازات والجمارك من الليبيين على تشغيل منفذ إمساعد البري (الليبي)، المواجه لمنفذ السلوم (المصري)، يبدو الأمر مأساويا على طول الحدود البرية مع مصر، من البحر المتوسط شمالا حتى الحدود مع السودان في الجنوب. وتعاني كتيبة حرس الحدود «كتيبة 418» من نقص في التجهيزات وتأخر رواتب الجنود.
ويقول الضابط فوزي عبد ربه، وهو آمر سابق في الكتيبة الحدودية الليبية إنه يئس من الاستمرار في العمل مع منتسبي حرس الحدود، لأنه لم يتمكن طوال أكثر من سنة من إقناع الحكومة بصرف رواتب القائمين على التأمين هنا. ويضيف: «كتبنا لهم عشرات الرسائل دون جدوى.. ونحن نعرف السبب، وهو سبب سياسي، لأن من في أيديهم صرف الرواتب وتخصيص الإمكانات العسكرية التي نحتاجها، يعتقدون أننا غير موالين لهم. في الحقيقة نحن نعمل من أجل الوطن ولا علاقة لنا بالصراع السياسي».
ورغم أن مصدرا في الحكومة الليبية قال إنه جرى تخصيص أكثر من ثلاثين مليون دولار في الشهور الماضية، كرواتب للقائمين على حراسة الحدود مع مصر، فإن هذه الأموال يبدو أنها تذهب إلى جيوب أمراء الحرب من قادة الميليشيات الموالية للإسلاميين المهيمنين على أعمال البرلمان المنتهية ولايته (المؤتمر الوطني) والحكومة. ويوضح الضابط عبد ربه أن أهالي المناطق الحدودية الشرقية يرفضون وجود أي ميليشيات للإسلاميين المتشددين، ومع ذلك تعتمد الحكومة على أولئك المتشددينفي تأمين الحدود، ومع أننا طردناهم من هنا، فإنها ما زالت تصرف لهم الرواتب من خزينة الدولة، وذلك حتى بعد أن أصبحوا يوجهون كل قوتهم للاستيلاء على مدينة بنغازي ومحاربة أي محاولة لتشكيل جيش وشرطة وطنيين.
وترك الخدمة في حراسة الحدود الليبية الشرقية، مع الضابط عبد ربه، مئات الجنود الآخرين خاصة أولئك الذين لم يتحصلوا على رواتبهم الشهرية منذ الإطاحة بنظام القذافي حتى الآن.. «ولم تصرف لهم قطعة سلاح واحدة.. توجد عشرات النقاط الحدودية أصبحت مهجورة»، كما يقول عبد ربه. وفي مقابل هذه الظروف، ازدادت سطوة المهربين والمتطرفين ممن يمتلكون الأموال والسلاح وسيارات الدفع الرباعي.. «هم أقوى من حرس الحدود الليبي، ولا يتورعون عن إطلاق النار على من قد يفكر في اعتراض طريقهم. يعملون في كل شيء. من تهريب الصواريخ إلى تهريب الناس».
ويقول ممثل لمديرية الأمن في طبرق، يدعى الضابط علي، إن «عملية الكرامة» التي أطلقها اللواء حفتر في مايو (أيار) الماضي ضد المتشددين الإسلاميين، شجعت رجال الجيش والشرطة في طبرق وإمساعد، ممن كانوا يعملون مع الجيش الليبي القديم، للعودة إلى أعمالهم من جديد، لحفظ الأمن في البلاد.. «خاصة المنفذ البري والنقاط الحدودية مع مصر، وليس من أجل أي شيء آخر، كما يردد المتطرفون الذين يريدون إيهام الرأي العام أن كل من كان منتسبا للجيش السابق هو تابع بالضرورة لنظام القذافي، وهي مزاعم غير حقيقية».
ويضيف: «قلنا لليبيين في رسالة موجهة إلى الكافة، نحن تنادينا من أجل أن نعاود العمل لخدمة الجميع، أما السياسيون فليفعلوا ما يشاءون. ليست لنا علاقة بمن يفوز في الانتخابات أو لا يفوز فيها. مهمتنا أن نحافظ على منافذ ليبيا وحدودها».
ويتردد بين الليبيين أن المتشددين، تحت ستار سياسي من جماعة الإخوان المسلمين، يحاولون السيطرة سريعا على مقدرات الدولة الليبية بقوة السلاح بعد أن خسروا معركة الانتخابات الأخيرة في البرلمان الذي لم يبدأ أعماله الرسمية بعد. ومن بين الأهداف الحيوية لميليشيات الإسلاميين، المطارات والحدود والمرافق الرئيسة، لكن مجموعات الضباط والجنود خاصة من الكتيبة 418 بحرس الحدود الليبية في شرق البلاد ما زالت تحث منتسبيها القدامى على العودة للعمل لمواجهة «مخططات الفئة الباغية» في إشارة إلى المتطرفين. وعما إذا كانت الوحدات الصغيرة الموالية لحفتر والتي تحاول تأمين الحدود الشرقية مع مصر تتلقى أي دعم من المصريين، يقول عبد ربه إن هذا لم يحدث، وإن الوفود الأمنية الليبية التي زارت المسؤولين المصريين على الجانب الآخر من الحدود، ناقشوا فقط التعاون بين الجانبين فيما يتعلق بمنع التهريب، لكنه أشار إلى أن «مصر لم تعد تخشى تهريب السلاح والمخدرات وغيرها من السلع فقط، بل أصبح لديها مخاوف حقيقية من سيطرة المتشددين».



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.