وزير الداخلية المغربي: بلدنا في مواجهة دائمة مع الإرهاب وما كنا نخشاه وقع

قال إن مرتكبي جريمة إمليل «ذئاب منفردة»

وقفة تضامنية أمام سفارتي الدنمارك والنرويج في الرباط تضامناً مع الضحيتين وتعبيراً عن رفض المغاربة المطلق للإرهاب (أ.ف.ب)
وقفة تضامنية أمام سفارتي الدنمارك والنرويج في الرباط تضامناً مع الضحيتين وتعبيراً عن رفض المغاربة المطلق للإرهاب (أ.ف.ب)
TT

وزير الداخلية المغربي: بلدنا في مواجهة دائمة مع الإرهاب وما كنا نخشاه وقع

وقفة تضامنية أمام سفارتي الدنمارك والنرويج في الرباط تضامناً مع الضحيتين وتعبيراً عن رفض المغاربة المطلق للإرهاب (أ.ف.ب)
وقفة تضامنية أمام سفارتي الدنمارك والنرويج في الرباط تضامناً مع الضحيتين وتعبيراً عن رفض المغاربة المطلق للإرهاب (أ.ف.ب)

قال عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية المغربي، إن الجريمة الإرهابية التي شهدتها منطقة إمليل بداية الأسبوع الماضي، أثبتت جدية وصوابية بلاده أنها في مواجهة دائمة مع التهديدات الإرهابية، مؤكداً أن ما كان يقلق المغرب «وقع بالفعل بوسائل بدائية بسيطة ومن مصادر غير متوقعة». وأضاف لفتيت في الجلسة الأسبوعية لمجلس النواب (الغرفة الأولى في البرلمان)، أمس (الاثنين)، أن الحادثة «برهنت مرة أخرى على أن الإرهاب لا وطن له، وقد يضرب في أي لحظة وحين».
وأفاد لفتيت بأن تبني العناصر الإرهابية لهذه الأساليب الجديدة عكْس القضايا السابقة التي عرفتها بلادنا «جاء نتيجة لنجاح السلطات الأمنية في تضييق الخناق على المجموعات الإرهابية، مما حد من قدراتها الإجرامية ودفعها إلى البحث عن وسائل أخرى لتنفيذ أهدافها الخبيثة».
ومضى موضحاً أمام نواب البرلمان أن لجوء المتطرفين إلى أسلوب «الذئاب المنفردة يكتسي خطورة بالغة تنبع من كون العناصر الإرهابية تتحرك في الظل وتتصرف وفق طبيعة المعطيات المحلية الخاصة بكل دولة وتتسلح بعامل يشكل أسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو عنصر المباغتة والمفاجأة»، مبرزاً أن هذا الوضع يجعل الإرهاب «أكثر فعالية أحياناً من التنظيمات ذات الوسائل اللوجيستية والبشرية الكبيرة».
وشدد لفتيت على أن الحديث «لا يستقيم بأي شكل من الأشكال عن كون درجة المخاطر منعدمة مهما بلغ مستوى وعي الدولة والمجتمع بطبيعة الأخطار المحدقة بهما»، مجدداً التعبير عن إدانة بلاده بجميع شرائحها واستنكارها للفعل «الهمجي الوحشي الذي لا ينسجم وتقاليد المغاربة وبالأخص سكان المناطق التي وقعت فيها الجريمة».
واعتبر لفتيت أن الجريمة تؤكد أن التحديات الإرهابية بالبلاد خطر دائم ومستمر ما دام هناك «خطاب متطرف يَلقى له صدى ويتقاطع مع ما يتبناه بعض المتطرفين المحليين، وجماعة إرهابية تعمل جاهدة بشتى الوسائل على المس بأمننا الداخلي».
وزاد مبيناً أنه مهما بلغت درجة فعالية المقاربة المعتمدة من طرف الدولة لمحاربة الإرهاب فإنها تظل «دائماً معرضة للتشويش الدائم من إصرار البعض على تبني مقاربة انتهازية يجسدها سلوك بعض التيارات داخل الوطن وخارجه والتي تحرص على ترويج خطابات عدمية تزرع الإحباط وتنشر ثقافة التيئيس».
وشدد لفتيت على أن أول خطوة للقضاء على الإرهاب هي «وقاية مجتمعنا من المخاطر الناجمة عن استغلال الدين لتحقيق أغراض دنيئة بعيدة عن قيمه السمحة التي تعد أحد الروافد الأساسية للمثل الإنسانية السامية».
ودعا وزير الداخلية المغربي الأفراد والجماعات إلى «وجوب التحلي بخطاب واضح والالتزام بالثبات في المواقف بعيداً عن المتاجرة في القيم الأخلاقية، فلا وجود لمنزلة وسطى في حب الوطن. فحب الوطن لا يمكن اعتباره تنميقاً بلاغياً نلجأ إليه في المناسبات، والانتماء هو تجسيد للانتماء الحقيقي إلى بلد كامل لشعب بماضيه وحاضره ومستقبله وآفاقه».
