قيود واندماجات وتشريعات لـ«ضبط» المشهد الإعلامي العربي في 2018

الأخبار الكاذبة تمنح الصحافة أملاً بمواجهة مواقع التواصل

جاءت سوريا في ذيل القائمة في المرتبة الـ 177 لتقرير منظمة «مراسلون بلا حدود» عن مؤشر حرية الصحافة هذا العام (غيتي)
جاءت سوريا في ذيل القائمة في المرتبة الـ 177 لتقرير منظمة «مراسلون بلا حدود» عن مؤشر حرية الصحافة هذا العام (غيتي)
TT

قيود واندماجات وتشريعات لـ«ضبط» المشهد الإعلامي العربي في 2018

جاءت سوريا في ذيل القائمة في المرتبة الـ 177 لتقرير منظمة «مراسلون بلا حدود» عن مؤشر حرية الصحافة هذا العام (غيتي)
جاءت سوريا في ذيل القائمة في المرتبة الـ 177 لتقرير منظمة «مراسلون بلا حدود» عن مؤشر حرية الصحافة هذا العام (غيتي)

قد يكون العنوان الأبرز للمشهد الإعلامي العربي في عام 2018 هو مواجهة الأخبار الكاذبة وما ترتب على ذلك من تحديات وفرص، فعلى مدار العام أقيمت مؤتمرات وجلسات حوارية لإيجاد حل لهذه المشكلة التي أرقت المنطقة العربية والعالم على حدٍ سواء، ومع ذلك فإن هذه الأزمة أعطت بعض الأمل للإعلام التقليدي كوسيلة للتحقق من المعلومات في مواجهة الإعلام الجديد أو السوشيال ميديا.
لكن وعلى مستوى آخر، فإن المعركة لا تزال دائرة بين ما يسمى بالإعلام القديم والحديث، وباتت وسائل الإعلام العربية القديمة تعاني تحت وطأة سيطرة مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الحديث على الشبكة العنكبوتية.
ليس هذا هو الخطر الوحيد الذي يهدد الإعلام العربي فعام 2018 كان حافلاً بالتحديات سواء تلك المتعلقة بالقيود والتشريعات القانونية، أو بمستوى الحريات الممنوحة للصحافة والإعلام، ومحاولات جهات حكومية السيطرة على مضمون الرسالة الإعلامية عبر اندماجات وتحالفات، أو عن طريق أزمات مالية متلاحقة عصفت بالإعلام بشكل عام، والصحافة الورقية بشكل خاص، مما أدى إلى إغلاق قنوات تلفزيونية وصحف ورقية.
وعلى صعيد التشريعات القانونية شهد العام محاولات عربية عدة لسن تشريعات إعلامية لـ«ضبط المشهد»، فأصدرت مصر 3 قوانين لتنظيم الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، ووضعت للمرة الأولى نصوصاً خاصة بالمواقع الإلكترونية، وحددت طرقاً لترخيصها، وفي السودان تم تعديل قانون الصحافة والمطبوعات، بينما ما زالت دول أخرى مثل البحرين ولبنان تعمل بقوانين قديمة يؤكد قائمون على العمل الإعلامي أنها لم تعد تتواكب مع العصر، وفي الجزائر ما زال العاملون بقطاع الإعلامي المرئي والمسموع يعانون من عدم إصدار الحكومة للائحة التنفيذية للقانون الصادر عام 2014 لتنظيم عمل الإعلام المرئي والمسموع، وكسر احتكار الدولة للتلفزيون، لتعامل القنوات التلفزيونية الخاصة في الجزائر، باعتبارها مكاتب لوسائل إعلام أجنبية.
وتثير قضية التشريعات الإعلامية سواء كانت قديمة أو جديدة الجدل في كل دولة تثار فيها هذه القضية، فبينما يرى البعض في التعديلات قيوداً جديدة على حرية الإعلام، ومحاولة من جانب الدولة السيطرة عليه، يؤيد آخرون هذه القيود للحد من الفوضى الإعلامية.
الناشر المصري هشام قاسم يرى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «القوانين الجديدة ما هي إلا محاولة لفرض مزيد من القيود على حرية الإعلام»، مؤكداً أن ضبط المشهد الإعلامي «لن يحدث إلا بمزيد من الحرية، فالمنافسة هي التي ستمنح الإعلام القدرة على التطور».
لكن الإعلامي اللبناني جورج قرداحي كان له رأي آخر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «القوانين ضرورية لتنظيم الإعلام، ووضع قيود حتى لا يتجاوز الإعلام الخطوط الحمراء التي تمس بالسلم الأهلي والتعايش بين المواطنين».
