ليبيا تطلق سراح أربعة عسكريين أميركيين بعد حادث أمني

مصادر نفت وجود أبعاد سياسية وراء السطو على «الخطوط التركية» في طرابلس

اثنان من الأميركيين الذين جرى توقيفهم في ليبيا
اثنان من الأميركيين الذين جرى توقيفهم في ليبيا
TT

ليبيا تطلق سراح أربعة عسكريين أميركيين بعد حادث أمني

اثنان من الأميركيين الذين جرى توقيفهم في ليبيا
اثنان من الأميركيين الذين جرى توقيفهم في ليبيا

كشفت مصادر أمنية ليبية لـ«الشرق الأوسط» النقاب عن أن توقيف السلطات الليبية لأربعة عسكريين أميركيين لفترة وجيزة لم تتجاوز الساعتين قبل إطلاق سراحهم، جرى بسبب تبادلهم إطلاق النار مع إحدى البوابات الأمنية في العاصمة الليبية طرابلس.
وروت المصادر، التي طلبت عدم تعريفها، تفاصيل الواقعة، مشيرة إلى أن «الأميركيين الأربعة كانوا يستقلون سيارتين قبل أن يجري توقيف السيارة الأولى (مصفحة) في منطقة العجيلات غرب طرابلس وطلب أوراقهم الثبوتية».
وأضافت: «فجأة بادرت السيارة الثانية بإطلاق النار فرد عليها حرس البوابة فهربت وجرى القبض على الأميركيين وجرى إحراق سيارتهما، وسلما صباح أمس إلى وزارة الداخلية الليبية في طرابلس تمهيدا لتسليمهم للسفارة الأميركية».
وقالت المصادر إن الأربعة يعملون كموظفين بمكتب الأمن الإقليمي بالسفارة الأميركية في طرابلس ولديهم تأشيرات سارية وتصاريح أمنية وموافقات رسمية بحمل سلاح وبطاقات خاصة.
وعقب توقيف العسكريين الأربعة حلقت طائرة من دون طيار يرجح أنها أميركية فوق سماء طرابلس وفقا لما أكده سكان محليون في المدينة، في ما بدا أنه محاولة أميركية لتعقب المعتقلين وتحديد مكان اعتقالهم. وكانت الناطقة باسم الخارجية الأميركية جين بساكي قد أعلنت في بيان مقتضب أن «العسكريين الأربعة الذين احتجزوا لدى الحكومة الليبية أفرج عنهم». وأضافت بساكي أن الأربعة «كانوا يعملون في منطقة صبراتة (الشهيرة بآثارها الرومانية، على بعد 65 كيلومترا غرب العاصمة الليبية) في إطار جهود الاستعدادات الأميركية عندما جرى توقيفهم».
وقال مسؤول بوزارة الدفاع الأميركية إن الأربعة كانوا يدرسون على ما يبدو طرقا محتملة لإجلاء العاملين بالسفارة الأميركية في طرابلس. وقالت بساكي «نثمن علاقاتنا مع ليبيا الجديدة»، مؤكدة أنه «لدينا شراكة استراتيجية ترتكز على المصالح المشتركة وعلى دعمنا القوي لعملية الانتقال الديمقراطي التاريخية لليبيا». وكانت وزارة الخارجية الأميركية أعلنت أن واشنطن على تواصل مع السلطات في طرابلس للتوصل إلى إطلاق سراحهم.
واكتسب الحادث أهمية أكبر بسبب الهجوم الذي وقع في 11 سبتمبر (أيلول) عام 2012 في بنغازي وأسفر عن مقتل السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين، حيث أثار الهجوم عاصفة سياسية في واشنطن مع اتهام الجمهوريين إدارة الرئيس باراك أوباما بتغيير رواياتها عمن يقف وراء الهجوم.
واختطفت قوات أميركية خاصة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، نزيه الرقيعي الشهير بأبو أنس الليبي من قلب طرابلس بسبب مزاعم أميركية حول تورطه في تفجير سفارتي الولايات المتحدة لدى كينيا وموزامبيق عام 1988.
ونقل أبو أنس الليبي إلى نيويورك حيث دفع ببراءته من التهم الموجهة إليه، علما أن اعتقاله أربك الحكومة الليبية التي أدانت «خطفه» وأكدت أنها لم تبلغ مسبقا بعملية أسره. واستهدف أكثر من هجوم أميركيين في ليبيا منذ 2011 بعد الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي من قبل مجموعات محلية بدعم من حلف شمال الأطلسي (الناتو) والولايات المتحدة. وأعلنت الولايات المتحدة الشهر الماضي أنها تقدم مكافآت قدرها 10 ملايين دولار لمن يساعد في رصد الناشطين الذين يقفون وراء هذا الهجوم.
