العالم في 2019: الانسحاب الأميركي يخلط الأوراق... ويجدد الصراع على «سوريا الجديدة»

خمسة ملفات عسكرية وسياسية واقتصادية في 2019

قوات أميركية ترافق عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} قرب الحدود السورية - التركية (رويترز)
قوات أميركية ترافق عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} قرب الحدود السورية - التركية (رويترز)
TT

العالم في 2019: الانسحاب الأميركي يخلط الأوراق... ويجدد الصراع على «سوريا الجديدة»

قوات أميركية ترافق عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} قرب الحدود السورية - التركية (رويترز)
قوات أميركية ترافق عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} قرب الحدود السورية - التركية (رويترز)

نهاية 2018، رسمت العناوين الرئيسية لملامح خمسة تطورات منتظرة في العام المقبل، هي: ملء الفراغ بعد الانسحاب الأميركي، وانعكاسات ذلك على مستقبل التفاهم الروسي - التركي حول إدلب، وآفاق العملية السياسية، وملفا الإعمار و«التطبيع» العربي أو الغربي مع دمشق، ومصير «التموضع الإيراني» في سوريا.
الانسحاب الأميركي
فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خصومه وحلفاءه بقرار الانسحاب من سوريا. القرار اتخذ بعد اتصال هاتفي مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي تنقل في العام المنصرم بين خانة الحليف والخصم في قاموس الرئيس ترمب. إردوغان الذي سعـى كثيراً لحشد موقف أميركي لوقف دعم «وحدات حماية الشعب» الكردية، فاجأته سرعة ترمب. «انسحاب كامل وسريع»، وعلى تركيا استكمال المهمة في القضاء على ما تبقى من «داعش». هذا ما أبلغه سيد البيت الأبيض إلى السلطان في 14 ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن قال له مغرداً على «تويتر» إن سوريا «كلها لك»، أي لإردوغان.
ذهب صدى مفاجأة ترمب. واستعجل كل طرف البحث فيما بعد ذلك. العنوان الرئيسي للتحركات كان الوصول إلى ترتيبات أمنية وعسكرية ما بعد الانسحاب. أميركا ستترك ثلث مساحة سوريا، أي شرق نهر الفرات، وقاعدة التنف، ومدينة منبج. هذه المناطق فيها: 70 ألف مقاتل عربي وكردي، وفيها بقايا «داعش»، وخلايا نائمة، وبنية إدارية واقتصادية وحزبية بقيادة «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي»، وفيها بنية عشائرية عربية، ومربعان أمنيان في الحسكة والقامشلي، وزاوية الحدود السورية - العراقية - التركية، والزاوية السورية - العراقية، الأردنية، وفيها 90 في المائة من النفط السوري الذي كان إنتاجه يبلغ 360 ألف برميل قبل 2011، وفيها نصف الغاز السوري، ومعظم القطن والحبوب، والسدود السورية الثلاثة الكبرى. فيها أيضاً تمر الطريق البرية بين إيران والعراق وسوريا ولبنان. هذه الطريق حيوية لمصالح إيران ونفوذها وميليشياتها. باختصار: فيها «سوريا المفيدة اقتصادياً واستراتيجياً» التي تعيش عليها «سوريا المفيدة عسكرياً وسكانياً».
هذه «الثروة» مصدر صراع وسباق وتنافس بين اللاعبين السوريين والإقليميين والدوليين. إيران لم تتوقف عن الحشد جنوب نهر الفرات. ودمشق لم تتوقف عن الطموح للعودة إلى الماضي. تركيا لم تتوقف عن الطموح لبناء منطقة نفوذ.
لا شك في أن مصير هذه المنطقة سيكون حيوياً في عام 2019، وسيحكم قسماً كبيراً من أشهر العام. مصالح تركيا: القضاء على أي كيان كردي، وملاحقة «حزب العمال الكردستاني»، وإقامة شريط أمني بعمق 20 - 30 كيلومتراً. مصالح دمشق في الإبقاء على سيادة سوريا ومصادر الاقتصاد. مصالح روسيا في الوصول إلى ترتيبات لا تزعج تركيا وتربط دمشق وأنقرة. مصالح أميركا في القضاء على «داعش» وتقليص نفوذ إيران. مصالح إيران في منع استخدام هذه المنطقة ضدها؛ لكن الإبقاء على النفوذ.
مصير إدلب