الصحافي التونسي توفيق حبيب، رئيس تحرير مجلة ليدرز، كان أيضاً مع إنشاء كيانات لتنظيم عمل الإعلام، وإن كان يؤكد على «تمتع الإعلام التونسي بالحرية»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» «إن الدستور التونسي الصادر في عام 2014، نص على تكوين هيئة للاتصال السمعي والبصري، لكن هذا لم يحدث حتى الآن».
ورصدت منظمة «مراسلون بلا حدود» في تقريرها الأخير عن مؤشر حرية الصحافة لعام 2018، أن «العداء للصحافيين يزداد عالمياً»، وصنف التقرير، الذي يقيس حرية الصحافة في 180 دولة، الدول العربية في مراكز متأخرة، بسبب النزاعات المسلحة والاتهامات بالإرهاب، وزيادة الرقابة، مما يجعل ممارسة المهنة في الوطن العربي «أمراً خطيراً»، وجاءت سوريا في ذيل القائمة في المرتبة 177، ثم اليمن 167، والبحرين 166، وليبيا 162، ومصر 161، والعراق 160، والجزائر 136، والمغرب 135، والإمارات 128، ولبنان 100، وتونس 97.
لكن التشريعات والقيود القانونية سواء مقيدة أم ضابطة للمشهد الإعلامي العربي، ليست هي الوسيلة الوحيدة التي يتم اللجوء إليها للسيطرة على الرسالة الإعلامية، فهناك وسائل أخرى مثل حبس الصحافيين والإعلاميين، ربما كان أبرزها في المغرب حبس الصحافي المغربي توفيق بوعشرين، أو امتلاك الدولة أو جهات محسوبة عليها لوسائل الإعلام وربما كان المثال الأوضح على ذلك خلال عام 2018 ما حدث في مصر، من اندماج عدة شبكات فضائية، ودخولها تحت مظلة واحدة، أدت في النهاية إلى إغلاق الكثير من القنوات وتسريح عدد من الإعلاميين، ووقف عدد من البرامج لمشاهير الإعلاميين مثل لميس الحديدي.
رئيس التحرير السابق لصحيفة «المصري اليوم» محمد السيد صالح، عدّ في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «الاندماجات تمثل خطورة على المشهد الإعلامي»، وقال إن «قطاعاً كبيراً الآن يضم مؤيدين للسلطة ينتقدون تدخل جهات ذات طابع رسمي للسيطرة على المشهد الإعلامي، خصوصاً وأن إدارة الموقف لا تجري باحترافية».
ويضيف صالح: «ما نراه اليوم يثبت أن هذه الاندماجات كانت بلا خطة ولا هدف، فهناك قنوات أغلقت في نفس العام الذي أطلقت فيها»، ويقدر أن «الخسائر بالمليارات، لكن الخسارة الأكبر تكمن في الجمهور الذي انصرف عن هذه القنوات إلى وسائل إعلام أخرى خارجية».
الأزمات المالية تحدٍ آخر أضيف لما واجهه الإعلام العربي في العام المنصرم، وكان ذلك بسبب تراجع عائدات الإعلانات، وارتفاع تكلفة الطباعة، وسعر الورق، في ظل انخفاض التوزيع واتجاه الجمهور للصحافة الإلكترونية كبديل عن الورقية.
وشهد عام 2018 تقليص أماكن طباعة صحيفة الحياة ورقياً وتقديم نسخة إلكترونية لقرائها، كما تم إغلاق دور صحافية عريقة مثل دار الصياد في لبنان، وتوقف صحف تونسية عن الطباعة واكتفائها بالمواقع الإلكترونية، وما نتج عن ذلك من تشريد صحافيين، وكان أكبر تعبير عن الأزمة هو إصدار صحيفة النهار اللبنانية عدداً من الجريدة بصفحات بيضاء.
توضح الصحافية التونسية آسيا العتروس، رئيس تحرير أول في جريدة الصباح التونسية، لـ«الشرق الأوسط» أزمة صحيفتها كواحدة من الصحف المصادرة في تونس في أعقاب الثورة التونسية، وتقول: «صحيفة الصباح واحدة من المؤسسات الإعلامية التي نشأت في تونس في أعقاب استقلالها، فعمرها من عمر تونس لكنها اليوم مهددة، حيث لم تحظَ بالإصلاح المطلوب في ظل فساد المشهد الإعلامي عبر ما يسمى بتعيينات الولاءات (أصحاب الولاء)».
ورأت العتروس أن «مناخ الحريات الصحافية في تونس لم يقابله استثمار لهذه الحرية، لتشهد الساحة الإعلامية منافسة شرسة بين مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة التقليدية».
ويرى رئيس تحرير مجلة ليدرز التونسية أن «الصحافة كانت أكبر مستفيد من الثورة التونسية، خاصة فيما يتعلق بالتحرر والتعددية، وإن كانت هناك محاولات لتجنيدها أو احتوائها في بعص الأحيان»، ويشير حبيب إلى أن «قلة المنافسة الاقتصادية بسبب ما حدث في ليبيا، أدى إلى انحسار الإنفاق الإعلامي وغياب الإعلانات والاشتراكات».
