الأرجنتين ومرارة الخروج من مأزقها الاقتصادي

خفض الأسعار أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة

أكسيل كيسيلوف، وزير الاقتصادي الأرجنتيني، في مؤتمر صحافي (أ.ف.ب)
أكسيل كيسيلوف، وزير الاقتصادي الأرجنتيني، في مؤتمر صحافي (أ.ف.ب)
TT

الأرجنتين ومرارة الخروج من مأزقها الاقتصادي

أكسيل كيسيلوف، وزير الاقتصادي الأرجنتيني، في مؤتمر صحافي (أ.ف.ب)
أكسيل كيسيلوف، وزير الاقتصادي الأرجنتيني، في مؤتمر صحافي (أ.ف.ب)

لا تتخلف الأرجنتين يوميا عن سداد ديونها. إنها فقط تبدو كذلك.
حسنا، ليس ذلك عادلا بصورة تامة. بعد كل شيء، فقد مرت 13 سنة منذ أن فعلت الأرجنتين ذلك لآخر مرة. وليس هذا سيئا بالنسبة للأرجنتين، والتي تخلفت لثماني مرات حتى الآن في تاريخها الذي يبلغ 200 عام. ولكن المرة الأخيرة كانت أغربها جميعا. لم تتخلف الأرجنتين عن السداد لعجزها عن سداد حملة السندات. بل جاء عجزها بسبب قاض في نيويورك الذي منعها من سداد حملة السندات – وليس لأنها أيضا سددت صناديق التحوط التي كانت تحتفظ بها من أجل صفقة أفضل على ديونها القديمة المتعثرة.
أجل: أجبرت الأرجنتين على العجز الآن، بسبب أنها لن تدفع السندات التي تخلفت عن سدادها في عام 2001. أأصابكم الارتباك؟ حسنا، هذا ما تريدون معرفته.
1. ذات مرة – منذ مائة عام مضت، على وجه التحديد – كان لدى الأرجنتين خامس أكبر اقتصاد في العالم. غير أن عقودا من السياسات السيئة، والحكومات الرديئة وضعف الكفاءة بوجه عام تحولت تلك القوة الجامحة إلى قصة تحذيرية حول العجز وخفض قيمة العملة. وبحلول حقبة التسعينات، رغم ذلك، اعتقدت الأرجنتين أنها وجدت العلاج أخيرا لحالة التضخم الخلقي: ويكمن في الاستعانة بآلان غرينسبان لقيادة سياساتها النقدية عن طريق ربط البيزو بالدولار.
وقد نجحت الخطة، حتى انهارت. فقد انخفض التضخم وجاء رأس المال الأجنبي، ولكن على حساب استحالة تنفيذ السياسة المعاكسة. لذلك، حتى إذا ضربت هزة اقتصادية كبيرة الأرجنتين، فلن تكون قادرة على خفض أسعار الفائدة لتخفيف وقع الصدمة، لأن ربط عملتها يعني أنه يمكنها القيام بذلك إذا فعله بنك الاحتياطي الفيدرالي. وذلك، بطبيعة الحال، هو بالضبط ما حدث حينما انهارت عملات أوروبا والبرازيل كثيرا لدرجة أن صادرات الأرجنتين صارت مبالغا فيها بمنتهى الجدية في عام 1998.
تحتاج الأرجنتين إلى عملة بيزو أضعف، ولكنها لا تستطيع الحصول عليها – ليس من دون التخلي عن ربط عملتها بالدولار. وبدلا من ذلك، أجبرت على خفض الأسعار عن طريق خفض الأجور. والمشكلة، رغم ذلك، أن ذلك الإجراء أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة وهبوط الإيرادات الضريبية. مما ترك الأرجنتين في مأزق لا تستطيع الخروج منه. فعليها زيادة الضرائب وخفض الإنفاق من أجل طمأنة المستثمرين حول العجز، لكن ذلك جعل من الركود أسوأ حالا – مما عصف بكافة المدخرات. بعبارة أخرى، كان التقشف هو العلاج والمرض في آن واحد. لذا لم يكن إلا مرضا فعلا.