لا يمكن بحث مصير شمال شرقي سوريا عن شمالها الغربي: إدلب. هذه المنطقة شمال الريف الغربي لحلب، الريف الشرقي للاذقية، الريف الشمالي لحماة. أحد العناوين الرئيسية لعام 2018، كان مصير إدلب. إذ إنه بعد سيطرة الحكومة على جنوب سوريا وجنوبها الغربي وغوطة دمشق ربيع العام المنصرم، بدأت تحشد على ريف إدلب؛ لكن تهديدات أميركية وغربية، والتصعيد الدولي والإنساني، دفعت إلى ترتيب الأرضية لعقد صفقة روسية - تركية خاصة بإدلب.
يجب عدم تقليل انعكاس المساعي التركية - الروسية لتطوير العلاقات الثنائية (محطة نووية، وتبادل تجاري، وخط غاز، وصواريخ «إس 400»...) على وصول الطرفين إلى اتفاق سوتشي في سبتمبر (أيلول) الماضي حول إدلب. أي وقف الهجوم العسكري السوري، وإقامة منطقة عازلة بين المعارضة والحكومة، وتحييد الإرهابيين وإخراجهم منها، إضافة إلى تعزيز تركيا لنقاط المراقبة الـ12 التابعة لها. بذلك، ضمت إدلب إلى منطقتي النفوذ التابعتين لأنقرة: «درع الفرات» بين الباب وجرابلس، و«غصن الزيتون» في عفرين. تشكل هذه المناطق نحو 10 في المائة من مساحة سوريا.
الخطة الروسية، كانت تمر بثلاث مراحل: السيطرة على جنوب إدلب، أي خان شيخون ومعرة النعمان وغرب إدلب، أي جسر الشغور. المرحلة الثانية، هي السيطرة على الطريقين الرئيسيتين بين اللاذقية وحلب، وبين دمشق وحلب. المرحلة الثالثة، شمال طريق اللاذقية - حلب.
التفاهم الروسي - التركي لم يقضِ على الخطة؛ بل أدى إلى البحث عن تنفيذها ببطء، ومن دون عمل عسكري واسع. كما أن الهدف من التفاهم روسياً كان إبقاء تركيا في الإطار الروسي والابتعاد عن أميركا. لكن اتصال ترمب – إردوغان، والتفاهم على تزامن الخروج الأميركي مع الدخول التركي، سينعكسان على مصير إدلب، وعلى الحرارة بين موسكو وأنقرة. هذا أحد العناوين السورية في عام 2019.

آفاق الحل السياسي
عُرف عام 2018 بأنه عام مسار سوتشي - آستانة. بدأ في يناير (كانون الثاني) باستضافة سوتشي مؤتمر الحوار الوطني السوري. صدر منه بيان تضمن تشكيل لجنة دستورية برعاية دولية. أي بات الإصلاح الدستوري بمنصة سوتشي – آستانة، مدخلاً لتطبيق القرار الدولي 2254. تطلب الأمر سنة كاملة للوصول إلى قائمة للجنة الدستورية، قائمة لم تنطبق عليها معايير بيان سوتشي ذاته.
أيضاً، في العام المنصرم عاد الأميركيون إلى العملية السياسية. مع تسلم السفير جيمس جيفري الملف السوري، وجون بولتون منصب مستشار الأمني القومي منتصف العام.
عاد الأميركيون إلى المسار السوري: الوجود الأميركي شرق الفرات كان يرمي إلى هزيمة «داعش» وتقليص نفوذ إيران، ومساعدة وزير الخارجية مايك بومبيو للوصول إلى حل سياسي بموجب القرار 2254. الأميركيون قرروا المغادرة قبل الوصول إلى حل سياسي. بالتالي، فقدوا نفوذاً للضغط نحو التسوية.
التغيير الآخر، يتعلق بمغادرة المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا منصبه. اعترف في آخر إيجاز له بأنه «فشل» في تشكيل اللجنة الدستورية. سيتسلم السفير النرويجي غير بيدرسون منصب المبعوث الدولي الجديد. حاول الروس والأتراك والإيرانيون خلال لقائهم الأخير في جنيف قبل أسبوعين، الإبقاء على روح ومسار الإصلاح الدستوري؛ لكن لا شك في أن بيدرسون سيبحث عن مداخل جديدة للحل السياسي، وتنفيذ القرار 2254.
لا يمكن توقع أي حراك للمبعوث الجديد قبل ثلاثة أشهر من تسلمه المنصب. ولا يمكن توقع تحركه قبل معركة آفاق الميدان العسكري شمال شرقي سوريا وشمالها الغربي، ومدى انسحاب أميركا عسكرياً ودبلوماسياً من سوريا.