ويقول: «عام 2018 شهد صدور صحف ومحطات ومواقع مجهولة التمويل لا تخضع لأي منطق اقتصادي، واحتجاب صحف عتيدة مثل جريدة الصريح اليومية، وأخبار الجمهورية الأسبوعية، واكتفائها بنسخ إلكترونية، وتراكم ديون وأزمات مالية في دور صحافية أخرى مثل الصباح».
وتعد المنافسة مع مواقع التواصل الاجتماعي، والإعلام الإلكتروني أحد أهم أسباب الأزمة التي تعاني منها الصحافة الورقية، خاصة مع هروب المعلنين إلى تلك المساحات الجديدة التي يمكن قياس مدى تأثيرها، بعيداً عن مؤشرات وهمية يتيحها الإعلام التقليدي.
خالد البرماوي، الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الحديث، يوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الصراع بدأ بين شركات السيلكون فالي وشركات الإعلام، على مساحة الإعلانات، لنصل اليوم إلى استحواذ (غوغل) و(فيسبوك) على 85 في المائة من الإعلانات، مقابل 15 في المائة لباقي وسائل الإعلام».
ويقول البرماوي إن «العالم استشعر خطورة السوشيال ميديا خاصة بعد الانتخابات الأميركية الأخيرة، وبدأت تحالفات إعلامية تضغط في مواجهة ما سمي بالأخبار المفبركة، واستطاعت خلال عام 2018 استعادة المصداقية لمنصاتها الإعلامية خاصة فيما يتعلق بالتحقق من الأخبار المفبركة والمغلوطة التي ثبت تأثيرها السلبي على المجتمع».
وإن كانت المعالجة عالمياً جاءت ملائمة بدرجة أو بأخرى، فإن الوضع مختلف عربياً، ويرى البرماوي أن «المنطقة العربية متأخرة في المشكلة والحل، رغم أن المشكلة أصعب هنا لأن وعي المواطن أقل»، لكنه في الوقت نفسه يرى أن «هناك حالة بسيطة متنامية في الشارع العربي مفادها أن السوشيال ميديا أكثر انتشاراً لكنها ليست الأكثر مصداقية، والتحقق من المعلومة يستلزم اللجوء لوسائل الإعلام التقليدية».
ودعا البرماوي وسائل الإعلام إلى «العمل على سد الفراغ على الإنترنت بتوفير محتوى نادر قادر على المنافسة في العصر الإلكتروني».
لكن فتحي أبو حطب، مدير عام مؤسسة المصري اليوم، يرى أن «وسائل الإعلام التقليدية في الوطن العربي خسرت المعركة في مواجهة الإعلام الحديث»، ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «النموذج الربحي للإعلام الذي كان قائماً على الإعلانات تغير، ولم يعد بإمكان الإعلام التقليدي جذب النسبة المطلوبة من المعلنين لافتقاده البيانات التي توفرها وسائل الإعلام الحديث عن طبيعة الجمهور وصفاته وحجمه، وما يدفع المعلنين إلى الإنترنت».
ويضيف أبو حطب أن «الإعلام في العالم تنبه إلى هذا التغير، وبدأ يعتمد على الاشتراكات، كما يحدث في نيويورك تايمز مثلاً»، متسائلاً: «هل لدى الإعلام العربي ما يستحق أن يدفع الجمهور مقابله؟»، ومشيراً إلى أن «المسألة تتطلب تحالفات وتوفير محتوى تستطيع تسويقه عالمياً»، واصفاً المؤسسات العربية بأنها «خارج الصناعة، وإن بقيت ستكون مؤسسات بائسة جداً».
وعلى صعيد التلفزيون والإنتاج التلفزيوني ضرب أبو حطب مثلا بشبكة نتفليكس، التي تحقق عائدات تبلغ 11 مليار دولار في السنة، مشيرا إلى أن «هناك شركات عربية بدأت تنتح لهذه المنصات، في ظل تراجع الإنتاج الدرامي والإعلامي في القنوات التقليدية»، ويقول: «للأسف فإن الإنترنت وسيط لم تنتبه له المؤسسات الصحافية».
ونظراً لطبيعة الإعلام العربي الذي يدخل المال السياسي فيه كجزء مهم من اللعبة فقد لا نشهد توقفاً للإعلام التقليدي، حيث سيستمر حتى وإن كان بلا جمهور لأن الساسة ما زالوا يؤمنون بأهميته ويسعون للتحكم فيه، وهو ما يعبر عنه الصحافي التونسي توفيق حبيب الذي يتوقع أن يشهد عام 2019 في تونس وهو عام الانتخابات، «محاولات لكسب وسائل الإعلام التقليدية واستمالتها وتمويلها لأغراض انتخابية».