في أواخر عام 2001. كان من العسير على الأمور أن تزداد سوءا. وصلت البطالة إلى نسبة 20 في المائة، وكان هناك شوط يجري على عملة البيزو – مع المصارف التي كانت تمتلكها – حيث حاول الشعب تحويل أموالهم إلى دولارات. وحاولت الحكومة منع تشغيل العملة عن طريق وقف المسحوبات، ولكن لم يؤد ذلك إلا إلى نشوب الاحتجاجات العنيفة. لذا، وفي النهاية، فعلت الأرجنتين ما كانت دوما تفعله: تعثرت وخفضت القيمة.
كان العجز البالغ 100 مليار دولار – وهو الأكبر من نوعه في ذلك الوقت – يعد أكثر الأشياء عقلانية التي فعلتها حكومة الأرجنتين في أي وقت مضى. والآن، لا يعني ذلك أنه لم تكن هناك تكاليف. فلقد خرجت البلاد من الأسواق الرأسمالية الدولية منذ ذلك الحين، مما أدى إلى قصور في النمو. ولكن ليس بقدر ما كان سيفعله البديل – الدوامة الانكماشية. وفي واقع الأمر، شهد الاقتصاد الأرجنتيني نموا جيدا خلال الاثني عشر عاما الماضية، رغم الانتكاسات في التضخم ذي الرقمين.
2. بالعودة إلى دورها الاعتيادي كدولة منبوذة ماليا، حاولت الأرجنتين أن تتصرف بشكل يبدو جيدا حيال التزاماتها. في عام 2005 و2010. عرضت على أصحاب الديون المتعثرة – والتي لا تزال تتداول وفق تخفيضات عميقة – «سندات صرف» جديدة والتي سددت 35 سنتا على الدولار للسندات الجديدة. وكان عرضا لم يستطيعوا رفضه. فإذا رفض المستثمرون، فلن يحصلوا على شيء. ولا يبدو الأمر وكأنهم يستطيعون إجبار الأرجنتين على دفع المزيد. كم عدد الانقسامات التي يعاني منها وول ستريت؟ ذلك هو السبب وراء نسبة 93 في المائة من حملة السندات القديمة تقبلوا السندات الجديدة.
3. كيف كان التفكير حيال الـ7 في المائة المتبقية؟ حسنا، كانت في معظمها صناديق التحوط التي اشترت دين الأرجنتين المتعثر برخيص الأسعار، وظنوا أنهم قد يرفعون دعوى للحصول على صفقة أفضل. صفقة أفضل بكثير. وقالوا: إن فقرة قطع الكعكة في السندات القديمة – والمعروفة باسم باري باسو – تعني أنه على الأرجنتين أن تدفع لهم بالكامل إذا دفعت سندات الصرف بالكامل.
إنها مسألة «المعاملة بالمثل». وكما يوضح جوزيف كوتريل، أن فقرات باري باسو تقول: إنه يجب على المقترضين التعامل مع كافة حملة السندات بنفس الطريقة. لا يمكنك الدفع للبعض، وليس للآخرين. لا يبدو الأمر مؤذيا. ولكن هل يؤذي حقا؟ يقول حملة صناديق التحوط بأنها تعني فعلا أن الأرجنتين لا يمكنها إجبار إعادة هيكلة الديون، وأن السندات المتعثرة وسندات الصرف متساوية فعلا، لذلك إذا دفعت الأرجنتين لأحدهما ينبغي أن تدفع للجميع.
4. إنها حجة ذكية، لكن الذكاء ليس كافيا لجعل الدولة تسدد ما لم تكن ترغب حقا في السداد. ذلك هو السبب في أن هذا النزاع القانوني قد انتقل من حالة الغموض إلى اللامعقول. ليس لأن الأمر يدور حول كسب القضية فحسب. بل إنه حول جعل الأرجنتين تقبل ما لديك. فلنضرب مثلا بمؤسسة اليوت للإدارة، وهي أكثر حملة صناديق التحوط عدوانية داخل وخارج قاعات المحاكم. فقد قضت أفضل فترة من العقد الماضي في مقاضاة الأرجنتين من أجل التسوية لقاء المزيد. وحينما فشلت، تحولت إلى طلب الأقل، حسنا، تبعا للأساليب التقليدية لجر الدولة إلى مائدة المفاوضات. ومرة أخرى في عام 2012، جاءت اليوت بدولة غانا للاستحواذ على القارب الأرجنتيني كمدفوعات جزئية لما تدعي أنه من مستحقاتها. ولكن حتى تكتيك الذراع القوية هذا لم يكن كافيا لجعل الأرجنتين أكثر تعاونا. ولقد تم الإفراج عن القارب في نهاية المطاف دون التوصل إلى اتفاق.