ولم يقف وزير الداخلية عند هذا الحد، في إشارة إلى الجماعات الإسلامية والدعوية بالبلاد، دون أن يسميها، مؤكداً أن «غموض الخطاب المعتمد من طرف جهات معينة والتباسه حسب المصالح والمواقف، والسعي الدائم لبخس مجهودات الدولة يؤدي حتماً إلى فقدان الثقة بما يجمعنا وبنموذجنا المغربي المتميز المتشبع بفضائل الوسطية والاعتدال ونبذ التطرف والظلامية»، وأضاف أن هذا الخطاب «يدفع البعض إلى البحث عن ولاءات بديلة تقوم على الانغلاق والتعصب كمنهج، والعنف كممارسة».
وحذّر وزير الداخلية من صعوبة الوضع، حيث قال إن الالتحاق بـ«محور الشر والكراهية أصبح معبّداً أكثر من أي وقت مضى بسبب مواقع التواصل الاجتماعي وشبكات الإنترنت كبدائل عن الاستقطاب المباشر في تجنيد الشباب ونشر الأفكار المتطرفة».
وشدد لفتيت على حاجة بلاده الملحة إلى «خطاب معتدل متوازن يزرع الأمل والتفاؤل في المجتمع خصوصاً فئة الشباب، ونشر قيم المواطنة وبناء شخصية المواطن الفاعل والواعي بدوره داخل المجتمع والنهج القويم»، لإزالة «كل أسباب الكراهية واليأس التي تتحول من خلال العنف والإرهاب إلى الكراهية والحقد والإضرار بالغير».
وكشف وزير الداخلية أن المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (مخابرات داخلية)، تمكن من توقيف جميع المتورطين في الحادث والبالغ عددهم 17 و«وضع حداً نهائياً للمشروع الإرهابي الذي كان المشبه بهم بصدد التخطيط لتنفيذه»، ونوه وزير الداخلية بجهود مختلف وسائل الأمن وتفاعلها مع الجريمة وما يقومون به من أجل الحفاظ على أمن المواطنين، في مواجهة التحديات.
وأوضح لفتيت أن الخلاصات الأولية من الجريمة «تبين أن الأمر لا يتعلق بتنظيم إرهابي كبير بل فقط بأفراد متشبعين بالفكر المتطرف قرروا ارتكاب هذه الجريمة فيما بينهم بوسائل بسيطة مستوحاة من الممارسات البشعة للتنظيمات الإرهابية»، مبرزاً أن المستوى التعليمي والثقافي البسيط لعب دوراً أساسياً في استقطاب هؤلاء الشباب نحو الإرهاب والتطرف.
وأبرز المسؤول الحكومي أن محاربة الإرهاب «ليست مسؤولية مقتصرة على مؤسسات الدولة فقط، بل هي مسؤولية مشتركة تدعونا جميعاً إلى تكثيف الجهود من أجل مواكبة التحديات التي تواجهها البلاد»، وحث لفتيت الساكنة المحلية على لعب «دور أساسي في محاربة هذه الظاهرة من خلال تكثيف التعاون مع السلطات المكلفة الأمن العام والتبليغ عن جميع الحالات المريبة والمثيرة للشك»، كما عبّر عن إشادته بدور المواطنين في إفشال العديد من المخططات الإرهابية، حسب تعبيره.
ودعا ممثلو الأمة وزارتي التعليم والأوقاف والشؤون الإسلامية إلى بذل المزيد من الجهود لحماية الشباب من براثن التطرف والإرهاب، ومنع غسل أدمغة الشباب كما طالبوا بمحاربة الهشاشة والفقر الذي اعتبروه من الأسباب التي تؤدي إلى التفكير في التطرف والمخدرات.
من جهته، قال العميد أبو بكر سبيك، الناطق الرسمي باسم المديرية العامة للأمن الوطني، إن هؤلاء الأربعة يمكن إدراجهم في إطار الإرهاب الفردي الذي أصبح قادة التنظيمات الإرهابية ينظرون إليه من خلال مجموعة من الفتاوى التي تبيح القيام بالعمليات الإرهابية دون ترخيص من القيادات، وجواز عدم اقتسام الغنائم المتحصلة من عملياتها مع المنظمات الإرهابية الأم.
ووصف سبيك المشتبه فيهم الأربعة بأنهم «ذئاب متفردة».