مقالات ذات صلة

الأختان أنطون لـ«الشرق الأوسط»: للإذاعة جاذبية تُبقيك أسيرها

يوميات الشرق ريتا بيا وغريسيا أول شقيقتَيْن تتقاسمان تقديم برنامج ترفيهي (صور الأختين)

الأختان أنطون لـ«الشرق الأوسط»: للإذاعة جاذبية تُبقيك أسيرها

مشاهدو قناة «إم تي في» المحلّية يعرفون الأختين من كثب، كونهما تعملان مراسلتَيْن ومقدّمتَي نشرات أخبار فيها...

فيفيان حداد (بيروت)
إعلام تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية دون تسجيل إصابات

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 26 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مظهر مذيعة شبكة «فوكس نيوز» مباشرةً بعد سؤاله عن أحوال المدنيين في إيران التي مزقتها الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
TT

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)

تعكف آسيا اليوم، على إعادة كتابة قواعد التلفزيون بهدوء. وفي خضم هذا التغيير، يتلاشى تدريجياً النمط القديم المتمثل في «تشغيل جهاز التلفزيون في تمام التاسعة مساءً لمتابعة الأخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصول الأخبار. وبدلاً عن ضبط التلفزيون في وقت محدد، أصبح المشاهدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت.

ومع انطلاقنا عبر عام 2026، باتت آسيا الساحة الرئيسة لعالم «ما بعد التلفزيون». وبفضل التحوّل المتواصل إلى منصات البث عبر الإنترنت (OTT) والطلب المتزايد على المعلومات «في أي وقت»، لم تعد آسيا مجرد مشارِكة في التحول العالمي نحو الاستهلاك عبر الهاتف المحمول، بل أصبحت تقوده.

إعادة هيكلة جذرية

في الواقع، إننا نعاين اليوم تحولاً هائلاً، وتشير التوقعات الصناعية الحديثة إلى أن انتشار منصات البث عبر الإنترنت في آسيا، سيصل إلى 62.5 في المائة بحلول عام 2029. في الوقت ذاته، نشهد في الوقت الراهن انتقال مئات الملايين من المشاهدين من أنظمة «الكايبل» والأقمار الاصطناعية التقليدية إلى البث عبر الإنترنت.

وكذلك، لا تقل التداعيات الاقتصادية المترتبة على هذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الذي تشير تقديرات إلى تراجع عائدات قنوات التلفزيون التقليدي في المنطقة بنحو 8 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، تشهد عائدات الفيديو عبر الإنترنت ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ من المتوقع أن ترتفع من 70 مليار دولار عام 2025 إلى 89 مليار دولار بحلول نهاية العقد. ويكشف ذلك عن أن هذا ليس مجرد تغيير في الميول والتفضيلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة لاقتصاد الإعلام. وحقاً، أصبح من النادر اليوم، أن تكون الشاشة التي يتابعها المشاهدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله المرء باستمرار بيده. ومع أن محطات البث لا تزال حريصة على عرض نشرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات والموجزات ومنصات التواصل الاجتماعي.

البث عبر الإنترنت ونهاية الجداول الثابتة

من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر الإنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هذه التطبيقات ساحات الأخبار الجديدة. ومع انحسار اعتماد المشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض المشاهدون عن التنقل بين القنوات، بالتصفح بين التطبيقات.