الإعمار والتطبيع
الدول الغربية وعدد من الدول العربية كانت تربط المساهمة في إعمار سوريا بالوصول إلى «انتقال سياسي» أو «حل سياسي ذي صدقية» في سوريا. وهناك من يربط ذلك بخروج إيران وميليشياتها. كلفة الإعمار تقدر بـ300 - 400 مليار دولار أميركي. هذا يشمل أيضاً الـ60 في المائة من مناطق نفوذ الحكومة وروسيا وإيران. يتحجج البعض أن ملف الإعمار قد يكون أساسياً في إضعاف إيران. يمكن الوصول بالسلام والإعمار إلى ما كان يرمي إليه الصراع على النفوذ. وبات يطرح حالياً موضوع عودة الحكومة السورية إلى الجامعة العربية.
لا شك أن القمة الاقتصادية العربية في بيروت، في نهاية يناير المقبل، ستشهد طرح الموضوع، وإجراء مشاورات لاتخاذ قرار في شأن تجميد عضوية دمشق قبل سبع سنوات. إلى الآن، ليس هناك إجماع بين الدول العربية على عودة دمشق؛ لكن لا بد من ملاحظة أن الشهر الأخير في العام المنصرم، شهد زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق، وزيارة رئيس مجلس الأمن الوطني علي مملوك إلى القاهرة.
مصير نفوذ إيران
في سبتمبر الماضي، سقطت طائرة روسية بنيران الدفاع الجوي السوري، الذي حاول ضرب طائرة إسرائيلية كانت بحماية أميركية ترمي ضرب مصالح إيران في سوريا. حادثة صغيرة، انخرطت فيها خمس دول: أكبر دولتين في العالم، ودولتان إقليميتان، وسوريا.
العام الماضي، شهد حرباً خفية بين إسرائيل وإيران في سوريا. شهد أيضاً شن إسرائيل أكبر غارات على مواقع إيرانية. أيضاً شهد لعب روسيا دور الوسيط لإبعاد إيران وميليشياتها وقواعدها عن الجولان والأردن. شهد أيضاً عودة القوات الدولية لفك الاشتباك (أندوف) إلى الجولان، ونشر روسيا منظومة صواريخ «إس 300» لتضاف إلى منظومتين أخريين: «إس 400»، و«إس 300».
إبعاد إيران 100 كيلومتر عن الجنوب، كان قسماً من المطالب - التفاهمات. و«إخراجها من سوريا» كان أحد أهداف الوجود الأميركي. لذلك، فإن العام المقبل سيشهد كثيراً من الأخذ والعطاء عن نفوذ إيران العسكري والاقتصادي والميليشياوي. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال بعد قرار ترمب الانسحاب، إنه سيواصل ضرب مصالح إيران. إيران تسعى إلى التمدد شرق الفرات. روسيا تسعى إلى الاستحواذ على القرار السوري، بما في ذلك من إيران. طهران المحاصرة بعقوبات وتهديدات أميركا، تعاند موسكو، وتستخدم سوريا مسرحاً للتفاهم والتقاتل.
لا شك في أن الانسحاب الأميركي خلط الأوراق، وأطلق سباقاً بين اللاعبين الخارجيين والمحليين في 2019، لملء الفراغ وتحقيق مكاسب استراتيجية تقوي الموقف التفاوضي، عند البحث عن ترتيبات، والجلوس إلى طاولة صوغ سوريا الجديدة.