وأشار سبيك، الذي كان يتحدث في برنامج بثته القناة الثانية المغربية، الليلة قبل الماضية، إلى أن أبرز التحديات التي يواجهها الأمن في الآونة الأخيرة أصبحت تتمثل في مخاطر عودة المقاتلين من سوريا، بالإضافة إلى تنامي المحتوى الإرهابي على شبكات التواصل الاجتماعي، والرهان على العمليات المباشرة التي تؤدي إلى التجنيد السريع وتفريخ خلايا صغيرة من الذئاب المنفردة يمكنها القيام بعمليات من دون الرجوع إلى القيادات.
وقال سبيك: «هناك تحول في جغرافية الإرهاب وتحول في الأساليب المعتمدة»، مشيراً إلى أن المديرية العامة للأمن الوطني بالمغرب كانت سباقة إلى التحذير من هذا التحول، والذي جاء نتيجة تشديد الخناق على تنظيم داعش في معاقله التقليدية نتيجة الحرب عليه، وتقلص هامش الإمداد والاستقطاب لديه، الشيء الذي دفعه إلى البحث عن ملاذات أخرى.
وذكر سبيك أن تنظيم داعش يحاول التفرع عبر إرساء أقطاب إقليمية، كما هو الشأن في ليبيا أو في الساحل، حيث تسعى «إمارة الصحراء الكبرى» التي تضم نحو 360 مقاتلاً إلى نسج تحالفات مع القبائل وخلايا القاعدة.
وأضاف: «أصبحنا أمام تحدي مواجهة واستباق خطر غير متوقع، والمتمثل في شخص يمكن أن يخضع للاستقطاب السريع، ويمكن أن يرتكب عملية إرهابية بالإمكانيات والوسائل المتاحة، كما حدث في إمليل».
وبخصوص الخطر الذي يمثله المقاتلون العائدون من سوريا بالنسبة إلى المغرب، أشار سبيك إلى أن عدد هؤلاء يقدر بنحو 1669 مقاتلاً، تمكنت السلطات المغربية حتى الآن من توقيف 242 عائداً من بينهم. وأضاف أن المغرب عزز مراقبته للحدود، مشيراً إلى أن هؤلاء يأتون أحياناً عن طريق الجو باستعمال جوازات سفر مزورة، لكنهم أيضاً يحاولون التسلل عبر الحدود البرية الطويلة والتي تصعب مراقبتها. وأضاف أن السلطات الأمنية المغربية عممت قاعدة بيانات تضم صور وبصمات كل المقاتلين المغاربة بالخارج على المنافذ البرية والجوية للمغرب، وعددها 50 منفذاً. كما اعتمدت نظاماً معلوماتياً لتدبير شرطة الحدود والذي يتضمن القراءة الرقمية لوثائق السفر.
أما بخصوص المعتقلين السابقين في المغرب المحكومين في ملفات إرهابية، فأشار سبيك إلى أن عدد الذين قضوا عقوبتهم الحبسية من بين هؤلاء يصل إلى 2900 شخص. وقال: «عدد منهم خضعوا لعملية المصالحة وتراجعوا عن الأفكار المتطرفة، وهم الآن يساعدون في محاربة هذه الأفكار. بينما هناك آخرون لا نعرف شيئاً عن نياتهم، وبالتالي نعتبر أن منسوب الخطر لديهم مرتفع، لذلك هناك متابعة وعمل استعلاماتي دائم لتفادي أي مفاجأة».
وأكد سبيك أن المشاركين الفعليين في عملية إمليل هم أربعة عناصر، مشيراً إلى أن المرحلة الثانية من التحقيق، والتي أدت إلى توقيف أشخاص آخرين، كانت في إطار بحث شمل ارتباطاتهم المفترضة والأشخاص الذين تقاسموا معهم جلسات الاستقطاب والتشبع بالفكر الإرهابي. كما أوضح أن الشخصين المعتقلين في بلدة شتوكة إيت بها (قرب أغادير) وفي ميدلت (وسط البلاد)، جرى توقيفهم بسبب الإشادة بالعملية الإرهابية. وأضاف: «هناك إجماع في المغرب على إدانة هذه العملية والتنديد بها، لكن للأسف هناك استثناءات أشادت بالعملية أو وصفت الضحايا بنعوت شنيعة في شبكات التواصل الاجتماعية، هؤلاء تقوم المديرية العامة للأمن الوطني بتعقبهم وتحديد هوياتهم».
وحول السهولة التي جرى بها اعتقال المشتبه به الأول في جريمة إمليل، أوضح سبيك أن دراسة مسرح الجريمة والتحريات الأولية لدى أصحاب سيارات الأجرة والسكان القريبين من موقع الحادث، بالإضافة إلى صور التقطتها كاميرات مأوى سياحي قريب، مكّنت رجال الأمن من تحديد هوية المشتبه الأول، والذي قاد التحقيق معه إلى الوصول إلى باقي المشتبه فيهم الثلاثة، واعتقالهم على متن حافلة لنقل المسافرين بالمحطة الطرقية لمدينة مراكش.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».