وفي نهاية الشهر الماضي، قتل مجهولون مدرسا أميركيا بالرصاص في هجوم في بنغازي، جرى نسبته إلى إسلاميين متطرفين، لكن لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادث الذي يأتي بينما تبذل السلطات الليبية جهودا شاقة لضم مجموعات المسلحين الذين ساهموا في إسقاط القذافي إلى الجيش النظامي. وقالت وزارة الدفاع الأميركية أخيرا، إن الجيش الأميركي مستعد لتدريب ما بين خمسة آلاف وثمانية آلاف عسكري ليبي في قاعدة في بلغاريا، بالتزامن مع إعلان الأميرال ويليام ماكرافن رئيس القيادة الأميركية للعمليات الخاصة أن هناك خططا لتدريب وحدة لمكافحة الإرهاب.
إلى ذلك، نفت مصادر ليبية لـ«الشرق الأوسط» وجود أي أبعاد أو خلفية سياسية لحادث مقتل مواطن تركي متأثرا بجراح أصيب بها خلال محاولة سطو مسلح نفذها مجهولون على مكتب للخطوط الجوية التركية بالعاصمة الليبية طرابلس مساء أول من أمس.
وأوضحت المصادر أن الحادث جنائي والمشتبه بهم شخصان من عمال المكتب يحملان جنسية إحدى الدول العربية، مشيرة إلى تعميم أسماء الجناة في المنافذ الحدودية لاعتقالهما وضمان عدم هروبهما خارج البلاد. وكانت تقارير تركية قد نقلت عن مصدر، أن موظفا تركيا يعمل بمكتب الخطوط الجوية التركية في برج طرابلس وسط العاصمة (شمال) قتل، وأصيب موظف آخر بجروح خطيرة، إثر محاولة مجهولين يحملون أسلحة بيضاء سرقة أموال من المكتب. واستبعد المصدر تعليق الرحلات الجوية للخطوط الجوية التركية لدى ليبيا، عادا أن الحادث عرضي.
ويقع برج طرابلس الذي شهد الحادث وسط المدينة، ويضم العديد من مكاتب السفارات الأجنبية وخطوط الطيران العالمية.
وكان شهود عيان قالوا في وقت سابق إن قتيلين تركيين سقطا جراء هجوم مسلح من مجهولين على مكتب الخطوط الجوية التركية بطرابلس بهدف السطو، بينما أكد المصدر الدبلوماسي أن موظفا واحدا توفي متأثرا بجراحه، بينما لا يزال الآخر يتلقى العلاج، وحالته حرجة.
إلى ذلك، قالت وكالة الأنباء الليبية الرسمية إن مئات المواطنين الليبيين تظاهروا مساء أول من أمس في كل من بنغازي والبيضاء وشحات وطرابلس للتنديد بقرار المؤتمر الوطني العام (البرلمان) القبول مبدئيا بمقترح تمديد عمله حتى يوم 24 من شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2014.
ورفع هؤلاء المتظاهرون الشعارات التي تندد بالقرار، كما حملوا المؤتمر الوطني والحكومة مسؤولية الوضع الأمني والسياسي في مختلف المدن الليبية.
ولفتت الوكالة إلى أن المتظاهرين عبروا عن استيائهم من الإخفاقات الكبيرة للمؤتمر الوطني والتي خيبت آمال الليبيين في تطلعاتهم لقيام دولة حرة ومستقرة بعد ثورة السابع عشر من فبراير (شباط). وطالبوا بعدم التمديد للمؤتمر وبتسليم السلطة التشريعية مؤقتا إلى المحكمة الدستورية أو المجلس الأعلى للقضاء إلى حين كتابة الدستور وإجراء الانتخابات العامة للبرلمان والحكومة.
من جهة أخرى، قالت مصادر أمنية بمدينة أجدابيا أمس (السبت) إن 38 سجينا فروا أمس من سجن الشرطة القضائية بالمدينة، مشيرة إلى أن الجهات الأمنية تمكنت من إلقاء القبض على أربعة سجناء منهم وإرجاعهم إلى السجن، بينما لا يزال بقية السجناء الآخرين فارين ولم يجر اعتقالهم. وكان نفس السجن قد شهد منتصف شهر سبتمبر الماضي عملية فرار مماثلة لعشرات السجناء، علما أن الهروب الجماعي للسجناء بات ظاهرة في معظم السجون الليبية التي تعاني سوء التنظيم والإدارة.
في غضون ذلك، قال رئيس الحكومة الانتقالية علي زيدان الذي ترأس أمس اجتماعا موسعا في مدينة ترهونة حضره عدد من أعضاء المؤتمر الوطني عن المدينة ورئيس وأعضاء مجلسها المحلي، إن زيارته للمدينة جاءت بهدف الوقوف على الاحتياجات التي تفتقر إليها المدينة وضواحيها والاطلاع عن كثب على المشاكل والمختنقات التي تعرقل تنفيذ بعض المشاريع التنموية. ووجه زيدان الشكر والتقدير لأهالي مدينة ترهونة وحكمائها وثوارها للاستقرار الأمني الذي تشهده، لافتا إلى أن هذا هو ما سيمكن من تنفيذ أي مشاريع في المستقبل بما يعود بالفائدة على سكانها وعلى أبناء الوطن كافة، على حد قوله في تصريحات للصحافيين.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.