مجلس القيادة الرئاسي يؤكد المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» ويُجري تعديلاً وزارياً

صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
TT

مجلس القيادة الرئاسي يؤكد المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» ويُجري تعديلاً وزارياً

صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

​في وقت تحرز فيه القوات المسلحة اليمنية تقدماً في مختلف الجبهات، وكان آخرها جبهة الجوف، يكثِّف مجلس القيادة الرئاسي والحكومة تحركاتهما السياسية والإدارية دعماً لعملية «فجر اليمن»، عبر تعيين محافظَين للجوف والبيضاء، وإجراء تعديل وزاري محدود.

ويرى خبير عسكري أن هذه القرارات تتجاوز تغيير شاغلي المناصب؛ إذ تهيئ لقيادة محلية قادرة على مساندة المعركة، وحشد التأييد الشعبي في محافظتين مهمتين باتجاه صنعاء.

صورة أرشيفية لاجتماع مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

وجدد مجلس القيادة الرئاسي المضي قدماً في عملية «فجر اليمن» حتى تحقق كافة أهدافها بإنهاء الانقلاب واستعادة المؤسسات وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، حسبما نقلت وكالة الأنباء الرسمية (سبأ).

وفي هذا السياق، صدر قرار بتعيين اللواء حسين العجي العواضي محافظاً للبيضاء، بينما عُيِّن اللواء أمين علي العكيمي محافظاً للجوف وقائداً لمحورها العسكري.

وفي موازاة التغييرات المحلية، أجرى مجلس القيادة الرئاسي تعديلاً وزارياً محدوداً، شمل تعيين سالم ثابت العولقي وزيراً للإعلام، والقاضي أكرم نصيب العامري وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، وأحمد صالح العولقي وزيراً للإدارة المحلية.

وقال العميد ياسر صالح، الخبير العسكري والاستراتيجي، لـ«الشرق الأوسط»، إن التعيينين يمثلان «ضرورة عسكرية في المقام الأول، وقَبَلية في المقام الثاني»، بالنظر إلى أهمية المحافظتين في مسار العمليات باتجاه العاصمة صنعاء.

قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري خلال زيارة سابقة لمحور تعز العسكري (القوات المسلحة)

وأضاف أن العكيمي والعواضي يحظيان -حسب تقديره- باحترام واسع وثقل قبلي في محافظتيهما، معتبراً أن اختيار القيادتين يعكس قراءة لمزاج السكان، بما قد يساعد على تعزيز الحاضنة الشعبية للعملية العسكرية.

وقال إن هذه الحاضنة «ركيزة أساسية من ركائز صناعة القرار العسكري الذي يراعي السكان»، وإن استيعابها قد يسهل حشد الدعم للعملية.

وأشار صالح إلى الأهمية الاستراتيجية لمحافظة البيضاء، وما وصفه بوجود حاضنة سكانية رافضة للمشروع الحوثي، معتبراً أن توقيت تعيين محافظ لها يعزز الاستعداد للمرحلة المقبلة.

وتبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العقد الجغرافية في الصراع، ونقطة قد يكون لتحرك خطوط القتال فيها تأثير يتجاوز حدودها إلى 8 محافظات يمنية.

وأشارت دراسة استراتيجية أعدَّها «مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات» إلى أن أهمية البيضاء لا تنبع من ثقل اقتصادي ولا سكاني استثنائي، وإنما من موقعها الذي يجعلها «عقدة وصل عملياتية واجتماعية» بين مناطق شمال اليمن وشرقه وجنوبه.