5. ولكن الآن يبدو أن الممتنعين قد وجدوا في نهاية الأمر ما يحتاجونه لجعل الأرجنتين تدفع لهم: قاض من نيويورك. لاحظ في عام 2012، حكم القاضي توماس غريسا أن الممتنعين كانوا على حق حيال باري باسو: لا يمكن للأرجنتين أن تدفع سندات الصرف دون أن تدفع للممتنعين كذلك. والآن، إذا كان ذلك هو كل ما قاله، فقد استمرت الأرجنتين في تجاهل عواقبه. ولكن كان هناك المزيد. أعلن غريسا أيضا أنه إذا لم تبدأ الأرجنتين في الدفع للممتنعين، فسوف تتعرض أي مؤسسة مالية ساعدت في دفع سندات الصرف للازدراء. بعبارة أخرى، يمكن لغريسا أن يمنع الأرجنتين من الدفع لأي شخص.
ترك ذلك للأرجنتين الخيار: إما أن تدفع للممتنعين، أو يمكنها العجز عن سداد سندات الصرف رغم قدرتها على ذلك واستعدادها للدفع لهم.
6. اختارت الأرجنتين العجز عن السداد. وكانت هناك مليارات الأسباب وراء ذلك. إنها مدينة لكافة الممتنعين بمبلغ 15 مليار دولار، وسداد ذلك المبلغ قد يخلق بلايين الالتزامات الجديدة. وذلك لأن سندات الصرف لديها فقرات (الحقوق على العروض المستقبلية) والتي، حتى نهاية العام الحالي، تعدهم بما يحصل عليه الممتنعون.
هذا وضع يخسر فيه الجميع. الممتنعون ليسوا سعداء، بسبب أنهم لم يحصلوا على مستحقاتهم. وحملة سندات الصرف ليسوا سعداء، بسبب أنهم لم يحصلوا على مستحقاتهم أيضا. والأرجنتين ليست سعيدة، بسبب أنها أجبرت على إعلان العجز عن السداد الذي لم ترده – وبالتالي، وعند هذه النقطة، لا يمكنها المعاناة من أي أضرار تطول سمعتها.
7. هناك طريقتان لإنهاء تلك المعضلة: صفقة مع الممتنعين أو صفقة مع حملة سندات الصرف. وفي الحالة الأولى، سوف يحصل الممتنعون على نوع من التسوية (المستترة)، وسوف يوافق حملة سندات الصرف على التنازل عن الحقوق على العروض المستقبلية، والتي عرض بعضهم القيام بذلك فعلا. وفي الحالة الثانية، سوف لن يحصل الممتنعون على شيء، وسوف يوافق حملة سندات الصرف على مبادلة أخرى، وهذه المرة حيال السندات التي تقام حصريا في الأرجنتين – خارج سيطرة القاضي غريسا.
أو ربما لن تنتهي هذه المعضلة أبدا.
يعد ذلك من أغبى حالات التعثر في التاريخ. وكما يشير فليكس سالمون، أنه ربما جعل سندات الصرف في حالة مزرية فعليا. وذلك بسبب أن الأرجنتين سوف – افتراضا – تدفع لهم بالكامل عند نقطة معينة، ولكن، في نفس الوقت، تتحصل السندات على فائدة بنسبة 8 في المائة على المدفوعات المتأخرة. وهي لمسة لطيفة لمعركة يمكن لأحدنا أن يحبها: هي تدور حول لا شيء. حسنا، لا شيء تقريبا. إنها حول ما إذا كانت الأرجنتين أو اليوت للإدارة سوف يحصلون على بضعة بلايين الدولارات. وهذا كل شيء. إن الاقتصاد الأرجنتيني يعاني الركود فعلا، وربما لن يسوء الوضع أكثر من ذلك. فسوف تتحسن الأوضاع – مما يعني لهم المزيد من التضخم – في كلتا الحالتين. وكذلك الحال لدى البلدان الأخرى التي لديها شروط الإجراءات الجماعية في ديونهم للحيلولة دون حالات باري باسو الأرجنتينية.
ووفق هذا المعدل، يمكن للأرجنتين فعليا العجز عن السداد ديونها يوميا – على الأقل لفترة من الزمن.

* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.


ضغوط الحرب الإيرانية تلاحق الشركات الأوروبية وتكبح توقعات الأرباح

أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)
أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)
TT

ضغوط الحرب الإيرانية تلاحق الشركات الأوروبية وتكبح توقعات الأرباح

أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)
أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)

تلقي الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران بظلالها على توقعات الشركات الأوروبية، من شركات الطيران إلى تجارة التجزئة، رغم الآمال بتحقيق أرباح قوية في الربع الأول، مع ضغط ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد وتباطؤ النمو على التوقعات المستقبلية.

وقالت شركة «تيسكو»، أكبر شركة تجزئة غذائية في بريطانيا، إن حالة عدم اليقين المرتبطة بالنزاع قد تؤثر على الأرباح، في حين خفضت شركة صناعة الشوكولاته «باري كاليبوت» توقعات الأرباح بسبب اضطرابات في سلاسل الإمداد المرتبطة بالحرب، وفق «رويترز».

كما حذرت شركة «إيزي جيت» البريطانية، يوم الخميس، من خسارة أكبر في النصف الأول، ما ضغط على سهمها، في حين قالت شركة التجزئة البريطانية «دانلم» إن العملاء يقيّدون إنفاقهم بسبب حالة عدم اليقين المرتبطة بالنزاع.

ويعتمد الكثير على مدة استمرار الصراع بين إيران وإسرائيل، وسط آمال متزايدة باتفاق سلام قد يعيد فتح مضيق هرمز ويخفف تدفقات النفط التي رفعت الأسعار العالمية.

وقد أدت التوترات الإقليمية المتصاعدة إلى اضطراب الأسواق، ما أثار مخاوف من أن يؤدي نزاع طويل الأمد إلى مزيد من ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي زيادة التضخم وتراجع الطلب الاستهلاكي.

مستويات النشاط لم تنهَر «بشكل حاد» بعد

من المتوقع أن تُعلن الشركات الأوروبية عن أرباح «مستقرة نسبياً» للربع من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار)، حسب سياران كالاغان، رئيس أبحاث الأسهم الأوروبية في «أموندي»، رغم أن الحرب الإيرانية أثرت على نحو ثلث هذه الفترة.

وقال كالاغان: «يستغرق الأمر وقتاً حتى تنتقل أسعار النفط المرتفعة إلى الاقتصاد، لذا لم تنخفض مستويات النشاط بشكل حاد».