داخل الأسواق الناضجة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُضاف خدمات البث عبر الإنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث المباشر تجربة الفيديو المنظمة الأولى لملايين المشاهدين. ومن جانبها، تستجيب شركات الاتصالات وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خلال إعادة تسمية تطبيقاتهم لتصبح «مجمّعات OTT فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني المباشر والرياضة والأخبار في تطبيقات واحدة. ومع انتقال جميع قنوات المحتوى إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في التلاشي.

التوجّه الرقمي أولاً

قادة قطاع الإعلام في جميع أنحاء القارة، يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف أو الزوال. في هذا الإطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لشركة «ديش تي في الهند»، إن التلفزيون لن يبقى محورياً، إلا إذا اندمج تماماً مع منصات البث عبر الإنترنت والتطبيقات. وبالمثل، أعرب راسموس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والباحث الخبير، عن اعتقاده بأن الاعتماد على المنصات للاطلاع على الأخبار، يُقوّض بشكل جذري النماذج التقليدية المتمركزة حول التلفزيون.

وفي الوقت نفسه، تتردد أصداء هذا الرأي داخل الصين. وكمثال، ذكرت «جمعية الصحافيين لعموم الصين»، في تقريرها السنوي، أن قطاع الإعلام في طور التحول من نموذج البث التقليدي، إلى نموذج المنّصات، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع.

وهكذا، أصبح لدى شركات عملاقة في مجال الإعلام، مثل «تنسنت فيديو» و«يوكو»، دور محوري في كيفية استهلاك الأجيال الشابة للأفلام الوثائقية والأخبار. وبات المشاهدون الصينيون يعتمدون على البث المباشر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلين برامج التلفزيون الحكومية.

بل، واللافت أنه حتى في اليابان، حيث لطالما كانت ظلت سوقها الإعلامية محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على الأخبار عبر الإنترنت يومياً، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف المطبوعة. مثلاً، في صحيفة «أساهي شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من 70 في المائة من القراء إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلى نقطة تحول حاسمة في اعتماد استهلاك المحتوى عبر الهواتف المحمولة.

أمام المقر الرئيس لشركة تنسنت الصينية العملاقة (رويترز)

تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية

في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل الاستوديوهات على صعيد عملية الإنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة واحدة مدتها 30 دقيقة. بل بدلاً من ذلك، يُصمِّم المحرّرون المحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للأرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف المحمولة للاستهلاك السريع، فيديو عمودي لوسائل التواصل الاجتماعي، تنبيه نصي قصير لتطبيقات المراسلة، مثل «واتساب».

بالتالي، نحن نشهد راهناً ليس التخلي عن الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما نشهد ثورةً شاملة في الإيرادات تُغير وجه اقتصاديات الإعلام في جميع أنحاء آسيا. ومن المتوقع أن تنمو سوق خدمات الفيديو حسب الطلب (SVoD) من قرابة أربعة مليارات دولار أميركي إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2029. ومن المتوقع كذلك أن ترتفع سوق خدمات الفيديو حسب الطلب المدعومة بالإعلانات (AVoD)، من 9 مليارات دولار إلى 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مع تحول المعلنين والمستهلكين على حدٍ سواء من التلفزيون التقليدي، إلى منصات تعتمد على الخوارزميات وتُركز على الهواتف المحمولة.

فيما مضى، كانت الهيمنة من نصيب قنوات البث من خلال بيع فترات بث ثابتة. أما اليوم، فتُقدم الأخبار والبرامج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومةً بانتشار الهواتف الذكية بنسبة 90 في المائة تقريباً في معظم أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وزيادة بنسبة 15 في المائة في وقت مشاهدة الفيديو عبر الهواتف المحمولة منذ عام 2023. ومن المنظور الاقتصادي، بالذات، يُعيد هذا التحول توجيه قيمة الإعلانات والاشتراكات من فترات البث التلفزيوني المجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حول المنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير والمشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه.