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للبحوث)

ورأى العميد صالح أن أثر هذه القرارات سيظهر في قدرتها على دعم القوات على الأرض، وتهيئة الظروف لإطلاق عملية أوسع في البيضاء، إلى جانب مساندة المعارك الدائرة في الجوف.

وجدد مجلس القيادة الرئاسي دعوته سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى عدم الزج بأبنائهم في القتال، ورفض التعاون مع الأنشطة العسكرية والأمنية للجماعة، وعدم الاستجابة لحملات التحشيد، مؤكداً أن «باب العودة الآمنة مفتوح» لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال، وفق الإجراءات المعلنة.


الحوثيون يستنزفون الشرطة والسجون لتعويض خسائرهم

عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)
عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)
TT

الحوثيون يستنزفون الشرطة والسجون لتعويض خسائرهم

عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)
عناصر تتبع وحدات الضبط المروري الحوثية في صنعاء (فيسبوك)

وسّعت الجماعة الحوثية نطاق حملات التجنيد لتعويض خسائرها البشرية المتزايدة في جبهات القتال، مستهدفة هذه المرة منتسبي الأجهزة الأمنية والسجناء والمحتجزين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات أخرى، في مؤشر على اتساع أزمة المقاتلين داخل صفوفها وتعثر محاولاتها استقطاب عناصر جديدة من المجتمع.

وفي أحدث هذه التحركات، دفعت الجماعة بمئات الضباط والأفراد من منتسبي شرطة المرور وأمن الطرق في صنعاء ومحافظتي ذمار وإب إلى جبهات القتال في تعز ولحج والساحل الغربي، بعد سحبهم من مواقع عملهم وتجميعهم في العاصمة وتوزيع الأسلحة عليهم، تمهيداً لنقلهم على دفعات إلى خطوط المواجهة.

وفي مسار موازٍ، حاولت الجماعة استقطاب مئات السجناء والمحتجزين في الإصلاحية المركزية بصنعاء، عبر مقايضة الإفراج عنهم بالالتحاق بصفوفها والقتال في جبهات تعز والجوف والساحل الغربي، لكنها لم تحصل، وفق مصادر محلية وحقوقية، إلا على موافقة نحو 42 سجيناً من إجمالي المستهدفين، وسط رفض الغالبية العظمى للعروض والضغوط المصاحبة لها.

جبهات تعز تواصل استنزاف الجماعة الحوثية وتطارد تعزيزاتهم (إكس)

وأفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن قيادات أمنية حوثية أشرفت على عمليات استقطاب في أوساط منتسبي الإدارة العامة للمرور في صنعاء ومكاتبها بمحافظتي ذمار وإب، يتقدمها القيادي بكيل البراشي، الذي ينتحل صفة مدير عام شرطة المرور، ونجيب الأسدي، المعين مديراً عاماً للمرور في العاصمة المختطفة.

محاولة سد النقص

وفي ظل هذا الاستقطاب، قالت المصادر المطلعة في صنعاء إن الجماعة الحوثية سحبت مئات العناصر من مواقع عملهم في الشوارع والطرقات، قبل تجميعهم في أحد ميادين صنعاء وتوزيع الأسلحة عليهم، تمهيداً لنقلهم إلى جبهات تعز ولحج والساحل الغربي، في محاولة لسد النقص المتزايد في صفوف مقاتليها جراء الخسائر البشرية المتلاحقة.

ولا تقتصر هذه التحركات على شرطة المرور وأمن الطرق، إذ سبق للجماعة أن دفعت، خلال الأسابيع الماضية، بدفعات من عناصر ما تُسمى «وحدات الضبط المروري»، وهي فصيل أمني مستحدث يديره القيادي عبد الكريم الحوثي، المعين وزيراً للداخلية في الحكومة غير المعترف بها، إلى جبهات الضالع ومأرب وتعز والجوف والساحل الغربي.