ورغم أن المستثمرين يقدّرون أن تعرض الشركات الأوروبية الكبرى المباشر للشرق الأوسط لا يتجاوز نسباً منخفضة من خانة الآحاد، فإن التباطؤ الاقتصادي، واضطرابات سلاسل الإمداد، وعدم اليقين، وارتفاع التضخم تُعد المخاطر الرئيسية.

ومع ذلك، فإن حجم التأثير سيعتمد على مدة استمرار الحرب. وقد تراجعت الأسهم الأوروبية في الأسابيع الأولى من الصراع، لكنها تعافت لاحقاً مع تحسن المعنويات.

وقال بن ريتشي، رئيس أسهم الأسواق المتقدمة في «أبردين»: «لا أعتقد أن نتائج الربع الأول ستكون مخيبة للآمال، لكن التوقعات لبقية العام قد تكون كذلك».

وقد ظهرت بالفعل بعض نتائج قطاع أشباه الموصلات التي دعمت توقعات الأرباح القوية نسبياً، إذ أعلنت شركة «إيه إس إم إل»، أكبر مورد عالمي لمعدات صناعة الرقائق، نتائج فصلية أفضل من المتوقع ورفعت توقعاتها السنوية مع استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي. كما سجلت شركة «أيكسرون» الألمانية لآلات الرقائق طلبات قوية ورفعت توقعاتها للإيرادات لعام 2026.

قطاع الطاقة يرتفع والاستهلاك يتراجع

تؤثر الحرب بشكل متباين على القطاعات المختلفة. إذ يُتوقع أن تسجل شركات مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي القياسي نمواً في أرباح الربع الأول بنسبة 4.2 في المائة، وفق تقرير «إل إس إي جي»، لكن ذلك يعود بشكل أساسي إلى قطاع الطاقة.

وقد دعمت أسعار النفط المرتفعة شركات الطاقة، ومن المتوقع أن تحقق الشركات الأوروبية الكبرى أرباحاً أعلى بنسبة 24 في المائة مقارنة بالعام الماضي. وأشارت شركة «توتال إنيرجيز» إلى استفادتها من ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب، رغم توقف 15 في المائة من إنتاج المجموعة الفرنسية.

كما يُتوقع أن يستفيد قطاع الطاقة المتجددة أيضاً. وقال هانس يورغ باك، كبير مديري المحافظ في «دي دبليو إس»، إن الأزمة أبرزت اعتماد أوروبا على واردات الوقود الأحفوري.

وقال: «الخلاصة يجب أن تكون تسريع إدخال مصادر الطاقة البديلة والاستثمار في الشبكات».

وفي المقابل، قد تضر معدلات التضخم المرتفعة شركات الاستهلاك والسلع الفاخرة، لكنها قد تفيد البنوك، حسب كالاغان.

وقال: «هناك حديث واسع عن احتمال رفع البنوك المركزية لأسعار الفائدة، وقد يقوم البنك المركزي الأوروبي برفعها مرتين إضافيتين بإجمالي 50 نقطة أساس، ما قد يكون إيجابياً للقطاع المصرفي الأوروبي».

وقد أشارت شركتا «إل في إم إتش» و«هيرميس» إلى أن مبيعات الربع الأول تأثرت بالحرب في إيران، التي قلصت الإنفاق في الشرق الأوسط وأخرت تعافي القطاع.

فائزون انتقائيون

ورغم وجود بعض «الفائزين الانتقائيين»، فإن الصراع لا يدعم أرباح الشركات الأوروبية بشكل عام، حسب كريستوف بيرغر، كبير مسؤولي الاستثمار في الأسهم الأوروبية لدى «أليانز جي آي».

وكان بيرغر قد توقع قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) نمواً في أرباح الشركات الأوروبية بنسبة عالية من خانة الآحاد إلى خانة العشرات، لكنه خفّض توقعاته الآن إلى نمو «جيد» لكنه دون مستويات مزدوجة الرقم للربع الأول.

