ليبيا تطلق سراح أربعة عسكريين أميركيين بعد حادث أمني

مصادر نفت وجود أبعاد سياسية وراء السطو على «الخطوط التركية» في طرابلس

اثنان من الأميركيين الذين جرى توقيفهم في ليبيا
اثنان من الأميركيين الذين جرى توقيفهم في ليبيا
TT

ليبيا تطلق سراح أربعة عسكريين أميركيين بعد حادث أمني

اثنان من الأميركيين الذين جرى توقيفهم في ليبيا
اثنان من الأميركيين الذين جرى توقيفهم في ليبيا

كشفت مصادر أمنية ليبية لـ«الشرق الأوسط» النقاب عن أن توقيف السلطات الليبية لأربعة عسكريين أميركيين لفترة وجيزة لم تتجاوز الساعتين قبل إطلاق سراحهم، جرى بسبب تبادلهم إطلاق النار مع إحدى البوابات الأمنية في العاصمة الليبية طرابلس.
وروت المصادر، التي طلبت عدم تعريفها، تفاصيل الواقعة، مشيرة إلى أن «الأميركيين الأربعة كانوا يستقلون سيارتين قبل أن يجري توقيف السيارة الأولى (مصفحة) في منطقة العجيلات غرب طرابلس وطلب أوراقهم الثبوتية».
وأضافت: «فجأة بادرت السيارة الثانية بإطلاق النار فرد عليها حرس البوابة فهربت وجرى القبض على الأميركيين وجرى إحراق سيارتهما، وسلما صباح أمس إلى وزارة الداخلية الليبية في طرابلس تمهيدا لتسليمهم للسفارة الأميركية».
وقالت المصادر إن الأربعة يعملون كموظفين بمكتب الأمن الإقليمي بالسفارة الأميركية في طرابلس ولديهم تأشيرات سارية وتصاريح أمنية وموافقات رسمية بحمل سلاح وبطاقات خاصة.
وعقب توقيف العسكريين الأربعة حلقت طائرة من دون طيار يرجح أنها أميركية فوق سماء طرابلس وفقا لما أكده سكان محليون في المدينة، في ما بدا أنه محاولة أميركية لتعقب المعتقلين وتحديد مكان اعتقالهم. وكانت الناطقة باسم الخارجية الأميركية جين بساكي قد أعلنت في بيان مقتضب أن «العسكريين الأربعة الذين احتجزوا لدى الحكومة الليبية أفرج عنهم». وأضافت بساكي أن الأربعة «كانوا يعملون في منطقة صبراتة (الشهيرة بآثارها الرومانية، على بعد 65 كيلومترا غرب العاصمة الليبية) في إطار جهود الاستعدادات الأميركية عندما جرى توقيفهم».
وقال مسؤول بوزارة الدفاع الأميركية إن الأربعة كانوا يدرسون على ما يبدو طرقا محتملة لإجلاء العاملين بالسفارة الأميركية في طرابلس. وقالت بساكي «نثمن علاقاتنا مع ليبيا الجديدة»، مؤكدة أنه «لدينا شراكة استراتيجية ترتكز على المصالح المشتركة وعلى دعمنا القوي لعملية الانتقال الديمقراطي التاريخية لليبيا». وكانت وزارة الخارجية الأميركية أعلنت أن واشنطن على تواصل مع السلطات في طرابلس للتوصل إلى إطلاق سراحهم.
واكتسب الحادث أهمية أكبر بسبب الهجوم الذي وقع في 11 سبتمبر (أيلول) عام 2012 في بنغازي وأسفر عن مقتل السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين، حيث أثار الهجوم عاصفة سياسية في واشنطن مع اتهام الجمهوريين إدارة الرئيس باراك أوباما بتغيير رواياتها عمن يقف وراء الهجوم.
واختطفت قوات أميركية خاصة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، نزيه الرقيعي الشهير بأبو أنس الليبي من قلب طرابلس بسبب مزاعم أميركية حول تورطه في تفجير سفارتي الولايات المتحدة لدى كينيا وموزامبيق عام 1988.
ونقل أبو أنس الليبي إلى نيويورك حيث دفع ببراءته من التهم الموجهة إليه، علما أن اعتقاله أربك الحكومة الليبية التي أدانت «خطفه» وأكدت أنها لم تبلغ مسبقا بعملية أسره. واستهدف أكثر من هجوم أميركيين في ليبيا منذ 2011 بعد الإطاحة بنظام العقيد الراحل معمر القذافي من قبل مجموعات محلية بدعم من حلف شمال الأطلسي (الناتو) والولايات المتحدة. وأعلنت الولايات المتحدة الشهر الماضي أنها تقدم مكافآت قدرها 10 ملايين دولار لمن يساعد في رصد الناشطين الذين يقفون وراء هذا الهجوم.