عناصر من وحدات الضبط المروري دفع بهم الحوثيون إلى جبهات الساحل الغربي (إكس)

وحسب المصادر، كانت الجماعة قد سخّرت هذه الوحدات في قمع المواطنين وترهيبهم وابتزاز سائقي المركبات والمارة، قبل أن تنقل منتسبيها من الشوارع إلى مواقع المواجهة، في خطوة تعكس اتساع دائرة الاستنزاف، لتشمل قطاعات أمنية كانت تؤدي أدواراً مرتبطة بإحكام قبضتها على المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وتتزامن هذه التطورات مع استمرار الخسائر البشرية التي تتكبّدها الجماعة في جبهات القتال، خصوصاً في محافظتي تعز ولحج، حيث قال مصدر مقرب من دائرة حكم الحوثيين في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات تواجه استنزافاً بشرياً غير مسبوق في مختلف الجبهات، وإن حجم خسائرها خلال الأشهر الأخيرة تجاوز قدرتها على تعويض المقاتلين، رغم حملات التجنيد والتحشيد المستمرة.

قادة حوثيون يزورون أحد السجون الخاضعة لهم في صعدة (إعلام حوثي)

وأضافت المصادر أن الجماعة بدأت الترتيب لإلحاق الموافقين بدورات عسكرية مكثفة وسريعة، تمهيداً لنقلهم على دفعات إلى جبهات تعز والجوف والساحل الغربي، من دون مراعاة لأوضاعهم أو مدى أهليتهم للمشاركة في القتال.

وفي محاولة لتوسيع دائرة الاستجابة، مارست عناصر حوثية ضغوطاً على الرافضين، شملت التهديد بالعقوبات وسوء المعاملة والحرمان من الزيارات، إلى جانب استغلال الأوضاع المعيشية لأسرهم عبر تقديم مساعدات مالية محدودة مقابل قبولهم الالتحاق بالجبهات، وفقاً لحقوقيين في صنعاء.

تجنيد قسري

وعدّ حقوقيون هذه الممارسات شكلاً من أشكال التجنيد القسري، مؤكدين أن استخدام الاحتجاز والحرمان من الحقوق الأساسية وسيلة لإجبار السجناء على القتال يمثّل انتهاكاً خطيراً للقواعد القانونية والإنسانية.

وقال سجين سابق في الإصلاحية المركزية بصنعاء إن المحتجزين لا يواجهون عروضاً حقيقية للإفراج عنهم، بقدر ما يتعرضون لعملية ابتزاز سبق أن طالت سجناء آخرين خلال الأشهر الماضية.

سجناء أفرج عنهم الحوثيون حديثاً في صنعاء مقابل الالتحاق بصفوفهم (فيسبوك)

وأضاف أن «الميليشيات الحوثية تريد منهم الذهاب إلى الجبهات مقابل الإفراج عنهم، ومن يرفض يواجه مزيداً من التضييق والعقوبات»، مشيراً إلى أن المحتجزين على ذمة قضايا مختلفة لا يريدون أن تتحول ملفاتهم القضائية إلى وسيلة لإجبارهم على القتال.

من جهته، أعرب أحد أقارب محتجز في السجن ذاته عن مخاوفه من أن يتحول الإفراج عن السجناء إلى بوابة للزج بهم في المعارك بدلاً من إعادتهم إلى أسرهم، وقال إن العائلات باتت تخشى خروج أبنائها من السجن إلى الجبهات بدلاً من العودة إلى منازلهم.

واعتبر ناشط حقوقي من صنعاء أن ما يجري يمثّل شكلاً خطيراً من التجنيد القسري، موضحاً أن «هذه ليست موافقات طوعية، بل قرارات تُنتزع تحت الإكراه والضغط النفسي والإنساني»، وأن مقايضة الحرية بالقتال تحوّل السجون إلى أدوات لتوفير المقاتلين وتحرم المحتجزين من أبسط حقوقهم القانونية والإنسانية.