وقالت «إل إس إي جي» إن الإيرادات في الربع الأول يُتوقع أن تنخفض في المتوسط بنسبة 0.6 في المائة باستثناء قطاع الطاقة، ما يشير إلى أن جهود خفض التكاليف وإعادة الهيكلة قد تؤتي ثمارها.

إعادة شراء الأسهم

ورغم أن بعض الشركات خفّضت توزيعات الأرباح المقترحة، فإنه لا توجد مؤشرات على أن هذا تحول عام حتى الآن، حسب المستثمرين.

في المقابل، زادت الشركات من عمليات إعادة شراء الأسهم لوقف تراجع الأسواق، حسب ماركوس موريس إيتون، مدير المحافظ في «أليانس بيرنشتاين».

وقال: «شهدنا زيادة ملحوظة في عمليات إعادة شراء الأسهم، حيث توفر التقييمات الحالية عائداً جيداً على الاستثمار للعديد من الشركات».


18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)
مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)
TT

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)
مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث زاد عدد الخدمات المقدمة منذ مارس (آذار) 2020 على 18 مليون خدمة، استفاد منها نحو 4 ملايين مستثمر، في مؤشر واضح على تنامي جاذبية السوق وتحسن كفاءة الإجراءات.

وفي الوقت الذي تواصل فيه المنصات الحكومية تعزيز تجربة المستثمر عبر نافذة موحدة، فإن الربع الأول من العام الحالي سجل نمواً لافتاً في تأسيس الشركات والمؤسسات، إلى جانب توسع ملحوظ في توثيق المتاجر الإلكترونية، وارتفاع وتيرة التراخيص في عدد من القطاعات الحيوية؛ مما يعكس حراكاً اقتصادياً نشطاً يدعم مستهدفات التنمية ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.

ووفق تقرير صادر عن «المركز السعودي للتنافسية والأعمال»، اطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، فقد بلغ عدد المتاجر الإلكترونية التي وُثّقت نحو 41 ألف متجر، في الوقت الذي وصل فيه عدد طلبات إنشاء رمز موحد إلى نحو 40 ألف طلب.

توزيع التراخيص

وطرحت 31 جهة حكومية 60 مشروعاً عبر منصة «استطلاع» خلال الربع الأول من العام الحالي، فيما بلغ إجمالي الآراء والملحوظات بشأن المشروعات نحو 4435.

وفي الربع الأول من العام الحالي أُسّس أكثر من 26.6 ألف شركة جديدة، و41.8 ألف مؤسسة، إضافة إلى 608 متاجر إلكترونية موثقة، حيث مكنت «منصة الأعمال» المستثمرين من إنجاز إجراءات بدء أعمالهم الاقتصادية، عبر تقديم جميع الخدمات ذات العلاقة من خلال وجهة واحدة متكاملة مع جميع الجهات الحكومية المعنية.

وبخصوص التراخيص الصادرة لبدء الأعمال، كان النصيب الأكبر منها، خلال الفصل الأول، لقطاع التعليم بـ1277 رخصة، ثم الإعلام بـ442، تليها (مكانياً) الرياض بنحو 105، وأخيراً القطاع السياحي بنحو 57 رخصة.

وأعلن «المركز» عن خدمات متاحة حالياً عبر المنصة، هي: تصفية شركة زاولت قرار تعيين مُصفٍّ، وتصفية شركة لم تزاول، وشطب السجل التجاري الرئيسي لشركة بناءً على حكم قضائي، وتسجيل مستورد/ مصدر جديد.

سيدة تتحدث إلى أحد منسوبي «المركز» في إحدى الفعاليات المقامة بالسعودية (واس)

تحسين بيئة الأعمال

وفي وثيقة إلكترونية واحدة تعزز موثوقية البيانات وتدعم التحديث المستمر، تمكن ما يزيد على 5692 ألف منشأة تجارية من إصدار رمزها الإلكتروني منذ إطلاق خدمة «الرمز الإلكتروني الموحد».