داخل سوق الإعلام الهندية المزدحمة، أصبحت شركة «ريلاينس جيو» نموذجاً لهذا التحول؛ فقد أدى اندماج «ريلاينس جيو» و«هوتستار» عام 2025، إلى ظهور عملاق في مجال البث المباشر يضم قرابة 300 مليون مشترك، ويحقق ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، من بث مباريات الكريكيت في الدوري الهندي الممتاز، والمسلسلات الدرامية الإقليمية، وخدمات الترفيه حسب الطلب. ويأتي ذلك في ظل توقّعات تشير إلى وصول الإيرادات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، نجد التحوّل داخل الصين أشد سطوعاً؛ حيث حوّلت شركات التكنولوجيا العملاقة في بكين منصات البث عبر الإنترنت، إلى منظومة إخبارية وترفيهية تُقدّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، تجذب منصات مثل «تنسنت فيديو» وحدها قرابة 137 مليون مستخدم يومياً، يشاهدون المسلسلات القصيرة والبث المباشر ومقاطع الأخبار، ضمن بيئة تخضع لرقابة صارمة، لكنها تُراعي المحتوى المحلي. وتُضيف iQIYI أربعة مليارات دولار سنوياً من عائدات الاشتراكات والإعلانات، بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّم «تحديثات فورية» تصل في الغالب إلى الجمهور قبل البث التلفزيوني التقليدي.

وبحلول عام 2029، يتوقع أن تستحوذ الصين على قرابة 39 في المائة من إيرادات خدمات البث عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مدعومةً بالمحتوى القصير، والأخبار المُعتمدة على الخوارزميات، والتوسع في تجارة البث المباشر التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار أميركي، مع تحقيق الربح من كل مقطع فيديو جذاب عبر الإعلانات، أو الاشتراكات، أو عمليات الشراء المباشرة عبر الإنترنت.

في المقابل، يصاحب التحوّل في اليابان ضجيج أقل، لكنّه لا يقلّ أهمية. إذ تشير التوقعات إلى اتساع حجم سوق البثّ عبر الإنترنت في البلاد، من نحو 5 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2029، أي بنموّ سنويّ مركّب يبلغ قرابة 6.5 في المائة، في ظل تقديم منصّات مثل «أبيما تي في» نماذج هجينة تجمع بين البثّ المجانيّ والبثّ المباشر، والتي تحقق عائدات بنحو مليار دولار أميركيّ من الإعلانات عبر نشرات الأخبار السريعة، المصمّمة خصيصاً للهواتف المحمولة.

كما تُقدّم خدمة «دي تي في»، من «إن تي تي دوكومو»، باقةً من القنوات المميّزة وخدمات البثّ حسب الطلب ضمن نظام دفع واحد؛ ما يجذب قرابة 10 ملايين مشترك، ويُدمج تنبيهات فورية تُمكّن المستخدمين من متابعة الأخبار العاجلة فور حدوثها.

بالتالي، نجد في شتى أرجاء آسيا أن الأمر لم يعد مجرّد قصة تتعلّق بالتكنولوجيا أو الراحة؛ وإنما تتمحور القصة حول الإيرادات والبيانات والتحكم في دورة الأخبار اليومية، في وقت يُمثّل الهاتف الذكي محور نظام إعلامي وتجاري جديد.

وبالتزامن مع ذلك، غدت بيانات الهاتف المحمول في آسيا رخيصة للغاية؛ ففي الهند وجنوب شرق آسيا، تُقدّم شركات الاتصالات باقات بيانات متعددة الغيغابايت مقابل بضعة دولارات فقط؛ ما يجعل تشغيل تطبيقات متعددة أكثر اقتصادية، مقارنة بتكلفة صيانة جهاز استقبال الكايبل التقليدي.

المستقبل: عالم في حالة اتصال دائم

مع هذا، رغم كل ما سبق، من غير المرجح أن تختفي ساعة الأخبار المُجدولة بين عشية وضحاها؛ بل سيظل التلفزيون التقليدي عنصراً أساسياً بالنسبة لكبار السن وسكان المناطق الريفية. ولكن بمرور الوقت، سيصبح «وقت الأخبار» أقل ارتباطاً بالساعة وأكثر ارتباطاً بالهاتف المحمول. وبدلاً من التساؤل «ماذا ستعرض قناة الأخبار الساعة التاسعة؟»، سيفكر الناس «ماذا شاهدتُ بالفعل على هاتفي اليوم؟».

وأخيراً، فإن ريادة آسيا في هذا التحول ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج التركيبة السكانية الشابة، والتوسع السريع لشبكات الجيل الخامس، والطلب المتزايد على المحتوى المحلي المُخصّص. لم تختفِ «ساعة الأخبار»، بل امتدت لتشمل كل ساعة من ساعات اليوم. ولم يعُد التحكم حكراً على عدد قليل من المحطات، بل أصبح منتشراً عبر مليارات الشاشات والتطبيقات والمستخدمين. الآن، تُروى قصة آسيا في الوقت الفعلي، عبر تحديثات فورية.


تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.