وفي نهاية الشهر الماضي، قتل مجهولون مدرسا أميركيا بالرصاص في هجوم في بنغازي، جرى نسبته إلى إسلاميين متطرفين، لكن لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادث الذي يأتي بينما تبذل السلطات الليبية جهودا شاقة لضم مجموعات المسلحين الذين ساهموا في إسقاط القذافي إلى الجيش النظامي. وقالت وزارة الدفاع الأميركية أخيرا، إن الجيش الأميركي مستعد لتدريب ما بين خمسة آلاف وثمانية آلاف عسكري ليبي في قاعدة في بلغاريا، بالتزامن مع إعلان الأميرال ويليام ماكرافن رئيس القيادة الأميركية للعمليات الخاصة أن هناك خططا لتدريب وحدة لمكافحة الإرهاب.
إلى ذلك، نفت مصادر ليبية لـ«الشرق الأوسط» وجود أي أبعاد أو خلفية سياسية لحادث مقتل مواطن تركي متأثرا بجراح أصيب بها خلال محاولة سطو مسلح نفذها مجهولون على مكتب للخطوط الجوية التركية بالعاصمة الليبية طرابلس مساء أول من أمس.
وأوضحت المصادر أن الحادث جنائي والمشتبه بهم شخصان من عمال المكتب يحملان جنسية إحدى الدول العربية، مشيرة إلى تعميم أسماء الجناة في المنافذ الحدودية لاعتقالهما وضمان عدم هروبهما خارج البلاد. وكانت تقارير تركية قد نقلت عن مصدر، أن موظفا تركيا يعمل بمكتب الخطوط الجوية التركية في برج طرابلس وسط العاصمة (شمال) قتل، وأصيب موظف آخر بجروح خطيرة، إثر محاولة مجهولين يحملون أسلحة بيضاء سرقة أموال من المكتب. واستبعد المصدر تعليق الرحلات الجوية للخطوط الجوية التركية لدى ليبيا، عادا أن الحادث عرضي.
ويقع برج طرابلس الذي شهد الحادث وسط المدينة، ويضم العديد من مكاتب السفارات الأجنبية وخطوط الطيران العالمية.
وكان شهود عيان قالوا في وقت سابق إن قتيلين تركيين سقطا جراء هجوم مسلح من مجهولين على مكتب الخطوط الجوية التركية بطرابلس بهدف السطو، بينما أكد المصدر الدبلوماسي أن موظفا واحدا توفي متأثرا بجراحه، بينما لا يزال الآخر يتلقى العلاج، وحالته حرجة.
إلى ذلك، قالت وكالة الأنباء الليبية الرسمية إن مئات المواطنين الليبيين تظاهروا مساء أول من أمس في كل من بنغازي والبيضاء وشحات وطرابلس للتنديد بقرار المؤتمر الوطني العام (البرلمان) القبول مبدئيا بمقترح تمديد عمله حتى يوم 24 من شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2014.
ورفع هؤلاء المتظاهرون الشعارات التي تندد بالقرار، كما حملوا المؤتمر الوطني والحكومة مسؤولية الوضع الأمني والسياسي في مختلف المدن الليبية.
ولفتت الوكالة إلى أن المتظاهرين عبروا عن استيائهم من الإخفاقات الكبيرة للمؤتمر الوطني والتي خيبت آمال الليبيين في تطلعاتهم لقيام دولة حرة ومستقرة بعد ثورة السابع عشر من فبراير (شباط). وطالبوا بعدم التمديد للمؤتمر وبتسليم السلطة التشريعية مؤقتا إلى المحكمة الدستورية أو المجلس الأعلى للقضاء إلى حين كتابة الدستور وإجراء الانتخابات العامة للبرلمان والحكومة.
من جهة أخرى، قالت مصادر أمنية بمدينة أجدابيا أمس (السبت) إن 38 سجينا فروا أمس من سجن الشرطة القضائية بالمدينة، مشيرة إلى أن الجهات الأمنية تمكنت من إلقاء القبض على أربعة سجناء منهم وإرجاعهم إلى السجن، بينما لا يزال بقية السجناء الآخرين فارين ولم يجر اعتقالهم. وكان نفس السجن قد شهد منتصف شهر سبتمبر الماضي عملية فرار مماثلة لعشرات السجناء، علما أن الهروب الجماعي للسجناء بات ظاهرة في معظم السجون الليبية التي تعاني سوء التنظيم والإدارة.
في غضون ذلك، قال رئيس الحكومة الانتقالية علي زيدان الذي ترأس أمس اجتماعا موسعا في مدينة ترهونة حضره عدد من أعضاء المؤتمر الوطني عن المدينة ورئيس وأعضاء مجلسها المحلي، إن زيارته للمدينة جاءت بهدف الوقوف على الاحتياجات التي تفتقر إليها المدينة وضواحيها والاطلاع عن كثب على المشاكل والمختنقات التي تعرقل تنفيذ بعض المشاريع التنموية. ووجه زيدان الشكر والتقدير لأهالي مدينة ترهونة وحكمائها وثوارها للاستقرار الأمني الذي تشهده، لافتا إلى أن هذا هو ما سيمكن من تنفيذ أي مشاريع في المستقبل بما يعود بالفائدة على سكانها وعلى أبناء الوطن كافة، على حد قوله في تصريحات للصحافيين.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.