وبشأن إصلاحات بيئة الأعمال بالتكامل مع الجهات المعنية خلال الربع الأول، كشف «المركز» عن تمكين مجموعة شركات من تقديم خدمات الشحن الجوي مثل: وساطة الشحن، ومناولة الشحنات في مناطق الإيداع، والشحن السريع في قرى الشحن بمطارَي «الملك خالد الدولي» و«الملك فهد الدولي».

والأثر من ذلك الإصلاح هو تنمية الحركة الجوية، وتحسين الخدمات المقدمة، بالإضافة إلى زيادة النشاط الاقتصادي، وخلق فرص عمل جديدة.

وقد تمكنت أيضاً من انتقاء أحكام قضائية ذات علاقة بقطاع الأعمال، بما فيها الأحكام التجارية والإدارية، ونشرها باللغتين العربية والإنجليزية في البوابة العلمية القضائية التابعة لوزارة العدل؛ بهدف تعزيز القدرة على التنبؤ بالأحكام، وتعزيز الشفافية، وزيادة الوعي بالمبادئ التي تقوم عليها في الحالات المتشابهة. وأيضاً إصدار الاشتراطات البلدية الخاصة بالمباني التعليمية الأهلية، في خطوة تعزز امتثال المستثمرين في القطاع عن طريق حوكمة إنشاء وتشغيل المنشآت وضبط معايير السلامة والتخطيط العمراني فيها.

وأطلقت وزارة التجارة حملات توعوية بالأنظمة المتعلقة بممارسة الأعمال، مثل نظام الشركات، والسجل التجاري، ونظام الأسماء التجارية.

ومن الإصلاحات التي أجرتها الحكومة في الربع الأول، إيجاد حلول ومحفزات تمويلية مع «بنك الرياض» و«صندوق التنمية الصناعية السعودي»، تمكن المنشآت الصغيرة والمتوسطة في القطاع اللوجيستي من الاستثمار في المشروعات المتعلقة بالمنظومة.

التقارير الدولية

وتحقيقاً لأهداف «رؤية 2030» المتعلقة برفع تنافسية المملكة عالمياً، فإن أعمال «المركز» تتضمن دراسة وتحليل ومتابعة نحو 31 تقريراً عالمياً معتبراً، ومراقبة أداء البلاد في مؤشرات تلك التقارير، كاشفاً عن تحسن «مجموع نتائج السعودية (score)» مقارنة بالعام الماضي، وعن أنها الآن ثالث أعلى دولة في المجموع بين 53 دولة، حيث أشار التقرير إلى ريادة الرياض عالمياً في تمويل رواد الأعمال والسياسات الحكومية الداعمة، وارتفاع مستوى الوعي بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وزيادة نسبة البالغين الذين بدأوا مشروعاً ريادياً.

وتقدمت المملكة 3 مراتب وحلّت في المرتبة الـ59 عالمياً من أصل 184 دولة. وحققت المرتبة الـ6 من أصل 14 في المنطقة والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتقدمت كذلك في 7 من أصل 12 محوراً فرعياً.

وحققت البلاد تقدماً في نتائج «تقرير المرأة - أنشطة الأعمال والقانون 2026»، بتسجيل أعلى زيادة في عدد النقاط على مستوى العالم في محور «الأطر الداعمة».

ألف إصلاح اقتصادي

وكان وزير التجارة رئيس مجلس إدارة «المركز السعودي للتنافسية والأعمال»، الدكتور ماجد القصبي، افتتح مقر «مركز المعرفة (knowledge-hub)» في الرياض، وذلك بالشراكة بين «البنك الدولي» و«المركز».

وقال القصبي إن بدء أعمال «مركز المعرفة» في نشر ثقافة الإصلاحات للدول المستفيدة يتزامن مع مشارفة وصول «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» إلى تنفيذ ألف إصلاح اقتصادي وتنموي لتطوير وتحسين البيئة التنافسية، بالتكامل مع 65 جهة حكومية.