مراهنة حوثية على شبكات قديمة للتجنيد في ريف تعز

سكان مديريات تعز الريفية يحاولون إبعاد أطفالهم عن حملات التعبئة والتجنيد الحوثية (الشرق الأوسط)
سكان مديريات تعز الريفية يحاولون إبعاد أطفالهم عن حملات التعبئة والتجنيد الحوثية (الشرق الأوسط)
TT

مراهنة حوثية على شبكات قديمة للتجنيد في ريف تعز

سكان مديريات تعز الريفية يحاولون إبعاد أطفالهم عن حملات التعبئة والتجنيد الحوثية (الشرق الأوسط)
سكان مديريات تعز الريفية يحاولون إبعاد أطفالهم عن حملات التعبئة والتجنيد الحوثية (الشرق الأوسط)

تواجه الجماعة الحوثية مأزقاً بشرياً متفاقماً في جبهات جنوب غربي اليمن، دفعها إلى تصعيد عمليات التجنيد القسري واستقطاب المقاتلين من أهالي مديريات جنوب محافظة تعز ومنطقة الحجرية، محاولةً استثمار مخطط سابق جنّدت من خلاله عديداً من أبناء هذه المناطق قبل سيطرتها عليها بأعوام.

وأدت المعارك العنيفة التي تشهدها محافظة لحج، إلى تدفق هائل للقتلى والجرحى الحوثيين إلى المستشفيات المحلية، وسط تعتيم إعلامي صارم في مديرية الشمايتين المجاورة.

وذكرت مصادر ميدانية في المنطقة لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية دشنت حملات استقطاب وتجنيد مكثفة تستهدف الشباب والأهالي في مديريات المواسط والشمايتين وجبل حبشي في محافظة تعز، محاولةً استغلال الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتردية للأهالي أداةً للمساومة، والضغط على الوجهاء المحليين للدفع بأبناء مناطقهم إلى خطوط القتال لتعويض النقص الحاد في مخزونها البشري.

ورغم أن هذا التحرك يُواجَه برفض مجتمعي واسع من السكان الذين يرفضون الدفع بأبنائهم في معارك الجماعة، فإن المصادر أفادت بتمكنها من استقطاب العشرات، ونقلهم إلى معسكرات التدريب تمهيداً للدفع بهم إلى مختلف الجبهات.

جبهة المقاطرة تسببت بنزيف كبير للحوثيين مع امتلاء مستشفيات التربة بالجثث والمصابين (إكس)

وتشير المعلومات إلى أن عمليات التجنيد لا تزال محدودة ومحصورة في أوساط اجتماعية موالية للجماعة التي تسعى لتوسيعها لتشمل جميع السكان الذي يرفضون الاستجابة لمحاولاتها الحثيثة تطبيع العلاقات معهم، ومن ذلك مساعيها لاستئناف العملية التعليمية.

وتوضح المصادر أن الجماعة مهّدت لهذه الممارسات منذ ما قبل وصولها إلى هذه المناطق بفترة طويلة، وذلك من خلال خلايا نشطت هناك لإقناع العشرات من الشباب بالانتقال إلى مناطق سيطرة الجماعة والانضمام إلى معسكرات التدريب وجبهات القتال مقابل عديد من الإغراءات.

ومن تلك الإغراءات، حسب مصادر «الشرق الأوسط»، الحصول على مبالغ مالية لمساعدتهم على الزواج وترتيب أوضاعهم العائلية، إلى جانب الرواتب والمكافآت.

ومما ساعد على اقتناع هؤلاء الشباب بالانضمام إلى الجماعة في الفترة السابقة، الهدوء الذي تشهده الجبهات بسبب الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة من 4 أعوام، مما ساعد على طمأنتهم بقلة المخاطر على حياتهم وسلامتهم.

استراتيجية التجنيد

وحسب المصادر، فإن المشرفين الحوثيين وقادة الخلايا المسؤولين عن الاستقطاب والتجنيد من مناطق سيطرة الحكومة، عملوا على إقناع من جرى استقطابهم بأن انضمامهم إلى الجماعة لن يكلفهم سوى الانتقال إلى مناطق سيطرة الجماعة والالتزام بالتدريبات القتالية والبقاء في جبهات القتال، مقابل حصولهم على الرواتب ومساعدتهم على الزواج.

بسيطرتهم على ريف محافظة تعز يحاصر الحوثيون المدينة ويتسببون بأزمات خانقة فيها (رويترز)

وتبين المصادر أن الجماعة حرصت على عدم الزج بمن استطاعت تجنيدهم في المعارك التي خاضتها للسيطرة على مناطقهم، حرصاً على ولائهم، ولاستخدامهم في إقناع أقرانهم بالانضمام إليها لاحقاً.

ويرى مراقبون أن أحد أسباب إقدام الجماعة الحوثية على توسيع سيطرتها إلى مديريات جنوب محافظة تعز، هو الكثافة السكانية لهذه المناطق، مما يتيح لها تحويلها إلى خزان بشري جديد لرفد الجبهات بالمقاتلين.

وتسبب فشل الحوثيين في اقتحام مدينة تعز والسيطرة على جبل صبر، المحاذي لها، بتغيير في خطط الجماعة الميدانية وإعادة توزيع مقاتليها ونشرهم في الجبهات.

خسائر الجماعة الحوثية في جبل صبر دفعتها لاستبدال المقاتلين بعد إنهاكهم نفسياً وبدنياً (إعلام عسكري)

وسجلت التقارير الأخيرة لجوء الجماعة إلى سحب مجموعات من مقاتليها القدامى من جبهات تعز (مثل جبهتي الشقب والأقروض في جبل صبر) في تعز، بعد إصابتهم بإنهاك بدني ونفسي شديدين نتيجة البقاء الطويل في خطوط التماس، مما ضاعف حاجتها لتجنيد بدلاء من أبناء المناطق الجنوبية للمحافظة لتعويض هذا النزيف.

استمرار النزيف البشري

وانعكست آثار التجنيد المتسارع والدفع بالمقاتلين غير المدربين سريعاً على أرض الميدان؛ حيث تشهد مناطق سائلة سوق الربوع وأسفل عقبة هيجة العبد بمديرية المقاطرة شمالي محافظة لحج، والمجاورة لمديرية الشمايتين، معارك محتدمة منذ أيام أوقعت خسائر بشرية كبيرة في صفوف الجماعة.

وأكدت مصادر طبية ومحلية أن مستشفى خليفة العام في مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين استقبل عشرات القتلى والجرحى من عناصر وقيادات الميليشيا الحوثية، والذين سقطوا جراء الضربات المركزة للقوات الحكومية والمقاومة المحلية.

وفرضت الجماعة طوقاً أمنياً مشدداً وتكتماً إعلامياً صارماً حول المستشفى، ومنعت طواقم التصوير أو تسريب أي إحصائيات دقيقة تكشف عن حجم الخسائر البشرية الفادحة التي تلقتها، والتي شملت قيادات ميدانية بارزة.

قيادات حوثية قدِمت من صنعاء إلى مدينة التربة لتقرير مصير العملية التعليمية (إعلام حوثي)

وتكشف هذه التطورات عن أن استراتيجية التجنيد الحوثية الجديدة في مناطق الحجرية لا تستهدف فقط السيطرة الميدانية، بل محاولة خلق سياج بشري محلي مستدام لحماية خطوط إمدادها، وهو ما يهدد بتفجير الوضع الاجتماعي في تلك المناطق جراء الرفض الشعبي المتصاعد لسياسة الحشد والإقحام القسري في الصراع.

ويرفض الأهالي في مختلف مديريات تعز، التي سيطرت عليها الجماعة أخيراً، السماح لأطفالهم بالعودة إلى المدارس خوفاً من أنشطة التعبئة والتجنيد الحوثية.

وعلقت السلطات التعليمية الحكومية في المحافظة العملية التعليمية بعدة قرارات منذ بدء التصعيد الحوثي، محذرةً مديري المدارس والمكاتب التعليمية من الاستجابة للجماعة والسماح لها باستخدام المدارس لتجنيد الأطفال.